الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1955 "وهذا ليس في ال قاضي خاصة، بل هو في كل من يبين لغيره شيئاً من أمور الدين الواعظ والمفتي والقاضي في ذلك سواء إذا تبين له أنه زل، فليظهر رجوعه عن ذلك فزلة العالم سبب لفتنة الناس كما قيل: إن زل العالم زل بزلته العالم، ولكن هذا في حق القاضي أوجب ؛ لأن القضا ء ملزم وقوله الحق قديم يعني هو الأصل المطلوب، ولأنه لا تنكتم زلة من زل، بل يظهر لا محالة. فإذا كان هو الذي يظهره على نفسه كان أحسن حالاً عند العقلاء من أن تظهر ذلك عليه مع إصراره على الباطل"(128). وعلى هذا المنوال سار السلف الصلح في هذه الأمة ، فعن يحيى بن سعيد ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، قالا: كان عمر بن عبد العزيز، يقول: " ما طِينَةٍ أهون عَلَيَّ فَكًّا ، وما من كتاب أيسر عَلَيَّ رَدًّا من كتاب قضيت به، ثم أبصرت أن الحق في غيره، ففسخته ".(129) ويقول الشيخ ابن عثيمين: "متى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي وأن الصواب في غيره وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح ، وقد دل على وجوب الرجوع كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقول الخلفاء الراشدين وإجماع المسلمين وعمل الأئمة. "(131) (128 )المبسوط (16 /68 .) (129 )السنن الكبرى للبيهقي إجماعا أو ما في معناه رده على نفسه، وعلى غيره ( 20 /353 ) برقم 20399 .) (130 )العلم232 – 233 )، وانظر حقيقة الإفتاء الفضائي – د. عبد العزيز الفوزان ة البحوث الإسلامية97 /187 _188 .)
عدد الصفحات ٣٧١أحمد بن محمد المطرودي 1956 المطلب الثاني: ضمان المفتي وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف الضمان لغة و اصطلاحا قال ابن فارس: "الضاد والميم والنون أصل صحيح، وهو جعل الشيء في شيء يحويه. من ذلك قولهم: ضَمَّنتُ الشَّيْءَ ، إِذَا جَعَلْتَهُ فِي وِعَائِهِ ".(131) الضمان اصطلاحاً : جمهور الفقهاء من المالكية،(132)والشافعية(133)، والحنابلة(134) يطلقون لفظي الضمان والكفالة كلا منهما على الآخر باعتبار أنهما مترادفان، فيشملان ضمان المال وضمان النفس وضمان الطلب(135) .ومنهم من استعمل مصطلح الضمان للكفالة المالية، ومصطلح الكفالة للكفالة البدنية(136) .بينما يطلق الحنفية لفظ الضمان على الكفالة(137). ومن تعريفات الضم ان باعتبار الكفالة المالية : ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق.(138) والتعريف الذي له تعلق بالبحث ما عرفه بعضهم بقوله: الضمان هو: " التزام بتعويض مالي عن ضرر للغير ".(139) (131 )معجم مقاييس اللغة3 /372) مادة ( ضمن (132 )حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 4 /537،561 .) (133 )الحاوي– للماوردي ( 6 /430 .) (134 )المغ7 /71،96 .) (135 )نظرية الضمانوسى ( 31 )، الشروط التعويضية في اعاملات المالية ( 800 _801 .) (136 )الشروط التعويضية في المعاملات المالية ـ(801 .) (137 )المبسوط19 /164 .) (138 )المغ7 /71 .)
عدد الصفحات ٣٧٢الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1957 المسألة الثانية: حكم تضمين المفتي عند حصول الخطأ اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في ذلك على أقوال: القول الأول: أن المفتي يضمن إذا بان خطؤه ولم يكن أهلاً (141)،ولا يضمن إن كان أهلاً وهذا مذهب المالكية(141)،وقول لبعض الحنابلة(142)،وهو اختيار الإمام ابن القيم.(143) أدلتهم: أولاً _ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : " مَنْ تَطَبَّبَ ، ولم يُعْلَ مْ منه قبل ذلك الطب - فهو ضامن".(144) حيث دل ظاهر الحديث على أن من يعالج الناس من غير علم، فإنه ضامن لكل ما يترتب على تطببه ، فيقاس عليه المفتي غير الأهل في لزوم الضمان بجام ع عدم الأهلية في كل، وكون ذلك من الإتلاف بغير حق. (139 )المدخل الفقهي العام2 /1035 .) (140 )عدم الأهلية قد تكون بشكل عام، وقد تكون بشكل خاص مثل: عدم أهلية المفتي في المسألة المستفتى فيها كبعض مسائل النوازل والمستجدات المعاصرة. (141 )بداية المجتهد585 ) حاشية الدسوقي على الشرح الكب 5 /160 .) (142 )انظر صفة المفتي والمستف188 .) (143 )انظر إعلام الموقعين ( 844 .) (144 )رواه أ بو داود- باب فيمن تطبب بغير علم فأعنت ( 696) برقم 4586 )، و النسائي في السنن الكبرى _ه العمد (7 /414) برقم 7205 )، وابن ماجه ـ كتاب الطب ـ باب من تط بب، ولم يعلم منه طب ( 6 /366 ) برقم 7005 ) برقم 3466 )، وضعفه ابن القطان في الوهم والإيهام5 /477 ). وقد انعقد الإجماع على أن الطبيب الجاهل إذا أخطأ ضمن.
عدد الصفحات ٣٧٣أحمد بن محمد المطرودي 1958 يقول الخطابي(145): " لا أعلم خلافاً في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدي ، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض.(146) وهذا يدل على أنه إذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن ، والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام ؛ لأن المستفتي مخير بين قبول فتواه وردها ، فإن قوله لا يلزم، بخلاف حكم الحاكم والإمام. (147) ثانيا _ أن الإجماع قد انعقد على أن الطبيب الجاهل إذا أخطأ ضمن (148)، فيقاس عليه خطأ المفتي غير الأهل(149). (145 )هو: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبر اهيم بن خطاب البستي، من أبرز مصنفاته: "معالم السنن"، "غريب الحديث". مات سنة 388 هـ. طبقات الحفاظ للسيوطي ( 404 _405 )، سير أعلام النبلاء17 / 23 _28 .) (146) - معالم السنن4 /35 .) (147 )إعلامالموقعين عن رب العالمين ( 844 .) (148 )يقول ابن قدامة في " ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب، إذا عرف منه م حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم " إلى أن قال: " ولا نعلم فيه خلافاً " المغني (5 /398) كما نقله ابن القيم حيث قال: " وأما الأمر الشرعي، فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب وعمله، و لم يتقدم له به معر فة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم. ". زاد الم عاد (4 /139 ) (149 )يقول العلامة ابن عثيم "مسألة: لو أن مفتياً أفتى بغير علم، وقال للحاج: عليك دم، فذهب الحاج واشترى دماً بخمسمائة ريال، وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟ الجواب: نعم نقول بتضمينه؛ لأنه هو الذي أفتاه بغير علم، وألزمه بما لم يلزمه الله به، ونحن نستفيد من هذا التضمين أن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي بمثله أبداً، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها" الشرح الممتع ( 7 /359 _360 .)
عدد الصفحات ٣٧٤الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1959 ثالثا _ لأن ذلك بمثابةوظيفة العمل التي قصر فيها الموظف.(151) ويمكن أن يناقش: بأن المفتي غير الأهل فتواه غير ملزمة، وأن المستفتي قد فرط في استفتاء من ليس أهلا. القول الثاني: أن المفتي يضمن إذا أخطأ بشرط أن يكون أهلاً للفتوى، ولا يضمن إذا لم يك ن أهلاً وممن قال به أبو علي الأسفرائيني من الشافعية (151)،ووجه مرجوح عند الحنابلة(152)،وقال به ابن حمدان من الحنابلة.(153) تعليلهم: لأن المستفتي مقصر في التحقق من أهلية المفتي. (154) ويمكن أن يناقش هذا التعليل: بأن تقصير المستفتي في التحقق من عدم أهلية المفتي لا يُعفي المفتي غير المؤهل من الضمان ؛ لكونه أقدم على أمر لا يحسنه. القول الثالث: أن المفتي لا يضمن مطلقاً وهذا قول للحنفية . (155) أدلتهم: أولا / ما روي عن عطاء بن أبي ر باح، أنه سمع عبد الله بن عباس قال : أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم احتلم فأمر بالاغتسال (150 )حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 5 /161 .) (151)_1910 )، والمجموع 1 /102 )، المنثور في القواعد1 /57 .) (152 )الفروع ( 11 /219 .) (153 )صفة المفتي و المستفتي _188 .) (154 )المجموع 1 /102 )، المنثور في القواعد1 /57 .) (155 )البحر الرائق ( 6 /451 .)
عدد الصفحات ٣٧٥أحمد بن محمد المطرودي 1961 فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي السؤال "(156) حيث دل هذا الحديث على أن المفتي إذا أخطأ لا يضمن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُ لْزِم من أفتوا الرجل خطأً بوجوب الاغتسال فاغتسل فمات ، ولو كان الضمان واجباً لألزمهم به؛ لأنه لا يجوز تأخير وقت البيان عن وقت الحاجة. ولم ينقل عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه ضمنهم (157). ويناقش: بأن الحديث ضعيف (158) فلا يصح الاحتجاج به. ثانيا / أن ما حصل من المستفتي من إتلاف لمال نفسه، أو لنفس غيره وماله، فإنه يجب إعمال قاعدة تقديم المباشر على الغرور والمستفتي من خلال هو المباشر فيكون عليه الضمان(159). ويمكن أن يناقش : بأن المفتي قد تعدى من خلال الفتوى مع كو نه غير أه ل فيضمن زجرا له (156 )رواه أبو داودلطهارة _62 ) برقم 337 )، وأحمد في المسند ( 5 /173 )برقم ( 3056 )،والدارمي كتاب الطهارة 1 /204 ) برقم 752 )،وضعفه الألباني في الإرواء ( 1 /142 .) (157) _الفتاوى الكبرى الفقهية (4 /220 .) (158 )فهو معلول بالانقطاع بين الأوزاعي وعطاء. انظر العلل لابن أبي حا 1 /37 )،سنن الدارقطني (1 /350). وللحديث شاهد عند أبي داودالطهارة _62 ) برقم 336 ) من حديث جابر وفي سنده " الزبير بن خريق " قال أبو بكر بن أبي داود: "لم يروه عن عطاء، عن جابر غير الزبير بن خريق وليس بالقوي ". انظر سنن الدارقطني (1 /350 .) (159 )منهج الإفتاء عند ابن القيم189 )، وانظر تبيين الحقائق7 /95 )، والمجموع للنووي ( 1 /102 .)
عدد الصفحات ٣٧٦الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1961 ومن ذلك تضمين الساعي بالفساد، مع أن ذلك مخالف لقاعدة (الضمان على المباشر دون المتسبب) ولكن أفتوا بضمانه زجراً بسبب كثر ة السعاة المفسدين(161). الراجح: هو التفصيل في الم سألة: فإن كان المفتي أهلاً واجتهد وأخطأ في فتواه فلا يضمن، وإن كان المفتي غير أهل وأخطأ في فتواه فالأصل هو تضمينه ما ترتب على فتواه الخاطئة ، لكن إن غلب على ظن المستفتي عدم أهلية المفتي من خلال القرائن كمظهره أو منطقه أو نحو ذلك فلا يضمن المفتي في هذه الحالة ؛ لتفريط المستفتي في ذلك، ويستحق هذا المفتي التعزير ولو من خلال اللوم والتوبيخ حسب حاله، وكثرة تجرئه على الفتوى. ويبقى أن التعزير مجاله واسع ، وقد ترى الجهة المخولة بالفتوى تعزير بعض المتلاعبين ممن دخلوا في الفتوى مع عدم أهليتهم، وقد يكون من بين صوره تغريمه ما ترتب على فتواه، ويتم ذلك عن طريق إقامة الدعوى القضائية ضده. المسألة الثالثة: من يتحمل ضمان المفتي أبدأ أولاً بتقرير أن خطأ المفتي كخطأ الحاكم ، فقد تكلم بعض الفقهاء عن خطأ الحاكم ومن يتحمله. يقول البهوتي: "وخطأ الإمام والحاكم في أحكامهما في بيت المال ".(161) ويقول أيضا: " أو كخطأ وكيل يتصرف لعموم المسلمين كالوزراء فخطؤه في حكمه في بيت المال"(162) (160 )الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية 285 .) (161 )كشاف القناع 6 /60 .) (162)_3 /328 .)
عدد الصفحات ٣٧٧أحمد بن محمد المطرودي 1962 وعللوا تضمين الإمام والحاكم من بيت المال بأمرين: 1 / لأن يكثر فيجحف بعاقلته.(163) 2 / لأن الإمام والحاكم نائبان عن الله فيكون أرش خطئهما في مال الله كخطأ وكيل، فإنه لا ضمان عليه فيما تلف منه بلا تعد ولا تفريط ، بل يضع على موكله.(164) وجعل بعض العلماء خطأ المفتي كخطأ الحاكم. يقول الإمام ابن القيم: " خطأ المفتي كخطأ الحاكم ".(165) لكن هذا الحكم ينبغي أن يقيد بما إذا كان المفتي من أصحاب الولايات الذين نصبهم ولي الأمر لهذا الشأن فيكون الضمان من بيت المال ، وإن لم يكونوا من أصحاب ولاية الفتوى فلا يتحمل بيت المال خطأهم.(166) المطلب الثالث: الحجر على المفتي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف الحجر لغة و اصطلاحا . الحجر في اللغة: الحاء والجيم والراء أصل واحد مطرد ، وهو المنع والإحاطة على الشيء . فالحَ جْر حَجْر الإنسان، وقد تُ كسر حاؤه. ويقال: حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَى السَّفِيهِ حَجْرًا ؛ وذلك مَنْعُهُ إِيَّاهُ من التَّصَرُّف فِي مَالِه .(167) (163 )المصدر السابق (164 )المصدر السابق (165 )إعلام الموقعين ( 844 .) (166 )انظر الفتوى في الشريعة الإسلامية آل خنين ( 2 /339 .) (167 )معجم مقاييس اللغة (2 /138) مادة ( حجر
عدد الصفحات ٣٧٨الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1963 الحجر اصطلاحاً : لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.(168) المسألة الثانية: حكم الحجر على المفتي تكلم الفقهاء رحمهم الله على أنه يحجر على المفتي الماجن والمتطبب الجاهل والمكاري المفلس.(169) والمقصود بالحجر هنا هو: المنع الحسي لا مجرد المنع من نفوذ التصرف. يقول الكاساني(171) موضحاً هذا الأمر: " وليس المراد منه حقيقة الحجر، وهو المعنى الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف، ألا ترى أن المفتي لو أفتى بعد الحجر، وأصاب في الفتوى جاز، ولو أفتى قبل الحجر وأخطأ لا يجوز، وإنما أراد به المنع الحسي أي: يمنع هؤلاء الثلاثة عن عملهم حساً ؛ لأن المنع عن ذلك من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".(171) وجاء في المبسوط : "لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة على المفتي ا لماجن، وعلى المتطبب الجاهل ، وعلى المكاري المفلس ؛ لما فيه من الضرر الفاحش إذا لم يحجر عليهم، فالمفتي الماجن يف سد على الناس دينهم والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم ، والمكاري المفلس يتلف أموالهم، فيمتنعون من ذلك دفعاً للضرر.(172) (168)_رب ( 64 – 65 )، أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء ( 99). (169 )المبسوط24 /164 .) (170 )هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، من أبرز مصنفاته: "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع "، "السلطان المبين في أصول الدين". مات س نة 587 ه. تاج التراجم 84 _85)،الأعلام ( 2 /70 .) (171_)ائع الصنائع ( 6 /172 .) (172)_24 /164 .)
عدد الصفحات ٣٧٩أحمد بن محمد المطرودي 1964 وهذا الجانب يُعدُّ من أولى الواجبات المناطة بولي الأمر أن يقوم بها ، وهذا الجانب يدخل فيما يسمى بالحسبة على المفتين وأمثالهم(173). جاء في شرح الكوكب المنير: "ويلزم ولي الأمر عند الأكثر منع من لم يعرف بعلم، أو جهل حاله من الفتيا، قال ربيعة(174) :بعضمن يفتي أحق بالسجن من السراق".(175) ويقول أبو الفرج بن الجوزي(176) :" ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم ، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين".(177) ويقول شيخ الإسلام: "يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب!".(178) وقد نبه شيخ الإسلام على أن منع هذا المفتي بغير علم لابد أن يسبقه البيان بالأدلة الشرعية على قبح ما يقول وفساد ما أفتى به(179) حيث يقول: (173 )انظر الفتوىالإسلام _150 _151 .) (174 )هو: أبو عثمان، ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي المدني، المعروف بربيعة الرأي؛ لكثره استعماله للرأي . مات سنة 136 ه. طبقات الحفظ75 _76 )، الأعلام3 /17 .) (175 )شرح الكوكب المنير ( 4 /544 .) (176 )هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي القرشي البكري . من أبرز مصنفاته: " زاد المسير "، " تذكرة الأريب "، " الموضوعات"، " الضعفاء " مات سنة 597 ه. سير أعلام النبلاء (21 /365 _384)،طبقات الحفاظ (480 .) (177 )إعلام الموقعين عن رب العا 838 .) (178 )المستدرك على مجموع الفتاوى 5 /153 .)
عدد الصفحات ٣٨٠الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1965 "وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلم؛ بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع، بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ويعاقب إن لم يمتنع وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين ولا منعه من ذلك القول ولا الحكم عليه إذا كان يقول إن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة ".(181) الخاتمة الحمد لله الذي ب نعمته تتم الصالحات وفي نهاية هذا البحث أخلص إلى أهم النتائج والتوصيات والتي منها: أن أقرب التعريفات للفتوى : الإخبار عن حكم شرعي لا على وجه الإلزام. أن من أسباب الخطأ في الفتوى: 1- نقصالاجتهاد. 2- عدم تصور الواقعة. 3- عدم مراعاة العرف. 4- عدم النظر في مآلات الفتوى. 5- الفتوى الخصومات وعدم التفريق بين الفتوى والقضاء. 6- عدم التفريق بالفتوى العامة والفتوى الخاصة. (179 )الفتوى الشاذة ـ. د أيمن إبرا هيم _مؤتمر الفتو ى واستشراف المستقبل (1 /687 .) (180 )مجموع الفتاوى 35 /- 384 382 .)
عدد الصفحات ٣٨١أحمد بن محمد المطرودي 1966 أنه لا ب د للمفتي م ن بذل الجهد واستفراغ الوسع في فهم واقعة المستفتي أولاً ، ثم في تنزيل هذه الواقعة على النصوص ثانياً . حتى يصدق على الفتوى أنها ناتجة عن اجتهاد وتحرٍّ . أنه من غير الممكن أن تكون الواقعة فيها جِدَةٌ على المفتي، ثم تكون مدة الاجتهاد قصيرة لا يتحقق فيها أدنى معاني الاجتهاد كما هو حال بعض المتسرعين في الفتوى. أن تصور واقع المستفتي له علاقة وطيدة بقاعدتين فقهيتين هما: الأو: القاعدة الفقهية الكبرى " العادة محكمة ". الثانية: القاعدة الفقهية " لا ينُكر تغير الأحكام بتغير الزمان " . أنه ليس كل ما يُعلم مما هو حق يطلب نشره وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام ، بل قد ت قتضي المصلحة الإمساك أحياناً ، وكتب العلماء والفقهاء، وفتاويهم متضمنة لهذا المعنى. أن فقه الإمساك عن الفتوى في بعض الأحيان للمصلحة العامة قد يغيب أحياناً عن بعض المفتين، بل إن بعضهم لا يأبه به وهذا ناتج عن ضعف في بعد النظر وقصور في فقه المآلات لدى بعض المتسرعين في الفتوى. ومن الأهمية بمكان أن يتنادى أهل العلم بضرورة نشر هذا الفقه في أوساط طلبة العلم الشرعي ، وأن ينشأ عليها طلبة العلم في حلق الذكر والمؤسسات التعليمية سيما الشرعي منها. أن المفتي قد لا يتقيد بحكم شرعي ثابت لا يقبل التغيير في بعض االات تبعا للأثر المترتب على ذلك، بل عليه أن يزن الأمور بميزان المصالح والمفاسد في ذلك، فقد يكون من المصلحة مخالفة ظاهر الحكم، ومن أبرز الأمثلة المعاصرة في ذلك: واقع
عدد الصفحات ٣٨٢الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1967 كثير من الأقليات الإسلامية وما يحيط بهم من ظروف وملابسات، وما يستجد عندهم من مسائل ونوازل. إن المتأمل في الشريعة الإسلامية يجد أنها راعت عوائد المكلفين وأعرافهم وفقاً للضوابط الشرعية ، وبناء على ما تقتضيه المصلحة ، ويتم تحديده من قبل أهل الاجتهاد، وليس الأمر متروكاً لكل احد يلوكه من يفقه ومن لا يفقه. أنه يجب على المفتي أن يتفطن لبعض أساليب الحيل والتي قد تصدر من بعض المستفتيين، وأن يكون هذا الأمر حاضراً في ذهن المفتي حال سؤال المستفتي؛ لئلا يخدعه المستفتي. أن على المفأن يراعي في فتاويه حال الضرورة، وعموم البلوى في بعض المسائل والنوازل بعد التأكد من انطباق شروطها وضوابطها. أن من أعظم الفروق الفقهية التي يجب على المفتي فهمها: الفرق بين قاعدة تصرفه - صلى ا لله عليه وسلم - بالقضاء وبين قاعدة تص رفه بالفتوى، وبين قاعدة تصرفه بالإمامة لما لها من أثر كبير في صحة الفتوى. أن الفقهاء ذكروا جملة من الفروق بين المفتي والقاضي. أن هناك جملة من المسائل والصور تدخل في باب القضاء ولا تصح فيها الفتوى كبعض المسائل التي يكون دافعها الخصومة. أن لولي الأمر تحديد صلاحيات بعض المفتين بحيث يُمنعون من الإفتاء في أبواب معينة إلا لعلماء معينين تحقيقاً للمصلحة العامة وتمشياً مع مبدأ السياسة الشرعية وبمخالفة هذا المبدأ أو التقصير فيه من قبل المفتي يعد هذا ضرباً من ضروب الافتيات على صاحب الصلاحية المعَيَّن من قبل ولي الأمر.
عدد الصفحات ٣٨٣أحمد بن محمد المطرودي 1968 إن من فقه المفتي وبعد نظره أن يُفَرِّق في فتاويه في بعض الحالات بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة إذا لزم الأمر، ويدخل في هذا الباب دخولا أوليًّا الإفتاء عبر وسائل الإعلام سيما المرئي منها؛ وذلك لشدة انتشارها وقوة تأثيرها. أنه في حال تبين للمفتي خطأه في الفتوى ، فيجب عليه الرجوع وإعلان ذلك وهذا من الشجاعة في الحق كما أن فيه من تهذيب النفس وكبح جماحها ما هو ظاهر. أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يطلقون لفظي الضمان والكفالة كلاً منهما على الآخر باعتبار أنهما مترادفان فيشملان ضمان المال وضمان النفس وضمان الطلب، بينما يطلق الحنفية لفظ الضمان على الكفالة. أن الفقهاء اختلفوا في حكم تضمين المفتي عند حصولالخطأ وأن الراجح منها: إن كان المفتي أهلاً واجتهد وأخطأ في فتواه ف لا يضمن، وإن كان المفتي غير أهل وأخطأ في فتواه فالأصل هو تضمينه ما ترتب على فتواه الخاطئة. لكن إن غلب على ظن المستفتي عدم أهلية المفتي من خلال القرائن كمظهره أو منطقه أو نحو ذلك فلا يضمن المفتي في هذه الحالة لحصول التفريط من المستفتي، ويستحق هذا المفتي التعزير ولو من خلال اللوم والتوبيخ حسب حاله وكثرة تجرئه على الفتوى. أن على الجهات المسؤولة متابعة المفتين ولفت نظر المتلاعب بها، وفي حال عدم الامتثال يتم رفع دعوى قضائية ضده ؛ ليتم إيقاع العقوبة التع زيرية المناسبة في حقه. إذا كان المفتي من أصحاب الولايات الذين نصَّ بهم ولي الأمر لهذا الشأن، فيكون ضمان ما قد يترتب على خطئه من بيت المال، وإن لم يكن من أصحاب ولاية الفتوى فلا يتحمل بيت المال خطأه.
عدد الصفحات ٣٨٤الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1969 أن مقصود الفقهاء بالحجر على المفتي هو: المنع الحس ي لا مجرد المنع من نفوذ التصرف. أنه يلزم ولي الأمر عند الأكثر منع من لم يُ عرف بعلم، أو جُ هل حاله من الفتي وأن هذا الجانب يُعدُّ من أولى الواجبات المناطة بولي الأمر أن يقوم بها. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. المصادر و المراجع [1] اجوبة النافعة في المسائل الواقعة_ عبد الرحمن بن ناصر السعدي_ اعتنى به هيثم بن جواد الحداد _ دار ابن الجوزي_ الدمام_ الطبعة الثانية_ 1421 هـ. [2] الأحكام السلطانية - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي _ خرج أحاديثه خالد العليمي_ دار الكتاب العربي_ بيروت_ الطبعة الثانية_ 1415هـ. [3] الإحكام في أصول الأحكام _ أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد الآمدي _ تعليق عبد الرزاق عفيفي _ المكتب الإسلامي _بيروت_ الطبعة الثانية _ 1412 هـ. [4] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام – للإمام أبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي – تحقيق عبد الفتاح أبو غدة – دار البشائر الإسلامية – بيروت- الطبعة الثانية -1416 هـ. [5] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول _ محمد بن علي بن محمد الشوكاني _ دارالكتاب العربي – بيروت _ الطبعة الثانية– 1421 هـ.
عدد الصفحات ٣٨٥أحمد بن محمد المطرودي 1971 [6] الأعلام _ خ الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي _ دار العلم للملايين _ الطبعة الخامسة عشر- أيار / مايو 2112 م. [7] الفروق الفقهية والأصولية د . يعقوب بن عبد والوهاب الباحسين -مكتبة الرشد - الرياض - الطبعة الأولى 1419 هـ. [8] الأشباه والنظائر _ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي _ تحقيق محمد المعتصم بالله _ دار الكتاب العربي _ بيروت_ الطبعة الخامسة _ 1422هـ. [9] الافتيات في التصرفات الشرعية– د عز الدين كحيل – دار ابن حزم – بيروت – الطبعة الأولى – 1433 هـ. [11] إعلام الموقعين عن رب العا محمد بن أبي بكر شمس الدين ابن قيم الجوزية _ ضبطه محمد عبد السلام إبراهيم _ دار الكتب العلمية _ بيروت_ الطبعة الأو _ 1425 هـ. [11] الأعلام _ خ الدين بن محمود بن محمد بن علي الزركلي _ دار العلم للملاي _ الطبعة الخامسة عشر - 2112 م. [12] انصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين أ بو الحسن علي بن سليمان المرداوي_ مطبوع مع الشرح الكبير_ لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة _ تحقيق د.عبد الله التركي_ مركز ه جر للبحوث والدراسات الإسلامية_ القاهرة_ الطبعةالأولى_ 1417هـ. [13] أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء _ قاسم بن عبد ا القونوي _ ويليه الشروط والوثائق_ أحمد السمرقندي _ تعليق يحيى مراد_ دار الكتب العلمية_ بيروت_ الطبعة الأو_ 1424 هـ.
عدد الصفحات ٣٨٦