34 قلوبهُم، وَجِلةً أفئدتهُم، فتَسكُن بمناجاةِ السميعِ العليمِ الرحيم، تَلِذُّ بدعائِه، وتَأنَسُ بِعَرْضِ حاجتِها عليه. وهذا الصنفُ يقعُ منه التقصيرُ في الاستعانةِ جَهلاً بمقامِ الاستعانة، الذي لا يَكمُلُ إيمنُ عبدٍ إلا به، وغفلةً عن الاقتداءِ بالأنبياءِ الذين يحرِصون على الاستعانة بربهم، والالتجاء إليه، ويَعرِضون حوائجَهم على ربهم في كل شؤون حياتهم، لا يُقصرِّون في ذلك، وتأمَّلْ حالَ كليمِ الرحمنِ، عندما قَتَلَ القِبطيَّ، ﱹ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋﰌ ﰍ ﰎ وجاء الرجُلُ مِن أقصى المدينةِ يحذِّرُه، قال الله: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ .)1(ﭚ ﭛ ﱸ ﱹ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ثم لمّا وَرَدَ ماء مدينَ، وسَقَى للفتاتينِ بلا أَجْرٍ: .)2(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﱸ وهذا سيِّدُ ولدِ آدم - ﷺ- عندما التقى الجمعانِ في بدرٍ، رَفَعَ كَفَّيهِ إلى السمءِ يَسألُ ربَّه ويناجيه، ويدعوه دعاءَ المُفتقِرِ إلى الفَرَجِ مِن ربِّه الكريم، ويُناشِدُه قائلاً ، حتى أَشْفَقَ أبو بكرٍ عليه مِن شِدَّة تَضُُّعِهِ )3(الإسلامِ لا تُعبدُ في الأرض .)4(وقال له ______ .22 - 21) القصص1( .24) القصص2( .)1763) رواه مسلم3( ) المصدر السابق4(
عدد الصفحات ٣٤35 لقد كان هؤلاء الأنبياءُ قائمين بعبادةِ ربهِّم على أَكْملِ الوجوه، ولم يمنعْهم ذلك أو يحمِلْهم على أن لا يستعينوا بالله، ويلتجئوا إليه في كشفِ الكُرَب، وقضاءِ الحوائج، لِعِلْمِهم بأنّ ذلك مِن تامِ العبوديةِ، ومما يحبُّه الربُّ مِن عبادِه. وثاني الصنفين: مَن يَستَعِينُ باللهِ في أمورِه، وتحصيلِ حاجتِه ولو كانت محرمة، لكنّه مُقصرٌِّ في العبادة، أو تاركٌ لها بالكُلِّية، وهذا موجودٌ في بعضِ العُصاةِ المنحرفين، وعُتاةِ المجرمين، فتَجِدُهم يدعون الله كثيرًا لقضاءِ حوائجِهم -حلالاً كانت أم حرامًا-، لكنّهم لا يَرعَون أمْرَ اللهِ ولا نهيَه، ولا يُطيعُون اللهَ ولا رسولَه ﷺ في قليلٍ أو كثير. فهؤلاء أصنافٌ أربعةٌ مِن أصنافِ الخَلْقِ في العملِ بِرُكْنَي هذه الآيةِ الكريمة. وبهذا يُعلَم أنّه يَنبغي للعاقلِ أنْ يَتَفَقَّدَ هذين الأمرين العظيمين؛ في أعملِهِ وسائرِ أحوالِه، فإذا عَزَمَ على الصيامِ استعانَ باللهِ على صِدقِ النيةِ وصِحّةِ العمل، والإقبالِ بقلبِه على الله، ثم سَألَ ربَّه القبول، وإذا أرادَ أنْ يُصليَ سَألَ اللهَ الإعانةَ على إقامتِها، والخشوع فيها، وإِخلاص النيةِ وسلامتها من الوساوس والخطرات، وأَكْثَرَ مِن الدعاءِ النبوي .)1(وشُكرِك وحسنِ عبادتِك ______ .)2021)، وابن حبان751)، وصححه ابن خزيمة22119) رواه أحمد1(
عدد الصفحات ٣٥36 ومِن عجائبِ هذه الآية، أنّ العبدَ يَتوسَّلُ بها بين يدي الدعاءِ الأعظمِ ، فيَعْترَِفُ أنّه عبدٌ ذليلٌ مُفتقِرٌ )1(ﱸﭧ ﭨ ﭩ ﱹفي السورةِ: محُتاجٌ طالِبٌ للعون، وهذه مِن أَعظمِ وسائلِ إجابةِ الدعاء، فيُقالُ له ما أَهمُّ شيءٍ تريدُ أنْ يُعينَكَ اللهُ عليه فيقول: اهدِنا الصراط المستقيم. وحَرِيٌّ بمن حمَِدَ اللهَ وأثنى عليه ومجَّدَه، ثم اعترَفَ بِعُبوديتِهِ بربِّهِ أن يجُابَ دعاؤه وتحَُقَّقَ طلباتُه. والحاصلُ أن هذه الآيةَ عظيمةُ القَدْرِ، جليلةُ المكانة، جديرةٌ بالتأمّل والتدبُّر، فيها أضعافُ ما ذكرنا من الوقفات، والتوجيهاتِ والحقائقِ العاليات، رَزَقَنا اللهُ القيام بها، وأداءَ حقِّها، وحُسْنَ التفكُّرِ فيها. اللهم وارزقنا صدقَ التعبُّد لك، والاستعانة بك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .6) الفاتحة1(
عدد الصفحات ٣٦37 عظمة ا لحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: ا فإنّ مِن أعظمِ ما ينبغي للمؤمن أنْ يتأمَّلَ في معانيه، ويَتدبَّرَ في آثارِه: أسمءُ الله الحسنى. ومِن هذه الأسمءِ الحسنى التي تَكَرّرَ ورودُها في كتابِ اللهِ تعالى: اسمُه (العليم) جل جلاله، وتَقدَّستْ أسمؤه، العالمُِ ببواطنِ الأمورِ وظواهرِها، .)1(ﱹ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﱸ دقيقِها وجليلِها: « . )2(ﱹ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﱸ ﱹ ﭼ ﭽ وهو سبحانه يعلمُ جليلَ الأمورِ وحقيرَها، وصغيرَها وكبيرَها: ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ . )3(ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﱸ ______ .75) الأنفال1( .2) سبأ2( .6 - 5) آل عمران3( المجل
عدد الصفحات ٣٧38 ويعلمُ تعالى ظواهرَ الأشياءِ وبواطنَها، غيبَها وشهادتهَا، ما يعلمُ الخلقُ ﱹ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ منها وما لا يعلمون .)1(ﯿ ﰀ ﰁﱸ ويعلمُ تعالى ما تحت الأرضِ السفلى، كم يعلمُ ما فوق السمواتِ العُلى ﱹ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ .)2(ﯔ ﯕ ﱸ ﱹ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ويعلمُ تعالى جزئياتِ الأمورِ، وخبايا الصدور .)3(ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﱸ ﱹ ﭝ ويعلم سبحانه خفايا ما وَقَعَ ويَقعُ في أرجاءِ العالمَ، وأِنحاءِ مُلْكه ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ .)4(ﮂ ﱸ ﱹﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ وهو سبحانه يعلمُ الأقوالَ والأسرار ﱹﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ، )5(ﮡ ﱸ ، أحاطَ علمُه بجميعِ الأشياءِ في كلِّ الأوقات، ولا )6(ﮜ ﮝ ﮞ ﱸ ______ .27،26) الجن1( .70) الحج2( .4) التغابن3( .7) المجادلة4( .7) طه5( .10) الرعد6(
عدد الصفحات ٣٨39 ﱹ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚيَعرِضُ تعالى لعلمِه خفاءٌ ولا نسيان .)2(»)1(ﭛ ﭜ ﭝ ﱸ وغير ذلك من النصوصِ الكثيرة الدالةِ على عظمةِ علمِ الله جل جلالُه، فإنَّ تَدبُّرَ بعضِ ذلك يكفي المؤمنَ البصيرَ معرفةً بإحاطةِ علمِ الله تعالى، وكملِ عظمتِه، وجليلِ قَدْرِه، وأنه الربُّ العظيمُ المالكُ الكريم. اأيها الموؤمنون: دعونا نقف -نحن وإياكم- مع آيةٍ من آياتِ الله، الدّالةِ على عظمةِ علمِه ﱹ ﯫ ﯬ ﯭ سبحانه وتعالى، وكملِ إِحاطتِه بالمعلومات، يقول تعالى: ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ .)3(ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﱸ يا له من مشهدٍ شاملٍ واسعٍ عميق: مَشهدِ الورقِ الساقطِ من شجرِ الأرض جميعًا، والحبِّ المخبوءِ في أطواءِ الأرضِ جميعًا، والرَّطْبِ واليابسِ في أرجاءِ الأرضِ جميعًا. إنَّ هذا المشهدَ كم أنه لا يتَّجهُ إليه الفكرُ البشريُّ والاهتممُ البشريُّ، وكذلك لا تَلْحَظُه العينُ البشرية، ولا تَلِمُّ به النّظرةُ البشرية، فهو المشهدُ الذي يَكْشِفُ بجملتِه عن سعَةِ علمِ اللهِ وحده، المشرفِ على كلِّ شيء، المحيطِ بكلِّ شيء، ______ .52) طه1( ) (بتصرف109-108« )2( .59) الأنعام3(
عدد الصفحات ٣٩40 الحافظِ لكلِّ شيء، الذي تَتَعلقُ مشيئتُه وقَدَرُه بكلِّ شيء: الصغيرُ كالكبير، والحقيرُ كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب. فتأمّل ماذا يدخُلُ تحت ﱹ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﱸ كلمةِ الغيب؟ إنه غيبٌ ممتدٌّ في عُمقِ الزمانِ والمكان، وفي الماضي والحاضرِ والمستقبل، وفي أحداثِ الحياةِ وتصورات الوجدان. ، فكم في البرِّ والبحرِ من مخلوقاتٍ ساكنةٍ ﱹ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﱸ ومُتحركة؟! الله أكبر! ماذا لو أنّ كلَّ دُولِ ﱹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﱸ العالمِ اجتمعتْ لِتُشكِّلَ جيوشًا من العمّلِ؛ لِترَصِدَ حركةَ الأوراقِ المتساقطة؟ كم سَتُحصي؟ وكم سيفوتُ عليها؟ أمَّا اللهُ العليم، فلا يَعزُبُ عنه ورقةٌ واحدة! رطبةٌ أو يابسة! صغيرةٌ أم كبيرة! ورقةٌ من شجرِ البر أم من شجرِ البحر! فسبحانه! فأَطْلِق لِفكرِكَ وخيالِك ﱹ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﱸ ثم قال تعالى: ـ أيا المؤمن بربه العليم ـ وتَفَكّر في مساحةِ هذه الظلمت، وفي حجمِ هذه الحبّة!... إنها لا تخفى على الله! : إنه عمومٌ لا يَشِذُّ عنه شيء! ﱹ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﱸ !)1(لِيدخُلَ فيه كلُّ آدميٍّ وحيوانٍ وشجرٍ وبرٍ وبحر.. كلُّها ______ ) من سورة الأنعام59) ينظر1(
عدد الصفحات ٤٠41 يا اأمةَ القراآن ومما اختص الله بعلمه: مَفاتِحُ الغيب، وهي خمسٌ لا يعلمُهن إلا الله، ﱹﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ وهي المذكورةُ في آخرِ آيةٍ من سورةِ لقمن: ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ .)2(.)1(ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈﱸ ﱹ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ أما الساعة: فقد قال الله عنها: ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ .)3(ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﱸ وأما نزول الغيث: فإنَّ علم البشر مهم اتسع، فإنم غايتُه التوقُّعُ لوقتِ النزول، وقد يتِمُّ وقد لا يتم، ثم لو قُدِّرَ قدرتهُم على التوقيت الدقيق، فمن الذي يعلمُ عددَ قطرِ الأمطارِ إلا الله! ومَن الذي يعلمُ مصدرَ تلكمُ القطراتِ إلا الله! ومن ذا الذي يعلمُ بمواقِعِ تلك القطراتِ حين تنزل! هذه على سَهْل، وتلك على جبل، وثالثةٌ تصيبُ رأسَ كائنٍ حي، ورابعةٌ على شجرة، وهكذا، فسبحان من أحاط علمُه بكلِّ شيء. وأما علم الأرحام: فإنَّ غايةَ ما وَصَلَ إليه علمُ الطبِّ الحديث، هو القدرةُ على تحديدِ جنسِ الجنين، وهم يُصيبون كثيرًا، ويخُطئون كثيرًا، ولو قُدِّر أنهم ______ .34) لقمن1( ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهم4627) كم جاء في صحيح البخاري2( .187) الأعراف3(
عدد الصفحات ٤١42 يُصيبون تامًا، فإنّ تحديدَ جنسِ المولودِ إنم هو معلومةٌ واحدةٌ من معلوماتٍ كثيرةٍ جدًا في علمِ الأرحام، فمَنِ الذي يعلمُ وقتَ التقاء النطفةِ بالبويضةِ بالساعةِ والدقيقةِ والثانية؟ ومن الذي يعلمُ حين التقتا عن نوعٍ الجنس؟ ومن الذي يعلمُ بتلكم الأسئلةِ الأربعة التي يُؤْمَرُ المَلَكُ بكتابتها: عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد؟ ومن الذي يعلمُ متى نُفِخَت في الجنين الروح؟ ومن الذي يعلمُ هل سيعيش هذا الجنينُ حتى يخرج؟ ومن الذي يعلمُ اللحظةَ التي يخرجُ فيها هذا الجنين إلى هذه الدنيا؟ إنه الله وحده، جل جلاله. وأما خفاءُ كَسْبِ الغدِ والأجلِ فهذا مما لا يحتاجُ إلى تفصيل، فكيف يُصَدِّقُ بعد ذلك -بعضُ الناس- ما يُرَوِّجُه بعضُ الدجالين والكهان، عَبرَْ بعضِ الفضائيات أو الإذاعات باسمِ قراءةِ الحظ، أو الكف، أو الفنجان! يا اأمة القراآن! هذه ومضةٌ في عالمٍ عظيمٍ من معاني هذا الاسم الكريم من أسمء الله الحسنى، التي ينبغي أن يُورِثَ العلمُ بها: الخوفَ منه سبحانه، وخشيتَه في الس، وحفظَ الجوارحِ عم يُغضبُه، فإنه سبحانه، شهيد، مُطلعٌ، لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالنا. اللهم ارزقنا خشيتَك في الغيبِ والشهادة، ومراقبتَك في السِّ والعَلَن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عدد الصفحات ٤٢43 )1(منهجُ ال الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فإنَّ الرِّفْعةَ والعِزَّةَ التي نالها السَّلَفُ الصالح، وذَلّتْ لهم رِقابُ العربِ والعجم، إنم كانت بسببِ تسُّكِهم الحقيقي بِكتابِ اللهِ تعالى. وحَقيقٌ بمَن يُريدُ سلوكَ طريقِهم، أنْ يَتَعرَّفَ على منهجِهِم في تلقي هذا القرآنِ وتدبُّرِه، وهذا ما سَنُحاولُ الإشارةَ إليهِ بإيجازٍ في هذا المجلس. إنَّ مَن تأمَّلَ حياةَ السلفِ مع القرآن، وَجَدَ أنَّ لهم مَنْهجًا في العنايةِ بهذه العبادةِ العظيمة، يُمكِن تحديدُ معالمِها فيم يلي؛ لعلَّنا نُفيدُ مِنها، ومِن أَبْرزِ تلك المعالم: اأولًا: معرفتُهم لمنزلةِ هذا القراآن، واإدراكُهم لمق ذلك أنّ تلقِّي الأمرِ بالمحبةِ والتعظيمِ والإيمنِ؛ يؤدِّي إلى حُسْنِ التعامُلِ معه، ومَن عَرَفَ قِيمةَ الشيءِ اعتنى به واهتمَّ به، وقد ظَهَرَ ذلك في الجيلِ الأولِ من خِلالِ أقوالهِم وأفعالهِم، ومن أقوالهِم المأثورةِ في بيانِ عظمةِ القرآنِ ______ ) للدكتور محمد بن عبد الله الربيعة، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن، وعضو هيئة التدريس1( جامعة القصيم المجل
عدد الصفحات ٤٣44 وأَثَرِه، التي ترجموها إلى الاستجابةِ العملية رضي الله عنه –قولُ عبدِ الله بنِ مسعود فتعلَّموا من مَأدبتِه ما استطعتم، إنَّ هذا القرآنَ هو حَبلُ اللهِ الذي أَمَرَ به، وهو ،)1(النور المبين، والشفاءُ النافعُ عصمةٌ لمن اعتصم به وعنه رضي الله عنه قال . )2(فإِنْ كان يحُبُّ القرآنَ، فهو يحبُّ اللهَ ورسولَه ويقولُ ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهم ﱹ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قَرَأَ: . والمرادُ بالقراءةِ الاتِّباعُ بدليلِ نَصِّ الآية. )4(».)3(ﯱﱸ رحمه ا –وقال الإمام البخاري .)5(بالقرآنِ، ولا يحملُه بحقِّه إلا الموقِن ونحن بحاجةٍ ماسّةٍ لتربيةِ قلوبِنا على هذا المعنى، فلقد ضَعُفَ تعظيمُ القرآنِ ومحبتُه الصادِقةُ والإيمنُ به في قلوبِ كثيرين، مما أدَّى إلى ضَعفِ ______ وقال ( صحيح الإسناد ولم يخرجاه ). وابن أ2040رقم741/1) أخرجه الحاكم في المستدرك1( .30008برقم125/6شيبة .21) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص2( .123) طه3( .3438 برقم413/2) أخرجه الحاكم في المستدرك4( .410/24) صحيح البخاري5(
عدد الصفحات ٤٤45 الاتصال به، والتأثُّرِ فيه، وهنا مَكمَنُ المشكلة، والحلُّ: غَرْسُ تعظيمِ القرآنِ نفوسِ الناشِئة، ومحبتهم له محبةً صادقةً ينبعِثُ معها الأثَرُ والقبول، واستمرارُ التذكيرِ بقِيمةِ القرآن، وبالهدفِ الأسمى لنزولِه. ثانيًاا: تعلُّمُهم وتعليمُهم الإيمانَ قَبلَ القراآن: والمقصودُ: أنهم غُرِسَ في قلوبهِم تعظيمُ الله، وتعظيمُ أمرِهِ ونهيِه، فسَهُلَ عليهم بَعدَ ذلك تَلَقِّي الأحكامِ الشرعية، وهذا جانبٌ رئيسٌ في إحياءِ التربيةِ القرآنيةِ في النفوس. وهذا المنهجُ قد اتخذَهَ القرآنُ في تربيتِهِ للصحابةِ أوَّلَ الإسلام، حيثُ كان أوَّلُ نزولِ القرآنِ تَرْبِيةً على الإيمنِ في السُّور المكية -وخاصّةً المُفصَّل منها- فكُلُّه في تَرْسِيخِ الإيمنِ باللهِ واليومِ الآخر، فأَوْرَثَ في نفوسِهم الإيمنَ الصحيحَ والتعظيمَ للقرآن، وهَيَّأَ نفوسَهم لِتَلَقِّي تَوجيهاتِه. يوضِّحُ هذا المنهجَ -الذي رَبَّى النبيُّ ﷺ عليه أصحابَه- أحدُ التلاميذِ النُّجباءُ في مدرسةِ محمدٍ ﷺ، وهو جُندبُ بنُ عبد الله -رضي الله عنه- قال: « .)1(»القرآنَ فازددنا إيمنًا ______ وسنن البيهقي الكبرى 221/2 والتاريخ الكبير للبخاري 64 رقم 74/1) أخرجه ابن ماجه 1( وصححه الألباني في صحيح سنن1656 رقم225/2 والطبراني في المعجم الكب5498 رقم49/2 52 رقم16/1ابن ماجه
عدد الصفحات ٤٥46 فتأمّل كيف كان النبيُّ ﷺ يَبدأُ في بناءِ الإيمنِ في نفوسِهم؛ حتى إذا ما رَسَخَ الإيمنُ في قلوبهِم، وكانوا مُؤهَّلِين لِتَلَقِّي القرآن، وجَّهَهُم إليه، فازدادوا . )1(به إيمنًا ثالثًا: حُسنُ تَلَقِّيهم القرآنَ بأنه رسائلُ من ربهم للعمل والامتثال، فكانوا يتدبَّرونها بالليل ويتمثلونها بالنهار. وقد تواترت الأدلةُ من القرآنِ والسنةِ وآثارِ السلفِ على الأمرِ بالعملِ .)2(بالقرآنِ وأنه المقصودُ الأعظم - يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ( كان الرجُلُ مِنّا إذا تعلَّمَ عَشرَ 1 .)3(آياتٍ لم يجاوزْهن حتى يَعرِفَ معانيَهُن والعملَ بهن رضي الله عنهم –ويقول ابن عمر ﷺ في صَدْرِ هذه الأُمّةِ لا يحفظُ من القرآنِ إلا السورة أو نحوها، ورُزِقوا ______ ) وروي عن ابن عمر رضي الله عنهم قال: ( لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمن قبل1( القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها، ثم رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمن فيقرأ ما بين خاتته ما يدري أمره ولا زجره، ولا والبيهقي في السنن 403/2ما ينبغي أن يقف عنده، فينثره نثر الدقل ). أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وقال هذا حديث صحيح على 101 رقم91/1 والحاكم في المستدرك5073 رقم120/3الكبرى شرط الشيخين ولا علة له ووافقه الذهبي. .496) انظر عظمة القرآن، مبحث ( فضائل العمل بالقرآن ) ص2( .4/1) تفسير القرآن العظيم لابن كث3(
عدد الصفحات ٤٦47 العملَ بالقرآن، وإنَّ آخرَ هذه الأُمَّةِ يُرْزَقُون القرآنَ منهم الصبي والأعمى، . )1(ولا يرزقون العملَ به كم كان هذا هو منهجُهم في تربيةِ أبنائِهم وطُلاّبهِم، وتعظيمه في نفوسِهم والتوصية به، فتأمَّل هذه الكلمتِ العظيمةِ التي قالها سَيِّدٌ من ساداتِ التابعين، رحمه الله- حيث يقول –وهو الحسنُ البصري وصبيانٌ لم يأخذوه مِن أوَّله، ولا عِلْمَ لهم بتأويلِه، إنَّ أَحقَّ الناسِ بهذا القرآنِ ﱹ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ مَن رُئِي في عملِه، قال اللهُ عز وجل في كتابه: وإنَّم تَدبُّرُ آياتِه اتّباعُه بعملِه، أَمَا واللهِ ما هو ، )2(ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﱸ بحفظِ حروفِهِ وإِضاعةِ حدودِهِ! حتى إنَّ أحدهم لَيقول: قد قَرَأْتُ القرآنَ كلَّه فم أَسْقَطتُ منه حرفًا؛ وقد واللهِ أَسقَطَه كلَّه! ما يُرَى له القرآنُ في خُلُقٍ ولا عمل! حتى إنَّ أحدَهم لَيقول: إني لأقرأُ السورةَ في نَفَسٍ واحدٍ، واللهِ ما هؤلاءِ بالقُرَّاءِ ولا العلمءِ ولا الحكمءِ ولا الوَرَعةِ! متى كانت القُرّاءُ تقولُ مثل هذا؟ .)3( أَكْثَرَ اللهُ في الناسِ مثلَ هؤلاء لا كم يُؤكِّدُ ذلك أيضًا وصاياهم لحَِمَلةِ القرآنِ والتأكِيدِ على ظُهورِ الأَثرِ فيهم، كم قال ابن مسعود: (ينبغي لحاملِ القرآنِ أَنْ يُعرفَ بليلِه إذا الناسُ ______ .30/1) الجامع لأحكام القرآن1( .29) ص2( ط دار المعراج742 رقم610 /6) الزهد والرقائق لابن المبارك ت أحمد فريد ج3(
عدد الصفحات ٤٧48 ينامون، وبنهارِه إذا الناسُ يُفطرون، وبحزنِهِ إذا الناس يَفرَحون، وببكائِه إذا الناسُ يَضحكون، وبِصَمتِه إذا الناسُ يخَُوضُون، وبخشوعِه إذا الناس يختالون، وينبغي لحاملِ القرآن أَنْ يكونَ مُستكينًا لَيِّنًا، ولا ينبغي له أن يكونَ جَافيًا ولا . )1(مماريًا ولا صَيّاحًا ولا صَخّابًا ولا حديدًا وهذا المنهجُ هو الذي خَرَّجَ ذلك الجيلَ وصَنَعَه، ولو أننا تَلَقَّينا القرآنَ كم تَلقّاه الجيلُ الأولُ بهذا المنهج، وربَّينا عليه أَجيالَنا، لَظَهَر لنا أَثَرُه وتَأثيرُه في نفوسِنا. « عندئذٍ- في القرآنِ مَتاعًا وحياة؛ –عجائبَ لا تخطُرُ على البالِ الساهي! وسنجدُ ﱹ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ وسَنُدركُ معنى قولِه تعالى: .)3(، فهي دعوةٌ للحياة، للحياةِ الدائمةِ المُتجدِّدة )2(ﯢ ﯣ ﯤﱸ رابعًاا: تلاوةُ القراآنِ بترَتيلٍ وتمهُّل وتحزّن، والقيامُ به في الليل: ﱹ ﭜ وهذا هو المنهجُ الذي قَرَّرهُ القرآنُ وأَشادَ بأهلِه في قولِه تعالى: ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ . )4(ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﱸ ______ .305/8) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف1( .24) الأنفال2( .261/1) في ظلال القرآن3( .107،106) الإسراء4(
عدد الصفحات ٤٨49 فتأمَّل كيف أَمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه بأَنْ يَقرأَ القرآنَ على مُكْثٍ؛ وهو التَّمَهُّل ﱹ ﭭ ﭮ والترّتيلُ وعدمُ الإسراعِ فيه، ثم أَشادَ بأهلِ هذا الوصفِ بقوله: . ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﱸ وقد تجلىَّ ذلك في حالِ السلف، ومما وَرَدَ عنهم في ذلك قولُ ابنِ أبي مِن مكةَ إلى المدينةِ، فكان – مليكة . )1(يَقومُ نصفَ الليلِ فيقرأُ القرآنَ حرفًا حرفًا، ثم يَبكي حتى تَسمعَ له نَشيجًا وقال ابن مسعود . )2(عند عجائبِه، وحَرِّكوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدِكم مِن السورة آخرَها فقِراءةُ القرآنِ بِترتيلٍ وتهلٍ وتدبرٍ هو مِن أعظمِ ما يُؤثّرُ في النفس، ويُصلِحُ القلب، وذلك كان منهجُ السلفِ الصالحِ، فهل نُربيِّ أنفسَنا وأجيالَنا عليها؟ أما قراءةُ القرآنِ بالليلِ فهي أَقوى وسيلةٍ للتدبُّر، وأَجدَرُ أنْ يُفقَهَ بها ﱹ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ القرآن، ولهذا قال: ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ، قال ابن عباس: هو أَجدرُ أن يفقه القرآن. )3(ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﱸ ______ .131) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ص1( .132) مختصر قيام الليل ص2( .6 - 1) المزمل3(
عدد الصفحات ٤٩