77 تهدف هذه الدراسة إلى بيان ما اشتمل عليه تفسير الطبري من أصول علم الرسم العثماني وقواعده، وبيان مدى اعتماد العلماء الذين جاؤوا من بعده على ما قرره. وهو جانب هامٌّ يستحق أن يُولى الاهتمام اللائق به؛ فهذا التفسير وثيقةٌ هامَّةٌ في تأريخ علم الرسم وتطوره. ومن جانب آخر تهدف هذه الدراسة إلى نَقْدِ ما تضمَّنه هذا التفسير من أمور لا يتفق مع ما هو مقرر في هذا العلم. وخلصت الدراسة إلى أن تفسير الطبري يشتمل على معظم الأصول والقواعد التي استقرَّ (((عليها علم الرسم العثماني. (*) أستاذ مشارك بجامعة القدس - فلسطين.
عدد الصفحات ١78 المقدمة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن تفسير (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) للإمام محمد بن جرير الطبري (ت تفسيراً للقرآن فحسب؛ بل يضم بين ثناياه الفقه، والأصول، والحديث، والسيرة، والقراءات، والنحو، والصرف، وغير ذلك. ولعل كثيرين ممن ألفوا الكتب والأبحاث حول هذا التفسير العظيم تطرقوا إلى هذه الجوانب بشكل أو بآخر. غير أنَّ في تفسير الطبري جانباً هاماً للغاية لم أرَ - في حدود علمي واطّلاعي - مَنْ كَتَبَ فيه، أو أشار إليه؛ ذلكم هو رسمُ المصحفِ الشريفِ، أو ما يعرف في الاصطلاح بالرسم العثماني؛ فلقد حفل تفسير الطبري بقَدْرٍ زاخرٍ من قواعد هذا الفنِّ وأسسه. وهذا أمر يسترعي الانتباه، ويستدعي أن يوقف على جليّة هذا الأمر وحقيقته؛ فلقد غدت القواعد والأسس التي قررها ابن جرير في تفسيره أمراً مجمعاً عليه عند علماء الرسم، ليس في الخطوط الأساسية فحسب؛ بل وحتى في تفصيلات دقيقة كثيرة تطرق إليها، ووظَّفها في تفسير آي القرآن، أو في الترجيح بين أوجه التفسير، أو في ردِّ وجهٍ ضعيفٍ في القراءة أو التفسير أو اللغة والنحو. وهكذا يظهر بجلاءٍ أنَّ ابنَ جرير - رحمه الله - كان ذا باعٍ طويل في إرساء قواعد علم الرسم العثماني، وهو حَرِيٌّ بأن يُعرف دوره في هذا الفنّ، ويُعترف له بالفضل فيه. وإن كان المؤرخون من علماء الرسم يعزون الفضل إلى فلان وفلان من أصحاب الأيادي الطولى في هذا العلم فحريٌّ أن يكون اسم ابن جرير الطبري - رحمه الله - بين هذه الأسماء لامعاً خفاقاً.
عدد الصفحات ٢79 إن ما تضمنه تفسير الطبري من قضايا الرسم العثماني وقواعده وأسسه لا يعدو أن يكون أحد أمرين: أولهما: أن يكون مما نقله عما قبله من العلماء الذين لم تصلنا كتبهم. وهذا وحده كافٍ في معرفة أهمية هذا الكتاب؛ كونه حفظ لنا تلك القواعد والأسس من الضياع والاندثار. وثانيهما: أن تكون هذه الأمور التي تضمنها هذا التفسير من مبتكرات ابن جرير ومخترعاته. وحينئذ فأهمية هذا الكتاب أكبر، وقيمته أعلى وأرفع. وأيّاً ما كان فإن هذا التفسير وثيقةٌ هامَّةٌ في تأريخ علم الرسم وتطوره؛ ذلك أن الرسم العثماني قد أُلِّفت فيه مؤلفات كثيرة قبل ابن جرير - رحمه الله - بلغت نحواً من خمسة عشر مؤلفاً لم يكن كلُّ ما ألف فيه - قد فُقِدَ، ولم يصلنا منه شيء. وكذا فُقِدَ عدد كبير من المؤلفات التي ألفت في الرسم العثماني بعد ابن جرير((). وإذا كان كتابُ (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو الدانيّ (ت الرسم العثماني، وأقدم كتاب متخصص مما وَصَلَنَا في هذا العلم، فإن كثيراً مما ذكره الدانيُّ في كتابه قد سبقه إليه ابن جرير، كما سيتضح من خلال هذا البحث. وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أنَّ كل بَشرٍَ يؤخذ من كلامه ويردُّ إلا المعصوم ﷺ، وقد تضمن تفسير الطبري بين ثناياه بعض القضايا التي لا تتفق مع ما قرره هو نفسه في علم الرسم العثماني، ولا تتفق مع الأمور المقررة في هذا العلم، فكانت هذه القضايا بحاجة إلى نقد وتمحيص، وأن يبينَّ وجه الحق فيها. ومن هنا كانت هذه الدراسة عرضاً لما تضمنه تفسير الطبري من قضايا الرسم العثماني، ونقداً لما خالف فيه أصول هذا العلم وقواعده. 17( – 1( .)173 – (() المرجع السابق، (ص
عدد الصفحات ٣80 وقد جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة، وذلك ع النحو الآتي: التمهيد: وفيه تعريف بعلم الرسم العثماني، وبابن جرير الطبري. المبحث الأول: تاريخ رسم المصحف الشريف من خلال تفسير الطبري. المبحث الثاني: قواعد الرسم العثماني كما قررها ابن جرير الطبري. المبحث الثالث: الأمور التي تؤخذ على ابن جرير الطبري في الرسم العثماني. الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
عدد الصفحات ٤8( التمهيد التعريف بالرسم العثماني والإمام الطبري المطلب الأول التعريف بالرسم العثماني الرَّسْمُ لغةً: الأَثَرُ. وقيل: بَقِيَّةُ الأَثَرِ الرسم - بالسين المهملة - في خط المصاحف والسَّطْر، والرَّقْم وأما اصطلاحاً فالرسم قسمان: قياسيٌّ، وتوقيفيٌّ. فالرسمُ القياسيُّ هو: تصويرُ الكلمةِ بحروفِ هجائِها على تقدير الابتداء بها، والوقف عليها. والرسم التوقيفي - ويقال له: الاصطلاحيّ؛ نسبةً لاصطلاح الصحابة رضي الله عنهم، ويقال له: العثمانيّ؛ نسبةً إلى المصاحف التي نسخها عثمان بن عفان رضي الله عنه - هو: عِلْمٌ تُعرف به مخالفاتُ خطِّّ المصاحفِ العثمانيةِ لأصولِ ((). الرسم القياسيِّ 41/1( .)(((/(() تاج العروس 3( 4( (() المرجعان السابقان
عدد الصفحات ٥82 المطلب الثاني (((التعريف بالإمام الطبري هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، رأس المفسرين على الإطلاق. وُلِد بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين. وكان أسمرَ، نحيفَ الجسم، طويلاً، فصيحاً. رحل لطلب العلم وله عشرون سنة، طوَّف بالأقاليم وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً، وذكاءً، وكثرةَ تصانيف. قال الخطيب البغدادي (ت إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، وكان قد جمََعَ من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين عارفاً بأيام الناس وأخبارهم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير « والشناعات من جاهل وحاسد وملحد. فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين عِلْمَه، وزهده في الدنيا، ورَفْضِه لها 710/191/16(/1( 14(/66 – (64/67/أعلام النبلاء 107 – 106/غاية النهاية في طبقات القراء 163/(() تاريخ بغداد 164/3( .)(8(/4(
عدد الصفحات ٦83 وله التصانيفُ العظيمةُ؛ منها: تفسير القرآن، وهو أجلُّ التفاسير، لم يُؤَلَّف مثله ك ذكر العلماء؛ وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده. قال عنه أبو حامد الإسفراييني (ت يصل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً ابن جرير كتاب (التفسير) الذي لو ادَّعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتابٍ منها يتوي على علمٍ مفردٍ مستقصىً لفعل التي في أيدي الناس فأصحُّها تفسير محمد بن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي ومن تصانيفه أيضاً وكتاب أولاً شافعياً ثم انفرد بمذهب مستقل وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون. وله في الأصول والفروع كتب كثيرة. وكان ابن جرير - رحمه الله - بارعاً في علم القراءات؛ وألَّف فيها كتاباً سماَّه « غيره النشر((). ولذا فليس غريباً أن يكون تفسيرُه جامعاً لعلم القراءات والرسم. توفي ابن جرير في شوال سنة عشر وثلاثمائة ببغداد. رحمه الله رحمةً واسعةً. 163/1( 196/(() تاريخ مدينة دمشق 38(/3( 6(/70/188/4( .)107 – 106/النهاية 164/(() النشر في القراءات العشر
عدد الصفحات ٧84 المبحث الأول تاريخ رسم المصحف الشريف المطلب الأول جَمْعُ المصحف في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما تحدث ابن جرير - رحمه الله - طويلاً في مقدمة تفسيره عن الجمع الأول للقرآن الكريم في عهد أبي بكر رضي الله عنه، والجمع الثاني في عهد عثمان رضي الله عنه وأفاض في تفصيلاتهما؛ فقد تحدث عن الباعث الذي من أجله قام أبو بكر رضي الله عنه بجمع المصحف الشريف، وتحدث أيضاً عن السبب الذي من أجله قام عثمان ، وتحدَّث رضي الله عنه بنَسْخِ عدة نُسَخ من المصحف الشريف وأرسلها إلى الآفاق عما لابَسَ عملية النسخ والأحداث التي واكبتها؛ كاختلافهم في كتابة كلمة أتكتب بالتاء أم بالهاء((). وتحدث عن أدوات الكتابة التي كانت مستعملة في زمن النبي ﷺ والخلفاء من بعده لا يجوز تغييره، ولا تبديله وإن الناظر في تفسير الطبري لَيجد أن ما ذكره ابن جرير - رحمه الله - في هذا المقام لا يقل عما ذكرته الكتب المتخصصة في فن الرسم؛ ككتاب أبي داود (ت 64 – (9/1( .)60/(() تفسير الطبري 9/3( .)164/4(/179/46( - 461/4(
عدد الصفحات ٨85 المطلب الثاني المصاحف المنسوبة إلى بعض الصحابة حَفَل تفسير ابن جرير - رحمه الله - بذكر عدد من المصاحف منسوبة إلى بعض الصحابة رضي الله عنهم، وأبرز تلك المصاحف: وقد ورد ذكره في () مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (ت تفسير الطبري نحواً من عشرين مرة قول الله في مصحف ابن مسعود: (فمنْ حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن لا ((). ومن ذلك أيضاً قوله - رحمه ا »]يَطَّوَّفَ 3(»]عبد الله: (فَخَافَ ربُّكَ أنْ يُرْهِقَهُماَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وقد ورد ذكره في تفسير 2 ﴾الطبري مرتين فقط؛ الأولى: عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ، قال - رحمه ا][ على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ ، فقد روى ابن ]﴾تعالى: ﴿ جرير - رحمه الله - بسنده عن جرير بن حازم (ت أُبيّ بن كعب (يُوَفِّيهمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ)((). 8(/38/8/84/1/41/474/1( 00/308/1/146/8(/60/617/41/17 .)(68/489/488/3/86/(( .)(41/(() تفسير الطبري 8(/3( .)398/4( 174/141/(() تفسير الطبري 10/القرطبي
عدد الصفحات ٩86 وقد ورد ذكره في تفسير الطبري3 مرتين فقط؛ الأولى: عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ، إذ روى بسنده عن حميدة ابنة أبي يونس مولاة عائشة رضي ]﴾ الله عنها قالت: أوصت عائشة لنا بمتاعها، فوجدت في مصحف عائشة: (حَافِظُوا عَلىَ الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ الْعَصرُْ وَقُومُوا للهَِِّ قَانِتِينَ عروة بن الزبير رضي الله عنهما (ت عَلىَ الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَهِيَ صَلاةُ الْعَصرِْ)((). والمرة الثانية: عند تفسير ، ]﴾قوله تعالى: ﴿ وروى بسنده عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: كان في مصحف عائشة: (إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَوْثَاناً ويلحظ هنا أن ابن جرير - رحمه الله - لم ينص في تفسيره على وجود مصحف ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما (ت مثلاً كان من القراء، ونُسبت له قراءات كثيرة في القراءة في تفسير الطبري وغيره، ولا يعلم أنه كان له مصحف خاص به. يضاف إلى ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما كان من صغار الصحابة، وإنْ سُلِّم أن له مصحفاً خاصاً به فلا بدَّ أن يكون قد انتسخه من مصاحف كبار الصحابة، وحينئذ فلن يكون مصحفاً خاصاً به. والله تعالى أعلم. 173/1( .)17(/(() تفسير الطبري 113/387/10/3( .)367/البحر المحيط 339/4(
عدد الصفحات ١٠87 المبحث الثاني قواعد الرسم العثماني كما قرَّرﻫا ابن جرير الطبري ضمَّن ابن جرير - رحمه الله - تفسيرَه قواعدَ عامةً تتعلق برسم المصحف الشريف، وكانت هذه القواعد بحقٍّ أساساً اعتمد عليه من جاؤوا بعده، فأفادوا منها وبنوا عليها. وهذه القواعد أسردها عبر المطالب الآتية: المطلب الأول الرسم العثماني توقيفي، ولا تجوز مخالفته؛ لأن الأمة أجمعت عليه ذكر ابن جرير - رحمه الله - هذا الأمر في مواضع كثيرة جداً من تفسيره (()، قال - رحمه ا يقرر بوضوح أن الرسم توقيفيٌّ ﴾، ، فإنّ قراءة كافة المسلمين: ﴿ ]﴾ وعلى ذلك خطوط مصاحفهم. وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافُها؛ لنقل جميعهم تصويبَ ذلك قرناً عن قرن (وعلى الذين يُطوَّقونه أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وِراثةً عن نبيِّهم ﷺ نَقْلاً ظاهراً 4(0/476/94/64/4(/114/1( .)((1/46/4(1 - 49 – (() ينظر: رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين، (ص 03 – تاريخية، (ص 418/3( 4( 41/((()، تفسير البحر المحيط /عَنْهُما أنه كان يقرؤها كذلك. وانظر: المحرر الوجيز 8/تفسير الآلوسي
عدد الصفحات ١١88 قاطعاً للعذر؛ لأن ما جاءت به الحجة من الدين، هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند ا ولا يُعترض على ما قد ثَبت وقامت به حُجة أنه من عند الله، بالآراء والظنون والأقوال الشاذة وقوله أمراً هاماً؛ وهو أن نَقْلَ رسم معين لكلمةٍ ما آحاداً لا يجوز اعتماده؛ لأن الحجة فيما نُقل تواتراً، وقد أكّد ابن جرير - رحمه الله - هذا في موضع آخر، فقال ﴾زعمه(() أنه رأى في المصحف الذي يقال له الإمام التاء متصلة بـ ﴿ الذي جاءت به مصاحف المسلمين في أمصارها هو الحجة على أهل الإسلام، والتاء ﴾في جميعها منفصلة عن ﴿ كتاب ]﴾أنه رأى في الإمام مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه ﴿ ﴾ عقّب قائلاً التاء متصلة بـ ﴿ الأمصار. وقد ردّ ما حكاه أبو عبيد غيرُ واحدٍ من علمائنا؛ إذ عدموا وجود ذلك كذلك في شيء من المصاحف القديمة وغيرها ذلك أبو عبيدٍ ولا تحينَ واصِلُهُ الْـ (6(إمامِ والكلُّ فيهِ أعظَمَ النُّكُرَا 438/1( (() يعني أبا عبيد القاسم بن سلام .]﴾3( .)148/4( (() المقنع في معرفة مرسوم مصاحف الأمصار (ص 6(
عدد الصفحات ١٢89 ونظمه ابن الجزري في المقدمة بقوله ومَــــالِ ﻫَـــذَا وَالَّـــذيـــنَ ﻫَـــؤُلاَ (((تَحِينَ في الإِمَــامِ صِلْ وَوُﻫِّــاَ فظهر بذلك أن هذا الأصل الذي ذكره ابن جرير - رحمه الله - سار عليه العلماء من بعده؛ يقول أبو عمرو الدانيّ بعد أن بينّ بعض الدقائق المتعلقة برسم بعض الكلمات في المصحف الشريف السالفين، ورواية صحيحة عن العلماء المختصين بعلم ذلك، المؤتمنين على نقله وإيراده وإذا كان رسم المصاحف أمراً مجمعاً عليه فإنه لا يجوز لأحد - كائناً من كان - أن يزيد عليه أو يذف منه شيئاً، أو يلحق به شيئاً، قال ابن جرير - رحمه ا ما روي عن أبيِّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: (فَماَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمَّى)، فقراءةٌ بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغيرُ جائزٍ لأحد أن يُلحق في كتاب الله تعالى شيئاً لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافُه وإذا كانت قضية كتابة القرآن الكريم بغير الرسم العثماني قضية خلافية جرير - رحمه الله - أبدى موقفه الصارم من هذه المسألة، وأنه لا يجوز تغيير الرسم العثماني؛ « :)((]قال - رحمه الله - بعد أن ذكر قراءة من قرأ (وَإِنْ كادَ مَكْرُهُمْ جائز عندنا القراءة كذلك؛ لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنما خَطُّ مصاحفنا وإن كان بالنون لا بالدال، وإذ كانت كذلك، فغير جائز لأحد تغيير رسم مصاحف المسلم 1( (() المقنع (ص 179/3( 4( (() تُنسب هذه القراءة إلى عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وأبيِّ بن كعب، رضي الله 3/346/عنهم أجمعين. انظر: المحرر الوجيز 4(/6(
عدد الصفحات ١٣90 المطلب الثاني موافقة الرسم العثماني شرط لقبول القراءة وإلا فهي شاذة يقرر ابن جرير - رحمه الله - في مواضع كثيرة من تفسيره أن أيّ شيء يخالف رسوم المصاحف لا يُقطع بقرآنيَّته؛ ومن ذلك قوله - رحمه ا 1(]أبيٍّ، وابن مسعود من قراءتهما: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات خلاف ما في مصاحفنا، وغير جائز لنا أن نشهد لشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب ا وبناءً على هذا فقد ردَّ ابن جرير الكثير من القراءات، وعَدَّها شاذة؛ لمخالفتها للرسم العثماني، ومن ذلك قوله 3(]كُلِّ امْرِئٍ سَلامٌ القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله تصير في الخطّ ياءً (()؛ لادعائه في كتاب الله ما ليس موجوداً في مصاحف ]افْتَدَتْ بِهِ منه المسلمين رسمه 3(/193/318/1( .)14/69/الكشاف 6(/(() تفسير الطبري 8/68/3( .)(34/4( 308/(() تنسب هذه القراءة إلى الحسن البصري. ينظر: المحرر الوجيز 08/(( .)(83 – (8(/6(
عدد الصفحات ١٤9( وكذا فإنه يردُّ قراءة من قرأ (اتَّقُوا الله وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ) بدلاً من: ﴿ ، وحجته في ذلك]﴾ ﴾، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحدٍ القراءةَ مجمعة على: ﴿ بخلافها والأمثلة على هذا كثيرة((). ولقد أضحى هذا الشرط متفقاً عليه بين علماء المسلمين لقبول أية قراءة؛ قال مكيُّ بنُ أبي طالب القيسيّ (ت أن ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليه، ولو رواه سبعون ألفاً متفرقين أو مجتمع الجزريّ (ت العثمانية ولو احتمالاً، وصَحَّ سَنَدُها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن...، ومتى اختل ركن من . وقال أيضاً هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها: ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة؛ لمخالفتها الرسم المجمع عليه وما ذكره ابن الجزري ]﴾- رحمه ا 60/1( .)46/1/476/179/114/(() يُنظر على سبيل المثال 3( .)9/4( .)11/(() النشر
عدد الصفحات ١٥92 ﴾ بغير ألف، فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والشام والبصرة: ﴿ ﴾ بالألف، وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: ﴿ ﴾. والصواب ﴾ بفتح الياء ورفع ﴿وكذلك ذلك في مصاحفهم ﴿ من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى ومن ذلك أيضاً ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ : ﴾(()﴾ وقراءة ﴿ ، فقال بعد أن ذكر قراءة ﴿ ]﴾ « منهما علماء من القرّاء، وجاءت بهما مصاحف المسلمين متفقتا المعنى خلال هذا المثال يتضح مدى علم الرجل، وإحاطته بمسائل الرسم العثماني مع ربط ذلك بالقراءات؛ فالآية الكريمة فيها قراءتان كما سلف، وفيها رسمان أيضاً؛ ﴾﴾ بالألف وفي بعضها ﴿ ففي بعض المصاحف ﴿ هذا كثيرة((). ويبقى القيد الآخر الذي ذكره علماء القراءات والرسم؛ وهو المصاحف العثمانية ولو احتمالاً 374/1( ﴾ فعل أمر. انظر: تحبير ﴾ فعلاً ماضياً. والباقون ﴿ (() قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف ﴿ التيسير (ص 411/3( 8(7/4( الطالبين، (ص 64(/488 - 487/8(/64 - 63/4(0/(() ينظر على سبيل المثال 46(/00/(3
عدد الصفحات ١٦