الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1923 وكث من المسائل المستفتى فيها تدخل تحت دائرة تحقيق المناط(31) ومدى قدرة المفتي على تكييفها وتنزيلها وفق هذا الأمر. يقول الإمام ابن القيم: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنب اط علم حقيقة ما وقع بالق رائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً . والثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر ؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا "(32) المسألة الثالثة: الاستدلال على أهمية تصور الواقعة. 1 - قول الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ (30 )تحليل النص الفقهي1 /481 .) (31 )تحقيق المناط يكون على نوعين: أولهما: أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع. الثاني: ما عُ رِّف علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده. انظر: روضة الناظر (2 /229،231 .) (32)_70 – 71 .)
عدد الصفحات ٣٣٩أحمد بن محمد المطرودي 1924 ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ) (33). وجه الاستدلال: حيث إن الشاهد تصور واقع ما سيشهد به من خلال شق ثوب يوسف عليه السلام من الدبر فشهد ببراءة يوسف عليه السلام. 2 / عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبر ى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه ، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى" قال أبو هريرة: "والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية "(34) وجه الاستدلال: حيث إن سليمان عليه السلام درس واقع صدق المرأتين من خلال اختبارهما حين طلب السكين ليشقه بينهما ، فبادرت الصغرى بالتنازل شفقة عليه فعرف أنه ابنها فحكم به لها. وفي هذا السياق يقول الإمام ابن القيم: "فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القمي ص من دبر إلى معرفة براءت ه وصدقه، وكما توصل (33 )سورة يوسف الآيات ( 23 – 28 .) (34 )رواه البخاري ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب8 /156)، ومسلم3 / 1344 .)
عدد الصفحات ٣٤٠الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1925 سليمان- صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما " إلى معرفة عين الأم ".(35) المطلب الثالث: عدم مراعاة العرف وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف العرف لغة و اصطلاحا العرف لغة: قال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض، والآخر "على السكون والطمأنينة ".(36) اصطلاحاً : فقيل هو: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول(37) وقيل هو: ما اعتاده أكثر الناس، وساروا عليه في جميع البلدان أو في بعضها، سواء أكان صحيحاً أم فاسداً ، وسواء أكان قولياً أم فعلياً .(38) ولعل التعريف الأخير هو الأقرب لكونه جامعاً مانعاً . أما كونه جامعاً ؛ فلأنه أدخل العرف الفاسد، فإنه وإن كان فاسداً ، فقد ذهب بعض العلماء إلى اعتباره وأما كونه مانعاً ، فلأنه أخرج العادة، وذلك أن العادة أعم من العرف، فكل عرف عادة، ولا عكس.(39) (35 )إعلام الموقع71 .) (36 )مقاييس اللغة (4 /281.) (37 )التعريفات149 .) (38 )العرف وأثره في الشري عة والقانون ( 35 .) (39) ـ انظر في نقد التعريفات للعرف وال ترجيح بينها: العرف وأثره في الشريعة والقانون ( 31 _36) بتصرف
عدد الصفحات ٣٤١أحمد بن محمد المطرودي 1926 المسألة الثانية: علاقة عدم مراعاة العرف بالفتوى إن المتأمل في الشريعة الإسلامية يجد أنها راعت عوائد المكلفين وأعرافهم وفقاً للضوابط الشرعية، وبناء على ما تقتضيه المصلحة ، ويتم تحديده من قبل أهل الاجتهاد، وليس الأمر متروكاً لكل أحد يلوكه من يفقه ومن لا يفقه. يقول ابن القيم : "فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد الشريعة مبنية على مصالح العباد. هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل"(41) يقول الخطيب البغدادي(41): "واعلمأن العلوم كلها أبازير الفقه، وليس دون الفقه علم إلا الفقيه والمتفقه وصاحبه يحتاج إلى دون ما يحتاج إليه الفقيه؛ لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة منهم".(42) (40 )إعلام الموقعين ( 71 .) (41 )هو: أبو بكر أحمد بن علي ب ن ثابت بن أحمد الخطيب البغدادي من أبرز مصنفاته: "تاريخ بغداد"، "الكفاية في علم الرواية"، " الجامع الأخلاق الراوي وآداب السامع" مات سنة 463هـ. طبقات الحفاظ (433 _434 )،الأعلام (1 /172 .) (42)_2 /334 .)
عدد الصفحات ٣٤٢الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1927 وجاء في الفتاوى الهندية : "ولكل أهل بلد اصطلاح في اللفظ ، فلا يجوز أن يفتي أهل بلد بما يتعلق باللفظ من لا يعرف اصطلاحهم".(43) ويقول ابن فرحون(44) في هذا السياق: "وهذا أمر متيقن واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليسا سواء".(45) وجاء في تهذيب الفروق: " أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظة من هذه الألفاظ وعرف بلد المفتي في هذه الألفاظ الطلاق الثلاث أو غيره من الأحكام لا يفتيه بحكم بلده، بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد، أو هو من بلد آخر، فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد فيفتيه به ".(46) وجاء فيه أيضاً : "وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين ، فإنهم يجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار ، وذلك خلاف الإجماع وهم عصاة آثمون عند الله تعالى غير معذورين بالجهل؛ لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلاً لها ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها، فالحق حينئذ أن أكثر هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ليس فيها إلا الوضع اللغوي ، وأنها كنايات خفية لا يلزم بها طلاق ولا غير ه إلا بالنية وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي كما تقدم بيانه ، فيجب اتباع ذلك النقل على حسب ما نقل (43)_ الهندية3 /298 .) (44 )هو: إبراهيم بن علي بن فرحون اليعمري ، من أبرز مصنفاته: "الديباج المذهب في تراجم أعيان المذهب المالكي"، و"تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، مات سنة 799 هـ. الأعلام للزركلي (1/52 .) (45 )تبصرة الحكام (2 /76 .) (46 )تهذيب الفرو ق (1 /73 – 74 .)
عدد الصفحات ٣٤٣أحمد بن محمد المطرودي 1928 اللفظ إليه من بينونة أو عدد ، أو غير ذ لك، فهذا هو دين الله تعالى الحق الصريح والفقه الصحيح ".(47) ويقول الإمام الشافعي: "لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه "(48). وجاء في مواهب الجليل: "وإنما الغرابة في استعمال كليات علم الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس فنجد الرجل يحفظ كثيراً من العلم ويفهم ويعلم غيره ، فإذا سئل عن واقعة ببع ض العوام من مسائل الصلاة ، أو من مسائل الإيمان لا يحسن الجواب بل لا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر".(49) ومما ينبغي أن يعلم أن مراعاة عرف المستفتي وعادات بلده له علاقة وطيدة بقاعدتين فقهيتين هما: الأولى: القاعدة الفقهية الكبرى "العادة محكمة ". وهذه القاعدة لها أهميتها الكبيرة في هذا المجال؛ لكون العرف كأي قاعدة أصولية يف تقر الباحث إلى أن يكون على علم بها : صحة وفساداً قولاً وعملاً حتى يستطيع مراعاة عادات الناس، وأعرافهم فيما يكون مدركه العلم بالعرف.(51) يقول السرخسي(51): (47 )تهذيب الفر وق (1 /74 .) (48)_206 .) (49)_6 /65 .) (50) انظرالعرف و أثره في الشريعة187 .)
عدد الصفحات ٣٤٤الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1929 "وأقرب ما قيل في حق المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وأن يكون مصيباً في القياس عالماً بعرف الناس".(52) ومن أهم المهمات معرفة شروط العمل بهذه القاعدة وهي: أولاً _ أن يكون العرف مطرداً . ثانياً _ أن يكون العرف عاماً . ثالثاً _ أ يخالف العرف نصاً شرعياً من كتاب أو سنة . رابعاً _ أن يكون العرف موجوداً أو قائماً عند إنشاء التصرف . خامساً _ أ يعارضه تصريح بخلافه.(53) الثانية: القاعدة الفقهية " لا يُنْكَر تغير الأحكام بتغير الزمان " .(54) وهذه القاعدة تتفرع عن قاعدة "العادة محكمة"؛ لأن العادات تنقسم إلى ثابتة ومتبدلة، وهذه القاعدة تتعلق بالقسم الثاني ، فتعبر عن تغيير الأحكام المبنية على الأعراف تبعا لتغير العادات والأعراف الأحوال . أما القسم الأول ، وهو العادات (51 )هو: أبو بكر، شمس الأئمة محمد بن أحمد بن سهل السرخسي، من م صنفاته: "المبسوط"، "شرح الجامع الكبير للإمام محمد"، "شرح السير الكبير ل لإمام محمد"، مات سنة 483 هـتاج التراجم ( 52 _53)، الأعلام للزركلي ( 5 /315) (52)_16 /68-69 .) (53) ـ هذه الشروط وما في معناها مفصلة في: الإحكام _218 _226) الموافقات2 /203 _ 205)، الأشباه والنظائر _185_199)، العرف وأثره في الشريعة 89 _104 .) (54) ـانظر الفتوى في الإسلام125 .)
عدد الصفحات ٣٤٥أحمد بن محمد المطرودي 1931 الثابتة، فلا مجال لهذه القاعدة فيها. فتبقى أحكامها ثابتة لا تتغير ولا تتبدل كالأحكام الثابتة بالنصوص الشرعية.(55) ولهذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة م ذاهبهم وفقهاؤها الأولون . وصرح ه ؤلاء بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو: "اختلاف الزمان وفساد الأخلاق، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وجد الأئمة الأولون في عصر المتأخرين ورأوا اختلاف الزمان والأخلاق لعدلوا إلى ما قاله المتأخرون".(56) المسألة الثالثة: تطبيقات فقهية لمراعاة واقع الزمان والمكان واختلاف الحكم في ذلك: 1-ما نقل عن الإمام مالك فيمن له ماء وراء أرض وله أرض دون أرض، فأراد أن يجري ماءه في أرض أنه ليس له ذلك، ولم يأخذ بما روي عن عمر رضي الله عنه في ذلك ورواه عنه ابن القاسم في المجموعة. وقال عنه أشهب (57) :كان يقال يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثو ن من الفجور. قال مالك: وأخذ بها من يوثق به فلو كان معتدلاً في زماننا هذا كاعتداله في زمان عمر رأيت أن يقضى له بإجراء مائه في أرضك؛ لأنك تشرب منه أولاً وآخراً ولا (55 )القواعد والضوابط الفقهية259 .) (56 )المدخل الفقهي العام _صطفى الزرقا ( 2 /941 )بتصرف . (57 )أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي، فقيه الديار المصرية في عصره. كان صاحب الإمام مالك. مات سنة 204 هـ. سير أعلام النبلاء500 _503 )، الأعلام للزركلي 1 /333 .)
عدد الصفحات ٣٤٦الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1931 يضرك ولكن فسد الناس واستحقوا التهم فأخاف أن يطول الزمان وينسى ما كان عليه جري هذا الماء، وقد يدعي جارك عليك به دعوى في أرضك.(58) 2-كانت الإماء على عهد الصحابة رضي الله عنهم يمشين في الطرقات منكشفات الرؤوس ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلاد والأوقات كما كان أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد.(59) 3-عن شقيق، قال: "تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن خل سبيلها، فكتب إليه: إن كانت حراماً خليت سبيلها فكتب إليه: إني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن".(61) وقد علق ابن جرير(61) على ذلك فقال: "وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاحَ اليهودية والنصرانية ، حذارًا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك ، فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما".(62) (58 )المنتقى7 /414 .) (59 )مجموع الفتاوى 15 /418 .) (60 )مصنف ابن أبي شيبة3 /474) (61 )أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرخ المفسر الإمام من أبرز مصنفاته: " أخبار الرسل و الملوك "، "جامع البيان في تفسير القرآن "، "اختلاف الفقهاء"، مات سنة 310 هـ. طبقات الحفاظ310 _ 311)، الأعلام6 /69 .) (62 )جامع البيان3 /716 .)
عدد الصفحات ٣٤٧أحمد بن محمد المطرودي 1932 4-جاء عن مالك أنه سمع ابن شهاب يقول: "كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج. لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان، أمر بتعريفها. ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ".(63) فلما كان زمان عثمان أمر بتعريفها ثم تباع لصاحبها يعطى ثمنها إذا جاء، وذلك والله أعلم لما كثر في الناس من لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان لا يعف عن أخذها إذا تكررت رؤيته لها حتى يعلم أنها ضالة فرأى أن الاحتياط عليها أن ينظر فيها الإمام، فيبيعها ويبقى التعريف فيها فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها وحمل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنع من أخذها على وقت إمساك الناس عن أخذها.(64) 5-تزكية الشه ود: فقد ا ختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في صفة العدالة المشروطة في الشهود إذا جُهل حالهم – فذهب الإمام أبو حنيفة ورواية عن أحمد أن الشرط هو العدالة الظاهرة ، فأما العدا لة الحقيقية، وهي الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بال تعديل والتزكية، فليست بشرط ، واستثنى أبو حنيفة الحد وا لقصاص.(65) (63 )رواه مالكالموطأ _2 /501 .) (64)_8 /71 .) (65) بدائع الصنائع6 /405)، المغ14 /43 .)
عدد الصفحات ٣٤٨الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1933 وذهب أبو يوسف(66) ومحمد(67) إلى اشتراط العدالة الحقيقية، وهي الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بالتعديل والتزكية(68). و هذا السياق يقول بعض علماء الحنفية عن هذا الخلاف: "عن مشايخنا من قال: هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛ لأن زمن أبي حنيفة - رحمه الله - كان من أهل خير وصلاح؛ لأنه زمن التابعين، وقد شهد لهم النبي - عليه الصلاة والسلام - بالخيرية بقوله «خير القرون قرني الذي أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب»(69) الحديث، " فكان الغالب في أهل زمانه الصلاح والسد اد، فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر، ثم تغير الزمان وظه ر الفساد في قرنهما ، فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة، فكان اختلاف جوابهم لاختلاف الزمان، فلا يكون اختلافاً حقيقة ".(71) (66 _)هو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، صاحب أبي حنيفة. مات 182 هـ. طبقات الحفاظ ( 81 )،سير أعلام النبلاء ( 54 .) (67) هوأبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني العلامة، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة. مات سنة 189هـسير أعلام النبلاء (9 /134)، تاج التراجم1 /237 .) (68 )بدائع الصنائع6 /405 .) (69 )هذا الحديث لم أجده بهذا اللفظ وإنما ورد اللفظ المقارب له عند الترمذي من حديث عمر رضي الله عنه أبواب الشهادات ـ باب منه (4 /125 )ولفظه: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب"، وجاء عند مسلم كتاب الفضائل من حديث عبد الله بلفظ " (4 /1962 ) بلفظ«خير أمالقرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» (70 )بدائع الصنائع ( 5 /405 – 406 .)
عدد الصفحات ٣٤٩أحمد بن محمد المطرودي 1934 6-مسألة الإكراه على الزنا : إذا أكرهه غير السلطان عند أبي حنيفة -رحمه الله تعالى - يلزمه الحد إذا زنى وعندهما(71) إذا جاء من إكراه غير السلطان ما يشبه إكراه السلطان فلا حد عليه ، وقيل هذا اختلاف عصر ، فإن السلطان كان مطاعاً في زمن أبي حنيفة، ولم ير لغير السلطان من القوة ما يقوى به على الإكراه، فقال: لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان، ثم في عصرهما قد ظه رت القوة لكل متغلب فقالا: يتحقق الإكراه من غير السلطان.(72) 7-جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في هذا العصر نظراً لكثرة سرقة ما تحويه المساجد من أشياء ثمينة مع أنه مكان معد للعبادة ينبغي ألا يغلق _ وإنما جوز الإغلاق صيانة للمسجد عن السرقة.(73) 8-ومن ذلك حكم التسعير حسب واقع السوق ومدى الحاجة إليه، فيجوز التسعير إذا حصل تلاعب بالأسعار من قبل بعض التجار وتضرر الناس بذلك، ولا يجوز التسعير إذا لم يحصل شيء من ذلك، وضابط التلاعب بالأسعار من عدمه إلى عرف كل سوق. وفي هذا الأمر يقول شيخ الإسلام: "إن التسعير منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه؛ أو منعهم مما أباحه الله لهم: فهو حرام . وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من (71 )أي: عند أبي يوسف، ومحمد بن الحسن (72 )المبسوط9 /66)،بدائع الصنائع (6 /191 – 192 .) (73 )الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية - للبورنو ( 312 ) بتصرف
عدد الصفحات ٣٥٠الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1935 المعاوضة بثمن المثل؛ ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل: فهو جائز؛ بل واجب ".(74) المطلب الرابع: عدم النظر في مآلات الفتوى وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعرف المآل لغة و اصطلاحا المآل لغة: قال ابن فارس: "الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه "وآلَ يَؤُولُ ، أي: رَجَعَ قَالَ يعقوب : يقال: " أَوَّلَ الْحُكْمَ إِ لَى أهله "، أي: أَرْجَعَهُ وَرَدَّهُ إليهم".(75) المآل اصطلاحاً : لا يوجد في كتب الفقه والأصول تعريف خاص للمآل عند الفقهاء أو الأصوليين لكن يفهم من خلال الفروع التي يذكرونها أنهم يقصدون المعنى اللغوي وهو (الرجوع) ومن ذلك: ما ذكره السيوطي(76) من فروع فقهية مندرجة تحت قاعدة (هل العبرة بالحال أم بالمآل)(77). وكث من الفقهاء يعبر عن ذلك بلفظة يؤول ويقصدون به: (الرجوع). (74 )مجموع الفتاوى 28 /76 .) (75 )معجم مقاييس اللغة (1 /158 _159 ) مادة ( أول )، وانظر المصباح المن34 .) (76 )هوأبو بكر عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين السيوطي، من أبرز مصنفاته: "در المنثور في التفسير المأثور"، "المزهر في اللغة" و"الجامع الصغير" مات سنة 911 ه. شذرات الذهب في أخبار من ذهب ( 10 /74 )، معجمالمؤلفين (5 /128 .) (77)_باه والنظائر _322 _325 )، اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي ( 1 /30 .)
عدد الصفحات ٣٥١أحمد بن محمد المطرودي 1936 ومن ذلك: قول الشيرازي(78) في مسألة فسخ الرهن بموت أحد المتعاقدين حيث ذكر الخلاف ثم ذكر الرأي الثاني بقوله : "والثاني لا ينفسخ ؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدة الخيار".(79) المسألة الثانية: أهمية النظر في المآلات وأثره في الفتوى إن اعتبار مآلات الأفعال يهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة في الأفعال ووقوعها موافقة لقصد الشارع وعدم مناقضته من حيث القصد أو المآل، وعدم اعتبار المآلات قد يفضي إلى مناقضة مقاصد التشريع وفوات المصالح المقصودة شرعاً ، أو يفضي إلى حدوث مفاسد، وهذا ينافي العدل والمصلحة التي جاءت الشريعة بتحقيقها.(81) ومن هذا المنطلق كان لا بد للمفتي أن يعيَ هذه الحقيقة، وأن يستوعب هذه المعاني حتى تكون فتواه متمشية مع مقاصد الشريعة ، ومنسجمة مع الأثر المترتب عليها، وبضد ذلك قد تكون الفتوى جالبة للمفاسد على الفرد أو على الأمة. وفي هذا السياق يقول الإمام الشاطبي عند كلامه عن صفات العالم الرباني: "أنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات".(81) وبتطبيق هذه القاعدة يتحقق بإذن الله التوسط والاعتدال في الفتوى، ويُبْعِد المفتي عن الإفراط والتفريط فيما يصدر عنه من فتاوى. (78 )هو: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي الشيرازي ، من أبرز مصنفاته : " المهذب"، "طبقات الفقهاء" و "اللمع" مات سنة 476 ه. سير أعلام النبلاء18 /453 _464)، الأعلام للزركلي (1/51). (79 )المهذب مع المجموع ( 12 /357 .) (80 )انظر اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي 1 /51 .) (81 )الموافقات4 /131 .)
عدد الصفحات ٣٥٢الخطأ في الفتوى أسبابه وآثاره - دراسة فقهية تأصيلية 1937 يقول الإمام الشاطبي(82): "فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد؛ فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال؛ فكذلك أيضاً ؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج(83) بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك (82) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشهير بالشاطبي، من أبرز مصنفاته: " المواف قات "، "الاعتصام". مات سنة 790 هالأعلام للزركلي (1 /75 )،معجم المؤلفين (5 /118 .) (83 )ومن أبرز الأمثلة المعاصرة في ذلك: واقع كثير من الأقليات الإسلامية وما يحيط بهم من ظروف وملابسات، وما يستجد عندهم من مسائل ونوازل قد يقتضي الحال مخالفة ظاهر الحكم، والتي تدخل تحت قواعد كثيرة يأتي في مقدمتها قاعدتان: قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " و قاعدة " عموم البلوى ". لكن ينبغي أن يعلم أن هاتين القاعدتين لهما شروط وضوابط من الأهمية بمكان أن يستشعرها المفتي. فمما اشترطه العلماء لصحة العمل بقاعدة " الضرورات تبيح المحظورات ": الشرط الأول: أن تكون الضرورة قائمة غير منتظرة. الشرط الثاني: أن يتعين على المضطر ارتكاب المحظور، بألا تكون هناك وسيلة أخرى من المبا حات لدفع الاضطرار الشرط الثالث: أن يقتصر فيما يباح على القدر الكافي لدفع حالة الضرورة. ولهذا قرر الفقهاء ق اعدة: " الضرورة تقدر بقدرها ". الشرط الرابع: أن يكون الضرر المترتب عل ى ارتكاب المحظور أقل من الضرر المترتب على وجود حالة الضرورة. الشرط الخامس ألا يخالف المضطر المبادئ العامة في الشريعة الإسلامية الشرط السادس: أن يتحقق ولي الأمر في حال الضرورة العامة من وجود ضرر واضح أو حرج شديد على عامة الناس إذا لم يرتكب المحظور. الشرط السابع: أن يكون زمن الإباحة مقيداً بزمن بقاء العذر، فإذا زال العذر زالت الإباحة. انظر: القواعد الكلية والضوابط الفقهية (214 _215 )،الأشباه والنظائر173 _175 )، رفع الحرج ( 437 _447 .) وكذلك الحال بالنسبة لقاعدة: عموم البلوى " فمما اشترطه العلماء لاعتبارها سبباً للتيسير: الشرط الأول: أن يكون عموم البلوى متحققاً في عين الحادثة. الشرط الثاني: ألا يعارض عموم البلوى نصاً شرعي اً . الشرط الثالث: أن يكون عموم البلوى من طبيعة الشيء وشأنه وحاله.
عدد الصفحات ٣٥٣أحمد بن محمد المطرودي 1938 طريق الآخرة، وهو مشاهد؛ وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك".(84) ومما ينبغي أن يعلم أن المفتي قد لا يتقيد بحكم شرعي ثابت لا يقبل التغيير في بعض الحالات تبعاً للأثر المترتب على ذلك بل عليه أن يزن الأمور بميزان المصالح والمفاسد في ذلك فقد يكون من المصلحة مخالفة ظاهر الحكم(85)،وقد يكون الإمساك والسكوت عن الفتوى هو الأسلم والأنجع في كثير من الأحيان. يقول شيخ الإسلام: "فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح وعند التعارض يرجح الراجح بحسب الإمكان فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله وإما لظلمه ولا يمكن إزالة جهله وظلمه فربما كان الأصلح الكف الشرط الرابع: أ لا يقصد التلبس بما تعم به البلوى بقصد الترخص. الشرط الخامس: ألا يكون عموم البلوى هنا عبارة عن معصية. الشرط السادس: أن يكون الترخص في حال عمو م البلوى مقيداً بتلك الحال ويزول بزواله. انظر: عموم البلوى (338 _352)، الأشباه والنظائر 173 _175)،رفع الحرج ( 434 _436 .) (84 )الموافقات (4 /149 – 150 .) (85 )وهذا الأمر داخل فيما اصطلح على تسميته " مراعاة الخلاف في القضية محل الفتوى ". وقد قيل في تعريفه: إعطاء كل واحد منهما ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه. انظر الموافقات ( 4 /85 )، وقيل في تعريفه هو: الأخذ بالقول المرجوح و ترك الراجح في الحكم المقرر فقها مراعاة للواقعة الفتوية محل النظر لمقتض شرعي. انظر الفتوى في الشريعة الإسلامية ( 2 /176 .) وهناك رسالة في هذا الموضوع بعنوان: " العدول عن القول الراجح في الف توى والقضاء " د. عاصم المطوع.
عدد الصفحات ٣٥٤