129 سعد بن أبي وقاص، ورأي الزبير بن العوام، فلاحت له أغلبية آراء الأعضاء الحاضرين معه. ـ عمد إلى معرفة كل واحد من الإمامين: عثمان، وعلي في صاحبه بالنسبة إلى وزنه من سائر الرهط الذي رشحهم عمر، فعرف من كل واحد منهما: أنه لَ يعدل صاحبه أحداً إذا فاته الأمر. ـ أخذ في تعرف رأي من وراء مجلس الشورى من خاصة الأمة وذوي رأيها ثم عامتها وضعفائها فرأى أن معظم الناس لَ يعدلون أحداً بعثمان فبايع له وبايعه عامة الناس 1. لقد تمكن عبدالرحم ن بن عوف بكياسته وأمانته واستقامته ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلافة والزهد بأعلى منصب في الدولة أن يجتاز هذه المحنة، وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد مما يستحق أعظم التقدير2. قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرحم ن عزله نفسه من الأمر وقت الشورى ، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم النهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابياً فيها، لأخذها لنفسه أو لولَها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص 3، وبهذا تحققت صورة أخرى من صور الشورى في عهد الخلفاء الراشدين: وهي الَستخلاف عن طريق مجلس الشورى، ليعينوا أحدهم بعد أخذ المشورة العامة ثم البيعة العامة4. 4 ـ انعقاد الإجماع على خلافة عثمان أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد، بل الجميع سلم بذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان رضي الله عنه بالخلافة 1 عثمان بن عوف، صادق عرجون، ص70 ،71. 2 عثمان بن عفان للصلابي، ص70. 3 سير أعلام النبلاء1 /86.) 4 عثمان بن عفان للصلابي، ص70.
عدد الصفحات ١٢٩130 بعد عمر رضي الله عنه طائفة من أهل العلم كابن أبي شيبة والذهبي والشافعي وابن تيمية وغيرهم1. 5 ـ منهج عثمان في الحكم عندما بويع عثمان رضي الله عنه بالخلافة قام في الناس خطيباً، فأعلن عن منهجه السياسي مبيناً أنه سيتقيد بالكتاب والسنة وسيرة الشيخين، كما أشار في خطبته إلى أنه سيسوس الناس بالحلم والحكمة إلَ فيما استوجبوه من الحدود، ثم حذرهم من الركون إلى الدنيا والَفتتان بحطامها، خوفاً من التنافس والتباغض والتحاسد بينهم، مما يفضي بالأمة إلى الفرقة والخلاف، وكأن عثمان رضي الله عنه ينظر وراء الحجب ببصيرته النفاذة إلى ما سيحدث في هذه الأمة من الفتن بسبب الأهواء وتهالك الناس بعدما بويع2، فقال أما بعد، فإني كُلفت وقد قبلت، ألَ وإني متبع ولست مبتدع، ألَ وإن لكم علي بعد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً : اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننْ تُم، وسنَّ أهل الخير فيما تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلَ فيما استوجبتم العقوبة، وإن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولَ تثقوا بها فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلَ من تركها3. أ ـ أول كتاب كتبه عثمانإلى جميع ولاته: أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وأن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولَ يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألَ وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء4. 1 عثمان بن عفان للصلابي، ص77 ،78 ،79. 2 المصدر نفسه، ص83. 3 تاريخ الطبري5 /443.) 4 تاريخ الطبري5 /244.)
عدد الصفحات ١٣٠131 والملاحظ أن عثمان رضي الله عنه أكد في هذا الكتاب الموجه إلى ولَته في الأمصار واجبهم نحو الرعية وعر فهم: أن مهمتهم ليست هي جمع المال، وإنما تتمثل في رعاية مصالح الناس، ولأجل ذلك بي ن السياسة التي يسوسون بها الأ مة وهي أخذ الناس بما عليهم من الواجبات وإعطاؤهم حقوقهم فإذا كانوا كذلك صلحت الأمة، وإذا انقلبوا جباة ليس همهم إلَ جمع المال انقطع الحياء وفقدت الأمانة والوفاء1. لقد كان في كتاب عثمان للولَة التركيز على قيم العدل السياسي والَجتماعي والَقتصادي، بإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، وأخذ ما عليهم، وإعلاء شأن مبدأ من الرعاية السياسية لَ الجباية وتكثير الأموال2. ونبه على ما سيكون عند تغيير الولَة من رعاة إلى جباة، بأن ذلك سبب في تقلص مكارم الأخلاق التي مثل لها بالحياء والأمانة والوفاء، وذلك أن بين الراعي والرعية خيطاً سامياً من العلاقات المتينة ويؤكده ويثبته اتفاق الجميع على هدف واحد، وهو ابتغاء وجه الله تعالى، فالوالي يسعى لهذا الهدف بما يقدمه لإمامه من طاعة وولَء وأمانة ووفاء ويبقى خُلقُ الحياء الذي أشار إليه عثمان يُظل الجميع فيمنعهم من ارتكاب ما يستقبح أو التعرض لجرح المشاعر والإيقاع في الحرج، ثم يوصي عثمان ولَته بالعدل في الرعية، وذلك يأخذ ما عليهم من الحقوق وبذل ما لهم من ذلك، ويشير إلى نقطة مهمة وهي أن الوفاء بالعهود من أهم أسباب الفتح والنصر على الأعداء، وقد بي ن التاريخ أثر هذا الخُلق الرفيع في تفوق المسلمين الإداري والحربي3. ب ـ كتابه إلى قادة الجنود وكان أول كتاب كتبه إلى قادة الأجناد في الفروج 4: أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغيب عنا، بل كان على ملأ منا، ولَ يبلغني عن أحد 1 عثمان بن عفان للصلابي، ص84. 2 المصدر نفسه، ص84. 3 التاريخ الإسلامي- مواقف وعبر، د. عبد العزيز الحميدي (12 /369.) 4 الفروج : يعني الأقاليم
عدد الصفحات ١٣١132 منكم تغيير ولَ تبديل فيغي ر الله بكم، ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه1. وفي هذا الكتاب لفت النظر إلى أن الأمور لن تتغير بتغير الخليفة لأن الخلفاء ومن دونهم من الولَة يسيرون على خط واحد، وهو القيام بمهمة تطبيق الإسلام في واقع الحياة، وقوله:" وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان على ملأ منا" إشارة إلى أن حكم أولئك الخلفاء يقوم على الشورى، وذلك يترتب عليه أن جميع القضايا المهمة تكون معلومة بتفاصيلها عند أهل الحل والعقد، فإذا ذهب الحاكم وخلفه حاكم وخلفه حاكم آخر سار على المنهج نفسه لوضوح الهدف لدى الجميع، وقوله:"ولَ تغي روا فيغي ر الله بكم" وعي لسنن الله تعالى في هذا الكون، فمعية الله جل وعلا لأوليائه بالتوفيق والحماية والنصر مشروطة بلزومهم شريعته واستسلامهم لأمره، فإذا تغي روا في ذلك غي ر الله ما بهم واستبدل بهم غيرهم في الهيمنة والتمكين2. وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَات مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِّ إِنَّ اللهَّ لََ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُّ بِقَوْم سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال ﴾ (الرعد ، آية : 11). وذكرهم بأنه على علم بواجبه يؤديه ويقوم عليه، ليتلاقى عمل الرعية وعمل الراعي في الشعور بالواجب والقيام به ويشعر كل فرد أنه يعمل لأمته كما يعمل لنفسه3. جـ ـ كتابه إلى عمّال الخراج وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج: أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلَ الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة قوموا عليها ولَ تكونوا أول من يُسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لَ تظلموا اليتيم ولَ 1 تاريخ الطبري5 /244.) 2 عثمان بن عفان، ص85 للصلابي 3 عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص199.
عدد الصفحات ١٣٢133 المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم1، خص في هذا الكتاب وزراء المال الذين يجبونه من أفراد الأمة لينفق في مصالحها العامة، فبي ن لهم أن الله لَ ي قبل إلَ الحق، والحق قائم على الأمانة والوفاء، ثم مي ز صنفين من الرعية هما: اليتيم والمعاهد، فحض على التجافي عن ظلمها، لأن الله هو المتولي حمايتها2، ويذكرهم بأنهم إذا ظلموهم فإنهم معرضون لنقمة الله تعالى، لأنه خصم لمن ظلم هؤلَء المستضعفين، وفي هذا لفتة إلى جانب من جوانب عظمة الإسلام حيث يدعو إلى نصرة المظلومين وإن كانوا من الكفار المعاهدين3. د ـ كتابه إلى العامة: أما بعد، فإنكم إنما بلغتم بالَقتداء والَتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الَبتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولَدكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكفر في العجمة فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا»4. وفي هذا الخطاب نلاحظ أن عثمان رضي الله عنه رغب عامة الأمة في الَتباع وترك التكلف والَبتداع، وأنه حذرهم تغير الحال إذا اجتمعت لهم ثلاث خلال: تكامل النعم الذي يبطر النفوس ويدفعها إلى الترف، ويصدها عن الَجتهاد والعمل، ويصرفها إلى الفراغ والكسل، حتى تفتر حيويتها وتخور عزائمها وبلوغ أولَدها من السبابا، وقد لمست الأمة في تاريخها أثر هؤلَء في المجتمع الإسلامي من الوجهة السياسية والَجتماعية والدينية وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، وإنما يريد عثمان بذلك ما في طبائع الأعراب من جفاء وغلظ الأكباد، فلا تبلغ هداية القرآن مكان الخير من أفئدتهم، وكذلك يريد ما في الأعاجم من أخلاق موروثة وعقائد متأصلة وعادات قديمة تباعد بينهم وبين سنن القرآن في الهداية، وقد ظهر أثر الأعراب في فرقة الخوارج الذين كانت كثرتهم من أولئك الجفاة، فهم كانوا أقرأ الناس للقرآن، وأبعدهم عن هدايته، ثم ظهر فيمن عداهم أثر 1 تاريخ الطبري (5 /244.) 2 عثمان بن عفان للصلابي، ص86. 3 عثمان بن عفان للصلابي، ص86. 4 تاريخ الطبري5 /245.)
عدد الصفحات ١٣٣134 الأعاجم فيما ابتدعوه من مذاهب وتكلفوه من آراء كانت شراً على المسلمين في عقائدهم، ومنهم أكثر الفرق الضالة التي لعبت في تاريخ الإسلام أخطر دور1. سابعاً: تولي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الرئاسة 1 ـ كيف تمّ ت بيعة علي رضي الله عنه؟ تم ت بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالرئاسة بطريقة الَختيار، وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ جاؤوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لَ سابقة لهم ولَ أثر خير في الدين، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلماً وزوراً وعدواناً، وذلك يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين 2، قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة علي رضي الله عنه بالخلافة، وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، ف لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين رضي الله عنه حريصاً عليها، ولذلك لم يقبلها إلَ بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة، وخوفاً من ازدياد الفتن وانتشارها، ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم، ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم3. فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد ابن الحنفية قال: كنت مع علي رحمه الله وعثمان محصور، قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي رحمه الله: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفاً عليه فقال: خل لَ أم لك، قال: فأتى عل ى الدار، وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولَبد للناس من خليفة ولَ نعلم أحداً أحق بها 1 عثمان بن عفان للصلابي، ص87. 2 الطبقات لَبن سعد3 /31.) 3 علي بن أبي طالب للصلابي، ص218.
عدد الصفحات ١٣٤135 منك، فقال لهم علي: لَ تريدوني فإني لكم وزيراً خير مني لكم أميراً، فقالوا: لَ والله لَ نعلم أحداً أحق بها منك، قال: فإ ن أبيتم علي فإن بيعتي لَ تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس1. وفي رواية أخرى: عن سالمبن أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية: فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولَبد للناس من إمام، ولَ نجد أحداً أحق بها منك لَ أقدم سابقة، ولَ أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: لَ تفعلوا فإني أكون وزيراً خير مني أميراً، فقالوا: لَ والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنه لَ ينبغي لبيعتي أن تكون خفياً، ولَ تكون إلَ عن رضا المسلمين، قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلَ المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس 2، ومن هذه الآثار الصحيحة بعض الدروس والعبر والفوائد منها: ـ نصرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعثمان رضي الله عنه ودفاعه عنه، وهذا متواتر عن علي رضي الله عنه، بل كان أكثر الناس دفاعاً عن عثمان رضي الله عنه، جاء ذلك بأسانيد كثيرة، وشهد بذلك مروان بن الحكم حيث قال: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم ـ يعني علياً ـ عن عثمان 3. ـ زهد علي رضي الله عنه في الخلافة وعدم طلبه لها أو طمعه فيها، واعتزاله فيبيته حتى جاءه الصحابة يطلبون البيعة. ـ إجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامة في المدينة على بيعته، ويدخل في هؤلَء أهل الحل والعقد ـ وهم الذين قصدوا علياً وطلبوا منه أن يوافق على البيعة، وألحوا عليه حتى قبلها، وليس للغوغاء وقتلة عثمان كما في بعض الروايات الضعيفة والموضوعة. 1 كتاب السنة لأبي بكر الخلال، ص415. 2 رواه الخلال في السنة، ص416، رجال الإسناد ثقات 3 علي بن أبي طالب للصلابي، ص219.
عدد الصفحات ١٣٥136 ـ إن علياً كان أحق الناس بالخلافة يومئذ ويدل على ذلك قصد الصحابة له وإلحاحهم عليه، ليقبل البيعة وتصريحهم بأنهم لَ يعلمون أحداً أحق منه بالخلافة يومئذ. ـ أهمية الخلافة، ولذا رأينا أن الصحابة أسرعوا في تولية علي، وكان علي يقول: لولَ الخشية على دين الله لم أجبهم. ـ إن الشبهة التي أدخلوها على بيعة علي: كون الخوارج الذين حاصروا عثمان وشارك بعضهم في قتله، كانوا في المدينة وأنهم أول من بدؤوا بالبيعة، وأن طلحة والزبير بايعا مكرهين، وهذه أقاويل كاذبة لَ تقوم على أساس وليس لها مسند صحيح والصحيح: أنه لم يجد الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان كالرابع قدراً وعلماً وتقىً وديناً وسبقاً وجهاداً، فعزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضاً عليه، فانقاد إليه ولولَ الإسراع بعقد البيعة لعلي لأدى ذلك إلى فتن واختلافات في جميع الأقطار الإسلامية. فكان من مصلحة المسلمين أن يقبل علي البيعة مهما كانت الظروف المحيطة بها، ولم يتخلف عن علي أحد من الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وقد خلط الناس بين تخلف الصحابة عن المسير معه إلى البصرة وبين البيعة: أما البيعة فلم يتخلف عنها، وأما المسير معه تخلفوا عنه لأنها كانت مسألة اجتهادية، كما أن علياً رضي الله عنه لم يلزمهم بالخروج معه كما فصلت ذلك في كتابي "أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب". ـ لَ بد من الحذر من مبالغات الإخباريين التي تزعم أن المدينة بقيت خمسة أيام بعد مقتل عثمان، وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه1، وتزعم أن الغوغاء من مصر عرضت الأمر على علي فرفضه، وأن خوارج الكوفة عرضوا الخلافة على الزبير فلا يجدونه، ومن جاء من البصرة عرضوا على طلحة البيعة، فهذا لَ يثبت أمام الروايات الصحيحة ولَ يصح إسناده2. كما أن من المعروف تمكن الصحابة من المدينة وقدرتهم على القضاء على الغوغاء لولَ طلب عثمان رضي الله عنه بالكف عن استخدام القوة ضدهم، وقد فصلت ذلك في كتابي "تيسير الكريم المنان 1 تاريخ الطبري4 /432.) 2 استشهاد عثمان ووقعة الجمل، د. خالد الغيث، ص136 ـ140.
عدد الصفحات ١٣٦137 عن سيرة عثمان بن عفان"، والصحيح أن بيعة علي كانت عن طواعية واختيار من المسلمين، وليس لأهل الفتنة دور في مبايعة علي، وإنما كل من كان من الصحابة في المدينة1، هم الذين اختاروا أمير المؤمنين عليً ا. ـ بلغت الروايات الصحيحة والشواهد في بيعة علي إحدى عشرة رواية2. 2 ـ انعقاد الإجماع على خلافة علي رضي الله عنه انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على أن علياً رضي الله عنه كان متعيناً للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه، لبيعة المهاجرين والأنصار له لما رأوا لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلاماً وأوفرهم علماً وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسباً وأشجعهم نفساً وأحبهم إلى الله ورسوله، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق و أرفعهم درجة وأشرفهم منزلة وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسم ةً، فكان رضي الله عنه متعيناً للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع، فكان حينئذ إماماً حقاً وجب على سائر الناس طاعته، وحرم الخروج عليه ومخالفته3. وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم منهم ـ نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة على بيعة علي رضي الله عنه، حيث قال: وبويع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة، بايعه طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر وأسامة بن زيد وسهل بن حنيف وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله وغيرهم4. 1 علي بن أبي طالب للصلابي، ص221. 2 علي بن أبي طالب للصلابي، ص221. 3 المصدر نفسه، ص: 227. 4 الطبقات الكبرى3 /31.)
عدد الصفحات ١٣٧138 ـوقال ابن تيمية: واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»1. فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي2. ـوقال ابن حجر: وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلَ معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان3. والذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع أن خلافة علي رض ي الله عنه محل إجماع على أحقيتها وصحتها في وقت زمانها، وذلك بعد قتل عثمان رضي الله عنه حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه رضي الله عنه، فقد جاءته رضي الله عنه على قدر في وقتها ومحلها4. وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي رضي الله عنه من وجوه ـ تخل ف عنه من الصحابة جماعة منهم: سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وسواهم من نظرائهم. ـ إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. ـ أن أهل الشام ومعاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه5. وهذه الإعتراضات لَ تأثير لها على الإجماع المذكور، ولَ توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه: 1 سنن أبي داود4 /201.) 2 علي بن أبي طالب للصلابي، ص230. 3 فتح الباري7 /72.) 4 علي بن أبي طالب، للصلابي، ص230 . 5 علي بن أبي طالب للصلابي، ص230.
عدد الصفحات ١٣٨139 الوجه الأول أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحة إذ أن بيعته لم يتخلف عنها أحد، وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره1. وأما ما قاله ابن خلدون: إن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة علي، والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد بن أبي وقاص، فقد نقل بيعته ابن سعد، وابن حيان، والذهبي2 وغيرهم، وكذلك البقية قد بايعوا كما ذكرنا الإجماع في ذلك من حضر من الصحابة في المدينة، على أن ابن خلدون نفسه نقل اتفاق أهل العصر الثاني من بعد الصحابة في المدينة، على انعقاد بيعة علي ولزومها للمسلمين أجمعين، وقد نقلت ما قاله ابن خلدون لأن كثيراً من الكتاب والباحثين اعتمدوا عليه فيما بعد. الوجه الثاني: أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لَبد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل متعذر، فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه3. الوجه الثالث أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة، وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وعمار، ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة، ولَ يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم رضي الله عنهم جم يعاً، قال الحسن البصري: والله ما كانت بيعة علي إلَ كبيعة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم4. 1 التمهيد للباقلاني، ص233 ـ234. 2 الطبقات3 /31) ، علي بن أبي طالب، ص231. 3 علي بن أبي طالب للصلابي، ص231. 4 علي بن أبي طالب للصلابي، ص231.
عدد الصفحات ١٣٩140 الوجه الرابع دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان، هذا لَ يصح في شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم1 بعد ذلك. وأما الروايات التي تزعم أن طلحة والزبير وبعض الصحابة رضوان الله عليهم قد اشترطوا في بيعتهم لعلي إقامة الحدود، فهذا الخبر على ضعف سنده فإن في متنه مقالًَ 2. الوجه الخامس أن معاوية رضي الله عنه لم يقاتل علياً على الخلافة ولم ينكر إمامته، وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان، مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده، ولكنه كان مخطئاً في اجتهاده ذلك فله أجر الَجتهاد فقط 3. وقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع علي رضي الله عنه كان في قتل قتلة عثمان، ولم ينازعه في الخلافة بل كان يقر له بذلك. فعن أبي مسلم الخولَني أنه جاء أناس معه إلى معاوية وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لَ والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنا ابن عمه والطالب بدمه، فأتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياً فكلموه فلم يدفعهم إليه 4. ويروي ابن كثير من طرق ابن ديزيل بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة رضي الله عنهما: أنهما دخلا على معاوية فقالَ له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان وأنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولَ له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام5. 1 المصدر نفسه، ص232. 2 تاريخ الطبري5 /459 ـ460.) 3 علي بن أبي طالب للصلابي، ص232. 4 البداية والنهاية7 /265) لَبن كثير 5 المصدر نفسه (7 /270) لَبن كثير
عدد الصفحات ١٤٠141 والروايات في هذا كثيرة مشهورة بين العلماء1 وهي دالة على عدم منازعة معاوية لعلي رضي الله عنهما في الخلافة، ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها2. يقول إمام الحرمين الجويني إن معاوية وإن قاتل علياً فإنه لَ ينكر إمامته، ولَ يدعيها لنفسه، وإنما يطلب قتلة عثمان ظناً منه أنه مصيب وكان مخطئاً 3. ويقول ابن حجر الهيثمي أن ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من الحروب لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة، للإجماع على أحقيتها لعلي كما مر، فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم، لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي4. وأراد أن تستقر الدولة ثم يقدموا للقضاء، وإنما الشاهد هنا هو إثبات عدم مبايعة معاوية، ليس اعتراضاً على شخص علي، وقد ثبت أنه لم ينازع علياً رضي الله عنه أحد في الخلافة لَ من الذين خالفوه ولَ من غيرهم5. 3ـ شروط أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيعته وخطبته الأولى جاء في بعض الروايات: أن أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه اشترط في بيعته أموراً منها: أن تكون البيعة في ملأ وليس في خفية، وفي المسجد وعن رضا المسلمين وأنه يدير أمرهم كما يراه ويعلمه، فوافقوا وتواعدوا صباح اليوم التالي في المسجد للبيعة6. وكان يوماً حافلاً وحاسماً ، فقد خرج أمير المؤمنين وقد لبس ملابسه كاملة.. ثم بعد الحمد لله والثناء على الله بي ن ل لناس المحاولَت التي بذلت معه وقال: إني كنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلَ أن أكون عليكم ألَ وإنه ليس لي أمر دونكم، ألَ إن مفاتيح مالكم معي، ألَ وإنه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم 7. 1 المصدر نفسه7 /268 ـ270.) 2 علي بن أبي طالب للصلابي، ص233. 3 المصدر نفسه، ص233. 4 علي بن أبي طالب للصلابي، ص233. 5 المصدر نفسه، ص233. 6 تاريخ الطبري5 /448.) 7 علي بن أبي طالب للصلابي، ص234.
عدد الصفحات ١٤١142 ثم قال: يا أيها الناس إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إ من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلَ فلا أجد على أحد، ثم رفع صوته قائلاً: رضيتم؟ قالوا: نعم. قال: اللهم ا شهد عليهم ، وأقبل الناس يبايعونه 1. وبعد أداء البيعة قال أمير المؤمنين: أيها الناس، إنكم بايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي، فإذا بايعتموني فلا خيار لكم علي، وعلى الإمام الَستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة2..الخ 4ـ اختيار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان شورياً إن البيعة للخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم تختلف من حيث مبدأ الشورى عن مثيلتها ا لسابقة بالرغم من الأزمة التي ألمت بالأمة والأحوال المدلهمة والمشكلات المتتابعة ، فلم تتم البيعة على أساس عشائري أو أسري أو قبلي أو على أساس عهد ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وجد شيء من هذا القبيل لما حصل هذا الحوار الطويل، ولما رفض أمير المؤمنين ولكان أول من يطالب بحقه، بينما كان الناس هم الذين يدفعونه إلى البيعة دفعاً ويلحون عليه في الطلب إلحاحاً، وهو يروع منهم متخلصاً لعله يحدث ما يمنعه من ذلك ؛ إلى أن قَ بِ ل على كره منه، ولم يطالبوه بهذا على أساس وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ولو وجدوا شيئاً من ذلك لما ترددوا في تنفيذه ـ ولَ على أساس أنه من عبد المناف، أو لأنه من قريش فحسب، بل لأنه من السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة، ولأنه الثاني بعد عثمان في اختيار الناس لهما عند تطبيق عملية الشورى بعد مقتل عمر بن الخطاب، فكان عبد الرحم ن بن عوف لَ يشير عليه أحد بتنصيب عثمان خليفة بعد عمر إلَ سأله: لو لم يكن عثمان موجوداً فمن تختار؟ فيقول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه3. ثامناً: تولي الحسن بن علي بن أبي طالب الرئاسة 1 ـ بيعةالحسن بن علي رضي الله عنه: 1 تاريخ الطبري5 /449.) 2 علي بن أبي طالب للصلابي، ص234. 3 المصدر نفسه، ص235.
عدد الصفحات ١٤٢143 كانت بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه في شهر رمضان من سنة40هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخارجي عبد الرحم ن بن ملجم المرادي1، وقد اختار الناس الحسن بعد والده، ولم يعين أمير المؤمنين أحداً م ن بعده، فعن عبد الله بن سبع قال: سمعت علياً يقول: لتخضبن هذه من هذا 2، فما ينتظر بي الأشقى3. قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا بما نبير عترته4، قال: إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي قالوا: فاستخلف علينا قال: لَ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه مسلم، قالوا: فما نقول لربك إذا أتيته، (قال وكيع مرة5: إذا لقيته) قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم. وفي رواية: أقول: اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني وتركتك فيهم6. وبعد مقتلعلي صلى عليه الحسن بن علي، وكبَّ ر عليه أربع تكبيرات، ودفن بالكوفة، وكان أول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المُحل ين، فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط: فبايعه وسكت، وبايعه الناس7، وقد اشترط الحسن بن علي على أهل العراق عندما أرادوا بيعته فقال لهم: إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت8. وفي رواية قال لهم: واأبايعكم إلَ على ما أقول لكم قالوا: ما هو؟، قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت9، وفيرواية ابن سعد: أن الحسن بن علي بن أبي طالب 1 الطبقات3 /35 ـ38) تحقيق، د. إحسان عباس 2 مجمع الزوائد9 /139) مسند أحمد2 /325) حسن بغيره 3 مجمع الزوائد9 /139) مسند أحمد2 /325) حسن بغيره 4 نبير عُترته نهلك أقرباءه، لسان العرب (4 /5.) 5 وكيع بن الجراح، ثقة حافظ عابد، التقريب، ص581. 6 الحسن بن علي بن أبي طالب للصلا ب ي ، ص 171. 7 تاريخ الطبري6 /73.) 8 تاريخ الطبري6 /77.) 9 الطبقات تحقيق، د. محمد السلمي1 /286.)
عدد الصفحات ١٤٣144 بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمارة وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به1. ويستفاد من الروايات السابقة ابتداء الحسن رضي الله عنه في التمهيد للصلح فور استخلافه والذي سيأتي تفصيله لَحقاً بإذن الله تعالى، ومن دراستنا لبيعة الحسن نستنبط دروساً وعبراً وفوائد منها: 2 ـ بطلان قضية النص على خلافة الحسن عند حديثنا عن بيعة الحسن رضي الله عنه تبرز أمامنا قضية يروج لها الشيعة الإمامية بقوة ألَ وهي قضية النص على خلافة الحسن رضي الله عنه من قبل والده علي بن أبي طالب رضي الله عنه2، وهذا الأمر يعد من المفتريات على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حيث لم يصح النقل بذلك. إن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لَ تكون إلَ بالنص من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأنها مثلها لطف من الله عز وجل، ولَ يجب أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى، وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه وليس للإمام نفسه حتى تعيين من يأتي بعده. وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك، منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لَ والله ما هو إلَ عهد من رسول الله رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها3، ويعتقد الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص على الأئمة من بعده وعينهم بأسمائهم وهم اثنا عشر إماماً لَ ينقصون ولَ يزيدون: 1ـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه المرتضى توفي سنة40هـ 2ـ الحسن بن علي رضي الله عنه توفي سنة50هـ 3ـ الحسين بن علي الشهيد توفي سنة 61هـ رضي الله عنه 4ـ علي بن الحسين ـ زين العابدين ـ توفي سنة95هـ 1 المصدر نفسه1 /316،317.) 2 الحسن بن علي بن أبي طالب للصلا ب ي، ص 172. 3 الإمامة والنص، فيصل نور، ص8.
عدد الصفحات ١٤٤