المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الآثار الواردة في تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين جمع وتحقيق ودراسة

أحمد بن عبد العزيز مقرن القصير

صفحة ٢٣ من ٤٥

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1939 والإمساك عن أمرهونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر".(86) ومن الأمثلة على أن المصلحة تقتضي مخالفة ظاهر الحكم ما نقله شيخ الإسلام بقوله: "ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل، بأن يسلم في الشفع، ثم يصلي ركعة الوتر، وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر، فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه، وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل، أو الجهر بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزاً حسناً ".(87) ويقول الشاطبي في كلام ماتع حول أهمية الإمساك عن الكلام في بعض الأحوال: "ومن هذا يُ علم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام، بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص "(88). (86 )مجموع الفتاوى (20 /58 _59 ) بتصرف (87 )مجموع الفتاوى (24 /195)، وانظر رسالة" العدول عن القول الراجح في الف توى والقضاء " د. عاصم المطوع ( 2 /752 .) (88)_4 /109 .)

عدد الصفحات ٣٥٥

أحمد بن محمد المطرودي 1941 ومن الأمثلة على أن الإمساك والسكوت عن الفتوى هو الأسلم و الأصلح أحياناً : ما جاء في فتاوى السعدي: "وأما سؤالك عن الراجح في مسألة الطلاق بالثلاث بكلمة أو بكلمات ؟ فقد تقرر أننا نعتقد صحة ما رجحه شيخ الإسلام فيها للوجوه الكثيرة التي بينها الشيخ وابن القيم، ولكننا لا نثبت في المسألة إثباتاً ولا نفياً ؛ لأننا نرى أن المصلحة لنا ولغيرنا ترك الفتوى فيها ، وليس المحذور فقط مخالفة كثير من المشايخ، بل مع ذلك ما نحب تهاون الناس وتلاعبهم بالطلاق، وأن يجعلوا فتواناً سلماً لهم إلى تلاعبهم، فرأينا سد الباب عن الفتوى فيها أولى، وأن يتولاها غيرنا طلباً للعافية والحمد لله على نعمه".(89) ومن سبر حال بعض المفتين يجد أن فقه الإمساك عن الفتوى في بعض الأحيان للمصلحة العامة قد يكون غائباً عنهم، بل إن بعضهم لا يأبه به وهذا ناتج عن ضعف في بعد النظر، وقصور في فقه المآلات لدى بعض المتسرعين في الفتوى. ومما يدخل في مآ لات الفتوى إغلاق الحيل(91) الصادرة من بعض المستفتيين ، فهذا ما ينبغي أن يتفطن له المفتي، وأن يكون هذا الأمر حاضراً في ذهن المفتي حال سؤال المستفتي؛ لئلا يخدعه المستفتي. يقول بن القيم: " يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي (89 )الأجوبة النافعة90 .) (90 )المراد بالحيل قيل في تعريفها هي: تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر. الموافقات (4 /114 .) وقيل هي: أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً، مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق. المغني لابن قدامة (6 /116 .)

عدد الصفحات ٣٥٦

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1941 يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق؟ وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل؟ ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك ".(91) المطلب الخام : الفتوى في الخصومات وعدم التفريق بين الفتوى والقضاء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: بيان الفرق بين الفتوى والقضاء وفيها ثلاثة فروع: الفرع الأول: بيان المراد بعلم الفروق وأهميته الفروق لغة: قال ابن فارس: " الفاء والراء والقاف أصل صحيح يدل على: تَمْيِيزٍ وَتَزْيِيلٍ بين شَيْئَيْنِ ".(92) الفروق اصطلاحاً : قيل هي: المسائل المشتبهة صورة المختلفة أحكامها وأدلتها وعللها.(93) (91 )إعلام الموقعين عن رب العالمين ( 846 .) (92 )معجم مقاييس اللغة (4 /493) مادة ( فرق (93 )المدخل إلى مذهب الإمام أحمد249 .)

عدد الصفحات ٣٥٧

أحمد بن محمد المطرودي 1942 وقيل هي: النظائر المتحدة تصويراً ومعنى، المختلفة حكماً وعلة.(94) وهذا العلم لا غنى للفقيه عنه؛ لكونه يعين على فهم المسائل الفقهية من خلال إدراك عللها ومآخذها ومن ثم التفريق بين المشتبه منها لئلا يقع في الخلط، كما أن له أثرا بَ يِّنَاً في تكييف الفتوى. يقول الزركشي(95) :"واعلم أن الفقه أنواع أحدها معرفة أحكام الحوادث نصاً واستنباطاً . والثاني معرفة الجمع والفرق و عليه جل مناظرات السلف حتى قال بعضهم: الفقه فرق وجمع ".(96) ويقول الشيخ يعقوب الباحسين في بيان أهمية علم الفروق الفقهية: "إن التعرف على هذه الفروق يُ بَصَّر العالم بحقائق الأحكام وينير الطريق أمامه، لينقذه من التعثر في الاجتهاد، فهي شحذ للذهن وتنبيه له ، لئلا يقع في الوهم ، ويتسرع فيما يفتيه ، ويصدره من الأحكام، بناء على الشبه الظاهري ".(97) ويدخل في ذلك ما ذكره العلماء من الفروق المتعددة بين ال فتوى والقضاء، فيتوجب على المفتي أن ينظر في حقيقة الواقعة المستفتى عليها وهل فيها خصومة أم لا، فإن كان ثم خصومة فينظر في حال المستفتي فإن كان يسأل في أمر فيه خصومة بينه وبين غيره من جهة معرفة أن له حقاً أو لا؟ وهل له شكايته أو لا؟ وهذا يجيبه بجواب عام، وأما ما كان محلاً لفصل الخصومات، فهذا يحال على القضاء. (94 )اشباه والنظائر _34 .) (95 )هو: أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، من أبرز مصنفاته: " الإجا بة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة "، " إعلام الساجد بأحكام المساجد "، " الديباج في توضيح المنهاج " مات سنة 794 هـ. معجم المؤلف9 /121 )، الأعلام6 /60 _61 .) (96 )المنثور في القواعد الفقهية (1 /12 .) (97 )الفروق الفقهية والأصوليةباحسين (30 .)

عدد الصفحات ٣٥٨

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1943 وهذا المسلك يجنب المفتي الوقوع في إشكاليات كثيرة إذ إن هناك فرقاً بين ما كان باعثه الاستفتاء وما كان باعثه الخصومة. وفي هذا المقام يقول الإمام القرافي (98) في كم نفيس: " الفرق السادس والثلاثون بين قاعدة تصرفه - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء وبين قاعدة تصرفه بالفتوى وهي التبليغ وبين قاعدة تصرفه بالإمامة اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم ". إلى أن قال: " ثم تقع تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة ومنها ما يختلف الع لماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعداً ، فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى ثم تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة فإن كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح وإن كان منهياً عنه اجتنبه كل أحد بنفسه وكل ما تصرف فيه - عليه السلام - بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به - عليه السلام - ولأن سبب ت صرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك وما تصرف فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به - صلى الله (98) _هو: أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن شهاب الدين الصنهاجي القرافي من أبرز مصنفاته: "أنوار البروق في أنواء الفروق"، "الإحكام في تمييز الفتاوى عن ا لأحكام وتصرف القاضي والإمام"، "الذخيرة "مات سنة 684 هـ. اعلام (1 /95)، التاج المذهب ( 205 _208 .)

عدد الصفحات ٣٥٩

أحمد بن محمد المطرودي 1944 عليه وسلم- ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه - صلى الله عليه وسلم - بوصف القضاء يقتضي ذلك ".(99) وقد ذكر العلماء جملة من الفروق بين المفتي والقاضي والتي منها: 1 / أن المفتي من يبين الحكم الشرعي ويخبر به من غير إلزا م، والحاكم يبين الحكم الشرعي ويلزم به.(111) 2 / أن المفتي يفتي بالديانة، والقاضي يقضي بالظاهر(111). 3 / أن القاضي لا يقضي لنفسه، ولا لمن تقبل شهادته بخلاف المفتي. 4 / أن القاضي لا يقضي بعلمه على رأي إلا فيما أقر به في مجلس الحكم وفي عدالة الشهود بخلاف المفتي. 5 / أن حكم القاضي يرفع الخلاف وإفتاء المفتي لا يفيد رفع الخلاف.(112) الفرع الثاني: بيان ا لأسباب التي توجب الرجوع في القضية إلى حكم الحاكم وعدم جواز الفتوى فيها. ذكر الإمام القرافي ثلاثة من الأسباب التي توجب الرجوع في القضية إلى حكم الحاكم وعدم جواز الفتوى فيها: (99 )الفروق _1/357– 358)، وللاستزادة ي نظر: الفتوى في عالم مفتوح بين النص الثابت والواقع المتغللمؤتمر العالمي للفتوى (2/191_192 .) (100 )حاشية ابن عابدين (4 /311 )،كشاف القناع ( 6 /299)، بدائع الفوائد3 /147 .) (101) - حاشية ابن عابدين4 /306 .) (102) - انظر القواعد والأصول الجامعة– للسعدي ( 124 .)

عدد الصفحات ٣٦٠

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1945 السبب الأول: كون ذلك الحكم يحتاج إلى نظر وتحرير، وبذل جهد من عالم بصير حكم عدل في تحقيق سببه ومقدار مسببه. السبب الثاني: الموجب لافتقار ترتيب الحكم على سببه إلى حكم الحاكم ومباشرة ولاة الأمور: كون تفويضه لجميع الناس يفضي إلى الفتن والشحناء والقتل والقتال، وفساد النفس والمال. السبب الثالث: قوة الخلاف مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق فوجب افتقاره ذلك للحكم؛ لأنه نائب عن الله تعالى في أرضه خلافة عن نبيه صلى الله عليه وسام فإذا نشأ حكماً مما يقبله ذلك المحل تعين فيه ووجب الإذعان إليه.(113) الفرع الثالث: الافتيات في الفتوى الافتيات لغة: افتعال من الفَ وت، وهو السَّ بق إلى الشيء دون الائتمار. يقال: فلان لا يُ فْتات عليه، أي: لا يُ عْمَل شيءٌ دون أمرِ ه.(114) الافتيات اصطلاحاً : لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي؛ ولذا جاءت عبارات الفقهاء بالمعنى اللغوي، فهو عندهم مأخوذ من: الِاسْتِبْدَادُ بِالرَّأْيِ افْتِعَال مِنْ الْفَوْت فهو عبارة عن : السَّبْقُ إلى الشيء دون ائتمار من يُ ؤتمر إذَا سَبَقَ بفعل شيء وَاسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ .(115) (103 )انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (151 ـ157) بتصرف، الافتيات في التصرفات الشرعية د. عز الدين كحيل (185 _187 .) (104 )معجممقاييس اللغة (4 /457)، لسان العرب 2 /69) مادة (فوت (105 )المغرب 203)، المطلع398- 399)، اصباح المنير (393 .)

عدد الصفحات ٣٦١

أحمد بن محمد المطرودي 1946 ومما هو معلوم أن حفظ الدين يعدُّ من أهم الضروريات الخمس والتي لا غنى للخلق عنها، وهذا الأمر يعدُّ من الواجبات على الحاكم، ومن أولويات حقوق الرعية على الراعي. وتأتي الفتوى الشرعية في طليعة ما يتحقق به حفظ الدين، من خلال ضبطها والعناية بها ومتابعة المفتين ومدى تحقق الصفات الواجب توفرها فيهم، وهذا مما يجب على الإمام أن يهتم به ، ويوليه عناية خاصة لما ؛ يترتب عليها من المصالح والمفاسد الظاهرة لكل من سبر أهميتها و آثارها. وهذه المسألة داخلة في سلطة ولي الأمر في تقييد الفتوى، والتي هي منبثقة من فقه السياسة الشرعية. وفي هذا السياق يقول الإمام الماوردي (116) عند كلامه على مهام الخليفة ومسؤولياته: "حفظ الدين على أصوله المستقرة ، وما أجمع عليه سلف الأمة ، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل "(117). والمف مبلغ عن الله تعالى، فلا بد له من شروط وضوابط تحقق الهدف المنشود في هذا الجانب ومن بين تلك الضوابط: تحديد صلاحيات المفتي وحدود فتاويه بحيث يُمنع المفتي من الإفتاء في أبواب معينة تحقيقاً للمصلحة العامة، وتمشياً مع مبدأ السياسة الشرعية، وبمخالفة هذا المبدأ أو التقصير فيه من قبل المفتي يعد هذا ضرباً من ضروب الافتيات على صاحب (106)_أبو الحسن علي بن محمد حبيب، الماوردي من أبرز مصنفاته: "أدب الد نيا والدين"، "الأحكام السلطانية"، "الحاوي" مات سنة 450 هـ. سير أعلام النبلاء (18/64 _68)، الأعلام4 /327 .) (107 )الأحكام السلطانيةللماوردي (51 .)

عدد الصفحات ٣٦٢

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1947 الصلاحية الذي أوكل إليه هذا الأمر من قبل ولي الأمر. ويدخل في هذا الباب من يفتي الناس في مسائل الخصومات والتي أوكل الأمر فيها إلى القضاة. كما أنه على القضاة ألا يفتوا في مسائل الخصومات في مجلس القضاء حتى لا يلتبس الأمر وقد جاء عن عطاء بن السائب قال : " أتيت شريحا في زمن بشر بن مروان، وهو يومئذ قاض، فقلت: يا أبا أمية أفتني، فقال: " يا ابن أخي إنما أنا قاض ولست بمفت ".(118) الفرع الرابع: تطبيقات فقهية على الفرق بين الفتوى والقضاء وأثرها في الحكم الفقهي: 1 -منع بعض الفقهاء الاستدلال بحديثعائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك ، بالمعروف ".(119) في جواز الحكم على الغائب؛ لكون هذا من باب الفتوى وليس القضاء. حيث يقول الإمام النووي (111) في معرض الرد على أدلة ايزين الحكم على الغائب: "ولا يصح الاست دلال بهذا الحديث للمسألة ؛ لأن هذه القضية كانت بمكة (108 )السنن الكب- للبيهقي – كتاب الوقف – باب من قال لا حبس عن فرائض الله ( 12 /271 .) (109)_ بالمعروف (766) برقم 5364)، ومسلم اب الأقضيةية هند ( 3/1338 ) برقم 1714 .) (110 _)هو: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، فقيه محدث، من أبرز مصنف اته: "المجموع شرح المهذب" ولم يكمله، "رياض الصالحين"، "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج". مات سنة 676 هـطبقات الشافعية ( 2 _153 _157)، طبقات الحفاظ513)، معجم المؤلفين ( 13 /202 .)

عدد الصفحات ٣٦٣

أحمد بن محمد المطرودي 1948 وكان أبو سفيان حاضراً بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائباً عن البلد، أو مستتراً لا يقدر عليه، أو متعذراً ، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً ، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء".(111) 2 -وكذلك منع بعض الفقهاء الاستدلال بقصة هند بنت أبي سفيان على جواز قضاء القاضي بعلمه؛ لكونها من باب الفتوى وليس القضاء. يقول الإمام ابن قدامة عند مناقشته لأدلة المجيزين لقضاء القاضي بعلمه: "فأما حديث أبي سفيان، فلا حجة فيه؛ لأنه فتيا لا حكم".(112) المسألة الثانية: بعض الصور للمسائل التي لا بد فيها من القضاء ولا تصح فيها الفتوى: هناك جملة من المسائل والصور تدخل في باب القضاء ولا تصح فيها الفتوى. أورد الإمام القرافي في الإحكام جملة من الأمثلة في هذا الجانب والتي منها: الطلاق بالإعسار، التطليق على المولي، قسمة الغنائم، تفليس المدين إذا أحاط الدين بماله".(113) وكان سحنون (114) - رحمه ا - إذا أتاه رجل يسأله عن مسألة من مسائل الأحكام لم يجبه. وقال: " هذه مسألة خصومة ".(115) (111 )شرح ال نووي على مسلم (12 /249 – 250 .) (112 )المغ14 /33 .) (113 )الإحكام في تمييز الأحكام ( 151 ـ157 ) بتصرف (114 )أبو سعيد عبد السلام بن حبيب بن حسان التنوخي، من مصنفاته: "المدونة" في الفقه المالكي. مات سنة 240 هـ سير أعلام النبلاء. (12 /63 _69 )،معجم المؤلفين (5 /224 .)

عدد الصفحات ٣٦٤

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1949 وهذه نماذج لبعض فتاوى المعاصرين والتي يحيلون فيها المستفتي في بعض أجزاء السؤال إلى القضاء: 1 -فتوى اللجنة الدائمة: أنا رجل مواطن بعرعر ويوجد عندي قطعة أرض، وأريد أن أبني عليها سوراً ، ولم أستطع بسبب عدم مقدرتي المالية ، وذهبت لأحد تجار البلد أطلب منه أن يقرضني مبلغاً لكي أسور به أرضي ولم يقرضني، وطلبت منه أن يشتري نصفها ولا وافق، أبى أن يشتري مني، ورجعت إليه بعد يوم أو يومين، وقلت له: أنا أعطيك نصفها وأقرضني مبلغ كذا وكذا، ووافق على ذلك، وأقرضني لمدة سنة، وبعد ذلك سمعت من بعض أهل العلم أن هذه الطريقة من الربا المحرم، أنا مغرور بذلك، ولم أعلم أنا أنه ربا. السؤال الآن: هل يجوز أن أفسخ العقد المعقود عل ى نصف الأرض وأعطيه فلوسه، أم ماذا أفعل وجزاكم الله خيرا؟ الجواب: إن إعطاء هذا الشخص المبلغ لك قرضاً مقابل إعطائك له نصف الأرض التي تريد تسويرها يعتبر ربا؛ لأنه من باب القرض الذي جر نفعاً مشروطاً ، وهو محرم، والإثم في هذا العمل مشترك بينكما إذا كنتما تعلمان أن هذا العمل محرم، أما فسخ العقد فمرجعه المحكمة الشرعية ، لكن إن تراضيتما على فسخه ، فتعطيه دراهمه وتبقى لك أرضك فلا بأس، ولا حاجة إلى الذهاب إلى المحكمة مع التوبة إلى الله -سبحانه- منكماً جميعاً . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.(116) (115 )تبصرة الحكام (1 /33)،وانظر العدول عن القول الراجح في الف توى والقضاء _ (640 .) (116 )فتاوى اللجنة الدائمة (14 /124 - 125 .)

عدد الصفحات ٣٦٥

أحمد بن محمد المطرودي 1951 2 -فتوى لسماحة الشيخ ابن باز: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى الأخ المسلم الغيور الذي يستبرئ لدينه وعرضه حفظه الله آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فلقد قرأت سؤالك الذي يتضمن أن زوجة نسبت لزوجها أنه يسب الدين والرب. . الخ. الجواب: سب الدين والرب جل وعلا كل ذلك من أعظم أنواع الكفر بإجماع أهل العلم، أما ما يتعلق بثبوته من الرجل والحكم عليه بمقتضاه والتفريق بينه وبين زوجته، فهذا يرجع فيه إلى المحكمة.(117) سؤال: كنت أقود سيارة فصادفت في طريقي سيارة سائرة في الطريق المعد لسيري، فنبهت قائدها بالمنبه وبالنور فلم ينتبه واتضح لي أنه نائم فاضطررت إلى الخروج عن الطريق فانقلبت سيارتي وتوفي على أثر ذلك والدي وابنة عمي هل تجب علي الكفارة؟ الجواب: "الذي يظهر لي من الشرع عدم وجوب الكفارة عليك إذا كان الذي حملك على الخروج من الطريق هو قصد إنقاذ نفسك وإنقاذ الركاب من خطر السيارة المقبلة الذي هو أكبر من خطر الخروج، أما إرثك من والدك فذلك راجع إلى المحكمة إن نازعك الورثة ".(118) 3 -فتوى للشيخ ابن عثيمين: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى السؤال التالي: لدي مزرعة عليها سور، وفي طرفها قبر من داخل السور، وقد ظهرت اللحود على ظهر الأرض، سألت كبار (117 )مجموع فتاوى ومقالات متنوعة1 /437 - 438 .) (118) مجموع فتا وى ومقالات متنوعة (20 /260 - 261 .)

عدد الصفحات ٣٦٦

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1951 السن عنها فقالوا: إنها على هذه الطريقة، ولا نعرفها منذ أن ولدنا، فقمت بمسح هذا المحل لتوسعة المزرعة، فاتضح فيها خمسة قبور أخرى، وتمت التوسعة في هذه المزرعة من داخل السور وزراعتها، فهل علي شيء في هذا العمل؟ فأجاب فضيلته بقوله: القبور إذا دفن فيها الميت فإنها تبقى محترمة إلى أن يبلى الميت، وهذه ال قصة التي ذكرت أرى أن تذهب إلى القاضي في المحكمة التي ل ديكم حتى يرى المسألة رأي عين ويشاهد بنفسه، ثم ما يقضي به فهو خير إن شاء الله تعالى. والله الموفق.(119) 4 -فتوى للشيخ صالح الفوزان: سؤال: تزوجت منذ أربع سنوات وقد مَ نَّ الله علينا بابنة واستمر زواجنا على ما يرام وبدون أن يعكره أي شيء، وفي يوم من الأيام حدث سوء تفاهم أدى إلى نزاع بيننا، فذهبت إلى المحكمة وكنت متوتر الأعصاب ، وفي حالة نفسية سيئة ، واستخرجت صك طلاق من المحكمة بهذا المعنى بثلاث طلقات متفرقات ، دون أن أنطق بها، علمًا بأني لم يسبق أن طلقتها ، فهل هذا الصك يعتبر ثلاث طلقات دون رجعة، أم طلقة واحدة، فإذا كان يعتبر طلقة واحدة، فماذا أفعل لكي أعدل الصك؟ الجواب: ما دام أنه صدر من المحكمة صك بثلاث طلقات متفرقات على يد القاضي، فإن هذه المرأة لا تملك رجعتها ، وقد بانت بينونة كبرى ، وإذا كان عندك إشكال فيما صدر منك، فعليك أن تراجع القاضي الذي أصدر الصك، وتسأله عما يشكل عليك. ثم عقب السائل بالسؤال التالي لفضيلته: سؤال: هو يقول إنه استحصل على الصك دون أن ينطق بالطلقات؟ (119 )مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ( 17 /205 .)

عدد الصفحات ٣٦٧

أحمد بن محمد المطرودي 1952 الجواب: " لا دخل لنا في هذا ما دام أن الأمر ص در من المحكمة ، وعلى يد القاضي، فالمرجع في هذا إلى القاضي، لا دخل لنا في هذا الشيء، سواءً نطق أو لم ينطق، أو غضبان أو غير غضبان، هذا عند القاضي ".(121) المطلب السادس: الفرق بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة إن من فقه المفتي وبُ عد نظره أن يُ فَرِّق في فتاويه في بعض الأحيان بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة إذا لزم الأمر ويتأتى هذا من خلال النظر فيما يترتب على الفتوى إذا خرجت للعموم. وهذا المسلك يُ عدُّ من أدق المسالك في حق المفتي؛ لكونه يتطلب حصافة في بعد النظر. ومن فقه البخاري أنه بوَّب بابا بقوله: "باب من خص بالعلم قوماً دون قوم، كراهية ألا يفهموا "(121) ثم ساق رحمه الله بعض الأحاديث والآثار في هذا الباب والتي منها: ما جاء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: "يا معاذ بن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً ، قال: ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صدقاً من قلبه، إلا حرمه الله على النار»،قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً ".(122) (120 )مجموع فتاوى 2 /659 – 660 .) (121 )رواه البخاري كتاب العلم باب من خص بالعلم قوماً دون قو م كراهية ألا يفهموا ( 27) برقم 128 .) (122) المصدر السابق.

عدد الصفحات ٣٦٨

الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1953 يقول ابن الملقن (123) معلقا على لفظة " إذاً يتكلوا : " فيه تخصيص قوم بالعلم إذا أمن منهم الاتكال والترخص دون من لم يأمن منهم، وهو معنى قول البخاري كراهية ألا يفهموا أي : فيعملوا بالإطلاق ويتركوا التقييد ".(124) وما جاء عن علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله".(125) ويقول الشيخ ابن عثيمين: "من باب التربية والتوجيه ينبغي ألا تخرج عما كان عليه جمهور العلماء بالنسبة للإفتاء العام، أما بالنسبة للعلم كعلمٍ نظري ، فلا بد أن يبين الحق، وكذلك لو فرض أن شخصاً معيناً استفتاك في مسألة ترى فيها خلاف ما يراه جمهور الفقهاء، فلا بأس أن تفتيه ما دمت تثق أن الرجل عنده احترام لشرع الله، فهنا يفرق بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة وبين العلم النظري والعلم التربوي، وقد كان بعض أهل العلم يفتي في بعض المسائل سراً كمسألة الطلاق الثلاث كجد شيخ الإسلام أبي البركات ، وهذه طريقة العلماء الربانيين الذين يربون الناس حتى يلتزموا بشريعة الله ".(126) (123 )هو: أبو حفص عمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري ، من أبرز مصنفاته: " الإعلام بفوائد عمدة الأحكام "، " التوضيح لشرح الجامع الصحيح ". مات سنة 804 ه. طبقات الحفاظ542 )، الأعلام للزركلي (5 /57 .) (124) التوضيح لشرح الجامع الصحيح3 /660 .) (125) رواه البخاري كتاب العلم باب من خص بالعلم قوم ا دون قو م كراهية ألا يفهموا ( 27 ) برقم 128 .) (126) الشرح ا متع (7 /186 – 187 .)

عدد الصفحات ٣٦٩

أحمد بن محمد المطرودي 1954 ويدخل في هذا الباب دخولاً أولياً الإفتاء عبر وسائل الإعلام سيما المرئي منها؛ وذلك لشدة انتشارها وقوة تأثيرها، فينبغي للمفتي التفريق بين الفتوى العامة والخاصة. المبحث الثاني: فيما يترتب على الخطأ في الفتوى وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم رجوع المفتي عن فتواه الخاطئة مما هو متقرر شرعاً ومعلوم عقلا ً أنه في حال تبين للمفتي خطأه في الفتوى ، فيجب عليه الرجوع ، وإعلان ذلك وهذا من الشجاعة في الحق ، كما أن فيه من تهذيب النفس، وكبح جماحها، وأطرها على الحق ، وتربية الأمة على ذلك ما هو ظاهر لمن تأمله ووُفق ل ه. ويمكن أن يستدل لذلك بما كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه : "لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ".(127) يقول السرخسي معلقاً على هذا الأثر: (127) - رواهالدارقطني _5/368 – 369 ) برقم (4471)، والبيهقي في السننلا يحيل حكم القاضي على المقضي له، والمقضي عليه، ولا يجعل الحلال على واحد منهما حراماً ، ولا الحرام على واحد منهما حلالاً (20 /445 – 446) برقم 20567). وقال شيخ الإسلام ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه " منهاج السنة ( 6 / 71 )، وقال ابن القيموهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه. إعلام الموقعين (70 .)

عدد الصفحات ٣٧٠