المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ثلاثون مجلسا في التدبر مجالس علمية وإيمانية

اللجنة العلمية في مركز تدبر

صفحة ١٠ من ١٣

146 إنها معالمُ تربويةٌ مهمةٌ نَستَلْهِمُها من قصصِ الأنبياءِ الكرام مع أبنائهم، ولن نجدَ نموذجًا أرقى ولا أعظمَ منهم. هذه ـ أيا المؤمنون ـ بعضُ دلائلِ هذه المناجاة النبوية، فم أجملَ التأسي به، ومراعاةَ الأدبِ وعلوِّ الهمةِ في دعواتِنا. اللهم ارزقنا الأدبَ معك، وصدقَ اللجأِ إليك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ١٤٦

147 )1(ﱹﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﱸ الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد: ﱹﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ فيقولُ اللهُ تعالى في سورة البقرة: .)2(ﯮﱸ هذه آيةٌ قرآنيةٌ إيمنية، لها صلةٌ عظيمةٌ بعبادةٍ من أعظمِ العبادات، ألا وهي عبادةُ الدعاء. وهذه الآيةُ المُتَعَلِّقةُ بالدعاءِ جاءت مُتوسِّطةً بين عددٍ من آياتِ الصيام، وكأنها -والله أعلم- تُشيرُ إلى أهميةِ الدعاءِ في رمضان، والدعاءُ عمومًا -في ﱹ ﯦ رمضانَ وفي غيرِه- له شأنٌ عظيم، بل هو صفةُ عبادِ اللهِ الصالحين .)3(ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﱸ ﱹﯩ ﯪ ﯫ يا أمةَ القرآن! لقد انطوتْ هذه الآية الكريمة - - على جملةٍ من الهدايات، منها:ﯬ ﯭ ﯮﱸ ______ ) للدكتور عمر بن عبدالله المقبل، نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العالمية لتدبر القرآن، والأستاذ 1( المشارك في جامعة القصيم .186) البقرة2( .90) الأنبياء3( المجل

عدد الصفحات ١٤٧

148 أولاً: أنّ القرآنَ قد اشتملَ على أربعةَ عشر سؤالاً، وكلُّها تبدأ بـ(يسألونك)، ثم يأتي الجواب بـ:(قل) أو(فقل)، إلا هذا الموضع الوحيد، ، وجاء جوابُ ﱹﯩ ﯪ ﯫ ﯬﱸفإنه بدأَ بهذه الجملة الشرطية: ﱹ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ الشرطِ من دون الفِعل: قل، بل قال: ، فكأنّ هذا الفاصل -(قل)- مع قِصرَِه، كأنه يُطيلُ القُرْبَ بين الداعي ﯴ ﱸ تَنبِيهًا على شِدَّةِ ﱹ ﯭ ﯮﱸوربِّه، فجاء الجوابُ بدون واسطةٍ؛ بل قال: قُرْبِ العبدِ مِن ربِّه في مقامِ الدعاء!. فكمْ في هذا اللفظِ مِن ﱹ ﯫﱸولو تأمَّلتَ -أيا المبارك- في قولِه: الرَّأْفةِ بالعباد؛ حيثُ أضافَهم إلى نفسِهِ العَليّةِ سبحانه وبحمده! فأين الدَّاعون؟ وأين الطارقون لأبوابِ فضلِه؟! وهو قد حَثَّهم سبحانه على الدعاءِ فقال: ﱹ ﯓ ﯔ ﯕ وقال جل وعلا: )1(ﱹﮨ ﮩ ﮪ ﮫﱸ .)2(ﯖ ﯗ ﱸ ففيها إثباتُ قُربِهِ مِن عبادِه جل ﱹ ﯭ ﯮﱸ وأما قولُه سبحانه: وعلا، وهو قُربٌ خاصٌّ بِمَن يَعبدُه ويدعوه، وهو- واللهِ - مِن أعظمِ ما يَدفعُ المؤمنَ للنشاطِ في دعاءِ مولاه. ولْتنظر -أيا المؤمن- في نتيجةِ ذلك التضُّع، ألا وهي في قوله: ______ .55) الأعراف1( .14) غافر2(

عدد الصفحات ١٤٨

149 ففي هذا ما يدُلُّ على قدرةِ اللهِ وكملِ سمعِهِ سبحانه، ﱹ ﯰ ﯱ ﯲﱸ ﱹ ﭝ وهذا ما لا يَقدِرُ عليه أيُّ أحدٍ إلا هو سبحانه! وقد قال جل وعلا: فقد وعد سبحانه بالاستجابةِ لمن دعاه وهو )1(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﱸ موقِنٌ بالإجابة. إنّ أيَّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدنيا -وللهِ المثلُ الأعلى- مهم أُوتي مِن القوةِ والسلطانِ لا يمكنُه أنْ يُنفّذَ كلَّ ما يُطلَبُ منه؛ لأنه مخلوقٌ عاجز، لا يستطيع أنْ يدفَعَ عن نفسه المرضَ والموتَ، فضلاً عن غيره، فتباركَ اللهُ القويُّ العزيز، الرحيم الرحمن. ، ففيها إشارةٌ إلى ﱹ ﯳ ﯴ ﱸلكنْ تأمَّل -أيا المؤمن- في قولِه تعالى: أنّ مِن شرَطِ إجابةِ الدعاءِ أن يكونَ الداعي حاضرَِ القلبِ حينم يدعو ربه، وصادقًا في دعوةِ مولاه، بحيثُ يكونُ مخلِصًا مُشعرًِا نفسَه بالافتقارِ إلى ربِه، .)2(ومُشعرًِا نفسَه بِكرِمِ الله، وجُودِه ثانيًا: ومن هداياتِ هذه الآيةِ ودلالتِها: أنّ اللهَ تعالى يجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دَعاه؛ ولا يَلزَمُ مِن ذلك أنْ يجيبَ مَسألتَه؛ لأنه تعالى قد يؤخِّرُ إجابةَ المسألةِ ليزدادَ الداعي تَضُّعًا إلى الله، وإلحاحًا في الدعاء؛ فيَقْوَى بذلك إيمنُه، ويزداد ثوابُه؛ أو يدّخره له يومَ القيامة؛ أو يدفع ______ .60) غافر1( .)345/1 )، وتفسير القرآن الكريم للعثيم84/5) ينظر فيم سبق: مفاتيح الغيب2(

عدد الصفحات ١٤٩

150 عنه من السوءِ ما هو أعظمُ فائدةً للداعي؛ وهذا هو السُِّّ - والله أعلم .)1(ﱹ ﯰ ﯱ ﯲﱸقوله تعالى: ﱹ ﯩ ﯪ ﯫ ثالثًا: ومِن هداياتِ هذه الآيةِ ودلالتِها وتاجِها - -:ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﱸ أنّك تَلحظُ فيها سرًَِّا من أسرارِ عظمةِ هذا الدين، وهو التوحيد، فهذا ربُّك -أيا المؤمن- وهو مَلِكُ الملوك، القهارُ الجبار، الذي لا يُشبه مُلْكَه مُلكٌ، ولا سُلْطَانَه سلطانٌ - لا تحتاجُ إذا أردتَ دعاءَه إلى مَواعِيد، ولا إلى أُذُونات، ولا شيءٍ من ذلك، إنم هو رَفْعُ اليدين، مع قلبٍ صادق، وتَسألُ حاجتَك، كم قال بَكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَني - أحدُ ساداتِ التابع خُليِّ بينك وبين المحراب، تَدخلُ منه إذا شئتَ على ربك، وليس بينك وبينه ، فيا لها مِن نعمةٍ لا يعرفُ قدرَها إلا الموفَّق. )2(حجابٌ ولا ترجمان وإذا تَبينََّ وقعُ هذه العبادةِ الجليلة، فإنك ستُدْرِكُ أنّ الحرمانَ الحقيقيَّ للعبدِ حينم يحُرَمُ طَرْقَ الباب، وأن تُنسيَه نفسُه هذا السبيلَ العظيم! كم قال أبو .)3(حازم: لأََنا مِن أَنْ أُمنع الدعاء، أَخْوَفُ مني مِن أَنْ أُمنع الإجابة « ______ .)345/1) تفسير القرآن الكريم للعثيم1( .)229/2) حلية الأولياء2( .)288/7،241/3) حلية الأولياء3(

عدد الصفحات ١٥٠

151 هو أنْ يخَُليَِّ بينك وبين نفسِك، فإذا كانَ كلُّ خيرٍ فأصلُه التوفيق، وهو بيدِ اللهِ بيدِ العبد، فمفتاحه الدعاءُ والافتقارُ وصدقُ اللجأ والرَّغبة والرهبة إليه، فمتى أَعطى العبدَ هذا المفتاحَ فقد أرادَ أَنْ يفتحَ له، ومتى أَضلَّه عن المفتاحِ بقي بابُ الخيرِ مُرتجًا دونه، قال أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله عنه-: (إني لا أَحملُ همَّ الإجابة، ولكني أَحملُ همَّ الدعاء، فإذا أُلهمتُ الدعاءَ فإنَّ الإجابةَ معه). وعلى قَدْرِ نِيةِ العبدِ وهمتِه ومُرادِه ورغبتِه في ذلك يكونُ توفيقُه سبحانه وإعانتُه، فالمعونةُ من اللهِ تنزِلُ على العبادِ على قَدْرِ همَِمِهم وثَباتهِم ورَغبتِهم ورَهبتِهم، والخذلانُ ينزلُ عليهم على حسب ذلك،... وما أُتيَِ مَن أُتيَِ إلا مِن قِبَل إضاعةِ الشكر، وإِهمالِ الافتقارِ والدعاء، ولا ظَفَرَ مَن ظَفَر -بمشيئةِ اللهِ .)1(وعونِه- إلا بقيامِه بالشُّكر، وصِدْقِ الافتقارِ والدعاء ومِن المعاني المهمةِ التي ينبغي أنْ يَستحضَها العبدُ -وهو في مقامِ الدعاء - ما أَشَارَ إليه الإمامُ أبو سليمن الخطابي رحمه الله- وهو يَتحدَّثُ عن الحكمةِ مِن مشروعيةِ الدعاءِ - فيقول ومُستعمَلاً، ومُعلَّقًا بين الرجاء والخوف -اللذين هما مَدرجتا العبودية- ليَستخرجَ منه بذلك الوظائفَ المضوبةَ عليه، التي هي سِمَةُ كلِّ عبد، ونِصْبةُ . )2(كلِّ مَربوبٍ مُدَبَّرٍ ______ .)181) ابن القيم في الفوائد1( .)10-9) شأن الدعاء2(

عدد الصفحات ١٥١

152 رابعًا: ومِن هداياتِ هذه الآيةِ ودلالتِها استحبابُ الدعاءِ عند الفِطرِ في رمضانَ وغيرِه، وهذا ما يدلُّ عليه ظاهرُ القرآن، وفعلُ السلف، وفي السُّنةِ المرفوعةِ أحاديثُ لا تخلو مِن مَقال، ولكنْ ها أنت ترى ظاهرَ القرآنِ يَعضُدُها، ووَجْهُ الدلالةِ مِن الآياتِ على هذا المعنى: أنّ اللهَ تعالى ذَكَرَ هذه الآيةَ -آية الدعاء- بُعَيْدَ آياتِ الصيامِ وقُبيلَ آيةِ إباحةِ الرَّفَثِ في ليلِ الصيامِ، .)1(الصيام، إرشادٌ إلى اجتهادٍ في الدعاءِ عند إكملِ العِدَّةِ، بل وعند كلِّ فِطر فم أَجمَلَ العبدَ وهو يُظهِرُ فَقرَه وعبوديتَه بِدعاءِ مولاه، والانكسارِ بين يدي خالقِه ورازِقه، ومَنْ ناصيتُه بيدِه! وما أسعدَه حينم يَتَبِلُ أوقاتَ الإجابةِ ليناجيَ ربَّه، ويسألَه مِن واسِعِ فضلِه في خَيرَي الدنيا والآخرة! نسألُ اللهَ تعالى أن يرزُقَنا صدقَ اللجأِ إليه، والانطراحَ بين يديه، وكملَ التضُّعِ له، وقوةَ التوكلِّ عليه، وأن لا يخُيِّبَ رجاءَنا فيه، ولا يردَّنا خائبين بسببِ ذنوبِنا وتقصيرِنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ______ .)273 /1) تفسير ابن كث1(

عدد الصفحات ١٥٢

153 )1(ﱹ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﱸ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ﱹ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ تعالى-: –فإنّ الحديثَ هاهنا سيدورُ حولَ هدايةِ قولِ الله . فهذه آيةٌ عظيمةٌ في أول سورةٍ نزلتْ في القرآن، وهي سورة العلق. )2(ﯞ ﱸ آيةٌ تهَُزُّ الوجدان، وتفعلُ في النفس ما لا تفعلُهُ سُلُطاتُ الدنيا، ولا أحدثُ التقنيات في عالم المخابرات. آيةٌ تضبِطُ النوازع، وتقوِّي الوازع، وتكْبَحُ الجمح، وتدعو إلى إحسانِ العمل، وكملِ المراقبة. وقد جاءت بهذا البيانِ المعجزِ الذي لا تصل إليه قوةُ بَشرَ. جاءت بهذا التعبيرِ الواضح مُبِيْنَةً عمّ تحتها من معنى، ؟ﱹ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﱸجاءت بصيغة الاستفهام: وتحت هذه الآيةِ من اللطائفِ والأسرارِ الشيءُ الكثير؛ ففيها إشارةٌ إلى وجوبِ المراقبة لله -عز وجل-، وفيها تهديدٌ لمن يتمدى في الغَيّ، وفيها تلويحٌ ______ ) للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد، عضو هيئة التدريس في جامعة القصيم1( .14) العلق2( المجل

عدد الصفحات ١٥٣

154 إلى وجوبِ الإقصارِ عن الشر، وفيها تلميحٌ إلى أنَّ العلمَ باطِّلاع اللهِ -عز وجل- على الخلائقِ أمرٌ فِطْريٌّ لا يحتاج إلى دليل، وفيها تعريضٌ بغباوةِ مَنْ يجهلُ هذه الحقيقة، أو يكابِرُ في شأنها. فيا لله ما أجملَ أن يَستحضَِ كلُّ أحدٍ هذه الآيةَ إذا امتدت عينُه إلى خيانة، أو يَدُه إلى حرام، أو سارتْ قدمُه إلى سوء، أو تحرَّك لسانُه بقبيح. وما أروعَ أن تكونَ هذه الآية نُصْبَ أعيُنِنا إذا أردْنا القيامَ بم أُنيط بنا من عمل. وفي هذا سرٌّ بديعٌ، ودرسٌ عظيمٌ تُفِيد منه الأمةُ بعامَّة، ويفيد منه الأفرادُ بخاصَّة؛ فواجبٌ على المصلحين وقادةِ الأُممِ أن يتنبَّهوا لهذا المعنى، وأن يحَرِصوا على إشاعتِه في الناس؛ ذلكم أنّ وازعَ الدينِ والمراقبةِ لربِّ العالمين يفعل في النفوس ما لا يفعله وازعُ القوَّةِ والسلطان؛ فإذا أَلِفَ المرءُ أنْ يراقِبَ ربَّه، ويستحضَ شهودَه واطّلاعَه عليه: فإن المجتمعَ يأمنُ بوائقَه، ويستريحُ من كثيرٍ من شروره. أما إذا كان الاعتمدُ على وازعِ القوة، وحارسِ القانون: فإنّ القوةَ قد تضعُف، وإنّ الحارسَ قد يغفَل، وإن القانونَ قد يُؤَوَّل، وقد يُتَحايلُ؛ للتخلُّصِ من سلطانِه. لذلك تَكثُرُ الجرائمُ والمفاسدُ إذا قَلّت التربيةُ الدينيةُ في مجتمعٍ ما، فإذا أَشَعْنَا هذا المعنى في الناس، وعَمَدْنا إلى تربيتِهم بأسلوبِ الدينِ والفضيلة أَرحْنا واسترحنا، ووفَّرْنا جهودًا كبيرة، وقد تكونُ ضائعةً في غيرِ ما فائدة؛ فالمراقبةُ حارسٌ قويٌّ يمنعُ الإنسانَ من التفكيرِ في الجرائمِ والشرور، والتقصيرِ في أداءِ الحقوق.

عدد الصفحات ١٥٤

155 إذًا- أن تكونَ هذه الآية في أوّل سورةٍ نزلتْ من القرآن –فلا عَجَبَ الكريم؛ لكي يكونَ المؤمنُ على ذِكْرٍ من هذا المقامِ العالي، الذي إذا تََثَّلَه كان في قبيل المحسنين، الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم. وتلك هي مرتبةُ الإحسانِ التي هي أعلى مراتبِ الدين، والتي إذا استشعرها المؤمنُ حالَ قيامِه بعبودية ربه كان عملُه مُتْقَنًا مُضاعَفًا؛ فإذا صلى مُستشعرًا ذلك المعنى تضاعفَ أجرُ صلاتِهِ، وهكذا بقيةُ الأعمل الصالحة. ولعلّ الصيامَ من أعظمِ العباداتِ التي تتجلى بها عبوديةُ المراقبة؛ فالصيامُ مدرسةٌ لقيام تلك العبوديةِ العظمى؛ ذلكم أنّ الصائمَ يُمسكُ عن المفطّراتِ طيلةَ النهار، فتراه أمينًا على نفسه، رقيبًا عليها في الصغيرةِ والكبيرة، متمثِّلاً هيبةَ مولاه، واطلاعَه، وشهودَه كَأتمِّ ما يكون، فلا تحدِّثُه نفسُه بتناولِ مُفطِّرٍ ولو قلّ، ولا يخَْطُرُ ببالِهِ أن يَنْقُضَ صيامَه ولو توارى عن الأعين؛ فَيَصِلُ بذلك إلى مرتبةِ الإحسان؛ حيث يعبُدُ اللهَ كأنه يراه. ولهذا خصّ اللهُ -عز وجل- الصيامَ من بين سائرِ الأعملِ بأنه له، وهو يجزي به. رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: –فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة « وجل- في الحديث وفي رواية. )1(وشرابه من أج ______ .)1151)، ومسلم1894) البخاري1(

عدد الصفحات ١٥٥

156 فالصيامُ سرٌِّ بين العبد وبين ربه لا يَطّلع عليه غيرُه؛ فإنه مُركَّبٌ من نيَّةٍ باطنةٍ لا يطَّلِعُ عليها إلا الله، وتركٍ لتناولِ الشهواتِ التي يُستَخفى في تناولها في العادة؛ فإذا تَرَكَ ما تدعوه إليه نفسُه لله -عز وجل- حيث لا يَطَّلِعُ عليه غيرُ مَنْ أمَرَهُ ونهاه، دلَّ ذلك على صحةِ إيمنِه، واللهُ -عز وجل- يحبُّ من عباده أن يعاملوه سرًِا بينهم وبينه، وأهلُ محبتِهِ يحبُّون أن يعاملوه هكذا؛ فإذا استشعر الصائمُ هذا المعنى العظيم انبعث إلى مراقبةِ الله -عز وجل- في شتى شؤونِه؛ فالذي يطََّلعُ عليه في صيامِهِ مُطَّلِعٌ عليه في جميعِ أحوالِه. وإذا راقب الإنسانُ ربَّه، واحترمَهُ في خلواتِه أظهرَ اللهُ فضلَه، ورَفَعَ ذِكْرَه؛ فالجزاء من جنس العمل، ومن يعملْ سوءًا يجُزَ به. رحمه ا–قال أبو حازم أي: يُفسِد- فيم بينه وبين الله –إلا أحسنَ اللهُ فيم بينه وبين الناس، ولا يُعَوِّر -عز وجل- إلا عَوَّر اللهُ فيم بينه وبين العباد، ولمَُصَانعةُ وجهٍ واحدٍ أيْسُ من مصانعةِ الوجوهِ كلِّها؛ إنك إذا صانَعْتَ اللهََ مالت الوجوهُ كلُّها إليك، وإذا .)1(أفسدتَ ما بينك وبين اللهِ شنأتْك الوجوهُ كلُّها اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. ______ .239/3) حلية الأولياء1(

عدد الصفحات ١٥٦

157 )1(ﱹ ﮋ ﮌ ﱸ الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد: فمِن السُّورِ العظيمةِ التي يحفظُها عامةُ المسلمين، سورةُ التكاثر، وقد تضمّنتْ معانيَ عظيمةً، يحَْسُنُ بنا أن نتوقَّفَ عندها، خاصةً ونحن في عَصرٍْ عَظُمَ فيه التكاثُر، فم أحوجَنا إلى معرفةِ مَنْهجِ القرآنِ في الحديثِ عن التكاثر في ضوءِ سورةِ فهذه السورةُ أُخْلِصَت للوعدِ والوعيدِ والتهديد، وكفى بها موعظةً لمن أي: شَغَلَكم على وَجْهٍ لا تُعْذَرون )2(ﱹ ﮋ ﮌﱸعَقَلَها، فقوله تعالى: فيه، فإنّ الإلهاءَ عن الشيءِ هو الاشتغالُ عنه. فهو أبلغُ في الذمِّ مما لو قال: شَغَلَكم، فإنّ ﱹ ﮋﱸوتأمّلْ في قوله: العاملَ قد يَستعملُ جوارحَه بم يعملُ وقلبُه غيرُ لاهٍ به، فاللهوُ هو ذهولٌ وإعراض، والتكاثر تفاعُل؛ من الكَثْرة، أي: مُكاثَرَةُ بعضِكم لبعض. ______ ) ملخصٌ من مجموع كلام العلاّمتين: ابن القيم وابن عثيمين -رحمهم الله- على هذه الآية وع 1( هذه السورة الكريمة، بتصرف واختصار .1) التكاثر2( المجل

عدد الصفحات ١٥٧

158 واللهُ تعالى لم يذُمَّ الكثرة، ففي الصحابة أغنياء، وفي الأنبياء ـ قبل ذلك ـ مُلوكٌ لا يُداني مُلكَهم أحدٌ، وإنم ذمّ اللهُ التكاثرَ الذي سبَبُه الفخرُ والكِبرُْ، وأَثَرُهُ: الإلهاءُ والإشغالُ، ويحَْمِلُ على الأَشرَِ والبَطَرِ، ونسيانِ الشُّكر. ولم يَذْكُرِ اللهُ تعالى ما الشيءُ الذي يَتَكاثَرُ به العباد؟ ليشْمَلَ كلَّ شيءٍ يَتَكاثَرُ به العباد! وأنَّ كلَّ ما يُكَاثِرُ به العبدُ غَيرَْه ـ سوى طاعةِ اللهِ ورسولِه، وما يعودُ عليه بنفعِ معادِه ـ فهو داخلٌ في هذا التكاثر. فالتكاثرُ في كلِّ شيء: من مالٍ، أو جاهٍ، أو رياسةٍ، أو نِسوةٍ، أو حديثٍ، أو علم ـ ولا سيم إذا لم يحُْتَجْ إليه ـ والتكاثرُ في الكتب، والتصانيف، وكثرةِ المسائل، وتفريعِها وتوليدِها، وقُلْ مثلَ ذلك في التكاثر في عصرِنا بكثرةِ المراكب، والأَسْهُم، والعقارات! والتكاثر أنْ يطلُبَ الرجلُ أن يكونَ أكثرَ من غيرِه، وهذا مذمومٌ إلا فيم يُقرِّبُ إلى الله، فالتكاثر فيه منافسةٌ في الخيرات، ومسابقةٌ إليها. وإنم ذمَّ اللهُ التكاثرَ بالأموالِ والأولادِ على الوَجهِ المذموم؛ لأنه من أعظمِ ﱹ ﮋ ﮌ ﮍ ما يُلهي النفوسَ عن الله والدار الآخرة، كم قال تعالى: فكُلُّ )1(ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﱸ مَنْ شغلَهُ وألهاهُ التكاثرُ بأمرٍ من الأمورِ عن اللهِ والدارِ الآخرةِ فهو داخلٌ في حكم هذه الآية. ______ .4 - 1) التكاثر1(

عدد الصفحات ١٥٨

159 فجَعَلَ الغايةَ ﱹﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﱸثم تأمّلْ ـ أيا المؤمن ـ في قوله: زيارةَ المقابرِ دون الموت. مُشعرٌ بأنهم غيرُ مُستوطنين ولا مُستقرِّين في القبور، وأنهم ﱹﮏﱸولفظ فيها بمنزلةِ الزائرين، يحضونها مُدّةً ثم يظعنون عنها، وينتقلون إلى دار القرار ـ كم كانوا في الدنيا زائرين لها غيرَ مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار. وهذا من الله توعُّدٌ لمن ألهاه ﱹ ﮒ ﮓ ﮔ ﱸ ثم قال سبحانه: التكاثرُ، وعيدًا مؤكدًا إذا عاين تكاثرَه هباءً منثورًا، وعَلِم أن دنياه التي كاثر بها، إنم كانت خدعًا وغرورًا، فوجد عاقبةَ تكاثُرِه عليه، لا لَهُ، وخَسَِ هنالك تكاثرَه، كم خَسِ أمثالُه، وبدا له من اللهِ ما لم يكنْ في حِسابِه، وصار تكاثرُه الذي شَغَله عن اللهِ والدارِ الآخرةِ من أعظمِ أسبابِ عذابِه، فعُذِّبَ بتكاثرِه في دنياه، ثم عُذِّبَ به في البرزخ، ثم يُعذَّبُ به يوم القيامة، فكان أشقى بتكاثرِه إذْ أفادَ منه العَطَب، دون الغنيمةِ والسلامةِ، فلم يَفُزْ مِنْ تكاثُرِه إلا بأنْ صارَ من الأقَلِّين! فيا له تَكاثُرًا ما أقلّه! ورُزْءًا ما أجلّه! ويا له من غِنىً جالِبًا لكلِّ فَقْرٍ! ومالاً تُوصِّلَ به إلى كلِّ شر! يقولُ صاحبُه -إذا انكشف عنه غطاؤه-: ﱹﮮ ﮯ ، وعَمِلتُ فيهِ بطاعةِ الله قبل وفاتي: )1(ﱹﭒ ﭓ ﭔ ﱸ تلك كلمةٌ )2(ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﱸ يقولها، فلا يُعوَّلُ عليها، ورجعةٌ يَسألهُا فلا يجُابُ إليها. ______ .24) الفجر1( .100،99) المؤمنون2(

عدد الصفحات ١٥٩

160 في هذا الموضع، فإنها تَضمَّنتْ رَدْعًا لهم، ﱸﱹﯘوتأمّلْ حُسْنَ موقعِ وزَجرًا عن التكاثر، ونفيًا وإبطالاً لما يؤمِّلونه من نفعِ التكاثرِ لهم، وعزتهم وكملهم به، فتضمنت اللفظة: نهيًا، ونفيًا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بُدَّ أن يعلموا عاقبةَ تكاثرِهم عِلْمً بعد عِلْم، وأنهم لا بد أن يروا دارَ المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة، رؤيةً بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بُدَّ أن يسألهَم عن .)1(أسبابِ تكاثرِهم من أين استخرجوها وفيم صرفوها؟ يعني: حقًّا؛ لو تعلمون علمَ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟﱸ ﱹثم قال تعالى: اليقين لعرفتم أنكم في ضلال، ولكنكم لا تعلمون علمَ اليقين، لأنكم غافلون لاهون في هذه الدنيا، ولو علمتم علمَ اليقين لعرفتم أنكم في ضلالٍ وفي خطأٍ عظيم. ، )2(ﱸﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﱹثم قال تعالى: جملةٌ مُستأنَفَة، لا صلةَ لها بم قبلها، وهي جملةٌ ﱸﮡ ﮢﱹ جمُلةُ قَسَمّية، فيها قَسَمٌ مقدَّر؛ والتقدير: واللهِ لترُون الجحيم. اسمٌ من أسمءِ النار ـ أعاذنا الله منها. ﮢﱸﱹو تأكيدٌ لرؤيتِها، وسيكون هذا يومَ القيامة، ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﱸﱹ حين يُؤتى بها تجَُرُّ بسبعين ألف زِمام، كلُّ زِمامٍ يجرُّه سبعون ألفَ ملك، فم ظَنُّك بهذه النار ـ والعياذ بالله ـ! إنها نارٌ كبيرةٌ عظيمةٌ؛ لأنّ فيها سبعين ألف ______ ) ملخصًا من كلام ابن القيم 1( .7،6) التكاثر2(

عدد الصفحات ١٦٠

161 زمام، كلُّ زِمامٍ يجرُّه سبعون ألف ملك، والملائكة عِظَامٌ شِدادٌ فهي نارٌ عظيمة ـ أعاذنا الله منها-. يعني: ثمّ في ذلك الوقت، وفي ذلك )1(ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﱸﱹ الموقف العظيم، تُسألُنَّ عن النعيم. وهذا السؤال ـ على الصحيح من أقوال العلمء ـ يَشمَلُ المؤمنَ والكافر، فكُلٌّ سيُسْألُ عن النعيم، لكنَّ الكافرَ يُسألُ سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ، والمؤمنَ يُسألُ سؤالَ تذكيرٍ. رضي –والدليلُ على أنّ السؤالَ عامٌّ: ما جرى للنبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمر الله عنهم-، حين خَرجَ الرسولُ ﷺ ذاتَ يومٍ - أو ليلة - فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال الله، قال معه، فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلم رأته المرأة، قالت: مرحبًا وأهلاً، فقال لها رسول الله ﷺ لنا من الماء، إذ جاء الأنصاريُّ، فنَظَرَ إلى رسولِ الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمدُ لله ما أحدٌ اليومَ أكرمَ أضيافًا مني، قال: فانَطلَقَ، فجاءهم بعِذْق فيه بُسٌ وترٌ ورُطَبٌ، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المُدْية، فقال له رسول الله ﷺ: « ______ .8) التكاثر1(

عدد الصفحات ١٦١