113 ولَ أجم ر كم1 ولكم علي أن أسُد ثغوركم وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فا تقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر المعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولَني الله من أمركم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم2. وجاء في رواية إنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده، أما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق3، وفي هذه الروايات لخطبة عمر رضي الله عنه لما ولي الخلافة يتضح منهجه في الحكم الذي لم يحد عنه، وأبرز ملامحه: أ ـ إنه ينظر إلى الخلافة على أنها ابتلاء به سيحاسب على أداء حقه، فالحكم عند الراشدين تكليف وواجب وابتلاء وليس جاهاً وشرفاً واستعلاء. ب ـ وهذا الَستخلاف يتطلب منه أن يباشر حمل أعباء الدولة فيما حضره من أمرها، وأن يولي على الرعية التي غابت عنه أفضل الأمراء وأكفأهم، غير أن ذلك ـ فيما يرى عمر ـ ليس كافياً لإبراء ذمته أمام الله تعالى، بل يرى أن مراقبة هؤلَء العمال والولَة لَ فكاك منه، فمن أحسن منهم زاده إحساناً، ومن أساء عاقبه ونكل به 4. ج ـ إن شدة عمر التي هابها الناس سيخلصها لهم ليناً ورحمة وسينصب لهم ميزان العدل، فمن ظلم وتعدى فلن يجد إلَ التنكيل والهوان "ولست أدع أحداً يظلم أحداً ويتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض.." أما من آثر القصد والدين والعفاف فسيجد من الرحمة ما لَ مزيد عليه: {أضع خديلأهل العفاف}5، واتضح عدل عمر في سيرته مع رعيته من خلال المواقف واهتمامه بمؤسسة القضاء وتطويرها بحيث سيطر العدل على كل ولَيات الدولة. 1 لَ أبقيكم على جبهات القتال بعيداً عن أهليكم مدة طويلة 2 الإدارة العسكرية في عهد الفاروق، فاروق مجدلَوي، ص106. 3 السياسة الشرعية، د. اسماعيل بدوي، ص160. 4 الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، ص: 121. 5 المصدر نفسه، ص121، محض الصواب1 /385.)
عدد الصفحات ١١٣114 د ـ وتكفل الفاروق بالدفاع عن الأمة ودينها وأن يسد الثغور ويدفع الخطر، غير أن ذلك لن يتم بظلم المقاتلين، فلن يحبسهم في الثغور إلى حد لَ يطيقونه وإن غابوا في الجيوش فسيرعى الخليفة وجهازه الإداري أبناءهم وأسرهم1. ولقد قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتطوير المؤسسة العسكرية وأصبحت قوة ضاربة لَ مثيل لها على مستوى العالم في عصره. هـ ـ وتعهد ابن الخطاب رضي الله عنه بأداء الحقوق المالية للرعية كاملة.. من خراج وفيء لَ يحتجن منه شيئاً ولَ يضعه في غير محله، بل سيزيد عطاياهم وأرزاقهم، باستمرار الجهاد والغزو والحض على العمل وضبط الأداء المالي للدولة 2، وقد قام بتطوير المؤسسة المالية وضبط مصادر بيت المال وأوجه الإنفاق في الدولة. و ـ وفي مقابل ذلك يطالب الرعية بأداء واجبها من النصح لرئيسها والسمع والطاعة له والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يشيع الرقابة الإسلامية في المجتمع. ز ـ ونبَّ ه إلى أنه لَ يعين على ذلك إلَ بتقوى الله ومحاسبة النفس واستشعار المسؤولية في الآخرة3. ح ـ وعل ق الشيخ عبد الوهاب النجار على قول عمر رضي الله عنه: إنما مثل العرب كمثل جمل آنف بقوله: الجمل الآنف: هو الجمل الذلول المواتي الذي يأنف من الزجر والضرب ويعطي ما عنده من السير عفواً وسهلاً ، وهذا تشخيص حسن للأمة الإسلامية لعهده، فإنها كانت سامعة مطواعة إذا أمرت ائتمرت ، وإذا نهيت انتهيت ، ويتبع ذلك المسؤولية الكبرى على قائدها، فإنه يجب عليه أن يرتاد لها ويصدر في شأنه بعقل، ويورد بتمييز حتى لَ يورطها في خطر، ولَ يقحمها في مهلكة ولَ يهمل شأنها إهمالًَ يكون من ورائه البطر. قد أراد بالطريق الطريق الأقوم الذي لَ عوج فيه وقد بر بما أقسم به4. 1 عمر بن الخطاب للصلابي، ص84. 2 المصدر نفسه، ص84. 33 الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، ص122. 4 الخلفاء الراشدون، عبد الوهاب النجار، ص85.
عدد الصفحات ١١٤115 ط ـ سُنة الله في الفظاظة والغلظة والرفق: مضت سُ نة الله في أحوال الناس واجتماعهم وفي إقبالهم على الشخص واجتماعهم عليه وقبولهم منه وسماعهم قوله وأنسهم به أن ينفضوا عن الفظ الغليظ القلب حتى ولو كان ناصحاً مريداً للخير لهم حريصاً على ما ينفعهم1، وقد دل على هذا قول الله تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَة مِّنَ اللهِّ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لََنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِّ إِنَّ اللهَّ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (آل عمران، آية : 159.) ولذلك كان دعاء الفاروق لما تولى الخلافة: اللهم إني شديد فلي ني، وقد استجاب الله هذا الدعاء، وامتلأت نفس عمر بالعطف والرحمة واللين وأصبحت من صفاته بعد توليته الخلافة، فقد عرف الناس عمر في عهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شديداً حازماً، وصوره لنا التاريخ على أنه الشخص الوحيد الذي مثل ـ منذ دخل الإسلام حتى تولى الخلافة ـ دور الشدة والقوة بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم وبجانب أبي بكر، حتى آل إليه الأمر انقلب رخاء ويسراً ورحمة 2. ي ـ كانت البيعة العامة في سيرة الخلفاء الراشدين مقيدة بأهل المدينة دون غيرهم، وربما حضرها وعقدها الأعراب والقبائل التي كانت محيطة بالمدينة أو نازلة فيها، أما بقية الأمصار فكانت تبعاً لما يتقرر في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لَ يطعن بالبيعة، ولَ يقلل من شرعيتها، لأن جميع المسلمين من كل الأقطار والأمصار كان أمراً مستحيلاً، ولَبد للدولة من قائم بها، ولَ يمكن أن تعطل مصالح الخلق، أضف إلى ذلك أن الأمصار الأخرى قد أيدت في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان ما جرى في المدينة تأييداً صريحاً أو ضمنياً ولَشك أن ا لأساليب التي لج أ إليها الناس في صدر الإسلام كانت تجارب تصب في حقل تطوير الدولة ومؤسساتها3. 1 السنن الإلهية في الأمم والمجتمعات، عبد الكريم زيدان، ص: 282. 2 الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، ص107. 3 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ص260.
عدد الصفحات ١١٥116 ك ـ رد سبايا العرب: كان أول قرار اتخذه عمر في دولته رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم حيث قال: {كرهت أن يكون السبي سنة في العرب}1. وهذه الخطوة الجريئة ساهمت في شعور العرب جميعاً أنهم أمام شريعة الله سواء، وأنه لَ فضل لقبيلة على قبيلة إلَ بحسن بلائها وما تقدمه من خدمات للإسلام والمسلمين، وتلت تلك الخطوة خطوات أخرى هي السماح لمن ظهرت توبتهم من أهل الردة بالَشتراك في الحروب ضد أعداء الإسلام وقد أثبتوا شجاعة في الحروب وصبراً عند اللقاء ووف اء للدولة لَ يعد له وفاء2. ل ـ تجذر منصب الخلافة في قلب الأمة وأصبح رمزاً للوحدة ولقوة المسلمين، ونلاحظ القدرة الفائقة التي كان يتمتع بها الصحابة الكرام، ومدى الأصالة في أعمالهم بحيث أن ما أقاموه في سويعات قليلة من نفس يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم احتاج هدمه إلى ربع قرن في المخطط البريطاني، رغم أن البريطانيين أنفسهم كانوا يطلقون على الخلافة في تلك الفترة الرجل العجوز، فأي شموخ هذا لتلك الخلافة، وأي رسوخ لها حيث تحتاج لهدمها ـ بعد أن أصبحت شكلاً لَ موضوعاً ـ ربع قرن كامل، وبعد حياة استمرت قروناً من الزمن3. سادساً: تولي عثمان بن عفان رضي الله عنه الرئاسة 1 ـ الفقه العمري في الاستخلاف استمر اهتمام الفاروق عمر رضي الله عنه بوحدة الأمة ومستقبلها حتى اللحظات الأخيرة من حياته، رغم ما كان يعانيه من آلَم جراحاته البالغة، وهي بلا شك لحظات خالدة، تجلى فيها إ يمان الفاروق العميق وإخلاصه وإيثاره 4، وقد استطاع الفاروق في تلك اللحظات الحرجة أن يبتكر طريقة جديدة لم يسبق إليها في اختيار الخليفة الجديد، وكانت دليلاً ملموساً ومعلماً واضحاً على فقهه في سياسة الدولة الإسلامية، لقد مضى قبله 1 الخلافة والخلفاء الراشدون، سالم البهنساوي، ص160. 2 جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين، د. محمد الوكيل، ص89. 3 الحضارة الإسلامية، د. محمد عادل، ص30. 4 الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني، ص161.
عدد الصفحات ١١٦117 الرسول صلى الله عليه وسلم ولميستخلف بعده أحداً بنص صريح، ولقد مضى أبوبكر الص دِّيق واستخلف الفاروق بعد مشاورة كبار الصحابة، ولما طُلب من الفاروق أن يستخلف وهو على فراش الموت، فكر في الأمر ملياً وقرر أن يسلك مسلكاً آخر يتناسب مع المقام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الناس وكلهم مِق ر بأفضلية أبي بكر وأسبقيته عليهم، فاحتمال الخلاف كان نادراً وخصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه الأمة قولًَ وفعلاً إلى أن أبا بكر أولى بالأمر من بعده، والصديق لما استخلف عمر كان يعلم أن عند الصحابة أجمعين قناعة بأن عمر أقوى وأفضل من يحمل المسؤولية بعده، فاستخلفه بعد مشاورة كبار الصحابة ولم يخالف رأيه أحد منهم، وحصل الإجماع على بيعة عمر1، وأما طريقة انتخاب الخليفة الجديد فتعتمد على جعل الشورى في عدد محصور، وقد حصر ستة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلحون لتولي الأمر، ولو أنهم يتفاوتون، وحدد لهم طريقة الَنتخاب ومدته وعدد الأ صوات الكافية لَنتخاب الخليفة، وعدد الحكم في المجلس والمرجح إن تعادلت الأصوات، وأمر مجموعة من جنود الله لمراقبة سير الَنتخابات في المجلس وعقاب من يخالف أمر الجماعة، ومنع الفوضى بحيث لَ يسمحون لأحد يدخل أو يسمع ما يدور في مجلس أهل الحل والعقد2. وهذا بيان ما أجمل في الفقرات السابقة أ ـ العدد الذي حدده للشورى وأسماؤهم: أما العدد فهو ستة وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحم ن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعاً، وترك سعيد بن زيد وهو من العشرة المبشرين بالجنة ولعله تركه لأنه من قبيلته بني عدي3، وكان عمر رضي الله عنه حريصاً على إبعاد الإمارة عن أقاربه، مع أن فيهم من هو أهل لها، فهو يبعد قريبه سعيد بن زيد عن قائمة المرشحين للخلافة4. 1 أولويات الفاروق، د. غالب عبد الكافي القرشي، ص122. 2 أولويات الفاروق، د. غالب القرشي، ص124. 3 البداية والنهاية4 /142.) 4 الخلفاء الراشدون للخالدي، ص98.
عدد الصفحات ١١٧118 ب ـ طريقة اختيار الخليفة أمرهم أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاور وا، وفيهم عبد الله بن عمر يحضر معهم مشيراً فقط، وليس له من الأمر شيء، ويصلي بالناس أثناء التشاور صهيب الرومي وقال له: أنت أمير الصلاة في هذه الأيام الثلاثة حتى لَ يولي إمامة الصلاة أحداً من الستة فيصبح هذا ترشيحاً من عمر له بالخلافة 1، وأمر المقداد بن الأسود وأبا طلحة الأنصاري أن يراقبا سير الَنتخابات2. ج ـ مدة الانتخابات أو المشاورة حدَّ دها الفاروق رضي الله عنه بثلاثة أيام،وهي فترة كافية وإن زادوا عليها فمعنى ذلك أن شقة الخلاف ستتسع، ولذلك قال لهم: لَ يأتي اليوم الرابع إلَ وعليكم أمير3. د ـ عدد الأصوات الكافية لاختيار الخليفة: أخرج ابن سعد بإسناد رجال ثقات: أن عمر رضي الله عنه قال لصهيب: صلِّ بالناس ثلاثاً وليخل هؤلَء الرهط في بيت فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالفهم فاضربوا رأسه4. فعمر رضي الله عنه أمر بقتل من يريد أن يخالف هؤلَء الرهط ويشق عصا المسلمين ويفرق بينهم بقوله صلى الله عليه وسلم: {من أتاكم وأمركم جمع على رجل منكم، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فأقتلوه}5. وما جاء في كتب التاريخ من أن عمر رضي الله عنه أمرهم بالَجتماع والتشاور، وحدد لهم أنه إذا اجتمع خمسة منهم على رجل وأبى أحدهم، فليضرب رأسه بالسيف، وإن اجتمع أربعة ورضوا رجلاً منهم، وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما6، فهذه من الروايات التي لَ تصح لَ سنداً فهي من الغرا ئب التي ساقها أبو مخنف ـ الإمامي الشيعي ـ مخالفاً فيها النصوص الصحيحة، وما عرف من سير الصحابة رضي الله عنهم، فما ذكر أبو 1 الخلافة والخلفاء الراشدون للبهنساوي، ص213. 2 عثمان بن عفان للصلابي، ص58. 3 الطبقات لَبن سعد3 /364.) 4 صحيح مسلم3 /1480.) 5 صحيح مسلم3 /1480.) 6 تاريخ الطبري5 /226.)
عدد الصفحات ١١٨119 مخنف من قول عمر لصهيب: وقم على رؤوسهم ـ أي أهل الشورى ـ فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشرخ رأ سه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما1. فهذا قول منكر، وكيف يقول عمر رضي الله عنه هذا وهو يعلم أنهم من الصفوة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي اختارهم لهذا الأمر لعلمه بفضلهم وقدرهم2، وقد ورد عن ابن سعد أن عمر قال للأنصار أدخلوهم بيتاً ثلاثة أيام، فإن استقاموا وإلَ فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم 3، وهذه الرواية منقطعة وفي إسنادها "سماك بن حرب" وهو ضعيف وقد تغير بآخره4. هـ ـ الحكم في حال الإختلاف: لقد أوصى بأن يحضر عبد الله بن عمر معهم في المجلس وأن ليس له من الأمر شيء، ولكن قال لهم: فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم، وثلاثة رجلاً منهم، فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له، فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحم ن بن عوف، ووصف عبد الرحم ن بأنه مسدد رشيد، فقال عنه: ونعم ذو الرأي عبد الرحم ن بن عوف مسدد رشيد، له من الله حافظ فاسمعوا له5. و ـ جماعة من جنود الله تراقب الاختيار وتمنع الفوضى: طلب عمر أبا طلحة الأنصاري وقال له: يا أبا طلحة إن الله عز وجل أعز الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار، فاستحث هؤلَء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم 6. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلَء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم 7. 1 المصدر نفسه 2 مرويات أبي مخنف، يحيى اليحيى، ص176. 3 الطبقات لَبن سعد3 /342.) 4 مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري، ص176. 5 تاريخ الطبري5 /225.) 6 المصدر نفسه5 /225.) 7 المصدر نفسه5 /225.)
عدد الصفحات ١١٩120 ز ـ جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل: ومن فوائد قصة الشورى: جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل، لأن عمر جعل الشورى في ستة أنفس مع علمه أن بعضهم كان أفضل من بعض، ويؤخذ هذا من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد، حيث كان لَ يراعي الفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فاستخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة1. ح ـ جمع عمر بين التعيين وعدمه: جمع عمر بين التعيين كما فعل أبو بكر ـ أي تعيين المرشح ـ وبين عدم التعيين كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فعين ستة وطلب منهم التشاور في الأمر2. ط ـ الشورى ليست بين الستة فقط: عرف عمر أن الشورى لن تكون بين الستة فقط، وإنما ستكون في أخذ رأي الناس في المدينة، فيمن يتولى الخلافة، حيث جعل لهم أمد ثلاثة أيام، فيمكنهم من المشاورة والمناظرة لتقع ولَية من يتولى بعده عن اتفاق من معظم الموجودين حينئذ ببلده التي هي دار الهجرة، وبها معظم الصحابة وكل من كان ساكناً في بلد غيرها كان تبعاً لهم فيما يتفقون عليه، فما زالت المدينة حتى سنة 23هـ مجمع الصحابة، بل لأن كبار الصحابة فيها، حيث استبقاهم عمر بجانبه، ولم يأذن لهم بالهجرة إلى الأقاليم المفتوحة3. ي ـ أهل الشورى أعلى هيئة سياسية: إن عمر رضي الله عنه أناط بأهل الشورى وحدهم اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحداً من الصحابة الآخرين لم يثر أي اعتراض عليه، ذلك مما تدل عليه النصوص التي بين أيدينا، فنحن لَ نعلم أن اقتراحاً آخر قد صدر عن أحد من الناس في ذلك العصر، أو أن 1 عمر بن الخطاب للصلابي، ص61. 2 المصدر نفسه، ص61. 3 المصدر نفسه، ص61.
عدد الصفحات ١٢٠121 معارضة ثارت حول أمر عمر خلال الساعات الأخيرة من حياته أو بعد وفاته، وإنما رضي الناس كافة هذا التدبير ورأوا فيه مصلحة لجماعة المسلمين، وفي وسعنا أن نقول إن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا، مهمتها انتخاب رئيس الدولة، أ و الخليفة، وهو التنظيم الدستوري الجديد الذي أبدعته عبقرية عمر لَ يتعارض مع المبادىء الأساسية التي أقرَّها الإسلام، ولَ سيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة للبيعة العامة التي تجري في المسجد الجامع، وعلى هذا لَ يتوجه السؤال الذي قد يرد على بعض الأذهان وهو: من أعطى عمر هذا الحق؟ وما هو مستند عمر في هذا التدبير؟ ويكفي أن نعلم أن جماعة من المسلمين قد أفرزت هذا التدبير، ورضيت به، ولم يسمع صوت اعتراض عليه، حتى نتأكد أن الإجماع ـ هو من مصادر التشريع ـ قد انعقد على صحته ونفاذه1. ولا ننسى أن عمر خليفة راشد، كما ينبغي أن نؤكد على أن هذا المبدأ ـ أهل الشورى أعلى هيئة سياسية ـ قد أقرَّ ه نظام الحكم في الإسلام في العهد الراشدي، كما أن الهيئة التي سمَّاها عمر، تمتعت بمزايا لم يتمتع بها غيرها من جماعة المسلمين، وهذه المزايا منحت لها من الله، وبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن عند المؤمنين أن يبلغ أحد من المسلمين مبلغ هؤلَء العشرة من التقوى والأمانة2. هكذا ختم عمر رضي الله عنه حياته، ولم يشغله ما نزل به من البلاء ولَ سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين وأرسى نظاماً صالحاً للشورى لم يسبقه إليه أحد، ولَ يشك في أن أصل الشورى مقرر في القرآن الكريم السنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل، ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة، وحصر عدد معين جعلها فيهم، وهذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولَ الص دِّيق رضي الله عنه، بل أول من فعل ذلك عمر، ونعم ما فعل فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت3. 1 نظام الحاكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي1 /227 ،228.) 2 المصدر نفسه1 /228.) 3 المصدر نفسه1 /229.)
عدد الصفحات ١٢١122 2 ـ وصية عمر رضي الله عنه للخليفة الذي بعده أوصى الفاروق عمر رضي الله عنه الخليفة الذي سيخلفه في قيادة الأمة بوصية مهمة قال فيها: أوصيك بتقوى الله وحده لَ شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيراً أن تعرف لهم س ابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيراً فا قبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم وأوصيك بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء العدو، وجباة الفيء، لَ تحمل منهم إلَ عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيراً، فإنهم أصل العرب ومادة الإ سلام، أن تأخذ من حواشي أموالهم فتردها على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمة خيراً، أن تقاتل من وراءهم ولَ تكلفهم فوق طاقتهم إذا أد وا ما عليهم للمؤمنين طوعاً، أو عن يد وهم صاغرون، وأوصيك بتقوى الله، والحذر منه، ومخافة مقته أن يطلع منك على ريبة، وأوصيك أن تخشى الله في الناس، ولَ تخشى الناس في الله، وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورك، ولَ تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن في ذلك بإذن الله سلامة لقلبك، وحطاً لوزرك، وخيراً في عاقبة أمرك حتى تفضي في ذلك إلى من يعرف سريرتك ويحول بينك وبين قلبك، وآمرك أن تشتد في أمر الله، وفي حدوده ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم، ثم لَ تأخذك في أحد الرأفة، حتى تنتهك منه مثل جرمه، واجعل الناس عندك سواء، لَ تبال على من وجب الحق، ولَ تأخذك في الله لومة لَئم، وإياك والمحاباة فيما ولَك الله مما أفاء على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك، وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة، فإن اقترفت لدنياك عدلًَ وعفة عم ا بسط لك اقترفت به إيماناً ورضواناً، وإن غلبك الهوى، اقترفت به غضب الله، وأوصيك ألَ ترخص لنفسك ولَ لغيرك في ظلم أهل الذمة، وقد أوصيتك وخصصتك ونصحتك، فابتغ بذلك وجه الله والدار الآخرة، واخترت من دلَلتك ما كانت دالًَ عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك وا نتهيت إلى الذي أمرتك أخذت منه نصيباً وافراً وحظاً وافياً، وإن ل م تقبل ذلك ولم يهمك ولم تترك معاظم الأمور عند الذي يرضى به الله عنك، يكن ذلك بك انتقاصاً ، ورأيك فيه مدخولًَ، لأن الأهواء مشتركة ور أس الخطيئة إبليس: داع إلى كل مهلكة، وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار وبئس
عدد الصفحات ١٢٢123 الورد المورود، وبئس الثمن أن يكون حظ امرىء موالَة لعدو الله الداعي إلى معاصيه، ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات، وكن واعظاً لنفسك، و أناشدك الله إلَ ترحمت على جماعة المسلمين، وأجللت كبيرهم ورحمت صغيرهم وو قرت عالمهم، ولَ تضرُّ بهم فيذلوا ولَ تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم، ولَ تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم، ولَ تجمرهم في البعوث فيقطع نسلهم، ولَ يجعل المال دولة بين الأغنياء منهم، ولَ تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم. هذه وصيتي إليك، وأشهد الله عليك، وأقرأ عليك السلام1. وهذه الوصية تدل على بعد نظر عمر في مسائل الحكم والإدارة ، وتفصح عن نهج ونظام حكم وإدارة متكامل، فقد تضمنت الوصية أموراً غاية في الأهمية، فحق أن تكون وثيقة نفيسة، لما احتوته من قواعد ومباد ىء أساسية للحكم متكاملة الجوانب الدينية والسياسية والعسكرية والَقتصادية والَجتماعية، يأتي في مقدمتها: أ ـ الحرص على تقوى الله وخشيته: ـ الوصية بالحرص الشديد على تقوى الله والخشية منه في السر والعلن، في القول والعمل، لأن من اتقى الله وقاه، ومن خشيه صانه وحماه، "أوصيك بتقوى الله وحده لَ شريك له" "وأوصيك بتقوى الله والحذر منه.. وأصيك أن تخشى الله". ـ إقامة حدود الله على القريب والبعيد "لَ تبال على من وجب الحق" "ولَ تأخذك في الله لومة لَئم"، لأن حدود الله نصت عليها الشريعة فهي من الدين، لأن الشريعة حجة على الناس وأعمالهم وأفعالهم تقاس بمقتضاها، وأن التغافل عنها إفساد للدين وللمجتمع. ـ الَستقامة "استقم كما أمرت"، وهي من الضرورات الدينية والدنيوية التي يجب على الحاكم التحلي بها قولًَ وعملاً أولًَ ثم الرعية، "ك ن واعظاً لنفسك"، "وابتغ بذلك وجه الله والدار الآخرة". ب ـ الناحية السياسية وتضمنت: 1 الطبقات لَبن سعد3 /339)، البيان والتبيين للجاحظ2 /46)، عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص 171 ،172.
عدد الصفحات ١٢٣124 ـ الَلتزام بالعدل، لأنه أساس الحكم، ولأن إقامته بين الرعية تحقق للحكم قوة وهيبة ومتانة سياسية واجتماعية، وتزيد من هيبة واحترام الحاكم في نفوس الناس "وأوصيك بالعدل"، "واجعل الناس عندك سواء". ـ العناية بالمسلمين الأوائل من المهاجرين والأنصار لسابقتهم في الإسلام، ولأن العقيدة وما أفرزته من نظام سياسي قام على أكتافهم فهم أهله وحملته وحماته، "أوصيك بالمهاجرين الأولين خيراً، أن تعرف لهم سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيراً، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم". جـ ـ الناحية العسكرية وتضمنت: ـ الَهتمام بالجيش وإعداده إعداداً يتناسب وعظم ال مسؤولية الملقاة على عاتقه لضمان أمن الدولة وسلامتها والعناية بسد حاجات المقاتلين "التفرغ لحوائجهم وثغورهم". ـ تجنب إبقاء المقاتلين لمدة طويلة في الثغور بعيداً عن عوائلهم وتلافياً لما قد يسببه ذلك من ملل وقلق وهبوط في المعنويات، فمن الضروري منحهم إجازات معلومة في أوقات معلومة يستريحون فيها ويجددون نشاطهم خلالها من جهة، ويعودون إلى عوائلهم لكي لَ ينقطع نسلهم من جهة ثانية، "ولَ تجمرهم في الثغور فينقطع نسلهم"، "وأوصيك بأهل الأمصار خيراً فإنهم ردء العدو". ـ إعطاء كل مقاتل ما يستحقه من فيء وعطاء، وذلك لضمان مورد ثابت له ولعائلته يدفعه إلى الجهاد، ويصرف عنه التفكير في شؤونه المالية، "ولَ تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم، ولَ تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم". د ـ الناحية الاقتصادية والمالية وتضمنت: ـ العناية بتوزيع الأمو ال بين ال ناس بالعدل والقسطاس المستقيم، وتلافي كل من شأنه تجميع الأموال عند طبقة منهم دون أخرى، "ولَ تجعل الأموال دولة بين الأغنياء منهم". ـ عدم تكليف أهل الذمة فوق طاقتهم إن هم أدوا ما عليهم من التزامات مالية للدولة، "ولَ تكلفهم فوق طاقتهم إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين".
عدد الصفحات ١٢٤125 ـ ضمان الحقوق المالية للناس وعدم التفريط بها، وتجنب فرض ما لَ طاقة لهم به، "ولَ تحمل منهم إلَ على فضل منهم"، "أن تأخذ حواشي أموالهم وتردها على فقرائهم"1. هـ ـ الناحية الاجتماعية وتضمنت: ـ الَهتمام بالرعية والعمل على تفقد أمورهم وسد احتياجاتهم وإعطاء حقوقهم من فيء وعطاء، "ولَ تحرمهم عطاياهم عند محلها". ـ اجتناب الأ ثــرة وا لمحاباة واتبـاع الهـوى، لمـا فيـه ا مـن أخطار تقود إلى انحراف الراعي، وتؤدي إلى فساد المجتمع واضطراب علاقاته الإنسانية، "وإياك والأ ثرة والمحاباة فيما ولَك الله"، "ولَ تؤثر غنيهم على فقيرهم". ـ احترام الرعية وتوقيرها والتواضع لها صغيرها وكبيرها، لما في ذلك من سمو في العلاقات الَجتماعية، تؤدي إلى زيادة تلاحم الرعية بقائدها وحبها له، "وأناشدك الله إلَ ترحمت على جماعة المسلمين، وأجللت كبيرهم ورحمت صغيرهم ووقرت عالمهم". ـ الَنفتاح على الرعية، وذلك بسماع شكواهم وإنصاف بعضهم من بعض، وبعك سه تضطرب العلاقات بينهم ويعم الَرتباك في المجتمع، "ولَ تغلق بابك دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم". ـ اتباع الحق والحرص على تحقيقه في المجتمع وفي كل الظروف والأحوال، لكونه ضرورة اجتماعية لَبد من تحقيقها بين الناس، "ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات"، "واجعل الناس عندك سواء، لَ تبال على من وجب الحق". ـ اجتناب الظن بكل صوره وأشكاله، خاصة مع أهل الذمة، لأن العدل مطلوب إقامته بين جميع رعايا الدولة مسلمين وذميين، لينعم الجميع بعدل الإسلام، "وأوصيك ألَ ترخص لنفسك ولَ لغيرك في ظلم أهل الذمة". ـ الَهتمام بأهل البادية ورعايتهم والعناية بهم، "وأوصيك بأهل البادية خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام"2. 1 الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب للعاني، ص: 174 ،176. 2 الخليفة الفاروق للعاني، ص173 ،175.
عدد الصفحات ١٢٥126 ـ وكان من ضمن وصية عمر لمن بعده: ألَ يقر لي عامل أكثر من سنة، وأقر الأشعري أربع سنين1. 3 ـ منهج عبد الرحمٰن بن عوف رضي الله عنه في إدارة الشورى: أ ـ اجتماع الرهط للمشاورة: لم يكن يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الَجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، وقيل إنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس، ليقضوا في أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين ـ بعد وفاة عمر ـ وقد تكلم القوم وبسطوا آرا ءهم واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين2. ب ـ عبدالرحمٰن يدعو إلى التنازل: عندما اجتمع أهل الشورى قال لهم عبد الرحم ن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي 3، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد جعلت أمري إلى عبد الرحم ن بن عوف، وأصبح المرشحون الثلاثة: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحم ن بن عوف. فقال عبد الرحم ن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسك ت الشيخان، فقال عبد الرحم ن بن عوف: أفتجعلونه إلي أن لَ آلو عن أفضلكما ، قالَ: نعم4. جـ ـ تفويض ابن عوف بإدارة عملية الشورى بدأ عبد الرحم ن بن عوف رضي الله عنه اتصالَته ومشاوراته فور انتهاء اجتماع المرشحين الستة صباح يوم الأحد، واستمرت مشاوراته واتصالَته ثلاثة أيام كاملة، حتى فجر يوم الأربعاء الرابع من محرم، وهو موعد انتهاء المهلة التي حددها لهم عمر، وبدأ 1 عصر الخلافة الراشدة، أكرم العمري، ص102. 2 عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص62 ،63. 3 صحيح البخاري، ك، رقم3700. 4 صحيح البخاري، ك فضائل أصحاب النبي، رقم3700.
عدد الصفحات ١٢٦127 عبدالرحم ن بعلي بن أبي طالب، فقال له: إن لم أبايعك فأشر عليَّ ، فمن تُ رشح للخلافة؟ قال علي: عثمان بن عفان، وذهب عبد الرحم ن إلى عثمان وقال له: إن لم أبايعك، فمن ترشح للخلافة؟ فقال عثمان: علي بن أبي طالب.. وذهب ابن عوف بعد ذلك إلى الصحابة الآخرين واستشارهم، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة من كبار الصحابة وأشرفهم ومن أمراء الأجناد، ومن يأتي للمدينة وشملت مشاورته النساء في خدورهن، وقد أبدين رأيهن، كما شملت الصبيان والعبيد في المدينة، وكانت نتيجة مشاورات عبد الرحم ن بن عوف، أن معظم المسلمين كانوا يشيرون بعثمان بن عفان ومنهم من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما . وفي منتصف ليلة الأربعاء ذهب عبد الرحم ن بن عوف إلى بيت ابن أخته المسور بن مخرمة، فطرق البيت فوجد المسور نائماً 1، فضرب الباب حتى استيقظ فقال: أراك نائماً فوالله ما اكتحلت هذه الل يلة بكث ير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له: فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى ابْ هارَّ 2 الليل، ثم قام علي من عنده.. ثم قال: أدع لي عثمان، فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح3. د ـ الاتفاق على بيعة عثمان: وبعد صلاة صبح يوم البيعة "اليوم الأخير من شهر ذي الحجة 23هـ6 نوفبر644م)" وكان صهيب الرومي الإمام، إذ أقبل عبد الرحم ن بن عوف، وقد اعتم بالعمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر، أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار وأ مراء الأجناد منهم: معاوية أمير الشام، وعمير بن سعد أمير حمص، وعمرو بن العاص أمير مصر، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر وصاحبوه إلى المدينة4. 1 الخلفاء الراشدون للخالدي، ص106 ،107. 2 ابهار : أي انتصف 3 صحيح البخاري، ك الأحكام، رقم7207. 4 شهيد الدار عثمان بن عفان، أحمد الخروف، ص37.
عدد الصفحات ١٢٧128 وجاء في رواية البخاري: .. فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأ نصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحم ن ثم قال: أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سيلاً فقال: 1 أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحم ن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون2. وجاء في رواية صاحب التمهيد والبيان: أن علي بن أبي طالب أول من بايع بعد عبد الرحم ن بن عوف3. هـ ـ حكمة عبد الرحمٰن بن عوف في تنفيذ خطة الشورى: نفذ عبد الرحم ن خطة الشورى بما دَ لَّ على شرف عقله، ونبل نفسه وإيثار مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة ونفعه الفردي، وترك عن طواعية ورضا أعظم منصب يطمع إليه إنسان في الدنيا، ليجمع كلمة المسلمين، وحقق أول مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يجلس على عرش الخلافة ويسوس أمور المسلمين، فهو قد اصطنع من الأناة والصبر والحزم وحسن التدبير ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى، وقد كانت الخطوات التي اتخذها كالآتي: ـ بسط برنامجه في أول جلسة عقدها مجلس الشورى في دائرة الزمن الذي حدده لهم عمر، وبذلك أمكنه أن يحمل جميع أعضاء مجلس الشورى على أن يُدلوا برأيهم، فعرف مذهب كل واحد منهم ومرماه، فسار في طريقه على بينة من أمره. ـ خلع نفسه وتنازل عن حقه في الخلافة ليدفع الظنون ويستمسك بعروة الثقة الوثقى. ـ أخذ في تعرف نهاية ما يصبو إليه كل واحد من أصحابه وشركائه في الشورى، فلم يزل يقلب وجوه الرأي معهم حتى انتهى إلى شبه انتخاب جزئي، فاز فيه عثمان برأي 1 قوله فقال أي: عبد الرحم ن مخاطباً عثمان 2 عثمان بن عفان للصلابي، ص69. 3 عثمان بن عفان للصلابي ص69.
عدد الصفحات ١٢٨