المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ثلاثون مجلسا في التدبر مجالس علمية وإيمانية

اللجنة العلمية في مركز تدبر

صفحة ١٢ من ١٣

178 أي: في النبوة، بأنْ تجعلَه نبيًا رسولاً كم جعلتني، ﯶ ﯷ ﯸﱸ ﱹ ، وقال في آية )1(ﱹﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﱸ فأجابَ اللهُ دعاءَه، وقال: .)2(ﱹ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﱸأخرى: ففي هذه الآيةِ إحسانٌ مِن موسى لأَخيهِ هارون -عليهم السلام-، ورغبةٌ منه أنْ يَشترِكَ معه أَخوه في تبليغِ الدعوة، والتعاونِ على البر والتقوى. ولا ريبَ أنَّ الاشتراكَ بالخيرِ مِن أعظمِ أسبابِ مُضاعفةِ الثواب، ونيلِ المراد؛ لما في ذلك من القوة، وشَدِّ الأَزْر. وهذا ما حصل لموسى -عليه السلام-؛ ولهذا قيل: إنّ هذه أَعظمُ شفاعةٍ في تاريخِ البشر؛ فهذا هو معنى الآية. كذلك- تُشيرُ إلى ما ينبغي أنْ تكونَ –وكم أنَّ هذا هو معنى الآية؛ فهي عليه العلاقةُ بين الإخوةِ؛ من المحبة، والتآزر، والتعاون. ولهذا سُئِلَ حكيمٌ: أيُّم أحبُّ إليك: أخوك أو صديقُك؟ فقال كان صديقي الحكيمةُ تُشيرُ إلى أنه ينبغي أنْ يكونَ الأخُ صديقًا لأَخيه، فهذه الإجابةُ دونَ أنْ يكتفيَ بِرابطةِ الأُخوّة؛ وإنْ كانت مِن أعظمِ الروابط. ______ .36) طه1( .35) القصص2(

عدد الصفحات ١٧٨

179 والمتأملُ في أحوالِ الناس، وما يُكتبُ في العلاقات عمومًا؛ يَلحظُ فتورًا في علاقاتِ الإِخْوَةِ فيم بينهم، وقِلَّةً في الكتابات التي تتعرضُ لهذا النوعِ من العلاقات. فالإِخْوَة -في كثيرٍ مِن الأحيان- يَميلونَ إلى طابَعِ الرَّسميةِ في علاقاتهِم، ورُبم مالوا إلى جانبِ الندِّية، وربم كان بعضُهم يحَْقِرُ بعضًا، ولا يقضيه حقَّ الاحترامِ والتقدير؛ فيَخسَُ الإخْوَةُ خسارةً فادحة؛ إذ يَفُوْتهم الأجرُ والتآزُرُ، والتعاونُ على مَرافِقِ الحياة. أيضًا- جوانبُ كثيرةٌ من السعادةِ والصداقةِ؛ المؤسسةِ على –ويَفوتهم الثقةِ والرابطةِ القوية. ويُعرِّضون أُسرََهُمْ، ووالديم، وأولادَهم؛ لِنَكساتٍ وعداواتٍ؛ ربم أَكَلَت الأخضَ واليابس. والذي ينبغي في العلاقاتِ بين الإِخوَةِ: أنْ تقومَ على الإيثار، والمحبة، والصفاء، وتَدبُّرِ العواقِب، و تَقديرِ الصغيرِ للكبير، ورحمةِ الكبيرِ بالصغير، وإنزالِ ذي المنزلةِ مكانَهُ اللائق به، وتشجيعِ المتباطئ والمتكاسل؛ حتى ينهضَ بنفسه، وأنْ يُكَمِّلَ بعضُهم بعضًا؛ حتى يُسعدوا أنفسَهم، وأُسرَهم، وألاّ يجعلوا لِقائلٍ فيهم مقالاً.

عدد الصفحات ١٧٩

180 وإذا قُدِّرَ للإنسانِ أنْ يكونَ ذا شُهْرةٍ، أو علمٍ، أو جاه، أو مال، أو نحو ذلك؛ فيَحْسُنُ به ألا يَنسى نصيبَ إخوانِه منه، وألا يَتطاولَ عليهم. كم ينبغي لمن كان لهم أخٌ قد نَالَ ما نَالَ مما ذُكِر: أن يُعينوه على نفسه، وألا يَقفِوا أمامَ طموحاتِه، وأنْ يحمِلوا عنه ما يجبُ عليه من نحوِ برِّ الوالدين، وما جرى مجرى ذلك، فيكونوا بذلك شركاءَ له في الأجرِ والنجاح. ومما يُعين على شيوعِ روحِ الصفاء بين الإِخوة: أن يُبادِروا إلى قسمةِ الميراث؛ لكي يظفرَ كلُّ طرفٍ بنصيبِه، ولِيقطعوا دابرَ الفتنةِ، وسوءَ الظن. ومما يُصفِّي الودَّ بين الإخوة: أن يحَرِصوا على الوِئامِ والاتفاقِ حالَ الشراكة؛ فإذا كان بينهم شراكةٌ في نحوِ تجارةٍ أو غيرِها، فلْيَحرِصوا على ذلك، وعلى أنْ تَسودَ بينهم روحُ الإِيثارِ والمودَّة، والشورى، والرحمة، والصدق، والأمانة، وحسن الظن. وأنْ يحُِبَّ كلُّ واحدٍ منهم لأخيه ما يحبُّه لنفسِه، وأنْ يَعرِفَ كلُّ طَرَفٍ ما له وما عليه. كم يحسُنُ بهم أنْ يناقشوا المشكلاتِ بمُنتهى الصراحةِ، والوُضوح، وأنْ يحرِصوا على التفاني والإخلاصِ في العمل.

عدد الصفحات ١٨٠

181 كم يجمُلُ بهم أنْ يَكتُبُوا ما يتَّفِقون عليه إذا كان الأمرُ يَستدعي ذلك فإذا ساروا على تلك الطريقةِ حَلَّتْ فيهم الرحمة، وسَادَتْ بينهم المودة، ونزلتْ عليهم بركاتُ الشركة. ومن الأمورِ التي تُبقِي على المودةِ بين الإِخوة: لزومُ التواضعِ، ولينُ الجانِب، والتغاضي، والتغافُلُ، والصفحُ، ونسيانُ المعايبِ، وتركُ المِنِّة على الإِخوة، والبُعدُ عن مطالبتِهم بالمِثْل، وتَوطِينُ النفسِ على الرضا بالقليلِ مما يأتي منهم، ومراعاةُ أحوالهم، وطبائعِهم، وتجنبُ الشدَّةِ في العتابِ حالَ وقوعِ الخطأ، وتجنُّبُ الخصام، والجِدالُ العقيم، والمبادرةُ بالهديةِ والزيارةِ إن حَصَلَ خِلاف. ومن ذلك أنْ يَستحضَِ المرءُ أنّ إِخوانَه لحُْمَةٌ منه؛ فلا بُدَّ له منهم، ولا فِكاكَ له عنهم. ومن ذلك أنْ يَستحضَ المرءُ أنّ معاداةَ الإِخوةِ شرٌّ وبلاءٌ؛ فالرابحُ فيها خاسرٌ، والمنتصرُ مهزومٌ. ومن ذلك أن يُربيَ الإِخوةُ أولادَهم على احترامِ أعممِهم، وتوقيرِهم.

عدد الصفحات ١٨١

182 هذا وقد أرانا العَيانُ نمذجَ رائعةً، ومُثُلاً عُلْيا من صداقاتِ الإِخوة، وقيامِهم بالحقوقِ ما جَعلَهم مَضِبَ مَثَل، ومَوضِعَ أُسْوة. ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﱹتعالى-: –وبعد، فهذه إلماحاتٌ وإشاراتٌ مِن قوله .ﯳ ﯴﱸ وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

عدد الصفحات ١٨٢

183 )1(ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﱸ الحمد لله، والصلاة والسلام على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: فلا يكادُ يَمُرُّ على المسلمِ يومٌ أو أقل، إلا ويأتيهِ خبرٌ أنّ فلانًا قال وقال، أو أنّ شيئًا حَدَث، أو أنّ أمرًا حصل؛ وذلك لكثرةِ وسائلِ الاتصالِ في هذا العصر، ولتعدُّدِ وسائلِ الأخبارِ ونقلِ المعلومات. والمسلمُ مُطالَبٌ أنْ يلتزمَ بحدودِ الشرعِ في هذا الموضوعِ وغيرِه، ﱹ ﭟ والذي رسمَهُ القرآنُ بذلك التوجيهِ الربانيِّ العظيم، فقال تعالى: ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ .)2(ﭮ ﭯﱸ هذه الآيةُ القرآنيةُ الكريمةُ جاءتْ ضِمنَ سياقِ الآدابِ العظيمةِ التي أدَّبَ اللهُ بها عبادَه في سورةِ الحجرات. ______ ) للدكتور عمر بن عبدالله المقبل، نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العالمية لتدبر القرآن، والأستاذ 1( المشارك في جامعة القصيم .6) الحجرات2( المجل

عدد الصفحات ١٨٣

184 وهذه الآيةُ ـ أيا المؤمنون ـ نَزَلتْ لأنّ رسولَ الله ﷺ اتفق مع سيّدِ بني الحارث بن أبي ضرار- بأنْ يُرسِلَ له من يأخذُ زكاةَ بني المصطلق، –المصطلِق ولمّا حانَ وقتُ الزكاةِ أرسلَ رسولُ اللهَِ ﷺ الوليدَ بنَ عقبة إلى بني المصطلق ليأتي بزكواتهم، فلم وصل الوليدُ إلى مُنتصفِ الطريق خافَ على نفسِه القتل، فرجعَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال يا رسول الله: إنّ الحارثَ منعني الزكاةَ وأرادَ قتلي! فغضِبَ رسولُ الله ﷺ وبَعَثَ بَعْثًا إلى الحارثِ سيدِ بني المصطلق، والحارثُ لا يعلمُ بشيءٍ مما حَدَثَ، ولكنه لمّا شَعر أنّ رسولَ اللهِ لم يُرسِلْ له أحدًا تحََرّكَ إلى رسولِ الله، فالتقى الحارثُ بالبعثِ الذي بعثَه الرسولُ ﷺ إليه! فقالوا له: أتاك الوليدُ فمنعتَه الزكاةَ وأردتَ قتلَه! فقال الحارث: لا والذي بعثَ محمدًا بالحقِّ ما رأيتُه ولا أَتَاني!! ثم انطلق الحارثُ إلى رسولِ الله ﷺ فقال له رسولُ الله: منعْتَ الزكاةَ وأردتَ قتْلَ رسولي؟ فقال الحارث: لا والذي بعثك بالحق ما رأيتُه ولا أتاني! وما جئتُك إلا حينم تأخَّرَ رسولُك إليّ، فخشيتُ أنْ تكونَ ﱹﭟ ﭠ ﭡ ﭢ سخطة من اللهِ ورسولِه علينا، فنزلتْ آيةُ الحجرات: .)1(ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﱸ ______ ) بسند لا بأس به، وقال ابن عبد البر (الاستيعاب) عند ترجمة الوليد بن18459) رواه الإمام أحمد1( ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﱸعقبة: ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن -فيم علمت- أن قوله عز وجل: نزلت في الوليد بن عقبة وذلك أنه بعثه رسول الله.

عدد الصفحات ١٨٤

185 ولْنَعُد إلى شيءٍ من دلالاتِ هذه الآيةِ القرآنيةِ، والتي يجدُرُ بنا أنْ نقفَ معها الدلالة الأولى: أنّ خَبرََ العدلِ مقبولٌ غيرُ مردود، اللهمّ إلا إنْ لاحتْ قرائنُ تدلُّ على وهمِهِ وعدمِ ضبطِه فإنه يُرَدّ. الدلالة الثانية جملةً، وإنم أمر بالتبينُّ، فإنْ قامتْ قرائنُ وأدلةٌ من خارجٍ تدلُّ على صدقه عَمِلَ .)1(بدليلِ الصدق، ولو أَخْبرََ به من أَخ الدلالة الثالثة: أنها تضمّنتْ ذمَّ التَّسُّعِ في إذاعةِ الأخبارِ التي يخُشى من إذاعتِها، ولقد عابَ ربُّنا تبارك وتعالى هذا الصنفَ من الناس، كم في قوله ﱹﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ تعالى: ﱹ ﯤ ، وقال تعالى: )2(ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﱸ .)4(.)3(ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﱸ ﱹ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ الدلالة الرابعة: أنّ في تعليلِ هذا الأدبِ بقوله: ما يُوحي بخُطُورةِ التعجُّلِ في تلقّي الأخبارِ عن ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﱸ كلِّ أحدٍ، خصوصًا إذا ترتَّبَ على تصديقِ الخبرِ طعنٌ في أحد، أو بهْتٌ له. ______ .)360/1) مدارج السالك1( .83) النساء2( .39) يونس3( .)98) ينظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن4(

عدد الصفحات ١٨٥

186 وهنا مثالٌ قد يواجِهُنا يوميًا: فقد يرى أحدُنا شخصًا دخلَ بيتَه والناسُ متجهون إلى المساجِدِ لأداءِ صلاتهم، فلو قيل: إنّ فلانًا دخلَ بيتَه والصلاةُ قد أُقيمت، لكان ذلك القولُ صوابًا، لكن هل تَبينَّ سببُ ذلك؟ وما يدريه؟! فقد يكونُ الرجلُ لتوِّه قدِمَ من سَفَرٍ، فهو قد جمَعَ الصلاتين جمْعَ تقديم، فلمْ تجبْ عليه الصلاةُ أصلاً، أو لغيرِ ذلك من الأعذار! وهذا مثالٌ آخرُ قد يواجِهُنا في شهرِ رمضانَ مثلاً: قد يرى أحدُنا شخصًا يشربُ في نهارِ رمضانَ ماءً أو عصيرًا، أو يأكلُ طعامًا في النهار، فلو نَقَلَ ناقلٌ أنه رأى فلانًا من الناسِ يأكلُ أو يشربُ لكان صادقًا، ولكن هل تبينَّ حقيقةَ الأمر؟ قد يكونُ الرجلُ مسافرًا وأفطرَ أوَّلَ النهارِ فاستمرّ في فِطرِهِ - على قولِ طائفةٍ من أهلِ العلمِ في إباحةِ ذلك - وقد يكونُ مريضًا، وقد يكونُ ناسيًا،... إلى آخرِ تلك الأعذار. إذا تبينَّ هذا المعنى، فإنّ من المؤسفِ أن يجَِدَ المسلمُ خَرْقًا واضحًا من قِبَل ، ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﱸكثيرٍ من المسلمين لهذه الآيةِ القرآنيةِ المحكمة: وازدادَ الأمرُ واتَّسَع مع وسائلِ الاتصالِ المعاصرةِ؛ كأجهزةِ الجوالِ والإنترنت، ووسائلِ التواصلِ الاجتمعي، وغيرِها من الوسائل! وأعظمُ مَن يُكذَبُ عليه من الناسِ في هذه الوسائلِ هو رسولُ الله ﷺ، فكم نُسِبتْ إليه أحاديثُ وقصصٌ لا تصحُّ عنه! بل بعضُها كَذِبٌ عليه، لا يَصحُّ أن يُنسبَ لآحادِ الناسِ؛ فضلاً عن شخصِهِ الشريفِ ﷺ!

عدد الصفحات ١٨٦

187 ويلي هذا الأمرَ في الخطورةِ: التّسُّعُ في النَّقلِ عن العلمء، خصوصًا العلمء الذين يَنتظرُ الناسُ كلمتَهم، ويتتبَّعون أقوالهم، وكلُّ هذا محرّم لا يجوز، وإذا أن نتحرَّى ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﱸ كنّا أُمرْنا في هذه الآية القرآنية: ونتثبَّتْ من الأخبارِ عمومًا؛ فإنها في حقِّ النبي ﷺ وحقِّ ورثتِه أشدُّ وأشد. ومثل ذلك يقال: في النَّقل عمّ يصدُرُ عن خواصِّ المسلمين، ممن يكونُ نقلُ الكلامِ عنهم له أثرُه، فالواجبُ التثبُّتُ والتبينُّ، قبل أنْ يندمَ الإنسانُ حين لا ينفعُ الندم. على ﱹ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﱸولا يَقتصرُِ تطبيقُ هذه الآية القرآنية: ما سبق ذكرُه، بل هي قاعدةٌ يحتاجُها الزوجان، والآباءُ مع أبنائهم، والأبناءُ مع آبائهم. ولله كمْ مِن بيتٍ تَقوّضتْ أركانُهُ بسببِ الإخلالِ بهذهِ الآيةِ القرآنية! قد تَصِلُ رسالةٌ إلى جوّالِ أحدِ الزوجين، فإنْ كانتْ مِن نصيبِ جوالِ الزوجة، واطّلع الزوجُ عليها، سارَعَ إلى الطلاقِ قبلَ أنْ يتثبَّتَ مِن حقيقةِ هذهِ الرسالة، التي قد تكونُ رسالةً طائشةً، جاءتْ من مُغرِض أو مِن سفيهٍ، أو قد تكونُ جاءتْ على سبيلِ الخطأ! وقُلْ مِثلَ ذلك: في حقِّ رسالةٍ طائشةٍ -جادة أو هازلة- تَصِلُ إلى جوالِ الزوج، فتكتشِفُها الزوجة، فتتِّهِم زوجَها بخيانةٍ أو غيرِها، فتُبادِر إلى طَلَبِ الطلاقِ قَبلَ أنْ تتثبَّتَ مِن حقيقةِ الحال!

عدد الصفحات ١٨٧

188 لما حَصَل هذا كلُّه ﱹ ﭦﱸولو أنّ الزوجين أَعْملا هذه الآيةَ القرآنية: وإذا انتقلْتَ إلى مَيدانِ الصحافةِ أو غيرِها من المنابرِ الإعلامية؛ وجدتَ عجبًا من خَرْقِ سياجِ هذا الأدب.. فكمْ مِن تحقيقاتٍ صحفيةٍ بُنيتْ على خبرٍ إما أصلُه كذبٌ، أو ضُخّمَ وفُخّمَ حتى صُوّرَ للقراء على أنّ الأمرَ بتلك الضخامةِ والهول، وليس الأمرُ كم قيل! والواجبُ على كلِّ مؤمنٍ مُعظّمٍ لكلامِ ربِّه أنْ يتقيَ ربَّه، وأن يتمثل هذا ﱹ ﭟ ﭠ الأدبَ القرآنيَّ الذي أرشدت إليه هذه الآيةُ القرآنيةُ الكريمة: ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ .ﭯﱸ جعلنا الله وإياكم من المتأدِّبين بأَدَبِ القرآنِ، العاملين به. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمً كثيرًا.

عدد الصفحات ١٨٨

189 )1(ﱹ ﭹ ﭺ ﭻﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِه ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: .ﱹ ﭹ ﭺ ﭻﱸفيقولُ اللهُ تبارك وتعالى: هذه الآيةُ العظيمةُ تُعدُّ بَلْسَمًَ لكثيرٍ مِن الأَدواءِ التي يُبتلى بها كثيرٌ مِن العُقلاء؛ حيثُ يُبتلَون بِمَن لا خلاقَ لهم مِن السفهاءِ الذين يُثيرونَ حولهم الغُبار، ويُسيؤون إليهم بالكلامِ البذيءِ المؤذي. ويَكثرُ ذلك في بعضِ الدوائرِ التي تَضُمُّ خَليطًا مِن الناس، كم يَشِيعُ في مجتمعاتِ الطلابِ والمعلِّمين. وخَيرُ علاجٍ لتلك الإساءاتِ هو الإعراضُ عن الجاهلين؛ فمَن أَعْرَضَ عنهم حمََى عِرْضَه، وأَرَاحَ نفسَه، وسَلِم مِن سَمعِ ما يؤذيهِ. )2(ﱹﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﱸ قال -عز وجل-: ______ ) للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد، عضو هيئة التدريس في جامعة القصيم1( .199) الأعراف2( المجل

عدد الصفحات ١٨٩

190 فبِالإِعراضِ عن الجاهلين يحَفَظُ الرَّجُلُ على نفسِه عِزَّتهَا، إذ يَرفَعُها عن الطائِفةِ التي تَلِذُّ المهاترةَ والإقذاع، قال بعض الشعراء: والعَرَبُ تقول رضي الله عنه- فلم يجُِبْه، –ورُوي أنَّ رجلاً نَالَ مِن عمرَ بنِ عبدِ العزيز فقِيل له: ما يَمنعُك منه؟.... قال: التَّقيُّ مُلْجَمٌ. هذا وإنَّ مِن أعظمِ ما يُعِينُ على الإِعراضِ عن الجاهلين -زيادة على ما مضى- ما يلي: أولاً: الترََّفُّعُ عن السِّباب؛ فذلك مِن شرََفِ النَّفْس، وعلوِّ الهمة، كم قالت الحكمء قال الأصمعي لَتَسْمَعَنَّ عشرًا. فقال الآخرُ: لكنَّك إنْ قلتَ عشرًا لم تَسمعْ واحدة وشَتَمَ رجُلٌ الحسنَ، وأَربى عليه، فقال له الحسنُ شيئًا، وما يَعلمُ اللهُ أكثر إني لأُعـرضُ عن أشـياءَ أسـمَعُـها أَخشـى جَـوابَ سـفيهٍ لا حياءَ له وقال أبو العتاهية: والصَّمْتُ للـمرءِ الحليمِ وِقــــايةٌ فَكِلِ السفيهَ إلى السفاهةِ وانتصِفْ حتـى يقـولَ رجـالٌ إنَّ بي حمََـــقـا فَسْـــلٍ وظَـنَّ أُنـاسٌ أنـه صَدَقـا يَنـفــــي بها عـن عِرْضِه مـا يَكْرَهُ بالحـلـمِ أو بالصمتِ ممن يَسْـفـــهُ

عدد الصفحات ١٩٠

191 ثانيًا: استحضارُ كونِ الإساءة دليلاً على رفعةِ شأنِ المُساءِ إليه، وشرََفِه؛ فذلك مما يُوِّنُ ما يَلقى من سبٍّ وتجريحٍ. ثالثًا: الاستهانةُ بالمسيء؛ فذلك من ضرُوبِ العِزَّةِ والأَنَفَة، ومِن مُستحسَن الكِبرِْ والإعجاب، ومِن ذلك قولُ بعضِ الزعمءِ في شِعرِه: وأَكْثَرَ رجلٌ مِنْ سَبِّ الأحنفِ وهو لا يجيبه، فقال السَّابُّ: واللهِ ما مَنَعَ الأحنفَ من جوابي إلا هواني عليه. وفي مثلِه يقولُ الشاعر: وشَتَمَ رَجلٌ الأحنفَ، وجَعَلَ يَتبعُه حتى بَلَغَ حَيَّه، فقال الأحنفُ: يا هذا إنْ كان بَقِيَ في نفسِك شيءٌ؛ فهاتِه وانْصرَِفْ؛ لا يَسْمَعْكَ بعضُ سفهائِنا، فَتَلْقَى ما تَكْرَه. ................................. قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: إذا سَـبَّني نـذلٌ تزايـدتُ رفـعـةً ولـو لم تكـنْ نفـسي عَـليَّ عزيـزةً وما زالـت الأشرافُ تهُجَى وتُدَحُ ومـا العيـبُ إلا أنْ أكـونَ مُسـابِبُه لمََكَّنْتُهـا مِـن كلِّ نـذلٍ تحاربُـه نَجَـا بِـكَ لُؤْمُـك مَنْجَـى الذبـابِ حمََتــْـهُ مــقــاذِيــرُه أنْ يُنالا أَوَ كلم طَــنَّ الــذبــابُ طَــرَدْتُــه إنَّ الذبــابَ إذًا عَــليّ كريمُ

عدد الصفحات ١٩١

192 وأَسمَعَ رَجلٌ ابنَ هُبَيرةَ فأَعرَضَ عنه، فقال: إياك أَعْني، فقال له: وعَنك أُعْرِض رابعًا: أنْ يَستحضَ أنّ مجاراةَ السفهاءِ شرٌّ وبلاء، فهناك مَن إذا ابتُلي بسفيهٍ ساقِط -لا خلاقَ له، ولا مروءة فيه- أَخَذَ يجَُاريهِ في سَفهِهِ وقِيلِهِ وقالِه، مما يجعلُه عُرضةً لِسمعِ ما لا يُرضيه؛ مِن ساقطِ القولِ ومرذولِه، فيُصبِحُ بذلك مُساويًا للسفيه؛ إذ نَزَلَ إليه، وانحطَّ إلى رتبتِه. قال الأحنفُ بن قيس تجََرَّعتُهُ مخَافةَ ما هو أشدُّ منه خامسًا: أن يَستحضَِ الإنسانُ أنه بالإِعراضِ عن الجاهلين يُكرِمُ نفسَه بذلك، ويُكرِمُ قرابةَ السفيهِ الأبرياءِ الأعزاء؛ لأنهم لا ذنبَ لهم، ولهذا قيل: « وقد يَظُنُّ ظانٌّ أنَّ الإِعراضَ عن الجاهلِ والإغضاءَ عن إساءتِهِ -مع القدرةِ عليه- مُوجِبٌ للذِّلَّةِ والمهانة، وأنه قد يجَُرُّ إلى تَطَاوُلِ السفهاء! وهذا خطأ؛ ذلك أنَّ العفوَ والحلمَ لا يَشتبِهُ أيٌّ منهم بالذّلّةِ بحال؛ فإنَّ الذِّلّةَ احتملُ الأذى على وجهٍ يُذْهِبُ الكرامة. أمّا الحلمُ فهو إغضاءُ الرَّجُلِ عن المكروه، حيثُ يَزيدُه الإغضاءُ في أَعينُِ الناسِ رفعةً ومَكانة. إذا جَــارَيــتَ في خُــلُــقٍ دنيئًا فــأنــت ومَـــن تجُـــاريـــهِ ســـواءُ

عدد الصفحات ١٩٢

193 فالعفوُ إسقاطُ حَقِّك جُوْدًا، وكَرَمًا وإحسانًا؛ مع قُدرتِك على الانتقام، فتُؤثرُ الترك؛ رغبةً في الإحسانِ ومكارمِ الأخلاق. بخلافِ الذُّل؛ فإنّ صاحبَه يَترُكُ الانتقامَ عَجْزًا، وخوفًا ومهانةَ نفس؛ فهذا غيرُ محمود، بل لعلَّ المُنتَقِمَ بالحقِّ أَحسَنُ حالاً منه؛ لأنَّ مِن الناسِ مَن بَلَغت به الرقاعةُ واللؤمُ أنْ يُفسَِّ الإكرامَ والإغضاءَ بالضعف، وعليه يحُمل قولُ أبي الطيب المتنبي: ومعنى قولِه أي: إلا أنْ تَستقيم. وهذا راجعٌ إلى حكمةِ الإنسان، وتقديرِه الأمورَ، وتدبُّرِه للعواقب؛ فيَعرِف متى يأخُذُ بالحزم، ومتى يأخذُ بالحلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. سياسـةُ الحِلْـمِ لا بَطْـشٌ يُكدِّرُهـا فهـو المَهيـبُ ولا تخُشـى بـوادِرُه إذا أنـت أكرمـتَ الكريـمَ ملكتَـه وقولُ الشرَّيفِ الرَّضيِ: في الـــنـــاسِ إنْ فــتَّــشــتَــهــم فـــاتـــركْ مجــامــلــةَ اللئيــــ وإنْ أنـت أكرمـتَ اللئيـمَ تـرَّدا مَــــنْ لا يُـــعِـــزُّك أو تُــذِلَّــه ــــــمِ فـــإنَّ فيها الــعــجــزَ كُلَّه وكنتُ إذا غَــمَــزْتُ قناةَ قوم كـــستُ كــعــوبهَــا أو تَستقيم

عدد الصفحات ١٩٣