93 ؛ فإن قراءة]﴾وإنما يتملها الرسم بتقدير ما ﴾ فيحتملها الرسم ﴾(() موافِقَةٌ للرسم موافَقَةً صرية، وأما قراءة ﴿ ﴿ تقديراً بزيادة ألف صغيرة بعد الميم. وهذا القيد تطرق إليه ابن جرير في تفسيره؛ قال - رحمه الله - بعد أن ذكر قراءةَ « :)3(]﴾﴾ وقراءةَ ﴿ ﴿ ﴾ على الجماع فيهما جميعاً؛ لأن ذلك قراءة من قرأ: ﴿ كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخطّ المصحف. واتباعُ خطّ المصحف مع صحة المعنى واستفاضة القراءة به، أعجب إليّ من خلاف المصحف والملاحظ هنا أن ابن جرير - رحمه الله - لم يردَّ قراءة إثبات الألف؛ وذلك لأنها ﴾ صحيحة متواترة، وإنما عبرّ بـ وإن اجتمعت المصاحف على حذف ألفها(() إلا أنها توافق الرسم تقديراً، وما كان كذلك فلا يُعَدُّ شاذاً أو مردوداً. وبهذا يظهر جليّاً أن ابن جرير - رحمه الله - لم يكن يتطرق إلى القواعد الرئيسة في الرسم فحسب؛ بل كان يتطرق إلى التفصيلات الدقيقة في هذا الفنّ. ويظهر أيضاً أن القواعد التي اعتمدها وسار عليها كانت أساساً لقواعد هذا العلم فيما بعد. 11/1( ﴾ بغير ألف. انظر﴾ بالألف. وقرأ الباقون ﴿ (() قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف ﴿ تحبير التيسير (ص ﴾ بغير ﴾ بألف بعد الطاء وهمزة مكسورة بعده. والباقون ﴿3( ألف وبياء ساكنة مكان الهمزة. انظر: إتحاف فضلاء البشر (ص 4((/4( .)346 – 34(/11 – (() انظر: المقنع (ص
عدد الصفحات ١٧94 المطلب الثالث مجرد موافقة القراءة للرسم العثماني لا يقطع بصحتها إذا كان من شروط قبول القراءة موافقتها للرسم العثماني فإن مجرد توافر هذا الشرط في قراءة ما لا يكفي للحكم بأنها صحيحة؛ فلربما وافقت القراءة الرسم وهي مع ذلك شاذة. ومن المواضع التي نبّه فيها ابن جرير - رحمه الله - على هذه المسألة ما ذكره عند قال: بعد ]﴾تفسير قوله تعالى: ﴿ ﴾ وقراءة ﴿تَسَاقَطْ﴾ وقراءة ﴿يَسَّاقَطْ﴾ أن ذكر قراءة ﴿ نهَِيك(() أنه كان يقرؤه (تُسْقِطْ) بضمِّ التاء وإسقاط الألف، والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني (تَسَّاقَطْ) بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاءٌ أهلُ معرفةٍ بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه القراءات الأربع التي ذكرها ابن جرير - رحمه الله - رَسْمُها واحد اتفقت عليه المصاحف، وهو بحذف الألف تقديراً، وأما القراءة الرابعة فإنها موافقةٌ للرسم موافقةً صرية، ومع ذلك فهي قراءة شاذة(() لا يقرأ بها؛ لأن مجرد موافقة الرسم العثماني لا يقطع بصحة القراءة. 1( وتخفيف السين، وكسر القاف. وقرأ شعبة في أحد الوجهين عنه، ويعقوب ﴿يَسَّاقَطْ﴾ بالياء، وتشديد السين، وفتح القاف. والباقون ﴿تَسَّاقَطْ﴾ بفتح التاء، وتشديد السين، وفتح القاف وهو الوجه الثاني 318/لشعبة. انظر: النشر (() نسبها الطبري لأبي نهيك، ولم أرَ ذلك لغيره. ونسبها أبو حيان إلى أبي حيوة. انظر: تفسير البحر 17(/المحيط 180/3( .)830/4( .)17(/(() تفسير البحر المحيط
عدد الصفحات ١٨95 ومن الأمثلة الأخرى على ذلك قوله - رحمه الله - عند تفسير قوله تعا « :]﴾﴿ أنه كان يقرؤه: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَازِعاً وإن كانت موافقة للرسم العثماني. وكلام ابن جرير هذا قاعدة مؤصلة في علم الرسم العثماني، ذكرها كثير من علماء هذا الفن ممن جاؤوا بعد ابن جرير - رحمه الله -؛ يقول مكيُّ بنُ أبي طالبٍ القيسيّ - رحمه ا في العدد، كثيراً في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف يضبطوا إعرابه، فتمكن لأهل كل مصر أن يقرؤوا الخط في قراءتهم التي كانوا عليها بالصاد على ما كانوا ]﴾مما لا يخالف صورة الخط، وقرأ قوم ﴿ ﴾عليه، وقرأ قوم ﴿ أحد في قراءته عن صورة خط المصحف 1( 78/المهملة، من الفزع، وهو الخوف والقلق. انظر: المحرر الوجيز 10(/04/التفسير 9/(() تفسير الطبري 3(9/3( ﴾ بالصاد المهملة المشددة المرفوعة. وقرأ 4( ﴾ بقاف ساكنة وضاد معجمة. انظر: إتحاف فضلاء البشر (ص الباقون ﴿ الزاهرة (ص (().– (() كتاب الإبانة عن معاني القراءات (ص
عدد الصفحات ١٩96 المطلب الرابع لا تجوز القراءة بما تحتمله اللغة إن لم يكن موافقاً للرسم العثماني إذا كانت قراءة ما صحيحة من حيث اللغة، وكانت هذه القراءة لا توافق الرسم العثماني فإنها تكون مردودة؛ لأن موافقة الرسم - كما تقدم - شرط من شروط قبول القراءة. وقد قرر ابن جرير - رحمه الله - هذه القاعدة في غير ما موضع من تفسيره؛ ومن ذلك لقراءة من قرأ (أولئك عَليهم لعنة الله والملائكةِ والناس أجمعون) ؛ معللاً رده إياها بقوله 1(][ جائزةٍ القراءةُ به؛ لأنه خلافٌ لمصاحف المسلمين، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضاً فيهم. فغير جائز الاعتراضُ بالشاذّ من القول، على ما قد ثبتت حُجته بالنقل المستفيض 3(]ومثل ذلك رَدُّه لقراءة من قرأ (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسرَْةٍ كان الغريم ذا عسرة، قال - رحمه ا القراءة به عندنا، لخلافه خطوط مصاحف المسلم 63(/1( 9/393/1( .)(64 – (63/(() تفسير الطبري 3( 3(4/186/انظر: معاني القرآن 466/4( .)(9/4(
عدد الصفحات ٢٠97 ومن المواضع التي قرر فيها ابن جرير - رحمه الله - هذه القاعدة قوله بعد أن ذكر قد كتب في مصحف عائشة رضي الله عنها (إِلآ ]﴾أن قوله تعالى: ﴿ أوثاناً ﴾، بمعنى جمع (أنثى)؛ لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك وهذا الذي قرره ابن جرير - رحمه الله - أصلٌ عظيمٌ من أصول علم الرسم العثماني، وسار عليه العلماء من بعده؛ فقد ذكر مكيُّ بنُ أبي طالب القيسيُّ أنَّ من أقسام ما يُرْوَى من قراءات القرآن العربية، وخالف لفظه خط المصحف. فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته. وما لم يقطع على . ثم أكد كلامه هذا مرة أخرى بأن صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده ما نقل آحاداً، أو كان مخالفاً للمصحف المجمع عليه - وإن صحّ في اللغة - فإنه لا يُقْرأ به وصح سنده، وخالف الرسم، فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة؛ لكونها شَذَّت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحاً فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة، ولا في غيرها 10/1( .)(93/14/40 – (() كتاب الإبانة عن معاني القراءات (ص 3( .)17 – 4(
عدد الصفحات ٢١98 المطلب الخامس إذا تواترت قراءةٌ فيها مخالفةٌ لرسمٍ مجمعٍ عليه فا يضر ذلك لا يخفى ما بين علم القراءات وعلم الرسم من علاقة وطيدة، ولذا كان من الشروط المتفق عليها لقبول القراءة موافقتها لأحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً. وها هنا تساؤل: ماذا لو وردتْ قراءةٌ متواترةٌ غير مطابقة لرسمِ كلمةٍ ما في المصحف؟ لقد فطن ابن جرير - رحمه الله - لهذه المسألة وتطرق إليها عند تفسيره قولَ الله عز فقال بعد أن ذكر القراءت]﴾وجل: ﴿ « إياه على ما عليه قراءة القرّاء إلحاق نون أخرى ليست في المصحف، فظنَّ أن ذلك زيادة ما ليس في المصحف، ولم يعرف لحذفها وجهاً يصرفه إليه، والصواب من القراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، من قراءته بنونين وتخفيف الجيم؛ لإجماع الحجة من القرّاء عليها وتخطئتها خلافه ولقد كانت هذه القاعدة التي قررها ابن جرير - رحمه الله - أساساً يعتمد عليه في الإجابة عن بعض الإشكالات التي قد تثار حول الرسم العثماني، قال ابن الجزريّ - رحمه الله « :- لا يعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة، ولذا لم يعدُّوا إثبات ياء الزوائد ، ][ ﴾، وواو ﴿ ]﴾وحذف ياء ﴿ ﴾ بنون واحدة وجيم مشددة. والباقون ﴿ 1( ﴾ بنونين مخففاً. انظر: تحبير التيسير (ص 0 – (19/(() تفسير الطبري 3( ﴾. انظر: المقنع (ص﴾ بالواو ونصب النون؛ عطفاً على ﴿ 4( القراءات (ص
عدد الصفحات ٢٢99 ، ونحوه من مخالفة الرسم المردودة؛ فإن الخلاف في ذلك][ ﴾والظاء من ﴿ مغتفر؛ إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتَلَقِّيها بالقبول بخلاف زيادة كلمة ونقصانها، وتقديمها وتأخيرها المطلب السادس مصطلحات الرسم العثماني في تفسير الطبري بما أن تفسير الطبري جاء حافلاً بقضايا الرسم العثماني فلا بد أن يكون قد عبرَّ عن تلك القضايا بمصطلحات، وعند النظر في تلك المصطلحات فإن بعضها بقي متداولاً عند أهل هذا الفن، وبعضها الآخر عفا وأقيم غير مقامه. وقبل الحديث عن المصطلحات التي عبرَّ بها ابن جرير - رحمه الله - عن الرسم العثماني في تفسيره لا بدَّ من الحديث عن مصطلح خلال البحث في تفسير الطبري أنه لم يستعمل هذا المصطلح في تفسيره البتة، وإنما كان يعبرِّ بمصطلحات أخرى تحمل الدلالة ذاتها، وأبرز مصطلحاته وهذا هو التعبير الأكثر شيوعاً في تفسيره المصحف ﴾ بالضاد. واتفقت ﴾ بالظاء. وقرأ بقية القراء ﴿1( جميع المصاحف على رسمه بالضاد. انظر: المقنع (ص 0(/13 – 1(/(() النشر 498/196/179/94/83/136/330/3( .)(34/(((،/411/4(/476/1( 63/331/479/87/4((/6(/133/4( .)449/(1 .)(6(/46/(() انظر: تفسير الطبري 60/6( .)64 – 63/7(
عدد الصفحات ٢٣(00 وبعد التتبع التاريخي لظهور هذا المصطلح يتضح أن مصطلح إنما ظهر بعد عصر الطبريّ، في وقت متأخر نسبياً في المؤلفات التي تخصصت بموضوع خط المصحف الشريف ويأتي تفصيل هذه المصطلحات وتلك في هذين الفرعين: الفرع الأول: المصطلحات الموافقة لما ﻫو مستعمل في ﻫذا الفن وكما أن لكل فنٍّ مصطلحاته الخاصة به فإن للرسم العثماني مصطلحات معروفة عند أهل هذا الفنّ. ومن ذلك تسمية المصاحف التي أرسلها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار. ويرجح علماء الرسم أن عدد المصاحف التي نسخها عثمان رضي الله عنه ستة؛ أرسل مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، وأبقى بالمدينة مصحفاً، واحتبس لنفسه مصحفاً وهو يقال له الإمام. واصْطَلَحَ أهلُ الرسمِ على تسمية الخاص والمدني بالمدنِيَّينْ، وعلى تسمية الخاص والمدنِيَّينْ والمكي بالحجازية أو الحِرْمِيَّة، وعلى تسمية الكوفي والبصري بالعراقِيَّين((). وعند إجالة النظر في تفسير الطبري يظهر بجلاء أنه استعمل جلَّ هذه المصطلحات، وأنه ما من مصحف من المصاحف المذكورة إلا وذكره ابن جرير - رحمه ﴾الله -؛ ومن ذلك قوله ﴾ سوى أبي فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والعراق والشام: ﴿ ]87 ﴾ في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعدهعمرو، فإنه خالفهم فقرأه: ﴿ 1(6 – 1( (() الضباع، سمير الطالبين (ص ﴾ ؛ فقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿]3( ﴾ بحذفبزيادة همزة وصل، وفتح اللام، ورفع الهاء من لفظ الجلالة فيهما. وقرأ الباقون ﴿ همزة الوصل، وبلام مكسورة، ولام مفتوحة، وخفض الهاء من لفظ الجلالة فيهما. ولا خلاف بينهم في أنه بلام مكسورة وأخرى مفتوحة رقيقة مع ]﴾الأول، وهو: ﴿ خفض الهاء. انظر: تحبير التيسير (ص
عدد الصفحات ٢٤(0( اتباعاً لخط المصحف؛ فإن ذلك كذلك في مصاحف الأمصار، إلا في مصحف أهل البصرة؛ فإنه في الموضعين بالألف، فقرؤوا بالألف كلها؛ اتباعاً لخط مصحفهم ويقول - رحمه ا ﴾ بزيادة هاء، فقرأته عامة قرّاء المدينة والشام: ﴿ ]﴾ ﴾ بغير هاء، وكذلك هو في مصاحفهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: ﴿ 3(»وكذلك هو في مصاحفهم والأمثلة على هذا كثيرة ومن ذلك القبيل أيضاً ما رواه ابن جرير - رحمه الله - بسنده عن أبيّ بن بحذف كلمة ][ كعب أنه قرأ: (أَن تَقْصرُُوا مِنَ الصَّلاةِ أَن يَفْتِنَكُم (إنْ خِفْتُمْ). قال بكر بن شرود - أحد رواته -: وهي ﴾ رحمة الله عليه: ﴿ ومستعملاً في فنّ الرسم إلى الآن. الفرع الثاني: المصطلحات غير الموافقة لما ﻫو مستعمل في ﻫذا الفن وإذا كانت معظم المصطلحات التي استعملها ابن جرير - رحمه الله - فيما يتعلق بالرسم العثماني موافقة لما هو مستعمل في هذا الفن، فإن له مصطلحاً واحداً 64 – 63/1( ﴾ بزيادة هاء ضمير مذكر بعد الياء، وكذلك هو في(() قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ﴿ المصاحف المدنية والشامية، وقرأ الباقون بحذف الهاء وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق. انظر: 370/النشر 643 – 64(/3( .)10(/00/374/8(/4(0/4( .)6(6/104/178/(() ينظر: معاني القرآن الكريم 1(7/6(
عدد الصفحات ٢٥(02 من المصطلحات القديمة التي كانت مستعملة في الكتب القديمة؛ وهو مصطلح « ، قال - رحمه]...﴾تفسيره؛ الأولى: عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ﴾؛ لأنها كذلك هي ﴾ بإثبات الواو في ﴿ا ﴾ على الابتداءفي مصاحفنا مصاحف أهل المشرق بالواو، وبرفع ﴿ ، قال رحمه ا]﴾عند تفسير قوله تعالى: ﴿ في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح الدال وهو مصطلح غير مستعمل في علم الرسم العثماني، ولعل ابن جرير - رحمه الله - يعني به المصاحف في منطقة الجزيرة العربية وما حولها، دون المصاحف التي انتشرت بعد الفتوح الإسلامية في بلاد المغرب العربي وما جاورها. والله تعالى أعلم. 409/1( .)4(1/(() تفسير الطبري
عدد الصفحات ٢٦(03 المبحث الثالث الأمور التي تؤخذ على ابن جرير الطبري في الرسم العثماني تجلى من خلال ما تقدم مدى إحاطة ابن جرير - رحمه الله - بفنّ الرسم العثماني، وأنه كان على علم ييط بقضاياه الرئيسة والفرعية على السواء. ولكن كل بشر يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ. وابن جرير - رحمه الله - بشر يصيب ويخطئ، وقد وقعت منه هنات فيما يتعلق بالرسم العثماني، وفي بعضها خالف بعض ما قرره هو نفسه في مواضع أخرى من كتابه. وفي هذا المبحث سوف أتطرق لأهم ما يؤخذ على ابن جرير رحمه الله، مع محاولة التماس العذر له ما أمكن. المطلب الأول رَدُّ قراءات صحيحة أو الترجيح بينها اعتماداً على الرسم كان ابن جرير - رحمه الله - يرجح بعض القراءات الصحيحة على بعض، ، ولهذا الموقف اتصال بقضايا الرسم العثماني؛ فقد وهذا أمر انتقده العلماء عليه قام ابن جرير أحياناً بردّ بعض القراءات الصحيحة اعتماداً على الرسم العثماني. وفي أحيان أخرى قام بترجيح بعض القراءات المتواترة على بعض، وهو ما انتقد عليه أيضاً((). ومن الأمثلة على ترجيح بعض القراءات المتواترة على بعض اعتماداً على الرسم ما ، قال - رحمه الله - بعد ]﴾ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ﴾﴾، و﴿ أن ذكر قراءة ﴿ 30 – 1( (() المرجع السابق 3(
عدد الصفحات ٢٧(04 ﴾عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة بالضاد؛ لأن ذلك كله كذلك في خطوطها ومن الأمثلة على ردِّ بعض القراءات المتواترة ردُّه قراءةَ الرفع في قوله تعالى: ، قال - رحمه ا][ ﴾﴿ وإن كان في العربية غير خطأ، فإنه في القراءة في هذا الموضع غيرُ صواب؛ لأن الله يقول: ﴾، فلا خلاف بين الجميع في قراءة (الدم) بالنصب، وكذلك هو في ﴿ مصاحف المسلمين، وهو عطف على (الميتة)، فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن (الميتة) لو كانت مرفوعة، لكان (الدم)، وقولُه: (أو فسقاً) مرفوعين، ولكنها منصوبة، فيعطف بهما عليها بالنصب على قراءة مَنْ رفع أن يكونَ ميتةٌ، وإلا دماً مسفوحاً، وإلا لحمَ خنزير((). ومن ذلك أيضاً ردُّه قراءة يعقوب الحضرمي (ت ﴾ فقراءةٌ لمصاحف ، قال - رحمه ا][ المسلمين مخالفةٌ، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزةً والأمثلة على ذلك كثيرة 1( .)1(74/في مصحف عثمان بالضاد، وذلك غير معتمد. انظر: المقنع (ص 6(/(() تفسير الطبري 66/3( .)196/4( .)(04/(() الدر المصون في علوم الكتاب المكنون 6( إتحاف فضلاء البشر (ص 498/7( .)136/164/439/461/8(
عدد الصفحات ٢٨(05 المطلب الثاني مخالفتُه ما قرره من قواعد وأسس للرسم العثماني على الرغم من رسوخ قدم ابن جرير - رحمه الله - في علم الرسم إلا أنه خالف بعض القواعد والأسس التي قررها هو نفسه في تفسيره. ومن الأمثلة على ذلك ردُّه بعضَ القراءات المتواترة مع موافقتها الصرية مع موافقتها ][ ﴾للرسم العثماني؛ كما فعل بقراءة ﴿ ﴾ ملتمساً لها التعليلات قائلاً: الصرية للرسم، واعتماده قراءة ﴿ « أن يكون بنونين؛ لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة، من: (أَنْجَى يُنْجِي)، والأخرى النون التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال، من فعل جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين، من جنس واحدٍ يخفى الثاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يُدْغم أحدهما في صاحبه...، والصواب من القراءة في ذلك عندنا، ﴾ بنونين؛ لأن ذلك هو القراءة التي عليها القَرأَة في قراءة من قرأه: ﴿ الأمصار، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها، فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القَرأَة، وغير جائز خلاف ما كان مستفيضاً بالقراءة في قَرَأَة الأمصار 1( للمفعول. والباقون بنونين مضمومة فساكنة فجيم مكسورة مخففة فياء ساكنة. انظر: تحبير التيسير 418 – (ص 311/(() تفسير الطبري
عدد الصفحات ٢٩(06 ﴾ استجمعت الشروطوهذا الموضع مما يؤخذ عليه - رحمه الله -؛ فقراءة ﴿ الثلاثة للقراءة المقبولة: التواتر، وموافقة اللغة، وموافقة الرسم. فاعتمد رحمه الله في هذا ﴾ الموضع على شهرة القراءة واستفاضتها، وأهمل جانب الرسم. بل إن قراءة ﴿ ﴾ توافق الرسم تقديراً، ومع ذلك فقد استصوبها موافقة للرسم صراحة، وقراءة ﴿ رحمه الله. وما قاله - رحمه الله - في موضع سورة يوسف عليه السلام كرره عند تفسير (().][ ﴾قوله تعالى: ﴿ ومن الأمثلة على ذلك أيضاً ما قاله عند تفسيره قول الله عز وجل: ﴿ ﴾ ﴾، و﴿ ، فقد ذكر - رحمه الله - أن ﴿ ]﴾ في كل مصاحف المسلمين بإثبات الألف ]﴾، و﴿ ][ في هذه الأحرف كلها قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف؛ لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، مع شهرة القراءة بذلك في قرّاء المصرين: الكوفة، والبصرة، ثم القراءة بإثبات الألف فيهنَّ في حالة الوقف والوصل؛ لأن علة من أثبت ذلك في حال الوقف أنه كذلك في خطوط مصاحف المسلمين. وإذا كانت العلة في إثبات الألف في بعض الأحوال كونه مثبتاً في مصاحف المسلمين، فالواجب أن تكون القراءة في كل الأحوال ثابتة؛ لأنه مثبت في مصاحفهم. وغير جائز أن تكون العلة التي توجب قراءة ذلك على وجه من الوجوه في بعض الأحوال موجودة في حال أخرى، والقراءة . مختلفة 1( .)((0 – (19/(() تفسير الطبري 1/3( .)((( – ((1/4(
عدد الصفحات ٣٠(07 ويظهر هنا بوضوح أنه - رحمه الله - اعتمد على اللغة وشهرة القراءة، دون الاعتماد على جانب الرسم. بل وذهب يعلل موقفه هذا بتعليل هو أقرب إلى أساليب علم الكلام. مع أن القراءة بإثبات الألف وصلاً ووقفاً وقراءة حذف الألف وصلاً ووقفاً موافقة للرسم تقديراً. المطلب الثالث عدم التعقيب على مواضعَ فيها مخالفةٌ صريحةٌ للرسم العثماني أو طعنٌ فيه الذي يقف على مدى دقة ابن جرير - رحمه الله - فيما يتعلق بمسائل الرسم العثماني والدقة التي كان يتعامل بها مع المسائل المتعلقة به، ينتظر منه لا محالة أن يعقِّب على جميع المواضع التي فيها مخالفة للرسم العثماني، وهي مواضع كثيرة جداً حفل بها تفسيره، وكان يفسر كثيراً منها دون التعقيب عليها أو التنبيه على أنها مخالفة للرسم العثماني. وقد كان حرياً به - وهو من جهابذة العلماء - أن ينبّه على مخالفتها لمرسوم مصاحف المسلمين. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ، وروى بسنده أن هذه ]﴾ الآية مكتوبة في مصحف أبيٍّ: (إلا أن يظنا ألا يقيما حدود الله، فإن ظنا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ثم ذهب يستشهد لهذه القراءة بما يؤيدها من كلام 1( بحذف الألف وصلاً ووقفاً. وقرأ الباقون بحذفها وصلاً وإثباتها وقفاً. انظر: إتحاف فضلاء البشر (ص
عدد الصفحات ٣١(08 العرب شعراً ونثراً، وأسهب في ذلك إسهاباً كبيراً الله - أن ينبِّه على شذوذ هذه القراءة ومخالفتها لمرسوم مصاحف المسلمين وعدم جواز القراءة بها من أجل ذلك. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً ما ذكره - رحمه الله - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ، أن عليّاً رضي الله عنه كان يقرأ: (أَفَلَمْ يَتَبينَِّ الَّذِينَ ]﴾ آمنُوا)((). وهذه القراءة خارجة عن رسم جميع مصاحف المسلمين. بالإضافة إلى كون السند الذي رَوَى به ذلك الأثرَ ضعيفاً لا تقوم به حجة ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره - رحمه الله - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ، فذكر أن ابن عباس ]﴾ رضي الله عنهما كان يقرؤها (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا)، وأنه كان يقرؤها على قراءة أُبيّ ابن كعب، وأن كتابتها مسعود: (حَتَّى تُسَلِّمُوا على أهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا وقد كان حريّاً به أن يتصدى لهذه القراءات المنسوبة إلى أبيٍّ وابن عباس رضي الله عنهم؛ فعلاوة على ما فيها من مخالفة واضحة للرسم العثماني ففيها اتهام خطير جداً لكتّاب المصاحف أنهم أخطؤوا في كتابتها، وهو اتهام من شأنه أن يُوديَ بالثقة بجميع مصاحف المسلمين. وابن جرير - رحمه الله - ساق تلك الروايات دون أن يعلق عليها أدنى تعليق، مع أنه في مواطن أخرى من تفسيره كان يستدل بالرسم على بطلان أمور هي دون هذه الأمور المذكورة هنا بمراحل. 0/1( .)4((/(() تفسير الطبري 4((/3( .)146/4(
عدد الصفحات ٣٢