199 بل– : ردُّ المرسل مطلقًا وهو مذهب الإمام مسلمٍ (ت القول الثاني فقد قال في مقدِّمة صحيحه: (والمرسل من الروايات في أصل – حكى فيه الإجماع (.قولنا وقول أهل العلم بالأخبار: ليس بحجة وابن حبَّان (وهو أيضًا أبي زرعة الرازيِّ (ت وقد نَقل الحاكم (ت ((ت ولكن تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ (ت (بحجَّةٍ (.خلافه : التفصيل في القَبول والرَّدِّ فمنهم من خصَّ القَبول بالتابعين فقط القول الثالث ولكن سبق الكلام (وهو منسوبٌ إلى الإمام مالك وإلى الإمام أحمد (ت في مذهب مالكٍ وأمَّا الإمام أحمد فقد قال ابن رجبٍ في شرح علل الترمذيِّ: (ظاهر كلام أحمد أنَّ المرسل عنده من نوع الضعيف لكنَّه يأخذ بالحديث إذا كان (.فيه ضعفٌ ما لم يجئ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه خلافه ومنهم من خصَّ قَبول المرسل بمراسيل كبار التابعين دون صغارهم وهو قول وتحت كلِّ مذهبٍ من هذه المذاهب أقوال (كثيرٍ من الأحناف وبعض المالكيَّة (.عدَّة قد يبلغ مجموعها إلى عشرة أقوالٍ وهي منتشرة في كتب علوم الحديث (. صحيح مسلم (1( .( المراسيل (ص (2( .( المجروحين( 3( .( لم أجده في كتب الحاكم ولكن نقله الحافظ في النكت على ابن الصلاح (4( .( النكت على مقدمة ابن الصلاح (5( .(122 – جامع التحصيل (ص (6( .( شرح العلل( 7( .( التمهيد( 8( .( ينظر مثلاً: تدريب الراوي (9(
عدد الصفحات ٢٠٠200 في كتابه وسأقتصر على القول المحرَّر فقط وهو للإمام الشافعي (الرسالة) فقد اختار اعتبار المرسَل بما يعضده من مرسلٍ آخر أو مسندٍ من وجهٍ آخر أو قول بعض الصحابة فقد اشترط شروطًا بعضها للمرسَل وبعضه للمرسِل وهي: أن يكون المرسِل من كبار التابعين الذين جلُّ روايتهم عن الصحابة ألا يكون مرسِله ممن عرف أنَّه يروي عن غير الثقات ألا يكون مرسِله ضعيفًا في حفظه بحيث إنَّه يخالف عند الإسناد أن يعتضد المرسل من وجهٍ آخر: كمرسلٍ آخر أو مسند أو قول صحابيٍّ أو (.فتوى العلماء به وابن (وهذا القول هو الذي اختاره جماعةٌ من الحفاظ المحققين كابن الصلاح . ( وابن حجرٍ( رجبٍ ومن المهمِّ هنا التنبيه إلى أنَّ البحث في قضية المرسل جرى فيه خلطٌ بين الاِحتجاج بالمرسل وبين تصحيح المرسل، فالاِحتجاج بابه أو سع من التَّصحيح، فقد يحتجُّ بما ليس بصحيحٍ من باب الاستئناسِ وهذا مربط الفرس في الخلاف بين الفقهاء والمحدِّثين في باب (المرسل) كما نبَّه عليه الحافظ ابن رجبٍ الحنبليُّ في شرح علل الترمذيِّ فقال: (واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ، وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإنَّ الحفَّاظ إمَّا يريدون صحَّة الحديث المعيَّن إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح، على طريقتهم، (.465 – الرسالة( 1( .( علوم الحديث( 2( .( شرح علل الترمذي( 3( .( النكت على ابن الصلاح( 4(
عدد الصفحات ٢٠١201 لانقطاعه وعدم اتِّصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمَّا الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحَّة ما دل عليه، فاحتجَّ به مع ما احتفَّ به من القرائن) ثمَّ قال: (وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد (.وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذٍ ❁ ❁ ❁ .( شرح علل الترمذي( 1(
عدد الصفحات ٢٠٢202 المبحث الأول دفع ما يتوهَّم من كون الإمام الشافعيِّ هو أو ل من ردَّ المرسل اشتهر في كثيرٍ من الكتب والأبحاث: أنَّ المرسل كان مقبولاً عند العلماء ثمَّ جاء الإمام الشَّافعيُّ فردَّه، وممن صرَّح بهذا الإمام أبو دواد السجستانيُّ (ت في رسالته إلى أهل مكَّة فقال: (وأمَّا المراسيل فقد كان يحتجُّ بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوريِّ ومالك بن أنسٍ، والأوزاعيِّ، حتى جاء الشَّافعيُّ فتكلَّم . وحكى ذاك عنه أيضًا الحافظ ابن رجبٍ (فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبلٍ (.الحنبليّ وممَّن قرَّر هذا أيضًا الإمام ابن جريرٍ الطبريُّ (ت أنَّه قال: (زعم الطبريُّ أنَّ التابعين بأسرهم أجمعوا على قَبول المرسل – (البرِّ عنه ولم يأتِ عنهم إنكاره، ولا عن أحدٍ عبد البرِّ: (كأنَّه يعني أن الشافعيَّ أو ل من أبى من قبول المرسل). فخلاصة كلام أبي داود وابن جريرٍ الطبريِّ أنَّ الشافعيَّ هو أو ل من ردَّ المرسل وهذا فيه إشكالان علميَّان: : أنَّه يلزم منه مخالفة الإمام الشافعيِّ لإجماع الأمة المنعقد قبله في أولهما 66 – رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه (1( 543 داود)، فهذا عالمٌ حافظٌ ينقل مثل هذه الفائدة وذكَّرني هذا بكلام تقي الدين ابن تيميَّة في مجموع الفتاوى أجمعين. (وقد نقله بخطه أبو زكريا النووي (. شرح علل الترمذي( 2( .( التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (3(
عدد الصفحات ٢٠٣203 .(فيكون خارقًا للإجماع – إن صحَّ – الاحتجاج بالمرسل : وجود نصوص عديدة عن علماء التابعين ومن بعدهم بل ومن والإشكال الثاني الصحابة الكرام في ردِّ المرسل قبل الإمام الشافعيِّ فهذا وذاك يوجب القول بأنَّ الشافعيَّ ليس أو ل من ردَّ المرسل وهو الصحيح الذي دلَّت عليه نصوص العلماء قال – وهو يعدِّد من ردَّ المرسل ممن كان قبل الشَّافعيِّ – ومنه ما قاله الإمام الحاكم : (والمراسيل كلها واهيةٌ عند جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز غيرُ محتج بها، وهو قول سعيد بن المسيَّب، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس الأصبحي، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد (.بن حنبل، فمن بعدهم من فقهاء المدينة وأمَّا كلام أبي داود في أو لية الشافعيِّ في ردِّه فغير مسلَّمٍ وممن ردَّ عليه الحافظ بعد أن ذكر ردَّ سعيد بن المسيب وابن سيرين – فقال (السَّخاويُّ في فتح المغيث :)ثم إنَّ ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشَّافعيِّ أو لَ من –والزهريِّ للمراسيل ترك الاحتجاج به ليس على ظاهره، بل هو قول ابن مهديٍّ، ويحيى القطان، وغيرِ واحدٍ ممَّن قبل الشَّافعيِّ). ثمَّ ذكر الحافظ السخاويُّ الأوَّلية الصحيحة للإمام الشافعيِّ وأنَّها هي في وضع الشروط والتحقيق في ذلك فقال: (ويمكن أنَّ اختصاصَ الشَّافعيِّ لمزيد التحقيق فيه). ولكن هذا الإلزام ضعيفٌ؛ لأنَّ المخالفة المردودة المقتضية للقدح هي في مخالفة الإجماع القطعيِّ (1( فلا يُقدح في خارقه ينظر: جامع التحصيل – ومنه السكوتيُّ هنا – وأما الإجماع الاستدلاليُّ والظنِّيُّ (.في أحكام المراسيل (ص المدخل إلى كتاب الإكليل (ص( 2( .( فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (3(
عدد الصفحات ٢٠٤204 فما أطلقه أبو داود ومن بعده الطبريُّ غير صحيحٍ؛ ولذا قال فيه ابن عبدالبر (وزعم الطبريُّ)؛ ليشيرَ إلى ما فيه من المجازفة! وقال العلائي: (قول محمد بن جريرٍ: لم يزل العمل بالإرسال وقبوله حتى حدث بعد المئتين القول بردِّه مردودٌ بقول من ردَّه قبل المئتين كالأوزاعيِّ وشعبة والليث بن سعدٍ وعبد الرحمن بن (.مهديٍّ ويحيى بن سعيدٍ القطَّان بل أستطيع أن أقولَ من دون مبالغةٍ: قد بدأ التوقُّفُ عن المرسل والتحرِّي في ، ففي مقدِّمة صحيح مسلم بإسناده شأنه في وقتٍ مبكِّرٍ في عهد الصحابة فجعل – يعني بُشَير بن كعبٍ العدويُّ – إلى طاوس، قال: جاء هذا إلى ابن عباس يحدِّثه، فقال له ابن عباس: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدَّثه، فقال له: عُد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له بُشيرٌ: ما أدري أعرفتَ حديثي كلَّه، وأنكرت هذا؟ أم أنكرتَ حديثي كلَّه، وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصَّعبَ (.والذَّلول، تركنا الحديث عنه وهو ثقةٌ – الإرسالَ على بُشَير بن كعبٍ فانظر كيف أنكرَ ابن عبَّاسٍ فدلَّ أن ردَّ المرسلِ قديمٌ، وأنَّ بعض الصحابة – مخضرَمٌ أخرج له البخاريُّ وغيره لم يقبل مرسلَ بعض التابعين مع كون ذاك التابعيِّ ثقةً حجَّةً. وفي مقدِّمة مسلمٍ أيضًا قول ابن سيرينَ: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة قالوا سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنَّة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر (.إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (. جامع التحصيل (ص (1( .( صحيح مسلم (2( لأنَّ قتلةَ عثمان صحيح مسلم (3( ؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يقالَ في كانوا فسَّاقًا قطعًا، ولا يمكن تفسيرها بفتنة عليٍّ وعائشة ومعاوية
عدد الصفحات ٢٠٥205 كما– والزهريِّ هو ردُّ المراسيل (أضِفْ إلى ذلك أنَّ مذهب سعيد بن المسيَّب سبق في كلام الحاكم فكيف يصحُّ بعد هذا إطلاق ذاك؟! ولكنَّ الجديدَ الذي فعله الإمام الشافعيُّ أنَّه نظر إلى عملهم فقعَّد فيه القواعد، وأصَّل لها في كتابه (الرسالة) (.فكانت إضافةً جديدةً له في كتب علوم الحديث ❁ ❁ ❁ أحدٍ منهم: مبتدعٌ أو فاسقٌ، بل كلٌّ منهم مجتهدٌ، كما قرره القرطبي في المفهم على ما أشكل من 123 –تلخيص مسلم ، وهذا الأثر لم يعجب الكفرة السؤال عن الإسناد بدأ في زمنٍ مبكِّرٍ وهو بعد مقتل عثمان اليهود وغيرهم من المستشرقين ومن تأثر بهم من المستغربين! فأرادوا تفسير الفتنة إما بفتنة قتل لقصد القول بأنَّ – الوليد بن يزيد عام – الاهتمام بالأسانيد عند علماء الحديث جاء في وقتٍ متأخر، وبالتالي فلا يوثق في الكتب الحديثية! وكلا التفسيرين باطلٌ، وعن الدليل عاطلٌ، وانظر الرَّدَّ عليه بما يشفي صدور المؤمنين في كتاب: رواة 105 –الحديث وهذا طريفٌ فسعيد بن المسيب الذي اختلف العلماء في حكم مرسله هو يقول بردِّ المراسيل مطلقًا. (1( والذي يراه الرائي هو اختلاف علماء الحديث في القرن الثالث عن علماء القرن الثاني، فقد كثر (2( كلام أهل العلم على الرواة وعلى المتون في القرن الثالث كما تجده في الإمام الشافعيِّ وكثر جدًّا في الطبقة التي بعده كالإمام أحمد وابن معينٍ والطبقة التي بعدهم كالبخاريِّ، ومسلم وأبي حاتمٍ والرازيِّ، بخلاف طبقة شيوخ الإمام الشافعيِّ كالإمام مالكٍ مثلاً فهو مع شدَّة تحريه فقد لا تجد له كلاما كثيرًا في الجرح والتعديل ولا في التصيح والتضعيف؛ لقلة الحاجة في ذاك الزمن؛ فانشغلوا بالأهمِّ وهو جمع المرويات.
عدد الصفحات ٢٠٦206 المبحث الثاني موقف الإمام الشافعي من مرسل سعيد بن المسيَّب كلمتان في مرسل سعيد بن المسيب ورد عن الإمام الشافعي اختلف فيهما الناس ما قصد الإمام منهما؟ هل هو تقويةٌ لمراسيله بقصد الاحتجاج، ولانفرادها عن غيرها أم مراسيل سعيدٍ كمراسيل غيره من كبار التابعين؟ وقد ذكر بدر الدين الزَّركشيُّ في البحر المحيط في أصول الفقه: أن النقل قد اضطرب عن (.الإمام الشافعيِّ في هذه المسألة وسأبدأ بذكر كلام الإمام الشافعيِّ، ثم أردفه بنصوص كبار العلماء في شرح كلامه: : قال الإمام الشَّافعيُّ في كتابه (الأم) برواية الرَّبيع بن سليمان عنه: النصُّ الأول « نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن ورأينا ((أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف فمن كان بمثل حاله: قَبِلنَا منقطعه صلى – غيره يسمي المجهول ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له – الله عليه وسلم شيء يسدده ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم، ولم نحاب أحدا، ولكنا قلنا في ذلك (.بالدلالة البينة على ما وصفناه من صحة روايته البحر المحيط في أصول الفقه (1( .(367 –المسألة وأطال فيها النفس ينظر: في وهذا الكلام نصٌّ في المسألة، وأنَّه يقبل كلَّ مراسيل كبار التابعين كما سيأتي. (2( .( الأم( 3(
عدد الصفحات ٢٠٧207 : روى ابن أبي حاتمٍ الرازيِّ عن الإمام الشافعيِّ أنَّه قال: (وليس النصُّ الثاني (.المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب فاختلف العلماء في تفسير هذه العبارات على ثلاثة أقوال: : أنَّ مراسيل ابن المسيب كغيره من مراسيل كبار التابعين، وليست القول الأوَّل بحجة مطلقًا عند الإمام الشافعيِّ، بل تكون للاستئناس فقط، وعلى هذا القول أكثر علماء المذهب من المحدِّثين والأصوليين. : أنَّ الإمام الشافعيَّ يستدلُّ بمراسيل سعيد بن المسيب وذهب إليه القول الثاني طائفةٌ قليلةٌ من العلماء. : بأنَّ مذهب الشافعيِّ القديم كان على الاحتجاج بها ثمَّ رجع عن القول الثالث ذبك في المذهب الجديد وهو أضعف من الوجهين الأولين. وإليك الآن التفصيل: : ليست مراسيل سعيدٍ حجَّةً عند الإمام الشافعيِّ. القول الأول أنَّ هذا الكلام يقصد منه الإمام الشافعيُّ الاستئناس بمراسيل سعيد بن المسيب، لا مطلق الاحتجاج بها، وليس هذا الأمر خاصًّا بمراسيل سعيد بن المسيب عند الشافعي فقط، بل يشاركه عنده كل مراسيل كبار التابعين، وممن قرَّر هذا كلٌّ من: .ابن أبي حاتمٍ، والبيهقيِّ والخطيب البغداديِّ، والنوويِّ، والسيوطي وإليك نصوصَهم: قال ابن أبي حاتم (ت ، وقال الحافظ ابن رجبٍ الحنبليُّ: (وتأوله على أنَّ مراده أنْ يعتبر بمراسيل (به (.30 /2( آداب الشافعي ومناقبه (ص( 1( .( المراسيل (ص (2(
عدد الصفحات ٢٠٨208 .(سعيد بن المسيَّب فدلَّ هذا أن مرسلَ سعيدٍ قابلٌ للاعتبار عند الإمام الشافعيِّ، والمقصود من الاعتبار أي: للمتابعات والشواهد كما قال الحافظ الخطيب البغدادي (ت (وأما أحاديث الضِّعاف ومن لا يعتمد على روايته: فتكتب للمعرفة وأن لا تقلب (.إلى أحاديث الثقات، ويعتبر بها أيضًا غيرها من الروايات كما حكاه عنه تقي الدين السبكي قال: (3( وممن فسَّر بهذا أيضًا أبو حامدٍ الغزَّالي (وكذلك الشيخ أبو حامد حمل قول الشافعي في المختصر على ذلك وأنه يعتبر وإن كنتُ وقفتُ على ما يدلُّ على القول الثاني بالاحتجاج (بها ولا تكون حجة (.عنده وقال الحافظ أبو بكر البيهقيُّ (ت في مرسلات ابن المسيب: فكذلك قال غيره من (أما الذي ذكر الشافعي أهل العلم بالحديث، قال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا فيما قال في مراسيل ابن المسيب بهم نرى أصح من مرسلاته، وللشافعي قدوة، ثم إنه لم يقتصر في مراسيله على مجرد الدعوى، حتى بين وجه الرجحان في مراسيله، ثم لم يخص به ابن المسيب، بل قد قطع القول بأن من كان في مثل حاله . (قبلنا منقطعه (. شرح علل الترمذي( 1( .( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع( 2( اختلف في ضبط اسمه (الغزالي) بالتخفيف والتشديد وأحسن من تكلَّم عن ذلك مع جمعٍ واستقصاءٍ (3( 112 – في كتابه: ضبط الأعلام (صالأستاذ أحمد تيمور باشا (. تكملة المجموع شرح المهذب (4( الاحتجاج بمرسل– وهو من أو ائل كتبه – المنخول (ص( 5( العدل مطلقًا وقد رجع عن هذا في كتابه (المستصفى (. معرفة السنن والآثار( 6(
عدد الصفحات ٢٠٩209 وقال أيضًا في مناقب الشافعي ، يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، (قلت: فالشافعي (.وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبله سواء كان مرسل ابن المسيَّب أو غيره وقد تعقَّب البيهقيُّ الجوينيَّ في زعمه أنَّ المرسلات عند الشافعيِّ ضعيفةٌ سوى [ –أدام الله عزه – مراسيل ابن المسيب فقال: والشيخ تبع في إطلاق هذه اللفظة صاحب (التلخيص)، ولو نظر في رسالَتَي: (القديمة)، ، وأبصر شرطه في قبول المراسيل، وتذكَّر المسائل و (الجديدة) للشافعي التي بناها على مراسيل غيره حين اقترن بها الشرط، ولم يجد فيها ما هو أقوى منها ؛ لقال بسوى مرسل سعيد ابن –وهو أدام الله توفيقه أعلم بتلك المسائل مني – المسيب، ومن كان في مثل حاله من كبار التابعين؛ ليكون قوله موافقاً لجملة قول (.الشافعي في الرسالتين ولكن بيَّن الحافظ ابن رجبٍ الحنبليُّ أنَّ البيهقيَّ واهمٌ في إنكاره على الجوينيِّ صحة ذلك عن الإمام الشافعيِّ، فقال ابن رجبٍ: (وأنكر (.عن الشافعيِّ، وكأنه لم يطَّلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها قلتُ: بل اطلَّع عليها الحافظ البيهقيُّ بل نقلها كاملةً بعد إنكاره على الجوينيِّ في الرسالة، ولم يناقش في اللفظ المحتمل، لكن ناقش في المعنى الذي فهمه أنَّ (5( ، ثمَّ ذكر البيهقي (الإمام الجوبنيُّ، وهو الاحتجاج بمراسيل ابن المسيَّب (. مناقب الشافعي (1( رسالة البيهقي إلى أبي محمَّد الجوينيِّ ص (2( أدبًا عظيمًا وعلمًا وفيرًا (. شرح علل الترمذي( 3( .( وينظر أيضًا كتابه معرفة السنن والآثار (4( .( مناقب الشافعي (5(
عدد الصفحات ٢١٠210 هناك مراسيلَ لابن المسيَّب تركها ولم يأخذ بها الشافعيُّ، مما يؤكِّد أنَّه لا يحتج بكلِّ ما قاله ابن المسيب، فقال: (وقد ذكرنا في غير هذا الموضع مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا: أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ والله أعلم). وهو قد فصَّل بعض هذه المواضع التي أجملها هنا في الرسالة المشهورة باسم (رسالة البيهقي للجويني) حيث ذكر مراسيل أربعةً لابن المسيب لم يقل بها الشافعيُّ، بسبب أنَّه لا يوجد ما يشدُّها ويقوِّيها فقال: (وترك عليهم من مراسيلهم ما لم يجد معه ما يؤكده، أو وجد ما هو أقوى منه؛ كما لم يقل: – « :–بإسناد صحيح – بمرسل سعيد بن المسيب حيث روى عنه – فرض زكاة الفطر مدين من حنطةٍ– صلى الله عليه وسلم قال– صلى الله عليه وسلم – ولا بمرسَله أن النبي – الطعام قبل أن يستوفي، ولا بأس بالشرك في الطعام قبل أن يستوفي قال– صلى الله عليه وسلم – ولا بمرسَله أن النبي – قال– صلى الله عليه وسلم – عهده ألف دينار أباه، فاقتلوه التي ذكرها – ولا بسائر ما روي عنه من مراسيله التي لم يقترن بها من الأسباب ما يشدها، أو وجد في معارضتها ما هو أقوى – الشافعي في منها. وإذا كان الأمر على هذا؛ فتخصيص مرسل ابن المسيب بالقَبول دون من كان
عدد الصفحات ٢١١211 ا.هـ( في مثل حاله من كبار التابعين، على أصل الشافعيِّ لا معنى له والله أعلم وهذا دليلٌ واضحٌ أنَّ مراسيل سعيد بن المسيَّب ليست بحجة مطلقًا عند الإمام الشَّافعيِّ؛ إذ لو كانت حجَّةً فلمَ لمْ يعمل بهذه المراسيل ؟! بل كان يستأنس بها ويجعل لها مزيَّةً عند العاضد لها، وفي هذه المراسيل لم يجدِ العاضد الذي يقوِّيها. وقد عقد الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديُّ (ت علم الرواية): فصلاً في مراسيل سعيد بن المسيب ومن يلحق به من كبار التابعين، وأورد فيه نصَّين عن الإمامين: يحيى بن معينٍ وأحمدَ بن حنبلٍ في أنَّ مرسل سعيد بن المسيب أصحُّ المراسيل، ثمَّ روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى الإمام المزنيِّ عن الإمام الشافعيِّ قوله ثمَّ قال الخطيب: اختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي في قوله هذا منهم من قال: أراد الشافعي به أنَّ مرسل سعيد بن المسيب حجة لأنَّه روى حديثه المرسل في النهي عن بيع اللحم بالحيوان وأتبعه بهذا الكلام وجعل الحديث أصلاً إذ لم يذكر غيره فيجعل ترجيحًا له؛ وإنما فعل ذلك: لأنَّ مراسيل سعيدٍ تتبعت فوُجدتْ كلها مسانيد عن الصحابة من جهة غيره ومنهم من قال: لا فرق بين مرسل سعيد بن المسيب وبين مرسل غيره من التابعين وإنما رجَّح الشافعيُّ به، والتَّرجيح بالمرسل (.صحيحٌ وإن كان لا يجوز أن يحتج به على إثبات الحكم ثمَّ رجَّح الخطيب هذا القول الثاني وقال: (وهذا هو الصحيح من القولين عندنا؛ لأنَّ في مراسيل سعيدٍ ما لم يوجدْ مسندًا بحالٍ من وجهٍ يصح وقد جعل الشافعيُّ لمراسيل كبار التابعين مزيةً على من دونهم كما استحسن مرسل سعيد بن المسيب على من سواه). (. رسالة البيهقي للجويني (ص (1( .(405 – كتابه الكفاية في علم الرواية في ص( 2(
عدد الصفحات ٢١٢212 وكذلك فعل في كتابه الثاني (الفقيه والمتفقِّه): وقد ضعَّف القول الثاني القائل باحتجاج الإمام الشافعيِّ بمراسيل سعيد بن المسيب وقال: (وأما قول الشافعي: وليس المنقطع بشيءٍ ما عدا منقطعَ ابن المسيب فقد ذكر بعض الفقهاء: أنَّ الشافعيَّ جعل مرسل ابن المسيَّب حجَّةً لأنَّ مراسيله كلَّها اعتبرت فوجدت متصلات من غير حديثه وهذا القول ليس بشيءٍ؛ لأنَّ من مراسيل سعيدٍ ما لم يوجد متصلاً من وجه البتة والذي يقتضي مذهب الشافعي: أنَّه جعل لسعيدٍ مزيةً في الترجيح بمراسيله خاصة؛ لأنَّ أكثرها وجد متصلاً من غير حديثه لا أنه جعلها أصلا يحتج به والله (.أعلم وذكر هذه المسألة أيضًا من الأصوليين الإمام أبو إسحاق الشيرازي ت 476 ( مسانيد، ومنهم من قال: هي كغيرها، وإنما استحسنه الشافعيُّ استئناسًا بها، لا على (.أنَّها حجةٌ) ولم يرجِّح أحدًا من القولين وممَّن قرَّر بهذا أيضًا الإمام أبو عمرو ابن الصلاح (ت (.يختصُّ ذلك عنده بإرسال ابن المسيب : قول الإمام الشافعي –وقد حكى الإمام النوويُّ (ت (وأحتجُّ بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهةٍ أخرى، أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول ممن يقبل عنه العلم، أو وافق قول بعض الصحابة، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه). ثمَّ قال الإمام النوويُّ: (هذا نصُّ الشافعيِّ في الرسالة وغيرها، وكذا نقله عنه (. الفقيه والمتفقِّه (1( .( اللمع في أصول الفقه (ص( 2( .( مقدمة ابن الصلاح (ص( 3(
عدد الصفحات ٢١٣213 الأئمَّة المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين كالبيهقي والخطيب البغدادي وآخرين، ولا فرق في هذا عنده بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره هذا هو الصحيح (.الذي ذهب إليه المحققون وقد ذكر أيضًا أنَّه (قد شاع في ألسنة كثيرين من المشتغلين بمذهبنا بل أكثر أهل لا يحتج بالمرسل مطلقا إلا مرسلَ ابن المسيب،فانه زماننا: أنَّ الشافعي يحتجُّ به مطلقًا، وهذان غلطان، فإنه لا يردُّه مطلقًا، ولا يحتجُّ بمرسل ابن المسيَّب (.مطلقًا، بل الصواب ما قدمناه والله أعلم وقال أيضًا: (فهذا كلام البيهقيِّ والخطيب وهما إمامان حافظان فقيهان شافعيان مضطلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامَّة بنصوص الشافعيِّ ومعاني كلامه ومحلُّهما من التحقيق والاتقان والنهاية: في الفرقان بالغاية القصوى والدرجة (.العليا وأجاب الإمام النوويُّ عن كون الإمام الشافعيِّ اعتمد على مرسلٍ من مرسلات سعيد ابن المسيب وهو في النهي عن بيع اللحم بالحيوان قال: ، بل اعتمده لما انضمَّ إليه قول أبي ( لم يعتمد عليه وحدَه (الشافعي ، مع ما انضم إليه بكر الصديق ومن حضره وانتهى إليه قوله من الصحابة (.من قول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة بفتح القاف على المشهور الذي حكاه الزَّبيديُّ – وقد ذكر شيخ الإسلام البُلقَينيُّ (. المجموع شرح المهذب( 1( .( المجموع شرح المهذب( 2( .( المجموع شرح المهذب( 3( أنبِّه إلى أنَّه شاع على الألسنة قولهم: (جاء لوحده) وهو لحنٌ؛ إذ (وحدَك ووحدَه) ملازمة للنصب (4( على الحال (. المجموع شرح المهذَّب (5(
عدد الصفحات ٢١٤214 بمرسلاتنحو ما سبق فقال: (ولهذا احتجَّ الشَّافعي – (في تاج العروس فإنَّها وجدت مسانيدَ من وجوهٍ أخر، ولا يختصُّ – –سعيد بن المسيب (.ذلك عنده بإرسال ابن المسيب وقد يفهم من كلامه أنَّه يقول بإطلاق الاحتجاج، ولكن يوضِّح أنَّه لم يقصد حكى رأي جماعةٍ من أهل – السابق – هذا: أنَّه بعد ما حكى كلام الشافعيِّ في الأمِّ العلم آخرين قائلين بالاحتجاج مطلقًا، فدلَّ هذا أنَّه لا يقول بالاحتجاج مطلقًا. وإن كان يشكل على هذا أنَّ البلقَينيَّ ردَّ على كلام الماورديِّ الآتي القائل بعدم الاحتجاج بمراسيل سعيدٍ في المذهب الجديد عند الشافعيِّ فقال البلقيني: (وما ذكره الماورديُّ عن الجديد فيه نظرٌ، ففي الأمِّ وهي من الكتب الجديدة على المشهور في الرهن الصغير...) فساق النصَّ المفتتح به في البحث. ولكن المرجَّح هو الأول، وهو أنَّه يقول بالاستئناس بها كسائر مراسيل كبار التابعين؛ لقوله: (ولا يختصُّ ذلك عنده بمرسلات سعيد بن المسيب) ولا قائل بأنَّ الشافعيَّ يحتجُّ بجميع مرسلات كبار التابعين، فتعيَّن إذن أنه يقول: بالاستئناس كلها إذا وجدت عاضدًا من قياسٍ او قول صحابيٍٍّ أو فعله. وممن أطال في تقرير المسألة وتحريرها بدر الدين الزركشيِّ في(البحر المحيط ورجَّح أن الإمام الشافعيَّ يستأنس بمراسيل سعيد كغيره، (في أصول الفقه وأجاب عن كثير من الأخطاء التي نسبت للإمام الشافعي في المسألة، منها قول تاج العروس (1( وبالمناسبة فقد جمع (الشيخ مشهور) جميع ما وقف له من المخطوطات التي نسبت للبلقَينيِّ وعمل على خدمتها تحقيقًا أو شرحًا واجتمع له قرابة أجلِّ كتبه وهو (تصحيح المنهاج) في عشرين مجلَّدًا ولله الحمد. (. محاسن الاصطلاح (ص( 2( .(367 – البحر المحيط في أصول الفقه (3(
عدد الصفحات ٢١٥