المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النشرة العلمية لمجموعة المخطوطات الإسلامية – العددان – 31 – 32

غير معروف

صفحة ١٥ من ٣٥

231 وكذا ببلاد الرُّوم سيَّما بُرْصا، ووردَ الخَبَرُ بفشائه وشناعته هناك، حتَّى كان يموت (.بها في كُلِّ يومٍ زيادة على ألف وخمس مئة إنسان [ ، وكان النَّاسُ يُرجفون به، ويَلهجُون –أيضًا – وفيه ابتدأ بالقاهرة الطاعون بمجيئه، حتَّى كان الأطفالُ يتحدَّثون به في الطُّرقات، إلى أنْ وَقَعَ بدايتُه في هذا الشَّهر، ثُمَّ فشا جدًا حتَّى كان يُعَدُّ ذلك مِن نوادر الطَّواعين والأوبئة، وصار له ذِكْرٌ وشُهرة فيما بعدَ ذلك، وسُمِّي (الفصل الكبير)، وأرّخ به، وزادت هذه الأموات في أواخر هذا الشَّهر بالقاهرة؛ ممَّن يرد اسمه للديوان الحشري خاصَّة نحو الخمسين إنسانًا في كُلِّ يومٍ. وفيه؛ اشتدَّ خوفُ النَّاس مِن الوباء والطَّاعون، وكثُرت أوهامهم حتَّى كان منهُ (.ما سنذكُرُه [ ابتداء فشاء الطَّاعون، وكان عِدَّة مَن يرِد اسمه – أي: في جُمادى الأولى – وكان الديوان فقط زيادة على المئة، وذلك بعض مَن يرِد لا الكُل. لما كثُر الإرجاف بأمر الطاعون وأخذ في الظُّهور، فصار يموتُ النَّاسُ – وفيه نُودِي في النَّاس بصيام ثلاثة أيَّام، وبالتَّوبة إلى الله – زيادةً على ما كان قبل ذا اليوم مِن الذُّنوب والآثام، وأن يتهيَّؤوا بعد الثَّلاثة أيَّام للخُروج إلى الصَّحراء – تعالى – للدُّعاء برَفْع الطَّاعون، والوباء عنهم، ثم خرج في رابعِه العَلَم البُلْقَيني قاضي القُضاة، 437/821/ انظُر عن (الطَّاعون) في (1( .(507/338/الزَّاهرة 437 /822/ خبر بدء الطَّاعون في (2( .(128 /182 /507/338/14(

عدد الصفحات ٢٣٢

232 والسيِّد الشريف ابن عربان كاتب السِّرِّ، وجَمْعٌ كَثيرٌ مِن بياض النَّاس وعوامِّهم إلى الصَّحراء بقُرب تُربة الظاهر برقوق. وقام العَلَم البُلْقَيني في النَّاس واعظًا في عمل الميعاد، فضجَّ النَّاسُ وبكوا وهُم يَدْعُون ويتضرَّعون إلى قُبيل الزَّوال، ثُمَّ انصرفُوا، فزادَت عدَّة الأموات عمَّا كانت، وبلغت ثلاث مئة نفر يرِد اسمهم الديوان بخلاف مَن لا يرِد اسمه، فذهل النَّاسُ، وكثُرت الأراجيف بشدَّة الطَّاعون، وأنَّه سيرتدُّ، لا سيَّما وقد ترادفَت الأخبار بتساقط الأطيار مِن الهواء وموتها، وبدخول الوحوش موتى في البراري، ووجود التَّماسيح (.والأسماك ببحر النيل والبِرَك ميِّتة طافية على الماء [ وفيه بلغَت عدَّة الموتى إلى زيادة عن الألف وفيه وَقَعَ الموتُ الوجيء، وشنِّع بالنَّاس سريعًا عاجلاً بالطاعون والنزلات المنحدرة مِن الدِّماغ إلى الصدر، فصار الإنسان يموت في وقته مِن غير تقدُّم مرض في أقلِّ مِن ساعة، وكَثُرَ في الأطفال والعبيد والإماء، وشنِّع بالقلعة في المماليك السلطانية بالطباق، فصار يموت منهم في كل يوم زيادة على خمسين نفرًا، وعمَّ الموتى والغُسَّال وحُفَّار القُبور، حتَّى (الوباء إقليم مصر، وقلَّ وُجود حمَّالين فيها عدَّة مِن الأموات، وسُرقت الأكفان مِن ( حُفرة كبيرة يُلقوا (صاروا يحفروا على الموتى، ونبشت الكلاب كثيرًا منهم، وأكلت مِن أطراف الموتى، وزادت كثرة 439 – 437/821/ خبر الطَّاعون في (1( 128 /507/183/النفوس (.308/الدُّول الصَّواب( 2( الصَّواب( 3( الصَّواب( 4(

عدد الصفحات ٢٣٣

233 الموتى حتَّى صارت النُّفوس ترى كالقطارات، ورُئيت الجنائز تتلو بعضها بعضًا، (.وصار الناس في شاغل [ ، ولعلَّ هذا الوباء كان كثير –أيضًا – وفيه وَصَلَ الخبرُ بوُقوع الوباء ببلاد الفرنج (.العُموم بكثير مِن الأقاليم [ .( عليها، فكانت زيادة على الألفين ومئة (وفيه ضُبطت الأموات الَّذي صلِّي [ السَّمك كانُوا بمكانٍ فمات (وفيه شنع المُوتان حتَّى أنَّ ثمانية عشر مِن صيَّادين منهم في يومٍ واحد أربعة عشر نفسًا، ومضَى الأربعة ليجهِّزوهم فمات منهم وهُم مُشاة ثلاثة، فقام الواحدُ بشأن السَّبعة عشر، ولمَّا أن وصل بهم إلى قبورهم مات .–أيضًا – هو وفيه رَكِبَ البحرَ أربعون نَفَرًا في مركب، وصارُوا مِن مِصر جهة الوجه القِبلي، (.فقبل أن يصلوا الميمون مات الجميع 339 /824/ خبر الموتى في (1( .(129/186/النفوس (.825/ خبر الوباء في( 2( الصَّواب (3( 340 /825/ خبر الأموات في( 4( .(186/3( الصواب( 5( 437 /825/ خبر الصيَّادين في (6( .(129/186/3(

عدد الصفحات ٢٣٤

234 [ على حمار مكاريٍّ، فماتَت (وفيه مَرَّت امرأة مِن مصر تُريد القاهرة، وكان رائحتُها تتغيَّر حُملت (وهي راكبة، وصارَت مُلقاة بالطَّريق يومها كلَّه. ثُمَّ لمَّا بدَت ودُفنت، وما عرف أهلها. وكان الإنسانُ في هذا الوباء إذا مات أسرع إليه التَّغيُّر في (.سُرعةٍ مع برد الزَّمان [ مِن مئتي نَفَر (وفيه شنع الموت بالخانكاه السرياقوسية، وكان يموت بها نحوًا بالمنوفيَّة والقليوبيَّة، حتَّى صار يموت في الكَفْر الواحد – أيضًا – في كُلِّ يوم، وكثُر (.ست مئة إنسان [ [ وفي جمادى الآخر تزايد الوباء جدًّا، وكثُرت عدَّة الأموات حتَّى زادت على الثلاثة آلاف في اليوم، وصار الناس في أمرٍ مريج، وصنع كثير مِن أهل الخير نعوشًا للسَّبيل وصارت لا تُوجد النُّعوش، فيحملون الموتى على الأبواب والألواح والبُسُط وغير ذلك. وانذهل الخلق، وتعطَّلت الأحوال حتَّى المعايش، وارتفعت أسعار الثياب الَّتي الصواب(1( الصواب( 2( .(825/ خبر المرأة في( 3( الصواب(4( .(129 /825/ خبر الموت في( 5(

عدد الصفحات ٢٣٥

235 هي الأكفان كالبعلبكي، والبطاين، وغير ذلك سعر ما يحتاج إليه المرضى لكثرتهم، مع أن المُعالج بالأدوية كان – أيضًا – وارتفع (.القليل منهم؛ لأنَّ الموت كان سريعًا وخيمًا، وعظُم الوباء في المماليك السلطانية [ وفيه ورد الخبر بشناعة الموت بفوَّه وكذا بلبيس، وابتدأ بالصعيد الأدنى، وكثُر بالمحلَّة وتلك النواحي، وانقطع مِن البُحيرة والنحريرية، وكان في هذه الأيام الوباء شنيعًا جدًّا، ووقعت فيه نوادر وغرائب وأهوال، وصار النَّاسُ لا يهجعون مِن اللَّيل إلاَّ القليل، وهُم في شغل شاغل؛ لأجل حفر القبور وتجهيز الأموات، وصاروا بهم في الليل في المقابر، حتَّى يتهيَّأ لهم مَن يحفر، إلى غير ذلك مِن نوادر (يباتون (.غريبة، يطول الشرح في تفصيل جرياتها ](4([ وفيه جَمَع السيِّد الشريف شهاب الدِّين أحمد بن عدنان كاتب السرِّ بأربعين شريفًا، كل منهم اسمه محمد، وفرَّق فيهم مِن ماله خمسة آلاف درهم، وأمرهم عن الجمعة، ثم ( القرآن ويشهدوا( إذن السُّلطان بأن يجلسوا بالجامع الأزهر؛ فيقرؤوا والناس معهم، وقد ازدحموا – تعالى – قاموا بعد الجمعة على أرجلهم، ودعوا الله بالجامع، ودامُوا كذلك حتى دخل وقت العصر، فصعد الأربعون شريفًا على سطح 129 /826/ خبر الوباء في (1( .(187/3( الصواب(2( .(188 /829/ خبر الصعيد في( 3( هذا التَّداعي مِن (البدع) على التَّأصيل الَّذي تراه تحت (بسط الخلاف في المسألة (4( الصواب(5( الصواب(6(

عدد الصفحات ٢٣٦

236 ، ثم نزلوا فصلَّوا العصر مع الجماعة وانفضُّوا (الجامع، وأذَّنوا بأجمعهم وكان بعض العجم أشار بهذا على السلطان، وذكر له أن في بلاد العجم عُمِل .–تعالى – هكذا في بعض الأوبئة فرفعه الله : فلمَّا فُعِلَ ذلك ما ازداد الطاعون إلاَّ كثرة، حتَّى دخل (قال الحافظ ابن حجر رجب فتناقص. انتهى. : فلمَّا أصبح يوم السَّبت أخذ الوباء يتناقص في كل يوم حتَّى (وقال المقريزي انقطع. [ .(وفيه فشا الوباء ببلاد الصَّعيد وبوادي العرب وبحماة وحمص [ .( ذئاب موتى بالطاعون( وفيه وُجد في بعض بساتين القاهرة سبع [ بالاستفتاء في أَمْر (8( العُلماء عنده، وكان قبل ذلك أمَرَ (وفيه جَمَعَ السُّلطان (. يُسمَّى هذا: (أذان الجوق)، وهو بدعة، انظُر: كتابنا (1( .(438/ في( 2( 343 /« :–أيضًا – 829/ في( 3( .(132 /507/190/3( .(829/ خبر الوباء في( 4( الصواب(5( .(191 /829/ خبر الذِّئاب في (6( هو بَرْسَباي الدُّقماقي الملك الأشرف (7( العادة أن يأمُر السُّلطان ناظر الجيوش، ويقوم كاتب السِّرِّ بالتَّنفيذ؛ كما تراهُ في رسالة ابن حجر (8(

عدد الصفحات ٢٣٧

237 الطَّاعون، وهل يُشرعُ الاجتماع للدُّعاء برَفْعِهِ أو يقنت له في الصلوات، وما الَّذي قال فيه العُلماء، وماذا وَقَعَ لهم في الزَّمان الماضي في أمْرِهِ. ، وما ذكروا أنَّ (فَكَتَبَ جماعة مِن أهل المذاهب الأربعة كُلٌّ بما ظَهَرَ له الإجتماع شُهِرَ عن أحدٍ مِن السَّلَف، وذَكَرُوا أنَّ المُبتغى التَّوبة والكفُّ عن المَظالم إلى غير ذلك، فلمَّا قُرِئت الفُتيا قرَّر عند السُّلطان اجتماعهم قال: إذا لم يكن الخُروج .–تعالى – مشروعًا فأنا لا أخرج، ولكن يَبتهل النَّاسُ إلى الله ثُمَّ سألَهُم عن المُراد بـ (المظالم)؟ فأخذوا يَذكُرونَ له أشياء خجلة، ومنهم مَن فصَّل وذَكَرَ ما حدث مِن المظالم الثَّلاثة في أيَّامه، وهي: التَّشديد على التُّجَّار في بيع البهار للسُّلطان، وقضيَّة طَرح على الباعة، وقضيَّة تحكير قصب السُّكَّر، فما تحصَّل جواب طائل عن (القطرون ذلك. وأمَّا أمْرُ السُّلطان القُضاة والحُكَّام مِن الأُمراء أنْ يأمُروا النَّاسَ بالتَّوبة، ويمنعونهم عن الفساد والفسق، ونُودِي بمَنْعِ النِّساء مِن الخُروج إلى التُّرَب، وانفضَّ المجلس (.على ذلك [ .(وفيه ارتفعَ موت الأطفال والشَّباب، وأخذَ الموتُ في كِبار النَّاس العسقلاني في هذه الأجواء ألَّفَ صالح رسالتَه هذه؛ فكانت جوابًا على أسئلة السُّلطان. (1( مادَّة كاوية (2( .(131 /438/ خبر الاستفتاء في( 3( .(132 /191/ خَبَر الوفيات في (4(

عدد الصفحات ٢٣٨

238 [ زيادةً على – فقط – وفيه بَلَغَت عدَّة الموتى الَّذين خَرَجُوا مِن أبوابِ القاهرة الاثنَي عشر أَلْفًا، وقالُوا: إنَّ من خرج مِن خارجِها زيادة على ذلك، فلعلَّ بَلَغَ إلى ، (هذا اليوم مِن هذا الشَّهر نحوًا مِن خمسة وعشرين ألفًا، وما هذا إلاَّ أمْرٌ مَهُو (.2( ولله الأمرُ [ لَمْ يَبْقَ للطَّاعُون أثَرٌ، وارتفعَ أصلاً، – أي: في شعبان مِن السُّنَّة نفسها – وفيه كأنَّه لَم يَكُن بعدَ أنْ خَلَت المنازل والدِّيار، وجرف جرفًا. وكان مشاهير الطَّواعين وكبارها، ووقعَ فيه نوادر غريبة يطول الشَّرْحُ في ذِكْرِها، مِنها أنَّ النّاسَ كانُوا يَكْتُبُونَ أورَاقًا في رُؤوسِهم رُبَّما مات الواحدُ منهم وهو يمشي، كما اتَّفَقَ كثيرًا، فيعرفونه مِن الورقة الَّتي معه: مِن أيِّ حارة هو, واسمه، إلى غير أنَّ إقطاعًا خَرَجَ لسبعة أنفار أو أكثر في مُدَّة – أيضًا – ذلك مِن غرائب، واتَّفَقَ فيه (.يَسيرة هذه هي أخبار هذا (الطَّاعون الكبير) على ما ذَكَرَ ابن شاهين، وفيها مقنع، وتصوُّر كافٍ لهول ما حصل. وأختم ببعض مشاهدات ابن تغري بردي، وقد دوَّنها في كتابه 339 /قال فيه « الصَّواب( 1( .(830/ خبر الموتى في( 2( .(133/ خَبَر الطَّاعون في (3(

عدد الصفحات ٢٣٩

239 عَدَدِهِم، وأنَّ الإقطاع الواحد كان ينتقلُ في مُدَّةٍ قليلة عن ثلاثة أجناد وأربعة وخمسة، في يومٍ واحد أربعة مِن أعيان الخاصِكيَّة، – رحمه الله – ومات مِن مماليك الوالد وهُم 342 – 340/وقال فيه « فإنَّه لما – رحمه الله – له على تابوت حتَّى أَخَذَ له تابوت مِن السَّبيل، وأمَّا الأخ وَجَدْنا له تابوتًا، غير أنَّه لا عدَّة فيه، فلمَّا وُضِعَ الأخ – تعالى – تُوُفِّي إلى رحمةِ الله فيه طُرِحَ عليه سَلارِي سَمُّور مِن قماشه، على أنَّ الغاسل أخذ من عليه قماشًا يساوي عشرين ألف درهم، ومع هذا لَم ينهض أهلُ الحانوت بكِسْوَة تابوته. وبَلَغَ عِدَّة مَن صلَّى عليه مِن الأموات بمصلَّى باب النَّصر في يومِ الأحد عاشر جمادى الآخرة خمس مئة وخمسة، وقد أقام هناك جماعة كبيرة بأدوية وأقلام لضبط ذلك، وبطل الصَّلاة بالمصلاة وإنَّما صار النَّاسُ يصلُّون على أمواتِهم صَفًّا واحدًا مِن باب المُصلَّى إلى تجاه باب دار الحاجب، فكان يُصلَّى على الأربعين والخمسين معًا دُفعةً واحدة، ومات لشخصٍ بخدمتنا يُسَمَّى شمس الدِّين الذَّهبي وَلَدٌ؛ فَخَرَجْنا معه إلى المُصلَّى، وكان سِنُّ الميِّت دُون سَبع سنين، فلمَّا أنْ وَضَعْناه للصَّلاة عليه بين الأموات جيء بعدَّة كبيرة أخرَى إلى أن تَجاوَزَ عددُهم الحدَّ، ثُمَّ صُلِّي على الجميع، وتقدَّمنا لأخذ الميِّت المذكور، فوجدنا غيرنا أخذه وترك لنا غيره في مقدار عُمره، فأخذه أهله ولم يفطنوا به، ففهمت أنا ذلك، وعرَّفت جماعة أُخَر ولم نُعْلِم أباه بذلك، وقُلنا: لعلَّ الَّذي أخذه يُواريه أحسن مُواراة، وليس للكلام في ذلك فائدة غير زيادة في الحُزن، فلمَّا دُفِنَ الصَّبي وأخذ أهلُ الحانوت التَّابوت خَلِق! فأشرتُ إليهم – أيضًا – صاحوا وقالوا: ليس هذا تابُوتَنا! هذا عتيق، وقماشه بالسُّكات، وهدَّدَهُم بعضُ المماليك بالضَّرب، فأخذوه ومضوا، فكانت هذه الواقعة

عدد الصفحات ٢٤٠

240 مِن الغرائب المهولة كل ذلك والطاعون في زيادة ونموٍّ، حتَّى أيقن كُلُّ أحدٍ أنَّه هالك لا محالة، وكُنَّا نخرج مِن صلاة الجُمعة إلى بيتنا، وقد وقف جماعة مِن الأصحاب والخدم، فنتعادد إلى الجمعة الثانية، فينقص مِنَّا عِدَّة كبيرةٌ ما بين ميِّت ومريض، واستسلم كُلُّ أحدٍ للموت، وطابت نَفْسُه لذلك، وقد أوصَى وتابَ وأنابَ ورجعَ عن أشياءَ كثيرة، وصار غالب الشَّباب في يَدِ كُلِّ واحدٍ منهُم سبحة، وليس له دأب إلاَّ التَّوجُّه – تعالى – للمُصلاَّة للصَّلاة على الأموات، وأداء الخمس والبكاء، والتوجُّه إلى الله والتخشُّع، وماتت عندنا وصيفةٌ مولَّدة بعد أنْ مَرِضَت مِن ضحى النَّهار إلى أنْ ماتت قبل المغرب، فأصبحنا وقد عجز الخَدَمُ عن تحصيل تابوت لها، فتولَّت تغسيلها أمُّها وجماعةٌ مِن العجائز، وكفَّنُوها في أفْخَر ثيابها على أحسن وجه، غير أنَّنا لَم نَلْقَ لها نعشًا، وقد ألزمَنِي التَّوجُّه للصَّلاة على الأمير الكبير بَيْبُغا المظفَّرِي، وعلى الشِّهابي أحمد بن الأمير تِمْرَاز النائب، فوقفتُ على الباب والميتة محمولةٌ على أيدي بعض الخَدَم إلى أن اجتازت بنا جنازةُ امرأة، فأنزلتُ التابوت غصبًا ووضعتها على أعناق الرِّجال، وسارَت أمُّها وبعض الخدم معها إلى (عند الميتة و(اشتالتا أنْ قارَبَت التُّربة، فأخذوها مِن التَّابوت ودفنوها. ثُمَّ بَلَغَ في جُمادى الآخرة المذكورة، عِدَّة مَن صُلِّيَ عليه بمُصلاَّة باب النَّصْر فقط في يومٍ واحد، زيادة على ثمان مئة ميِّت. ثُمَّ في اليوم المذكور بَلَغَ عِدَّة مَن خَرَجَ مِن الأموات مِن سائر أبواب القاهرة اثني عشر ألْفًا وثلاث مئة ميِّت، محرَّرة مِن الكَتَبَة الحَسَبَة بأَمْرِ شَخْصٍ مِن أكابر الدَّولة، وقيل: بأمر السُّلطان، ثُمَّ بَلَغَ عِدَّة مَن صُلِّي عليه بمُصلاَّة باب النَّصر مِن الأموات في العشر الأوسط مِن جُمادى الآخرة المذكورة ألفًا ونيِّفًا وثلاثين إنسانًا، ويُقارب بمعنى( 1(

عدد الصفحات ٢٤١

241 ذلك مصلاة المؤمني بالرُّمَيْلَة، فيكون على هذا الحساب ماتَ في هذا اليوم نحو خمسة عشر ألف إنسان •ما امتاز به هذا الطاعون عن غيره: هو أوسعُ هذه الطَّواعين كلِّها وأقطعها، ولَم يَقَع بالقاهرة ومِصر بعد الطَّاعون العامِّ الَّذي كان في سَنَة تِسع وأربعين وسبع مئة، نظير هذا، وخالفَ الطَّواعين الماضية في أمورٍ كثيرة: منها: أنَّه وَقَعَ في الشِّتاء وارتفعَ في الرَّبيع، وكانت الطَّواعين الماضية تَقَعُ في (.فَصْلِ الرَّبيع، بعد انقضاء الشِّتاء، وترتفع في أوَّل الصَّيف ومِنها: أنَّ غالب مَن كان يموت بالطَّاعون يَغيب عَقْلُهُ، وهذا غالب مَن يموت به يموت وهو يعقل، فيتحسَّر على نَفْسِه، ويُوقِن بالموت، ولا يستطيع لنفسِه نَفْعًا، ولا يستطيعُ أحدٌ مِن أحبَّائه عنه دَفْعًا. ومنها: أنَّه كَثُرَ النَّقل عن كثيرٍ منهم، أنَّه يُخبر بمشاهدة خيرات تترى، ورُئِيت له منامات حسنة، تشتمل على أنواع مِن البُشرى، فللَّه الحمدُ على ذلك. وكان ابتداؤُه بالدِّيار المصريَّة في الجانب الأسفل مِن الأرض، ثُمَّ دَخَلَ مِصر، وبدأ بطرف القاهرة مِن ناحية السَّاحل، ثُمَّ كان دُخوله القاهرة في أواخر شهر ربيع الآخر، واشتدَّ الخَطْبُ مِن نِصف جمادى الأولى، إلى نِصف جمادَى الآخرة. ثم تناقص مِن أوَّل نصف جمادى الآخرة إلى آخر رجب، فلمَّا دَخَلَ شعبان كان ط قلعجي) أنَّ الطواعين تحدث – يرَى ابنُ القيِّم في (1( ؛ لِكَثْرَةِ اجتماعِ الفضلات –غالبًا – أوقات السَّنة، وإن أكثر حدوثه في أواخر الصيف، وفي الخريف المرارية الحادَّة في آخر الصيف، وعدم تحلُّلها في آخره، وفي الخريف، لبرد الجو، وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلَّل في زمن الصيف، فتنحصر، فتسخن، وتعفن، فتحدث الأمراض العفنة

عدد الصفحات ٢٤٢

242 قليلاً جدًّا، إلى أن ارتفع جُملةً بعد ذلك، حتَّى صار لا يدخل ديوان الموتى، سوى (.الآحاد، كما جَرَت العادة في غير زمن الطاعون نسأل الله الأمن والسلامة، والعفو والعافية، والحمد لله رب العالمين. ❁ ❁ ❁ 370 –« (1( .(338/507/2(

عدد الصفحات ٢٤٣

تراجم رجال جمع الجوامع للشيخ عبد الـكريم الدَّبَان التكريتي عبد الحكيم بن محمد الأنيس

عدد الصفحات ٢٤٤

244 « ألَّفَ الشيخ عبد الكريم الدَّبّان التكريتي للسبكي في أصول الفقه، ثم حشّاه بترجمة المؤلِّف والرجال المذكورين فيه (أي ، وبلغ عدد التراجم (« للصحابة وفاته مما عداهم اثنا عشر عالماً، وهم: ابن سيرين (ت والعَنْبري (ت وابن زكريا وأبو مسلم (ت وابن شعبان (ت والقفّال وأبو حاتم القزويني (ت (.وأبو زيد الدبوسي (ت وسليم الرازي (ت و . فرغ الشيخُ من شرحه سنة (1(

عدد الصفحات ٢٤٥

245 وابن يحيى (.والنقشواني (ت في حدود ولقد كانت هذه التراجم في غاية الوجازة والفائدة لمن يقرأ هذا الكتاب، ومعظمُها لا يستكمل سطرين، وهي مفيدة جداً لمَن أراد أنْ يتعلَّم كيف تكون التراجم في حواشي الكتب. وقد بدا لي أنْ أجرد هذه التراجم، وأرتبها على الوفيات، وكان الشيخ قد علَّقها على حسب ورود الاسم أول مرة. وطريقتي هي أني أذكرُ أولاً اسم المترجم أو لقبه أو نسبته كما ذكره المؤلفُ السبكي، ثم أوردُ الترجمة. وقد أضفتُ ذكر القرن؛ ليتضح أهلُ كل قرن من غيرهم، ولبيان أهمية القرون . (من ناحية الثقل العلمي في مصادر المؤلف في هذا المجال ومِنْ عادة الشيخ ألا يضع (هـ) بعد التاريخ، لأن الأصل أن يكون المقصود هو التاريخ الهجري. .ومِنْ عادته الفصل بين الجمل بنقطةٍ فتركتُ هذا كما فعلَ وعلقتُ حيث اقتضى التعليق. وأُوصي بالاعتناء ببيان مصادر السبكي في كتابه هذا، لنتيقنَ مِنْ بعض التراجم. وهذا مسردُ التراجم: 1( –عدا الصحابة– وقد ذكر السبكي من أهل القرن الأول (1( ومن الرابع وأهمُّ القرون على هذا: الرابع والخامس.

عدد الصفحات ٢٤٦

246 القرن الأول : هو التابعي المشهور. التحقَ بابن الأشعثِ الثائر ِفقتله الحجّاجُ سعيد بن جبير سنة القرن الثاني: .: مجاهد بن جبر العالم التابعي الفقيه المُفسِّر. تُوفّي سنة مجاهد .: الحسن بن يسار البصري. التابعي الفقيه الفصيح. تُوفّي سنة الحسن .: عطاء بن أبي رباح التابعي. كان مفتي مكة. تُوفّي سنة عطاء : كان فقيه أهل البصرة في زمن أبي حنيفة (1(الفقيه عثمان بن مسلم البتي (.[ : هو الإمام النُّعمان بن ثابت. أحد الأئمة الأربعة المجتهدين. وهو أبو حنيفة .أشهرُ مِنْ أنْ يُعرّف به. تُوفّي سنة .: عبد الرحمن بن عمرو. أحد الأئمة المجتهدين. تُوفّي ببيروت سنةالأوزاعي : سفيان بن سعيد الثوري الإمام المحدِّث الثقة. تُوفّي سنة السفيانان (.[ : هو الإمام مالك بن أنس. أحد المجتهدين الأربعة. وهو غنيٌّ عن التعريف مالك هذا وبشر المريسي ذكرهما السبكي إشارةً ولم يُصرِّح باسميهما، انظر كلامه على: أركان القياس: (1( الأصل. والتصريح من الشُّرّاح زيادة مني.( 2( إضافة مني، وفي الأصل تتابعت الترجمتان( 3(

عدد الصفحات ٢٤٧