المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ثلاثون مجلسا في التدبر مجالس علمية وإيمانية

اللجنة العلمية في مركز تدبر

صفحة ٢ من ١٣

18 تتضمنُ عِتابًا إلهيًا له ﷺ، وبهذا استدلَّتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ -رضي الله عنها على ذلك، فقالت: ولو كان محمدٌ ﷺ كاتًا شيئًا مما أُنزِلَ عليه لكَتَمَ هذه الآية: ﱹ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ .)2(.)1(ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﱸ ومِن تلك الدلائلِ التي تزيدُ المؤمنَ يقينًا، تدبُّرُ بعضِ الأحداثِ التي نَزَلَ :)3(فيها القرآن، ومن ذلك ـ في قصةِ الإِفْك: ألمْ يرجف المنافقون بحديثِ الإفك عن زوجِه عائشةَ 1 -رضي الله عنها-، وأبطأ الوحي، وطالَ الأمرُ والناسُ يخوضون، حتى بَلَغت القلوبُ الحناجر، وهو ﷺ لا يستطيعُ إلاّ أنْ يقولَ بكلِّ تحفُّظٍ واحتراسٍ ، ثم إنه بَعْدَ أن بَذَل جُهدَه في التحرِّي والسؤالِ )4(لا أعلمُ عنها إلا خيرًا واستشارةِ الأصحاب، ومضى شهرٌ بأكملِهِ والكل يقولون: ما علمنا عليها مِن سوء، لم يَزِدْ على أنْ قال لها آخرَ الأمر .)5(كنتِ بريئةً فسيبرِّئكِ الله، وإنْ كنتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري ا ______ .37) الأحزاب1( .)177) رواه مسلم2( )، بتصرف واختصار يسيرين28 - 20) من كتاب3( .)2770)، ومسلم2661) البخاري4( ) المصدر السابق5(

عدد الصفحات ١٨

19 هذا كلامُه بوحيِ ضميرِه، وهو كم نرى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصدّيْق المتثبّت الذي لا يتبع الظن، ولا يقولُ ما ليس له به علم، على أنه لم يغادرْ مكانَه بعدَ أنْ قال هذه الكلمتِ حتى نَزلَ صدرُ سورةِ النور مُعلنًا براءتها، ومُصدِرًا الحكمَ المُبرَْمَ بشرِفِها وطهارتهِا. والسؤال ـ أيا المؤمنون: ماذا كان يمنعُه -لو أنّ أَمْرَ القرآنِ إليه- أنْ يتقوَّلَ هذه الكلمةَ الحاسمةَ مِن قَبْل؛ لِيَحميَ بها عرضَه، ويَذُبَّ بها عن عرينِه، ويَنسبَها إلى الوحيِ السموي، لتنقطعَ ألسنةُ المتخرِّصين؟! ولكنه ﷺ ما كان ﱹ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ لِيذرَ الكذبَ على الناسِ ويَكذِبَ على الله: .)1(ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﱸ ـ ومِن المواضعِ التي ردَّ بها العلمءُ على المشككين في صحةِ هذا القرآن: 2 مخالفةُ القرآنِ لطبعِ الرسول -ﷺ- وعتابُه الشديدُ له في المسائلِ المباحة وأُخرى كان يجيئُه القولُ فيها على غيرِ ما يحبُّه ويواه، فيخطِّئُه في الرأيِ يراه، ويأذنُ له في الشيء لا يميلُ إليه، فإذا تلبَّثَ فيه يسيرًا تلقّاه القرآنُ بالعتاب ﱹ ﭑ القاسي، والنَّقدِ المرّ، حتى في أقلِّ الأشياءِ خَطَرًا، فتأمَّلوا هذه الآيات: ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﱹ، )2(ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﱸ ______ .47 - 44) الحاقة1( .1) التحريم2(

عدد الصفحات ١٩

20 ﱹ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ، ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﱸ ﱹ ﭣ ﭤ ، )1(ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﱸ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﱹﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ،)2(ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﱸ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ،)3(ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼﱸ ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ !)4(ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﱸ أرأيتَ لو كانتْ هذه التقريعاتُ المؤلمةُ صادرةً عن وُجدانِه، معبرةً عن ندمِهِ ووخْزِ ضميرِه؛ حين بدا له خلافُ ما فَرَطَ من رأيِه، أكان يُعلنُها عن نفسِه بهذا التهويلِ والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوتِ عنها سِترٌ على نفسه، واستبقاءٌ لحرمةِ آرائِه؟ بلى؛ إنّ هذا القرآنَ لو كانَ يفيضُ عن وجدانِه لكان يستطيعُ عند الحاجةِ أن يَكْتُمَ شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتًا شيئًا لكَتَمَ أمثالَ هذه الآيات، ﷺ. )5(ﱹ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﱸولكنه الوحي لا يستطيعُ كتمنَه: ______ .43) التوبة1( .113) التوبة2( .68 - 67) الأنفال3( .10 - 5) عبس4( .24) التكوير5(

عدد الصفحات ٢٠

21 ﱹﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ وتأمّل آيةَ الأنفالِ المذكورة - الآية - تجد فيها ظاهرةً عجيبة، فإنها لم تَنْزِلْ إلا بعدَ ﱸ...ﯣ ﯤ ﯥ إِطلاقِ أسارى بدر، وقبولِ الفداء منهم، وقد بُدِئتْ بالتخطئةِ والاستنكارِ لهذه الفِعلة، ثم لم تلبثْ أنْ خُتِمتْ بإقرارِها وتطبيبِ النفوسِ بها، بل صارتْ هذه السابقةُ التي وقعَ التأنيبُ عليها هي القاعدةُ لما جاء بعدها، فهل الحالُ النفسيّةُ التي يصدُرُ عنها أوّلَ هذا الكلام -لو كان عن النفس مصدُرُه- يمكن أنْ يَصدُرَ عنها آخرُه؟ ولمّا تَْضِ بينهم فترةٌ تفصلُ بين زمجَرَةِ الغضبِ والندم، وبين .)1(ابتسامةِ الرضا والاستحسان؟ ك وهكذا كلم دَرَسْتَ مواقفَ الرسول ﷺ من القرآنِ في هذه المواطنِ أو غيرِها، تجََلىَّ لك فيها معنى العبوديةِ الخاضعةِ، ومعنى البشريةِ الرحيمةِ الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك مِن جانبِ القرآن، معنى القوةِ التي لا تَتَحكَّمُ فيها البواعثُ والأغراض، بل تَصْدَع بالبيانِ فُرقانًا بين الحق والباطل، ______ ) وأنت لو نظرتَ في هذه المواقف التي عُوتِب فيها النبي صلى الله عليه وسلم، لوجدتها تنحصرُ 1( شيء واحد، وهو أنه عليه الصلاة السلام كان إذا ترجّح بين أمرين ولم يجد فيهم إنم اختار أقربهم إلى رحمةِ أهلِه، وهدايةِ قومه، وتأليفِ خصمِه، وأبعدِهما عن الغلظةِ والجفاء، وعن إثارةِ الشُّبَهِ في دين الله، لم يكن بين يديه نصٌّ فخالفَه كفاحًا، أو جاوزَه خطأً ونسيانًا، بل هو مجتهدٌ، بَذلَ وسعه في النظر، ورأى نفسَه مخيرًا فتخير، هبه مجتهدًا أخطأ باختيار خلافِ الأفضل، أليس معذورًا ومأجورًا؟ على أن الذي اختارَه كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنم نبّهه القرآنُ إلى ما هو أرجح في ميزانِ الحكمة الإلهية، هل تُرى في ذلك ذنبًا يستوجب عند العقلِ هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقامُ الربوبية ومقامُ العبودية، وسُنّة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟!.

عدد الصفحات ٢١

22 وميزانًا للخبيث والطيب، أَحَبَّ ُالناسُ أم كرهوا، ورضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا؛ إذ لا تزيدُها طاعةُ الطائعين، ولا تنقصُها معصيةُ العاصين. فترى بين المقامين ما بينهم. وشَتّان ما بين سيِّدٍ ومَسُود، وعابدٍ ومَعبُود. فاحمدوا الله تعالى -أيا المؤمنون- الذي هداكم لاتباع هذا النبي الكريم، الذي تَطَابَقت الأدلةُ على صدقِه في نفسِه، وصدقِه فيم بَلّغَ عن ربّه. اللهم فكم هديتنا لدينِه، فثبتْنا عليه حتى نلقاك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٢٢

23 )1( من اأ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فإنّ اللهَ تعالى شرََعَ لعبادِهِ أنْ يَستعيذوا عندَ إرادةِ البدءِ بتلاوةِ هذا ﱹﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ القرآنِ العظيم، فقال سبحانه: !)2(ﮤﱸ فدعونا ـ أيا المؤمنون ـ نتأمّل في بعضِ أسرارِ هذا الأمرِ الإلهي! إنّ العبدَ عندما يَستفتِحُ لحظاتِ الاستدرارِ لنورِ الله العظيم، تلاوةً لكتابِهِ الكريم، فإنه يخشى أنْ يسطوَ الشيطانُ على قناةِ الاتصالِ بوجدانِه فيجعلُه من الغافلين! والشيطانُ كلُّ مُتمرِّدٍ على اللهِ من الجنِّ والإنس، وإبليسُ اللعينُ رأسُ الشياطينِ في العالمين، وهو عدوٌّ مبين! فقد تعهَّدَ لربِّ العالمين بإفسادِ الأرضِ ______ ) وما بعدها، بتصرف يس119) مجالس القرآن، للدكتور فريد الأنصاري: ص1( .97) النحل2( المجل

عدد الصفحات ٢٣

24 ﱹ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌوإضلالِ أهلِها أجميعن! ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ .)1(ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﱸ وقد طَرَدَ اللهُ -جَلَّ جلالُه- إبليسَ من سمواتِه، ورَجمََهُ بالشُّهُبِ الثواقب! فتَفَرَّغَ اللعينُ لهذا الكيدِ العظيم! لا يدعُ للخيرِ بدايةً إلا أَرْبَكَها بقاصفِ الوساوسِ ونيرانِ الفِتن! فجَعَلَ الرحمنُ شيطانٍ رجيم. وماذا أعظمُ مِن جِوارِ اللهِ الواحدِ القهارِ سلامًا للمؤمنين؟ ومن هنا كانت صيغةُ الاستعاذةِ راجعةً إلى معنى قولِ القائل: أستجيرُ باللهِ وحدَه مِن الشيطانِ الملعون، المطرودِ من رحمةِ الله، وأَعتصمُ به تعالى مِن أنْ يَضَُّني في ديني، أو يَصُدَّني عن حقٍّ من حقوقِ ربي! فإذا قالها الإنسانُ بين يدي تلاوة، أو صلاة، أو نحوِ هذا؛ استحضََ دلالةَ الاستعاذةِ قبل بدء ذاك العمل، واجتهدَ في تطهيرِ مداخلِ نفسِه تطهيرًا من كلِّ طَرْقٍ شيطانيٍّ خفي، مُستجيرًا بربِّه القوي العزيز: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!) فتُوليّ الشياطينُ الأدبارَ هاربةً في متاهاتِ ضَلالهِا، وظُلُمتِ كيدِها، بعيدًا عن شلاّلِ النورِ الذي تَدفَّقَ على القارئِ بمجرَّدِ طلبِ الغَوثِ والأمانِ من ربِّ العالمين! ______ .42 - 40) الحجر1(

عدد الصفحات ٢٤

25 والاستعاذةُ بهذه الصيغةِ ليستْ آيةً من كتابِ الله، لكنْ رسولُ اللهِ ﷺ كان ﱹﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ يقرؤها؛ استجابةً لأمرِ اللهِ تعالى في القرآن: فهي أمرٌ ربانيٌّ وسنةٌ نبوية. ﮣ ﮤ ﱸ وهذه الآيةُ مع الصيغةِ النبويةِ في الاستعاذة، كلاهما مُتضمِّنٌ لخمسِ رسالات، لا بُدَّ للسائرِ إلى اللهِ - جَلَّ ثناؤه - عَبرَْ مِعْرَاجِ القرآنِ الكريم من تَلَقِّيها جميعًا، الواحدة تِلوَ الأخرى، وإلا فلا وصولَ ولا قَبولَ: - الر أنه لا بَدْءَ في طريقِ الله، ولا فَتْحَ للعبدِ الطَّارِقِ أبوابَ مَعَارِجِ القرآن؛ إلا بإعلانِ الولاءِ للهِ الحق، والانتظامِ في صفِّ العابدين له وحده دون سواه! وإعلانِ معاداة الشيطانِ بم هو عدوٌّ لله رب العالمين، والتبرؤِ منه ومن حزبِه وأتباعِه! وإنم الاستعاذةُ فتحُ عينِ القلبِ على بصيرةٍ قرآنيةٍ عُظمى، لا يجوزُ ﱹ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ نسيانهُا أبدًا! هي قوله تعالى: إنّ الاستعاذةَ ليستْ مجرَّدَ عباراتٍ تُلْقَى )1(ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﱸ في الهواءِ فحسب، ولكنّها اتخاذُ موقفٍ! فتَدَبَّرْ! ______ . 6) فاطر1(

عدد الصفحات ٢٥

26 - الر في أنّه لا قوةَ للعبدِ على الانطلاقِ وبدءِ السيرِ إلى اللهِ والتعرُّفِ إليه تعالى؛ إلا بالاحتمءِ به، والالتجاءِ إليهِ ابتداءً! فلا وصولَ إليهِ بمجرَّدِ الجُهدِ الخاصِ والكسبِ الذاتي، بل لا بُدّ مِن استدرارِ توفيقِه ورحمتِه، فالهدايةُ والتوفيقُ والسداد، كلُّ ذلك إنم هو بيدِهِ وحدَه جلّ علاه! وذلك من صَميمِ التوحيدِ والإخلاص. وتحقيقُ معنى الاستعاذةِ في النفس تخََلُّقٌ عميقٌ بهذا المعنى العظيم، ولا صحةَ لعملٍ - من حيثُ القصدُ التعبديُّ الخالص - إلا باستدراجِ هذا الأصلِ الإيمني في عمقِ القلب، نيةً تعبدية خالصةً، لتخليص العملِ وتصفيتِه مِن كلِّ مَنٍّ، ومِنْ كُلِّ حَوْلٍ وقوةٍ، إلا ما كان باللهِ وله، وحدَه دونَ سواه! - الر في أنّ التعبدَ بالقرآنِ تلاوةً، وتزكيةً، وتعلُّمً وتعليمً، لن يؤتيَ ثمرَه، ولن يُكشَفَ عن أنوارِه لعبدٍ؛ إلا إذا تبرَّأَ مِن كلِّ حولٍ وقوة، وقدَّم بين يدي تلاوتِه علامةَ الافتقارِ إلى اللهِ الغنيِّ الحميد، وهي الاستعاذةُ، ولذلك ليس كلُّ قارئٍ للقرآنِ بقارئ! ولا كلُّ تَالٍ له بِتَالٍ! وإنم القارئُ والتالي له هو مَن يتلوه حقَّ تلاوتِه. والتحققُ بمقاصدِ الاستعاذةِ شرطٌ من شروطِ التلاوةِ الحق! فمَن أخطأَ حقيقتَها أو استهانَ بها عَدِمَ الثمرة، وحُرِمَ النور! فكم مِن قارئٍ يقرأُ القرآنَ وهو عليه ﱹ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ عَمًى! والعياذُ بالله! .)1(ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﱸ ______ .44) فصلت1(

عدد الصفحات ٢٦

27 - الر وهو مِن –في أنّ الشيطانَ قد يتدخَّلُ فيم يقعُ بقلبِ العبدِ مِن آثارِ التلاوة أشدِّ الكيد- فيُفْسِد الفهمَ، أو يُفسِد نيةَ الافتقارِ والتعبدِ عند التلقّي عن الله، أو يَصرِف البالَ عن مشاهدةِ نورِ الهداية؛ فلا يخرُجُ العبدُ مِن تلاوتِه بشيء، وربم خرَجَ بضلالٍ وحَيرةٍ والعياذُ بالله، كم حَصَل لأهلِ الضّلالةِ قديمً وحديثًا عند قراءةِ القرآن! وذلك نحو ما في قولِه ﷺ الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قولِ البرية، يقرؤون القرآنَ لا ، فلا )1(يجُاوِزُ حناجِرَهم! يمرقون من الدينِ كم يمرُقُ السهمُ من الرَّمِيَّةِ ينجو المؤمنُ مِن هذا وذاك إلا بطلبِ الغوثِ من اللهِ استعاذةً به تعالى؛ لِتصِلَ رسالاتِ القرآنِ إلى قلبِه صافيةً خالصةً! لا أَثَرَ فيها لإلقاءات الشيطان فَهْمً وقصدًا. - الر في أنّ العبدَ المستجيرَ آمِنٌ مِن كلِّ ذلك وغيرِه بإذنِ الله؛ لأنه استجارَ بعظيم! وهو -جل وعلا- لا يُضَامُ جَارُه! ______ .)1066)، مسلم6930) رواه البخاري1(

عدد الصفحات ٢٧

28 فالهُْدَى المستنبَطُ من نفسيٍّ، وَوِجْدَانٍ إيمني، يقعُ بقلبِ العبدِ قبلَ أنْ يقعَ بلسانِه، والتحقُّقُ به هو أوّل الطريق، وتلك هي المنـزلةُ الأولى مِن منازلِ الإيمن، لمن رامَ الإقلاعَ في طريقِ التعرُّفِ إلى الله. إنها كلمةُ الأدبِ بإعلانِ الافتقارِ الكاملِ إلى اللهِ الغنيِّ الحميدِ جل علاه، والتبرؤِ مِن كلِّ حولٍ وقوةٍ في العلمِ والعمل، إلا ما كان مَنًّا كريمً وفضلاً جميلاً مِن اللهِ وحده! فلا انطلاقَ بغيرِ التخلُّقِ بوصفِها والتحققِ بمقامِها. فإنْ تَفْعَلْ بصدقٍ وإخلاصٍ فأبشرِْ! إنك آمِنٌ بإذنِ الله، محروسٌ بجنودِه جلَّ عُلاه، فَانْعَمْ مُطْمَئِنًّا بجِوَارِهِ تعالى وحمَِاه! أما كيف نُحقِّقُ أثرَ هذه الاستعاذةِ عمليًّا؟ فإنَّ البدايةَ تكونُ من مُساءلةِ النفس بصدق: ماذا تريد؟ ماذا تُريدُ بم هي مُقبِلةٌ عليه مِن قِراءةٍ أو عبادة؟ أَحقًّا تريدُ الوصولَ إلى الله؟ أَحَقًّا تريدُ القيامَ بحقِّهِ العظيمِ جل علاه؟ والدخولَ في القيامِ بوظيفةِ الخدمةِ لدينه؟ وحملَ ميثاقِ عهدِه وأمانتِه، وتَلَقِّي رسالاتِ هَدْيِهِ وقرآنِه؟ واستدرار مددِه وأنوارِه؟ أم أنها تقرأُ وكفى؟! بلا قصدٍ تعبُّدي، إلا قَصْدَ التَّعَوُّدِ والتسميع، وما دون ذلك مِن مُبطلاتِ الأعمل ومحبِطاتها؟!

عدد الصفحات ٢٨

29 حتى إذا صارت لك حقائقُ الاستعاذةِ الإيمنيةِ خُلُقًا وطَبْعًا، أصبحَ اها بقلبِكَ زادًا إيمنيا، تجدُه جاهزًا - إن شاء الله - متى استدعيتَه بقراءتهِا، معن عندَ كلِّ تلاوة، وعندَ كلِّ تصرُّفٍ تعبديٍّ أنَّى كان؛ فأَبْشرِْ! بعد ذلك - هو تخليصُ – ثم إنّ أوّلَ ما يبعثُ النفسَ على الانطلاقِ السليم الوجهةِ وتوحيدِ القبلة! ومما يُعينُ على ذلك: تَذَكُّرُ أحوالِ السابقين الأولين كيف سَبَقوا؟! وتشاهد غبطة الواصلين الصادقين كيف وصلوا؟! لقد قرؤوا القرآنَ بكملِ الافتقارِ إلى اللهِ وتَلَقِّي رسالاتِه هُدًى وشفاءً لقلوبهم؛ فانفتحت لهم مَعَارِجُ الروح، وارتقوا في الدنيا وفي الآخرة! وتلك مَعَارِجُهُمْ لم تزلْ مفتوحةَ الأبواب؛ فاقْرَأْ يَا صَاحِ وارْتَقِ! فيا نفسي المغرورة.. إلى متى تبقين هكذا شاردةً عن بابِ الله؟ إلى متى وأنت تستجيبين لأهوائِك؟ تَفِرِّين إلى شهواتِكِ ومَلذّاتِك؟ وتَتَلفعين بذاتِكِ وأنانيتك؟ وما أنتِ إلا قطرةٌ من روحٍ في جَرَّةٍ من طين! متى انكستْ سالت! آهٍ يا نفسُ! هذه مَسَامُّكِ الصغيرة تتسعُ من حينٍ لآخر؛ فيتسَّبُ منها الشيطانُ إلى نفسِك لِيَعيثَ فسادًا داخلَ خواطرِكِ وأشواقِك! فيَحُولَ دون انطلاقِ الروح في رحلةِ السيرِ الكوني إلى الله!

عدد الصفحات ٢٩

30 عجبًا كيف تصبرين على هذه الحال! وها كلُّ الطيورِ قد أَعلنتْ توبتَها، وانطلقت تضبُ بأجنحتِها بعيدًا في رحلة المحبين؟! فَفِرِّي إلى الله مستعيذةً بالله! وأعلني الافتقارَ الكاملَ له وحدَه جلَّ عُلاه؛ عسى أن تكوني من أهلِ ﱹ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ النجاةِ والفتحِ المبين! ذلك قولُ الحق ذي القوة المتين: . واجْأَرِي إلى مولاكِ باستغاثةِ الفقراءِ الصادق )1(ﰉ ﰊ ﰋ ﱸ بالله من الشيطان الرجيم اللهم أَعذِنا من الشيطانِ الرجيم، ومِن كلِّ ما يحولُ بيننا وبين فهمِ كتابِك العظيم. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .50) الذاريات1(

عدد الصفحات ٣٠

31 )1( ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فإنّ سورةَ الفاتحةِ أعظمُ سورةٍ في القرآن، وأجمعُ آياتِ هذه السورةِ لمعاني ، إذ يعترفُ )2(ﱸ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﱹ الدينِ وحقائقِ الملةِ قولُه تعالى: العبدُ عند تلاوتهِا بأمرين عظيمين: الأول: أنّه عبدٌ للهِ لا يعبُدُ أحدًا سواه، ولا يتوجَّه برغبتِه ورهبتِه ومحبتِه ورجائِه وصلاتِه ونُسُكِه وجميعِ عباداتِه إلا للهِ وحدَه، لا يَشرِكُ به شيئًا. والثاني: أنّه لا يَستعينُ على قضاءِ حوائجِه، وكَشْفِ كُرَبِه وتفريجِ همومِه، وإجابةِ دعائِه وتحقيقِ آمالِه ورفعِ آلامِه، إلا بالله، فهو القادرُ وحدَه على كلِّ شيء، وهو المستعان على كلِّ شأن، وهو بهذا يَعترِفُ لربِّه بالقوَّةِ المطلقة ______ ) للدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري، عضو الهيئة العالمية لتدبر القرآن، وعضو هيئة التدريس1( بجامعة الملك سعود .5) الفاتحة2( المجل

عدد الصفحات ٣١

32 والقدرةِ التامة، والعلمِ الكاملِ والرحمةِ الواسعةِ والربوبيةِ الشاملة، والفضلِ والمُلْكِ والإنعام، جَل جَلالُه وتَقدَّستْ أسمؤه. وهذه الآيةُ على قِلَّةِ ألفاظِها، فإنهّا تَضَمَّنت معانيَ جليلةً وحقائقَ عالية، تَستَحِقُّ أنْ يَتَوَقَّفَ المسلمُ عندها مَلِيًَّا. فمِن ذلك: أنّ العبادةَ قُدِّمَت فيها على الاستعانة؛ لأنَّ العبادةَ حقُّ الله، والاستعانةَ حقُّ المخلوق، وحقُّ اللهِ -بلا شك- مُقدَّمٌ على حقِّ المخلوق، وهي بهذا تُعلِّمُنا الأدبَ مع اللهِ، وتقديمَ حقِّهِ وأمرِهِ ونهيِهِ على كلِّ شيءٍ؛ اعترافًا بفضلِهِ وألوهيتِه، وإجلالاً له وخضعانًا لجَنَابِه. ومن ذلك: أنّ الفعلينِ فيها جاءا بلفظِ الجمعِ (نعبد ونستعين)، ولم يقل (أعبد وأستعين)؛ تذكيرًا للمسلمِ بارتباطِه مع الجمعةِ المسلمة، وحرصِه على إيجادِها، وبُعدِهِ عن الفَردِيَّةِ والانعزال، إضافةً إلى ما فيها من التواضعِ الذي يقتضيه هذا الاعتراف، ذلك أنّه إذا ذَكَرَ عِبادتَه مع عبادةِ الجمعة، واستعانتَه مع استعانتِها؛ ارتَفَعَ مِن قلبِه الالتفاتُ إلى عبادتِه والعُجْبُ بها، فهو يقولُ بلسانِ الحالِ: أنا يا رب ليس مني عبادةٌ تَستَحِقُّ أن أَعترِفَ بها؛ لكن عبادتي مع إخواني هي محََلُّ اعترافي لك وتَوَسُّلي إليك، فيَسقُطُ بذلك رؤيةُ المصلي لعملِهِ، وهذا داعٍ لِقَبولِهِ عند ربه واستجابةِ دعائِه، فإنّه لا يقبلُ عملاً مِن مُعجَبٍ، ولا يَسمعُ دعاءًا مِن مُتَكبرِّ.

عدد الصفحات ٣٢

33 ومن ذلك: أنّ تقديمَ العبادةِ في الآيةِ على الاستعانةِ وافَقَ قِسمَةَ السورةِ .)1(المذكورَ في الحديثِ القدسي: (قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصف فالنصفُ الأولُ لله، والنصفُ الثاني للعبد، والسورةُ مُكَّوَّنةٌ مِن سبعِ )2(ﱸ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﱹآياتٍ، تبدأُ -على الصحيح- بقوله: فيكونُ ما للهِ فيها ثلاثُ آياتٍ ونصف، وما للعبدِ ثلاثُ آياتٍ ونصف. ومن ذلك: أنّ الدِّينَ مُنقسمٌ إلى قسمين، عبادةٌ واستعانة، ولا يَكمُلُ دينُ امرئٍ حتى يقوم بهم على أكمل الوجوه. فالصلاةُ عبادةٌ واستعانة، وسؤالُ اللهِ ودعاؤه عبادةٌ واستعانة، وأفضلُ الخَلْق مَن كَمَّلَهم وقام بهم على أكملِ وجهٍ وأحسنِ حال، وشرَُّ الخَلْق مَن تَرَكَ عبادةَ اللهِ، وتَرَكَ الاستعانةَ به على قضاءِ الحوائجِ، وكَشفِ الكُرَبِ، وتَيسيرِ الأمورِ، وشرحِ الصدور. هذان صنفان وبقي صنفان: أولهم: مَن قَامَ بالعبوديةِ وقَصرََّ في الاستعانة، وهذا يحصُلُ لبعضِ الصالحين، فهو يُؤدِّي المأمورات ويترك المنهيات، ويَفعلُ ذلك بانتِظام، لكنه مُقلٌّ من الاستعانةِ باللهِ على قضاءِ حاجتِه وعبادةِ ربه، وقد حُرِم بذلك حَظًَّا عظيمً مِن الافتقارِ إلى اللهِ، واللجأِ إليه، والانطراحِ بين يديه، وعَرْضِ حاجتِه على مَن يفرحُ بقضائِها، ويَبتَلي عبادَه بأنواعِ البلاءِ ليُقبِلوا بها على ربهم، مُتضَِّعةً ______ .)395رضي الله عنه–) رواه مسلم عن أبي هريرة 1( .2) الفاتحة2(

عدد الصفحات ٣٣