منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1779 العلم، وهي مسألة التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه، واقتُصر في هذا البحث على كتاب الحدود أنموذجاً للتطبيق، سائلين المولى -عزّ وجلّ - التوفيق والسداد. أهمية البحث تكمن أهمية هذه الدراسة فيما يأتي: 1-إبراز مكانة ابن ماجه رحمه الله تعا. 2-الكشف عن مكانة سنن ابن ماجه بين الكتب الستة من خلال دراسة بعض مناهجه في كتابه. 3-بيان ملامح منهج ابن ماجه في إيراده للأحاديث من خلال الدراسة التطبيقية على كتاب الحدود. 4-توضيح منهج المحدثين في التصحيح على الباب وقبول الأحاديث من خلال التطبيق. مشكلة البحث لا يخفى على المتخصصين أنَّ رتبة سنن ابن ماج ه تأخرت عن بقية السنن المشهورة، ووُصِفَ ابنُ ماجه بالتساهل وإيراده الضعاف والغرائب، وأنَّ بعض الأبواب لم يخرج فيها إلا الضعيف، فهل واقع السنن ومنهج ابن ماجه فيها كذلك؟ أم أنَّه اتبع منهجاً مقصوداً في إخراج الأحاديث في الأبواب؟ وهل يصحح الأحاديث على الأبواب؟ هذه الأسئلة ستجيب عنها هذه الدراسة بإذن الله تعالى. أهداف البحث يسعى هذا البحث لتحقيق جملة من الأهداف هي: 1-الكشف عن وجود منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه 2-بيان مدى وجود أبواب عند ابن ماجه لم يخرج فيها إحديثاً ضعيفاً.
عدد الصفحات ١٩٥محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1780 3- إبراز مدى مشاركة أصحاب الكتب الستة لابن ماجه في أحاديثه 4-توضيح منهج التصحيح على الباب من خلال التطبيق على كتابالحدود عند ابن ماجه. 5-الوقوف على درجة الأحاديث التي أخرجها ابن ماجه في كتاب الحدود حدود البحث يقتصر هذا البحث على دراسة الأبواب الواردة في كتاب الحدود من سنن ابن ماجه، دون التعرض إلى غيره من الكتب، وذلك عينة للدراسة التطبيقية، وباختياره وجدنا كفاية المادة العلمية، إذ وجدنا أبواباً أخرج فيها حديثاً واحداً ، وأبواباً أخرج فيها حديثين، وثلاثة، وأربعة، مما يعطي تصوراً كاملاً عن الموضوع، والله تعالى أعلم. منهج البحث سلكنا في الدراسة ما يأتي: 1-تقسيم كتاب الحدود في سنن ابن ماجه إمطالب حسب عدد الأحاديث التي يخرجها في الباب. 2-تخريج أحاديث ابنِ ماجه من الكتب الستة لإبراز انفراد ابن ماجه أو مشاركته غيره. 3-التنبيه إلى حكم الحديث عند العلماء، وبيان درجته دون استقصاء في هذا الأمر؛ لأن الغاية إعطاء صورة لمجموع درجة أحاديث الباب. 4-تذييل كل مطلب بجدول يرسم صورة مشاركة أصحاب الكتب الستة لابن ماجه أو انفراده، وقراءة ذلك الجدول وتحليله. 5-ما يتعلق بتخريج الحديث من سنن ابن ماجه،سيُكتفى بذكر ترجمة الباب في متن البحث، ولا يُكرر ذكره في الهامش، وكذلك اسم الكتاب أيضاً لن يُذكر في
عدد الصفحات ١٩٦منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1781 الهامش؛ لأن جميع الأحاديث التي يتناولها البحث من كتاب الحدود، كما أشير إليه في حدود الدراسة. وأما بقية كتب السنة فيذكر اسم الباب، والكتاب، ورقم الحديث، والجزء، والصفحة. الدراسات السابقة لم يطرق أحدٌ موضوع التصحيح على الباب بعد التتبع والاستقصاء، لا في سنن ابن ماجه ولا في غ يرها؛ ولذا فما كتب في هذا البحث جديد في بابه - والله أعلم-. وأما الدراسات التي كتبت حول ما قيل فيه: (أصح ما في الباب )، فلا علاقة لها بموضوعنا هذا، والله تعالى أعلم. خطة البحث جاء هذا البحث في مقدمة، وتمهيد، وأربعة مطالب، وخاتمة: المقدمة: واشتملت على أهمية البحث، ومشكلته، وأهدافه، وحدوده، ومنهجه، والدراسات السابقة، وخطته. التمهيد: ويتضمن التعريف بمسألة التصحيح على الباب. المطلب الأول: الأبواب التي أخرج فيها حديثاً واحداً . المطلب الثاني: الأبواب التي أخرج فيها حديثين. المطلب الثالث: الأبواب التي أخرج فيها ثلاثة أحاديث. المطلب الرابع: الأبواب التي أخرج فيها أربعة أحاديث. الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
عدد الصفحات ١٩٧محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1782 التمهيد: معنى التصحيح على الباب، والموضوعات ذات العلاقة سلك المحدثون طرقاً في تصنيف أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمنها: طريقة الأبواب الفقهية كالكتب الستة وغيرها، ومنها طريقة المسانيد: كمسند أحمد بن حنبل، ومنها ما جمع بين الطريقتين: كمسند بقيّ بن مخلد حيث صنفه على المسانيد، ورتب كل مسند على الأبواب الفقهية، ومنها ما سلك طرقاً أخرى كما فعل ابن حبان في التقاسيم والأنواع. ولا شك أنَّ لكل طريقة مزايا تختلف عن غيرها من الطرق، و غايتنا إبراز فائدة التصنيف على الأبواب، حيث سلك بعض المحدثين ترتيبَ أحاديثِ كتابه على الأبواب الفقهية خدمةً للفقهاء في الجانب الحديثي، مثلاً : الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج...الخ... ولا شك أن مثل هذا الترتيب فيه مزايا من أهمها: أ) سهولة العثور على الحديث في باب معين. ب) التوصل إلى معرفة درجة الحديث ، من خلال عرض الحديث على بقية أحاديث الباب والنظر في طرقه. وهو كما قال علي بن المديني :"الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه"(3). وبالتاليكن أن نحكم على الحديث بالخطأ أو بالصواب. ومن هنا كان لا بدّ من توضيح منهج التصحيح على الباب عند المحدثين، حيث يمكن القول إنّه يعني تصحيح حديث معين بشواهد ومتابعات أخرى له، حيث يخرج المحدث أحاديث في باب معين ولا تكون الأحاديث كلها قد صحّ ت، بل يكون صح أحدها أو بعضها، فيكون أصل الحديث ثابتاً في بعض أسانيده، أو له شواهد تقويه. (3) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ، ج 2ص282، وابن الصلاح، علوم الحديث، تحقيق نور الدين عتر، ص91.
عدد الصفحات ١٩٨منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1783 وبلغة أخرى هو: أن يخرج المصنِّفُ في الباب ما يصلح أن يحتج بمجموعه لما بوب له. وهذه المسألة من الأهمية بمكان، وكان المحدثون والفقهاء ينبهون إليها في مصنفاتهم أو عند الحكم على بعض أحاديث ما ورد في باب معين، فيقولون: أصله ثابت، صح من بعض الطرق أو الأسانيد. وهي طريقة موضوعية في الحكم على الحديث، ففرق عندهم أن تحكم على طريق معين أو أن تحكم على أصل الحديث ومتنه هل ثبت من طريق آخر أو توجد أحاديث تشهد له، وبالتالي يكون الحكم على الحديث من خلال بقي ة أحاديث الباب التي يندرج تحتها الحديث الضعيف. وقد بين النووي نقلاً عن القاضي عياض أنّ هذا من منهج الإمام مسلم في أحاديث كتابه فقال: " قوله: ( عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على سعد يعوده بمكة ). وفي الرواية الأخرى: عن حميد، عن ثلاثة من ولد سعد قالوا: (مرض سعد بمكة فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعوده)؛ فهذه الرواية مرسلة، والأولى متصلة؛ لأنّ أولاد سعد تابعيون، وإنما ذكر مسلم هذه الروايات المختلفة في وصله وإرساله ليبين اختلاف الرواة في ذلك. قال القاضي: وهذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في مواضعها، فظن ظانّون أنه يأتي بها مفردة، وأنه توفي قبل ذكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح، ولا يقدح هذا الخلاف في صحة هذه الرواية، ولا في صحة أصل الحديث؛ لأنَّ أصل الحديث ثابت من طرق من غير جهة حميد عن أولاد سعد، وثبت وصله عنهم في بعض الطرق التي ذكرها مسلم"(4). (4) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 6، ص17.و انظر القاضي عياض، إكمال المعلم، ج5 ص192.
عدد الصفحات ١٩٩محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1784 وأشار ابنُ حجر في كلام له إلى منهج التصحيح على الباب ، فقال: " وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له، إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أنَّ المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله"(5) . وكان من ردود ابن حجر على انتقادات الدارقطني لأحاديث البخاري -من أنَّ البخاري أخرج بعض الأحاديث بإسناد ضعيف- بأنّ البخاري كان يعلم ضعفَ الحديث من الطريق الذي أورده، وإنما أورده؛ لأنّ أصله ثابت، قال ابن حجر: "وقد استدرك الدارقطني عليه إخراجه لرواية علي بن المبارك، وقال: يحيى بن أبي كثير مدلس، وقد زاد فيه عكرمة رجلاً ، والحق أن مثل هذا لا يتعقب به البخاري؛ لأنّه لم تخف عليه العلة بل عرفها وأب رزها وأشار إلى أنها لا تقدح ؛ وكان ذلك لأنّ أصل الحديث معروف ومتنه مشهور مروي من عدة طرق، فيستفاد منه أن مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح، والله أعلم"(6) . وانتبه إلى مسألة التصحيح على الباب عند ابن ماجه السندي أحد شراح سنن ابن ماجه، فبين أنَّ بعض ما أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف يكون أصله ثابتاً، ومن ذلك قوله في بعض الأحاديث: "وفي الزوائد في إسناده زيد العمي وهو ضعيف ا.ه.قلت: لكن أصل الحديث صحيح من حديث عمر بن الخطاب، رواه مسلم وأبو داود والترمذي، كما رواه المصنف من رواية عمر أيضاً ، ولا عبرة بتضعيف الترمذي (5)ابن حجر،هدي الساري،ص 381. (6)ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص515.
عدد الصفحات ٢٠٠منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1785 الحديث من رواية عمر كما نبه عليه، والعجب من صاحب الزوائد أنهاقتصر على كلام الترمذي مع ثبوت الحديث في صحيح مسلم، والله أعلم"(7). وقال السندي في موضع آخر: " وفي الزوائد: أصل الحديث قد رواه مسلم، لكن في هذه الطريق التي رواه بها المصنف ليث ا بن سليم، وهو ضعيف عند الجمهور"(8) . وبعد إيضاح هذا المنهج لا بدّ من الإشارة إ لى أن هذا المسألة مختلفة عن قولهم: "أصح ما في الباب كذا". وهذه المسألة تعد من منهج أبي داود في اختيار أحاديث سننه، حيث أوضح في رسالته إلى أهل مكة أن أحاديث كتابه هي أصح ما عرف في الباب(9)، كما كان الإمام الترمذي نص في كثير من مواضع جامعه على أن الحديث الفلاني هو أصح ما في الباب، وهذا ما دفع علماء الحديث إلى شرح معنى هذه الكلمة عندهم، قال الإمام النووي: "يقولون هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفاً ، ومرادهم أرجحه، أو أقله ضعفا"(10) . ومن هنا نرى المسألة مختلفة كما هو ظاهر من كلامهم ويجدر التنبيه إلى مسألة أخرى مقابلة تماما لمنهج التصحيح على الباب وهي مسألة التعليل على الأبواب، حيث يذكر المصنف علل كل باب بعد الفراغ منه أو علة كل حديث بعده كما فعل الترمذي في جامعه وابن أبي حاتم في علله (11). (7)السندي،حاشية السندي على ابن ماجه،ج1، ص416. (8)السندي،حاشية السندي على ابن ماجه،ج7،ص37. (9) أبو داود، رسالة أبي داود إلى أهل مكة، ص 23. (10) النووي، الأذكار، ص183، و السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ، ج2، ص88. (11) همام سعيد، تحقيق ودراسة شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي، ج 1، ص46.
عدد الصفحات ٢٠١محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1786 المطلب الأول: الأبواب التي لم يخرج فيها إ حديثا واحدا وهي سبعة أبواب: أولا: باب من أتى ذات محرم، ومن أتى بهيمة أخرج فيه حديث عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه ، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه ، واقتلوا البهيمة"(12). وهذا الحديث - بهذه الصيغة - من زوائد ابن ماجه (13) وأخرج الترمذي بعضه (من وقع على ذات مَحْرم فَاقْتلوه) (14) ورواه أبو داود (15)، والترمذي(16)، والنسائي (17)، من طريق عَمرو ابن أبي عَمرو، عن عكرمة دون قوله: " من وقع على ذات محرم فاقتلوه ". وشَطر الحد يث الأول ضعيف دون الشّطر الثاني ؛ فالشّطر الأول وهو قوله: "مَنْ وقع علَى ذَات محرم فاقتلوه"، ضعّ فه التّرمذيُّ حيث قال: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن إسماعيل يُضعّف في الحديث، والعمل على هذا عند أصحابنا، قالوا : من أتى ذاتَ محرمٍ وهو يعلم ، فعليه القتل...".، كما أنَّ أبا داود والنسائي أعرضا عن أخراجه؛ مما يشير إلى ضعفه عندهم. والجمع بين شطري الحديث بالصّيغة التي أخرجها ابنُ ماجه هو من زوائده. (12) ابن ماجه، السنن، ج2، ص856، ح2564. (13) البوصيري، مصباح الزجاجة، ج 3، ص107. (14) الترمذي، الجامع، كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن يقول لآخر يا مخنث،ج 4، ص62، ح1462. (15)أبو داود، السنن، كتاب الحدود ، باب فيمن أتى بهيمة،ج4، ص171، ح4466 . (16) الجامع، كتاب الحدود، باب: ما جاء فيمن يقع على البهيمة، ج4، ص56، ح1455. (17) النسائي، المجت، باب: من وقع على بهيمة، ج4، ص322 ح7340.
عدد الصفحات ٢٠٢منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1787 وأما الشّطر الثاني من الحديث وهو: " ومَنْ وقع على بهيمة فاقتلوه، واقْت لوا البهيمة"، قال فيه الترمذيُّ : "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النّبي صلى الله عليه و سلم"، وقال أبو داود: ليس هذَا بالْقويّ (18)، وقد أخرج أبو داودحديثاً بعده من طريق عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قَالَ: " ل يس على الذي يَأْت ي البهيمة حَدّ"، ثم قال أَبُو دَاوُدَ: " حديث عَاصم يُضَعِّفُ حَديث عَمْرو بن أَبِى عَمْرو". ومال الترمذي إلى ما مال إليه أبو داود في الحديثين حيث أخرجهما متتاليين كما هو ترتيب أبي داود، ثم قال: هذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم"(19) . ومن ثَمَّ فإنَّ أبا داود والترمذي يميلان إلى أنَّ حديث ابن عباس الذي رأى فيه عدم إقامة الحدّ أصحّ من حديثه المرفوع الذي يوجب إقامة الحد، بل نقل أنّ العمل عند أهل العلم على عدم إقامة الحد عليه. وأما النسائي فمال إلى عكس ما مال إليه أبو داود والترمذي، حيث روى حديث عمرو عن عكرمة عن ابن عباس . ثم أخرج حديث عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس، وقال معقباً عليه: " هذا غير معروف والأول هو المحفوظ "(20). يقصد أن المحفوظ هو حديث ابن عباس المرفوع الذي تضمن إقامة الحد على من وقع على بهيمة. ويرى البيهقي صحة الحديث حيث قال: "قد رويناه من أوجه عن عكرمة ولا أرى عمرو بن أبى عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة (18)أبو داود، السنن، كتاب الحدود ، باب ما جاء فيمن يقول لآخر يا مخنث، ج4، ص171، ح4466 . (19) الجامع، كتاب الحدود، باب: ما جاء فيمن يقع على البهيمة، ج4، ص56، ح1455. (20)النسائي،السنن الكبرى، باب من وقع على بهيمة، ج6، ص 486، ح7301.
عدد الصفحات ٢٠٣محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1788 في الحفظ، كيف وقد تابعه على روايته جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات الأثبات والله أعلم " (21) . هذا الجدل بين الأئمة إذن يدور على اجتهادهم في رتبة من يدور عليه الحديث في الإسنادين: عمرو وعاصم، وقد لخص الطَّحاوي ما روي عن ابنِ عبَّاس فيمن أتى بهيمة: بأنَّ "ما روي عنه أنَّه لا حد على مَن أتى بهيمة أحسن إسناداً، وهو ناسخ لما روي عنه من الأمر بقتله" (22) . والذي يهمنا هنا أن نبيّن منهج ابن ماجة مقارناً بغيره من أصحاب السنن في هذا الحديث في الباب، فلاحظنا أنّ شطر الحديث الأول (مَنْ وق ع على ذات مَحْرم فاقْتلوه ) ضعفه الترمذي ولم يخرجه أبو داود والنسائي. وأما شطره الثاني (ومَن وقع على بَهيمة فاقتلوه) فمال النسائي إلى صحته، بينما ضعّفه أبو داود والترمذي بعد إخراجهما له. ولعل هذا الاختلاف يفسر لنا عدم جزم ابن ماجه لصيغة الباب؛ حيث ذكر مبتدأ ولم يذكر الخبر، فقال: " من أتى ذات محرم أو بهيمة"، ولم يجزم بعقوبته، وما أورده في الحديث من عقوبة القتل قد قال به بعض الفقهاء، كما ذكر الترمذي، والله أعلم. ثانيا : باب الكبير وَالمر يض يجب عليه الحد أخرج فيه حديث سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف، فلم يرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها (23)،فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" اجلدوه ضرب مائة سوط"، قالوا: (21) السنن الكبرى، كتاب الحدود، باب مَنْ أَتَى بهَِيمَة، ج8، ص234، ح17495. (22) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج 9،ص442. (23) يخبث بها: يزني بها. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج2، ص7.
عدد الصفحات ٢٠٤منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1789 يا نبي ا، هو أضعف من ذلك، لو ضربناه مائة سوط مات، قال:" فخذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ (24) فاضربوه ضربة واحدة(25). هذا الحديث أخرجه أبو داود (26)، و أخرجه أيضا النسائي من طرق عدة، منها: طريق أبي أمام ة بن سهل بن حنيف مرسلاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وموصولاً عن سعيد بن سعد عن النبي -صلى الله عليه وسلم، وجعل النسائي حديث أبي أمامة المرسل من أجود الأحاديث في الباب(27). وما رجحه النسائي صار إليه الدارقطني فقال: " والصّواب عن أَبى حَاز م عن أَبى أمامة بن سهل عن النّ بىّ -صلى الله عليه وسلم" (28). وذكر أبو حاتم لسعيد بن سعد بن عبادة هذا الحديث (29). فالحديث مروي على الوجهين ؛ ولذلك قال عبد الحق: " اختلف في إسناد هذا الحديث، والخلاف فيه مذكور في كتاب النَّسائيّ ، وهو عندي لا يضرّه "(30). وما جزم به ابن ماجه في الباب من وجوب الحد على الكبير والمريض هو الذي عليه العمل عند بعض الفقهاء، وبه قال الشافعي؛ بمقتضى هذا الحديث (31). (24) العِثْكال: العِذْق من أعذاق النخل الذي يكون فيه الرطب، وكل غًصْن من أغْصانه شِِْراخ. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 2، ص1216، وج 3،ص399. (25) ابن ماجه، السنن، ج2، ص859، ح2574. (26) أبو داود، السنن، كتاب الحدود، باب إقامة الحد على المريض ج 4ص275 ح4474. (27) سنن النسائي الكبرى، كتاب الرجم، الضرير في خلقته يصيب الحد ، وذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي أمامة بن سهل فيه، ج 4، ص311، ح7309. (28) الدارقط ، السنن، ج7 ص468. (29) ابن أبي حا، الجرح والتعديل ، ج4 ص25. (30) عبد الحق الاشبيلي، الوهم و الإيهام، ج ص 468. (31) انظر: النووي، المجموع ، ج 20، ص41.
عدد الصفحات ٢٠٥محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1790 ثالثا: باب تعليق اليد فيي العنق أخرج فيه حديث ابن محيريز، قال: سألت فضالة بن عبيد عن تعليق اليد في العنق ؟ فقال : السنة ، قطع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يد رجل ، ثم علقها في عنقه (32). وهذا الحديث أخرجه أبو داود،والترمذي، وقال:" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج بن أرطأة، وعبد الرحمن بن محيريز هو أخو عبد الله بن محيريز، شامي "، وأخرجه النسائي وقال: " الحجاج بن أرطاة ضعيف ولا يحتج بحديثه"(33). ولم يخرج أصحابكتب السنن الأربعة في الباب غير هذا الحديث. وفي علل ابن أبي حاتم : " سألت أبِي عن حديث ؛ رو اه عمر بن عليّ بن مقدّم ، عن الحجّاج بن أرطاة ، عن مكحول ، عن عبد الرّحمن بن محيريز ، قال: سألت فضالة بن عبيد، فقلت: أرأيت تعليق اليدين من العنق أمن السّنّة ؟ فقال : أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بسارق، فأمر به، فقطعت يده ، ثُمّ أمر به، فعلِّقت فِي عنقه. قال أبِي : هذا خطأ، إِنّ ما هو عبد الله بن مُحيريز ، قال: سألت فضالة."(34). ولم يصرح ابن ماجه وأبو داود والنسائي باسم ابن محيريز، بل اكتفوا بقولهم: عن ابن محيريز. (32) ابن ماجه، السنن، ج2، ص862، ح2587. (33) أبوداود،السنن، باب: فِِ السّارق تعلّق يَده فِِ عنقه، ج 4، ص284، ح4413. الترمذي، الجامع، ما جاء فيِ تَعليق يَد السّارق، ج 4، ص50، ح1477. والنسائي، المجتبى،باب: تـَعْلِيقُ يَد السّارقِ فيِ عنقِه. ج8ص92ح4982-4983. (34) ابنأبي حاتم، علل الحديث، تحقيق: سعد الحميد، ج1 ص452.
عدد الصفحات ٢٠٦منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1791 وأما تحسين الترمذي لهذا الحديث فللشاهد الذي روي بإسناد صحيح عن علي -رضي الله عنه- أنَّ ه فعل ذلك، ومعلوم أنَّ فعل الصحابي مما لا يدرك بالاجتهاد له حكم المرفوع (35). كما أن حجاج بن أرطاة ليس ضعيفاً بإطلاق، وقد حسن القول فيه كثير من النقاد، وأكثر ما نقم عليه تدليسه، قال أبو حاتم:" صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه "، ونحو كلام أبي حاتم ورد عن أبي زرعة (36). وبنى ابن العربي على كلام النسائي فقال :" ولو ثبت هذا الحكم لكان حسناً صحيحاً ، لكنه لم يثبت ، ويرويه الحجاج بن أرطاة "(37). وترجمة ابن ماجه للباب توحي بهذا الاختلاف حيثلم يذكر حكم تعليق اليد في العنق، وقد اختلف العلماء من أصحاب المذهب الواحد في هذا الحكم لاختلافهم في حكم الحديث كالشافعية مثلا ، قال إمام الحرمين : " وقد اختلف أئمتنا في هذا: فمنهم من لم يصحح الخبر، ولم ير هذا، ومنهم من رآه، ولا ينتهي الأمر إلى الإيجاب في ذلك، ولكنه إلى رأي الإمام"(38). رابعا: باب السّارق يعترف أخرج فيه حديث عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ، إنّ ي سرقت جملاً لبني فلان ، فطهرني، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا افتقدنا جملاً لنا، فأمر (35) ابن أبي شيبة، المصنف، ج5ص561 ح28974. (36) ابن أبي حا، الجرح والتعديل ، ج3 ص156. (37) ابن العربي، عارضة الأحوذي، ج 7،ص228. (38) الجوي، نهاية المطلب في دراية المذهب ، ج17ص265.
عدد الصفحات ٢٠٧محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1792 به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده. قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النارَ (39) . وهذا الحديث من زوائد ابن ماجه، وهو من رواية ابن لهيعة – وهو وإن كان مخلطاً - فهذا من قديم حديثه كما قال أبو نعيم الأصفهاني:" هذا من قديم حديث ابن لهيعة ومفاريده، روى عنه عبد الله بن وهب " (40).وقد ذكر أبو حاتم هذا الحديث الواحد لثعلبة الأنصاري والد عبد الرحمن(41). ومن جهة الترجمة نلحظ أن ابن ماجه زم بما يترتب على اعتراف السارق، والمسألة فيها خلاف، ذكر ذلك غير واحد من العلماء منهم الطحاوي قال: "فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أقر بالسرقة مرة واحدة قطع ، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وخالفهم في ذلك آخرون"(42). خامسا: باب تَلقيين السّارقي أخرج فيه حديث أبي أمية ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أُتي بلص، فاعترف اعترافاً ، ولم يوجد معه المتاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما إخالك سرقت"، قال: بلى، ثم قال:" ما إخالك سرقت"، قال: بلى، فأمر به فقطع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قل: أستغفر الله وأتوب إليه" ، قال: (39) ابن ماجه، السنن، ج 2 ص863، ح2588. (40) أبو نعيم، معرفة الصحابة، ج 4 ص284. (41) ابن أبي حا، الجرح والتعديل، ج 2 ص462. (42)الطحاوي، شرح معاني الآثار ج 3ص168.
عدد الصفحات ٢٠٨منهج التصحيح على الباب عند ابن ماجه في سننه ... 1793 أستغفر الله وأتوب إليه، قال: "اللهم تب عليه "، مرتين(43) .وهذا الحديث رواه أبو داود(44)، ولم يخرج في الباب غيره، والنّسائيّ (45) ولم يخرج في الباب غيره. وقد أشار البخاري في التاريخ الكبير إلى خلاف في وصله وإرساله (46)،وله شاهد من حديث أب ي هريرة روي مرسلاً وموصولاً كذلك(47) .ورجّ ح البيهقي المرسل، وشكك في صحة الموصول فقال: " وفي هذا إن صح دلالة على أنه أمر بالقطع حين اعترف عنده مره واحدة. وقد اختلف فيه على عبد العزيز الدراوردي عن يزيد منهم من وصله عنه ومنهم من أرسله فلم يذكر فيه أبا هريرة. وأرسله أيضاً سفيان بن عيينة وعبد العزيز بن أبي حازم عن يزيد بن خصيفة وهو المحفوظ."(48). نلحظ عدم جزم ابن ماجه بحكم التلق، والمسألة خلاف بين العلماء، وذهب بعض إلى جوازه؛ بهذا الحديث، وبما روي عن بعض الصحابة في هذا الباب (49). سادسا: باب الْمُستكره أخرج فيه حديث عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال:( استكرهت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدرأ عنها الحد، وأقامه على الذي أصابها، ولم يذكر أنّ ه جعل لها مهراً ) (50). وهذا الحديث ضعيف لانقطاع إسناده؛ فلم يسمع عبد الجبار من أبيه، كما ذكر الإمام الترمذي الذي أخرجه من غير طريق ابن ماجه (43) ابن ماجه، السنن، ج 2ص865، ح2597. (44) أبو داود، السنن،كتاب الحدود، باب فِِ التّلقين فِ الحدّ. ج 4ص234، ح 4382. (45)النسائي، السنن الكبرى،كتاب قطع السارق ، باب تلقين السارق. ج 4ص328، ح 7363 . (46) البخاري ، التاريخ الكبير، ج9 ص3. (47) البيهقي، معرفة السنن والآثار ، ج 12 ص418. (48) البيهقي، معرفة السنن والآثار ، ج 12 ص419. (49) الشوكا ، نيل الأوطار، ج7 ص179-180. (50) ابن ماجه، السنن، ج2ص866، ح2598.
عدد الصفحات ٢٠٩محمد عودة أحمدالحوري ، و محمد زهير عبد الله المحمد 1794 وقال:"هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل...، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم،: أن ليس على المستكرهة حد. ثم أخرجه بنحوه من طريق علقمة بن وائل عن أبيه، وقال:" هذا حديث حسن غريب صحيح، وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل وعبد الجبار لم يسمع من أبيه"(51)، وأخرجه أبو داود من طريق علقمة بن وائل، عن أبيه (52)،ولم يخرج في الباب غيره. ولعل ابن ماجه أخرجه من هذه الطريق المعلة اكتفاء بشهرة الطريق الصحيحة التي أخرجها الترمذي، وعلى كل ف العمل بمقتضى هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم كما بين الترمذي. سابعا: باب من نفى رجلا من قبيلتيه أخرج فيه حديث الأشعث بن قيس، قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وفد كندة، ولا يروني أفضلهم، فقلنا: يا رسول الله، ألستم منا؟ قال: "نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمناً ، ولا ننتفي من أبيناً (53)". قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أوتى برجل نفى رجلاً من قريش من النضر بن كنانة، إلا جلدته الحد (54). وهذا الحديث من زوائد ابن ماجه (55)، وهو حديث صحيح رجاله ثقات، وقد بين أبو نعيم في ترجمة الأشعث أن هذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي، ويزيد (51) الترمذي، الجامع،أبواب الحدود، باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا ، ج4ص55،ح 1453. (52) أبو داود، السنن، كتاب الحدود، باب فِ صاحب الحد يجىء فيقر.ج 4ص233، ح 4381. (53) معنى الحديث: لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب إلى الأمهات.الزبيدي، تاج العروس، ج39ص327. (54) ابن ماجه، السنن، ج2ص870،ح2612. (55) البوصيري، مصباح الزجاجة ، ج 3 ص118.
عدد الصفحات ٢١٠