المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التداول على السلطة التنفيذية

علي محمد الصلابي

صفحة ٧ من ١٥

97 إن عقد الرئاسة من العقود الرضائية، يصح بما يصح به العقود، ويبطل بما تبطل به، وطرفا العقد هما الرئيس والشعب، ولكل منهما حقوق وواجبات مقررة من قبل الشرع ولَ يوجد ما يمنع أن يعرض أحد الأطراف شروطاً أخرى بشرط ألَ تخالف النظام العام الإسلامي1. فالعاقدين يمكنهم أن يحددوا نطاق عقدهم فيما لَ يحل حراماً أو يحرم حلالًَ، ويجوز للمواطنين أن يشترطوا فترة محددة للبيعة، فهذا لَ يخالف الشريعة الإسلامية نصً ا أو روحاً، فالأصل في الأشياء الإباحة إلَ أن يأتي دليل شرعي يحرمه 2، ويجدر بنا أن نذكر أنه إذا وضع المسلمون شرط توقيت فترة الرئاسة وقَ بِل الرئيس هذا الشرط وتم تنصيبه على هذا الأساس، فعليه الَلتزام به مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِّ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلََ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَّ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَّ يَعْلَمُ مَا تَفْ عَلُونَ ﴾ (النحل ، آية : 91.) ـ وقال تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لََ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهَِّ أَن تَقُولُوا مَا لََ تَفْعَلُونَ ﴾ (الصف ، آية : 2 ،3.) ـ وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِّ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُّ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُم سُوءُ الدَّارِ ﴾ (الرعد ، آية : 25.) ـ وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له»3. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»1. 1 النظام الحزبي في ضوء أحكام الشريعة، صباح مصطفى، ص180. 2 المصدر نفسه، ص181. 3 مسند أحمد3 /154.)

عدد الصفحات ٩٧

98 ب ـ وهذا الشرط يحقق مقاصد الشريعة ومصلحة المسلمين، حيث أنه سيسمح لهم بالآتي: ـ بإمكانية تبادل السلطة في المجتمع الإسلامي بالطرق السلمية، مما يتفادى معه الثورات وحركات الخروج المسلح التي كان لها أسوأ الأثر على الشعوب. ـ إن تطبيق هذا الشرط يمنح فرصة للشعب للقيام برقابة شعبية متجددة على رئيس الدولة، كما تسمح لهم بإبعاده عن السلطة واستبداله بالأصلح إذا حاد عن الطريق الذي يرتضيه للشعب. ـ إن تحديد فترة زمنية للرئاسة يعتبر دافعاً للرئاسة لأجل معلوم، فيكون بذلك حافزاً له، فلا يستكين بأن مدة رئاسته وأعماله محسوبة وذلك بخلاف من يتولى الحكم مدى الحياة. ـ إن تحديد مدة عقد الرئاسة يعطي للأمة الإسلامية الفرصة لَختيار الرئيس الأنسب لظروف وحاجات المجتمع في كل فترة من الفترات التي تمر بها الشعوب، ولتوضيح ذلك نقول: إن الولَية لها ركنان (القوة والأمانة)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص ، آية : 26). ولماكان اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، فعلى المؤمنين اختيار الأصلح من حيث وقائع الظروف المعاصرة، فإذا كان يهددهم عدو جبار فليختار في هذه الفترة المرشح الأعظم قوة ومهابة عند الأعداء من الأعظم أمانة، وبذلك تعطى فترة الرئاسة المحددة للمواطنين القدرة على اختيار الرئيس الذي يحقق لهم نفعاً أكثر ومصلحة أكثر في وقت بعينه 2. جـ ـ العلماء القائلون بتحديد مدة الرئاسة ـ قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: هناك سؤال آخر: هل من جوهر نظام الخلافة نفسه أن يكون منصب الخلافة لمدى الحياة، أو غير محددة المدة؟ وأن الموت وحده إذا لم يتوافر أي من الأسباب الأخرى هو الذي ينهي ولَية الخلافة؟ وبعبارة أخرى هي يمكن 1 رياض الصالحين للنووي، باب الوفاء بالعهد، ص: 294. 2 النظام الحزبي في ضوء أحكام الشريعة، ص184.

عدد الصفحات ٩٨

99 أن يعين الرئيس لمدة محددة معينة وأن تنتهي ولَيته تلقائياً بحكم القانون عن د انتهاء هذه الفترة؟ وللسؤال أيضاً أهمية فيما يتعلق بشرعية النظم الجمهورية من وجهة نظر الفقه الإسلامي.. ورغم أن مثل هذه الحالة لم تواجه من قبل نظري اً أو عملياً في التاريخ الإسلامي، ورغم أن المفهوم التقليدي للخلافة أن تنصيب الخليفة يكون لمدى الحياة، ولكنه لَ يوجد حسب رأينا في مبادىء الفقه الإسلامي أي مانع من تحديد مدة الولَية1. ـ قال توفيق الشاوي: الذي اعتبر أن الخلافة عقد بيع حر، فتستمر الخلافة مدى الحياة إذا لم يتضمن العقد تحديداً لمدة الولَية، وإلَ فإنه يمكن أن يتضمن العقد شروطاً على سلطة الحاكم بتحديد مدة ولَيته2. ـ قال القرضاوي بجواز التحديد، ومحمد أسد وهو يرى أنه لَ ضير أن تكون مدة الإمارة محدودة بزمن معين طالما أن الشريعة لم تنص على هذه المسألة بشيء3. وقال القرضاوي: أما الَحتجاج بالإجماع العملي من المسلمين على عدم تأقيت مدة الأمير، ففي هذا الَحتجاج شيء من المغالطة، فالإجماع الذي حصل يفيد شرعية استمرار مدة الأمير مدى الحياة.. أما الأمر الآخر وهو التحديد أو التأقيت فلم يبحثوا فيه، بل هو مسكوت عنه، وقد قالوا: لَ ينسب إلى ساكت قول4. ـ وقال الأستاذ محمود المرداويومما لَ شك فيه أن بيعة المسلمين لخلفائهم لم يشترط فيها تحديد زمني لمدة خلافة كل منهم، ولكن عدم اشتراطهم ذلك لَ يعني حرمة الَشتراط، فليس ثمة نصوص صريحة توجب أن يكون الخليفة في منصبه إلى وفاته، ولئن اعتبر ذلك إجماعاً من الصحابة، فإن فعل الصحابي غير ملزم من جهة، ومن جهة أخرى فإجماع الأمة على أمر في زمن يلغيه إجماع آخر في زمن آخر إن كانت مصلحة الأمة في ذلك. 1 فقه الخلافة وتطورها للسنهوري، ص195 ،196. 2 الَجتهاد الفقهي المعاصر، ص319. 3 الَجتهاد الفقهي المعاصر، ص319. 4 من فقه الدولة في الإسلام، ص84.

عدد الصفحات ٩٩

100 ومما لَ شك فيه أن النظم الغربية والديمقراطية الغربية على سبيل التحديد أكيس النظم المعمول بها الآن من حيث ضبطها للحاكم وتقييدها لهم، فلا يقدر على ظلم أو جور، فإن ظلم في شيء فما أسهل أن يعزل بعد محاكمته، وإن أساء أو أخطأ فما أسهل ألَ يعاد انتخابه مرة أخرى، وحقاً أنها من فضائل الروم أنهم أمنع الناس من ظلم الملوك 1. وروى مسلم في صحيحه قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقوم الساعة والرّ وم أكثر الناس»، فقال لهعمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لئن قلت ذلك أن فيهم لخصالًَ أربعاً : أنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك2. فمنعة الأمة أي أمة من ظلم الملوك أمر استحسنه السلف حتى الملوك أنفسهم، ولَ تكون المنعة في الشعب بالفطرة، ولكنها بالنظم التي تصطلح عليها الشعوب وتقيد حكامها بها، وتلزمهم بممارستها، فيحكمون الشعوب بموجب منهج وضعته لهم، فليس لهم أن يخالفوه ولعل ذلك هو مفهوم حكم الشعب بالشعب. وإن من خصائص هذا الحكم تحديد فترة حكم الحاكم بسنوات معينة متفق على تحديدها، مما يجعل الرئيس مقيداً بمراقبة الشعب له، وبرغبته في إرضاء الشعب ليعاد انتخابه فترة أخرى مدفوعاً بإحساسه بكرامته وحسن سمعته وسمعة الحزب الذي رشحه وأوصله إلى هذا المنصب3. ـ وقال ضياء الريس إن الإمام يبقى ما بقي صالحاً، ثم إذا تغير يجب أن يزال ويبايع غيره، وهذا شيء غير التحديد الزمني، على أننا نقول أيضاً إنه ما دام علماء الإسلام قد قرروا أن الإمامة أو الدولة تقام بمقتضى عقد وقرروا حرية التعاقد، فقياساً على ما ساقوا من حديث بالنسبة لعقود أخرى يكون من حق طرفي العقد أن يضيفا من الشروط ما 1 الخلافة بين التنظير والتطبيق، ص323. 2 صحيح مسلم، كتاب: الفتن4 /35.) 3 الخلافة بين التنظير والتطبيق، ص324.

عدد الصفحات ١٠٠

101 يريانه ملائماً، ما دامت الشروط لَ تتنافى مع طبيعة العقد وما دامت تحقق المصلحة العامة، وبناء على ذلك لَ يكون هناك مانع من أن تشترط الأمة أن يكون العقد محدداً بأجل زمني قابل للتجديد أو غير قابل1. د ـ كيف تحدد مدة الرئاسة؟ تكلم المجوزون لتحديد الرئاسة عن كيفية هذا التحديد ومدته فقالوا إن مدة الرئاسة ينبغي أن لَ يكون هناك إفراط في طولها أو في قصرها حتى لَ تكون مدعاة لإثارة الفتن والقلاقل، وتم تحديدها بين خمس إلى عشر سنوات 2، وكذلك اختار حسن الترابي أن تحدد مدة الولَية بأجل مسمى وألَ يقصر الأجل فيؤدي ذلك إلى الَضطراب في سياسة البلاد، وأن لَ تطول ليمهل الرئيس للآخرين مجال التداول على السلطة والَستفادة من خبراتهم التي تحتاجها الأمة، والأفضل أن يتوسط الأجل سنوات معدودة نحو عشر سنوات تقريباً قياساً على إمارة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجارة موسى عند شعيب عليهما السلام3، فالمطلوب وجود تباعد زمني ما بين تجديد الولَيتين لأن تقارب المدة تحصل منه مفاسد كبيرة4. إن نصوص القرآن والسنة ليس فيها ما يدل على منع التحديد أو على أن الرئاسة منصب يتولَه مدى الحياة، فهذه الأمور من التفصيلات المنظمة للإمامة، والقرآن الكريم لم يهتم بتفصيل هذه الأمور بقدر ما اهتم بتقرير المبادئ العامة لها، مما يدل على أنها من المتغيرات بحسب الزمان ومكان وثقافة الشعوب، وتطور وعيها السياسي، ونظرتها في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. 12ـ مدنية دولة الصّدِّيق : كان الإجماع على بيعة أبي بكر انتصاراً لمبدأ الشورى على العصبيات الوراثية التي كانت تسود في الجاهلية، وبهذا القرار الإجماعي دخل الإسلام مرحلة جديدة إذ أنشأ 1 النظريات السياسية الإسلامية، ص375. 2 الَجتهاد الفقهي المعاصر، ص321. 3 السياسة والحكم، ص308 ـ324. 4 الَجتهاد الفقهي المعاصر، ص321.

عدد الصفحات ١٠١

102 الصحابة دولة مدنية لَ يرأسها نبي يتلقى الوحي، كما كان الأمر في حياة الرسول، بل يتولَها رجل اختاروه بالإجماع بعد تشاور وتنافس وخلاف، فأصبحت الخلافة بذلك حكومة مدنية بخلاف حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم ذات الطابع الديني الموجه الإلهي. ولكن أبا بكر اختار أن يسمى خليفة الرسول ليؤكد عزمه على السير على المنهج الذي وضعه النبي قبل وفاته في الشؤون الدينية والدنيوية، وبعده جاء عمر واتخذ لقب أمير المؤمنين، لتأكيد صفته كممثل للأمة وجماعة المسلمين1. لقد كانت دولة الص دِّيق مدنية شورية، لأن من يترأس الدولة لم تكن سلطته مطلقة ويكفي ذلك أن ترجع إلى خطبة أبي بكر، بعد تولي الخلافة حيث قال: «إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّ موني» ثم أضاف«أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيتهما فلا طاعة لي عليكم». ومعنى ذلك أنه أعطى للأمة حق الرقابة على عمله ومحاسبته، فضلاً عن أنها هي التي اختارته بواسطة من يمثلونها، وهذان المبدآن هما أساس النظام الديمقراطي في العصر الحديث، إن حكومة الص دِّيق قامت على الأصول الشورية الثابتة وروحها التي هي أهم من الأشكال المتغيرة والقابلة للتطور ومن هذه الأصول العامة الثابتة ما يلي: ـ أنه كان يرى أنه مسؤول عن المال العام. ـ ومسؤول عن أي خطأ أو انحراف عن العدل. ـ وكان يتشاور مع الناس ويخضع لرقابتهم. ـ وكان يلتزم بأحكام الشريعة والعدالة. ـ وكان يتولى القضاء بنفسه أو يعين قضاة يتولون هذه المهمة، وسار الخلفاء بعد ذلك على نفس النهج2. كانت دولة الص دِّيق قائمة على الشورى والمواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة، وحقوق المرأة ...إلخ المستمدة من مقاصد القرآن الكريم والتوجيهات النبوية الرشيدة. 1 فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم، ص: 284. 2 انظر: فقه الخلافة للسنهوري، ص287 مع التصرف

عدد الصفحات ١٠٢

103 إن دولة الص دِّيق الإسلامية مدنية بامتياز وليست دولة دينية فهناك فرق كبير بين الدولة الإسلامية أي الدولة التي تقوم على أساس الإسلام والدولة الدينية التي عرفها الغرب النصراني في العصور الوسطى، وعلى ذلك أن هناك خلطاً كبيراً بين ما هو إسلامي وما هو ديني، فكثيرون يحسبون أن كل ما هو إسلامي يكون دينياً والواقع أن الإسلام أوسع وأكبر من كلمة دين. حتى إن علماء الأصول المسلمين جعلوا "الدين" إحدى الضرورات الخمس، أو الست التي جاءت الشريعة لحفظها وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وزاد بعضهم العرض . أضرب مثلاً موضحاً، نحن ندعو إلى تربية إسلامية متكاملة، وهذه التربية تشمل أنواعاً من التربية تبلغ بض عة عشر نوعاً، إحداها التربية الدينية، إلى جوار التربية العقلية والجسمية والخلقية والعسكرية والَجتماعية والَقتصادية والسياسية والعلمية والأدبية والمهنية والفنية والجنسية.. ألخ. فالتربية الدينية شعبة واحدة من شعب التربية الإسلامية الكثيرة، فالخطأ كل الخطأ الظن بأن الدولة الإسلامية التي ـ قادها الص دِّيق ـ دولة دينية، إنما الدولة الإسلامي ة "دولة مدنية" تقوم على أساس الَختيار والبيعة والشورى، ومسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، بل يعتبر الإسلام هذا واجباً كفائياً على المسلمين، ويصبح فرض عين إذا قدر عليه وعجز غيره عنه أو جبن عن أدائه. إن الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، فهناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولَ حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره "رب الناس، ملك الناس، إل ه الناس" ولَ يستطيع هو ولَ غيره من الناس، أن يلغوا هذه الأحكام أو يجمدوها، فلا ملك ولَ رئيس ولَ برلمان ولَ حكومة ولَ مجلس شورى، ولَ لجنة مركزية ولَ مؤتمر للشعب، ولَ أيِّ قوة في الأ رض تملك أن تغير من أحكام الله الثابتة1. 1 من فقه الدولة في الإسلام للقرضاوي، ص58.

عدد الصفحات ١٠٣

104 إن عهد الخلافة الراشدة يعتبر مرجعية كبرى في الفقه السياسي وبناء الدول وازدهار الحضارات، لذلك يجب دراسته بكل دقة، لأنه يقدم لنا السوابق التاريخية التي تعتبر حجة في فقه "الرئاسة" المنضبطة بمقاصد القرآن الكريم والسنة النبوية. وإذا كان البريطانيون يعتبرون "الماجنا كارتا" الميثاق الأساسي لحرياتهم والفرنسيون يعتبرون إعلان حقوق الإنسان ميثاقهم، فإن المسلمين يعتبرون حكومة الخلفاء الراشدين الوثيقة الأساسية لحرياتهم السياسية، وهي ميثاق عملي، وليست مجرد بيان قولي1. أما البيان القولي فإننا نجده في خطبة الوداع التي ألقاها الرسول الكريم في حجة الوداع، ويكفي أن نذكر منها المقتطفات الآتية: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكمعليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا.. استوصوا بالنساء خيراً.. لقد تركت في كم ما إن أطعتموه فلن تضلوا بعده أبداً كتاب الله وسنة رسوله.. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ولا فضل لأبيض على أحمر ولا أحمر على أبيض إلا بالتقوى»2. 13 ـ تحديدمسؤولية الحاكم "العقد الاجتماعي": فالحاكم مسؤول بين يدي الله وبين الناس، وهو أجير لهم وعامل لديهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وأبوبكر رضي الله عنه يقول عندما وُ ل ي الأمر وصعد المنبر: «أيها الناس كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم، فأنا الآن أحترف لكم، فارضوا لي من بيت مالكم». وهو بهذا قد فسر "نظرية العقد الَجتماعي" أفضل وأعدل تفسير، بل هو وضع، فما هو إلَ تعاقد بين الأمة والحاكم على رعاية المصالح العامة، فإن أحسن فله أجره وإن أساء فعليه عقابه 3، وأما عن مسؤولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسؤول فيها هو رئيس الدولة كائناً من كان، له أن يتصرف، وعليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة، فإن أحسن أعانته وإن أساء قومته، ولَ مانع في الإسلام من أن يفوض 1 فقه الخلافة للسنهوري، ص285. 2 المصدر نفسه، ص286. 3 حول أساس المشروع الإسلامي، عبد الحميد الغزالي، ص210.

عدد الصفحات ١٠٤

105 رئيس الدولة غيره في مباشرة هذه السلطة وتحمل هذه المسؤولية، كما عرف في "وزارة التفويض" في كثير من العهود الإسلامية، ورخص الفقهاء المسلمون في ذلك وأجازوه ما دام فيه مصلحة، والقاعدة في مثل هذه الأمور رعاية المصلحة العامة، قال الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية والوزارة على ضربين، وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ1. ويمكن تلخيص المبادئ الأساسية التي تبنى عليها مسؤولية الحاكم فيما يلي: ـ أن الحاكم هو أجير للأمة وعامل لديها ضمن حقوق وواجبات ينظمها الدستور والقانون. ـ أن الحكم عبارة عن عقد اجتماعي بين الأمة والحاكم لرعاية مصالحها. ـ أن البيعة بين الأمة والحاكم بيعة موقوتة. ـ أن الحكم قائم على مبدأ الفصل بين السلطات. ـ للحاكم أن يختار الكيفية المناسبة لممارسة صلاحياته إما بالتفويض أو بالتنفيذ المباشر أو حسب ما يقرر الدستور. ـ أن يمارس الحاكم صلاحياته وسلطاته في ضوء مبدأ سيادة القانون2. خامساً: تولي عمر بن الخطاب الرئاسة 1 ـ ترشيح أبي بكر لعمر رضي الله عنهما: في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية مرض الخليفة أبو بكر رضي الله عنه واشتد به المرض فلما ثقل ـ واستبان له من نفسه ـ جمع الناس إليه فقال: «إنه قد نزل بي ما قد ترون ولَ أظنني إلَ ميتاً لما بي، وقد أطلق ا أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأم روا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لَ تختلفوا بعدي»3. وقد قام أبوبكر رضي الله عنه بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الرئيس القادم أ ـ استشار أبي بكر كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار: 1 المصدر نفسه، ص210. 2 المصدر نفسه، ص211. 3 التاريخ الإسلامي للحميدي9 /258) أبوبكر الص دِّيق، للصلابي، ص 344.

عدد الصفحات ١٠٥

106 وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه، إذ يرى فيه الصلاح والأهلية لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبو بكر عبد الرحم ن بن عوف فقاله له: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال له: ما تسألني عن أمر إلَ وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن!. فقال عبد الرحم ن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله ولو تركته ما عَدَ وتُك. ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يُ سِرُّ خير من الذي يُ علِ ن، ولن يَ لِ يَ هذا الأمر أحد أقوى عليه منه. وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلَ طلحة بن عبيد الله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفونني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك1. وبين من نبه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه 2. ب ـ كتب أبو بكر عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد فكان نص العهد: بسم الله الرحم ن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده في ال دنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوق ن الفاجر، ويصدق الكاذب، إن ني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، 1 الكامل لَبن الأثير2 /79.) 2 الكامل لَبن الأثير2 /79.)

عدد الصفحات ١٠٦

107 وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بَ دَّ ل فلكل امرىء ما اكتسب والخير أردت ولَ أعلم الغيب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ ﴾ (الشعراء ، آية : 227)1. وفي رواية أن أبا بكر أشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولَ وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا2. ونقف مع هذا النص نستجلي عدة أمور ـ أن أبا بكر يسأل الناس عن رضاهم بمن يقترحه ليكون خليفة عليهم، فالمبايعة رضا من كل الأطراف، والأمة لم تكن بعد قد عرفت "بيعة الإكراه"، و"إمارة استيلاء"، وإنما المبايعة كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفقة يد وثمرة قلب، قال عليه السلام: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»3. ـإن أبا بكر استفرغ الجهد في استشارة الصحابة ذوي السابقة حول استخلافه ابن الخطاب، فقد ذكر أنه لما أراد العقد لعمر دعا عبد الرحم ن بن عوف فاستشاره في الأمر ثم فعل ذلك مع عثمان بن عفان وغيره4. ـإن أبا بكر لم يسند الخلافة إلى ذي قرابة5. إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادى وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا بها استشرفتهم شهواتها، فت ملكت بهم واستبدت و ذاك ما حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه6، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 1 تاريخ الإسلام للذهبي، عهد الخلفاء الراشدين، ص116 ،117. 2 تاريخ الطبري2 /352.) 3 صحيح مسلم، كتاب: الإمارة، باب وجوب الوفاء بيعة الأول فالأول. 4 تاريخ الطبري2 /352.) 5 الشورى المغيبة، خالد العشري، ص113. 6 أبو بكر رجل الدولة، ص99.

عدد الصفحات ١٠٧

108 «فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»1. لقد أبصر أبو بكر الداء، فأتى لهم رضي الله عنه بدواء ناجع.. جبل شاهق، إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إيهايا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك»2. إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت لقتل عمر، هذه القواسم خير شاهد على فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد العمري، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ ﴾ (القصص ، آية : 26)، وصاحب يوسف حيث قال﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ (يوسف ، آية : 21)، وأبو بكر حين استخلف عمر3، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن4. ج ـأنه أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة: فقد دخل عليه عمر فعرفه أبوبكر بما عزم، فأبى أن يقبل، فتهدده أبوبكر بالسيف فما كان أمام عمر إلَ أن يقبل5. د ـ أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه: واعياً مدركاً حتى لَ يحصل أي لبس، فأشرف أبوبكر على الناس وقال لهم: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولَ وليت ذا قرابة وإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا6. 1 صحيح البخاري، كتاب: الجزية والموادعة، رقم3158. 2 صحيح البخاري ، كتاب: فضائل أصحاب النبي، رقم3683. 3 مجمع الزوائد (10 /268) للهيثمي إسناد صحيح 4 مجمع الزوائد10 /286) رواه الطبري بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح 5 أبو بكر الص دِّيق للصلابي، ص: 346. 6 تاريخ الطبري4 /248.)

عدد الصفحات ١٠٨

109 هـ ـ أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلَ صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك1. و ـ أنه كل ف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر بعد أن ختمه بخاتمة لمزيد من التوثيق، والحرص على إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به 2. ز ـ البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبوبكر الص دِّيق ، فبعد أن قرئ العهد على الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه3. ولم تتم بيعة بعد الوفاة، بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر الص دِّيق رضي الله عنه. ونلاحظ أن عمر ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم، فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاورهم ثم عين الخليفة ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه، وأمضوا ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب "الطبيعيون" عن هذه الأمة، وإذاً فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلَ على أصح الأساليب الشورية وأعدلها،إن الخطوات التي سار عليها أبوبكر الص دِّيق في اختيار خليفته من بعده لَ تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه4. 1 طبقات ابن سعد3 /199.) 2 طبقات ابن سعد3 /200)، أبوبكر الص دِّيق للصلابي، ص 347. 3 أبوبكر الص دِّيق للصلابي، ص 347. 4 المصدر نفسه، ص347.

عدد الصفحات ١٠٩

110 وهكذا تم عقد الخلافة لعمر رضي الله عنه بالشورى والَت فاق، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولَ أن أحداً نهض طول عهده لينازعه الأمر بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة1. ح ـ وصية الصّدِّيق لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: فقد اختلى الص دِّيق بالفاروق رضي الله عنهما، وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتى يمضي إلى ربه خالياً من أي تبعة بعد أن بذل قصارى جهده واجتهاده2، وقد جاء في الوصية: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لَ يقبله بالليل وعملاً بالليل لَ يقبله بالنهار، وأنه لَ يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا، وثقله عليهم، وحُق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف أن لَ ألحق بهم ، وإن الله تعالى ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجوا أن لَ أكون مع هؤلَء، ليكون العبد راغباً راهباً، لَ يتمنى على الله ولَ يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائباً أحب إليك من الموت، وهو آتيك، وإن أنت ضي عت وصيتي فلا يكن غائباً أبغض إليك من الموت ولست بم عجزه3. 2 ـ انعقاد الإجماع على خلافته وقد نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل منهم: أ ـ روى أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهم قال: دخلت على عمر حين طعن فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين: أسلمت حين كفر 1 المصدر نفسه، ص347. 2 المصدر نفسه، ص348. 3 صفة الصفوة1 /265)، أبوبكر الص دِّيق للصلابي، ص: 348.

عدد الصفحات ١١٠

111 الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وقُ بض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض ، ولم يختلف في خلافتك اثنان وقتلت شهيداً، فقال: أعد علي، فأعدت عليه ، فقال: والله الذي لَ إل ه غيره، لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لَفتديت به من هول المطلع1. ب ـوقال أبو نعيم الأصبهاني مبيناً الإجماع على خلافة الفاروق رضي الله عنه: لما علم الص دِّيق رضي الله عنه من فضل عمر رضي الله عنه ونصيحته وقوته على ما يقلده، وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة، لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله ـ تعالى ـ أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يعرفون منه ما عرفه ولَ يشكل عليهم شيء من أمره، فوض إليهم ذلك فرض ي المسلمون له ذلك وسلموه ، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتبعوه كاتباعهم أبا بكر رضي الله عنه فيما فرض الله عليه الإجماع وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان الدليل ل هم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به2. ج ـوقال ابن تيمية: وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم 3. 3 ـ خطبة الفاروق لما تولى الخلافة اختلف الرواة في أول خطبة خطبها الفاروق عمر فقال بعضهم أنه صعد المنبر فقال: {اللهم إني شديد فلي ن ي وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخ ني }4. ورويأن أول خطبة كانت قوله: إن الله ابتلاكم بي وابتلاني بكم وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فوالله لَ يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولَ يغيب عني فآلو فيه عن اختيار أهل الجزاة ـ يعني الكفاية ـ والأمانة له، والله لئن أحسنوا لأحسنَنَّ إليهم ولئن أساءوا لأنكَّ لن بهم. فقال من 1 الَعتقاد للبيهقي، ص188. 2 كتاب الإمامة والرد على الرافضة، ص274. 3 منهاج السنة1 /142.) 4 مناقب أمير المؤمنين لَبن الجوزي، ص170 ،171.

عدد الصفحات ١١١

112 شهدخطبته ورواها عنه: فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا1. وروي أنه لما ولي الخلافة صعد المنبر وهم أن يجلس مكان أبي بكر فقال: ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلاً لمجلس أبي بكر، فنزل مرقاة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اقرؤوا القرآن تُ عْرَفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لَ تخفى منكم خافية، إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ألَ وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف2. وليس من الغريب أن يمزج الفاروق في أول خطبة له بين البيان السياسي والإداري والعظة الدينية، فذلك نهج هؤلَء الأئمة الأولين الذين لم يروا فارقاً بين تقوى الله والأمر بها وسياسة البشر تبعاً لمنهجه وشريعته، كما أنه ليس غريباً على عمر أن يراعي حق سلفه العظيم أبي بكر، فلا يجلس في موضع كان يجلس فيه فيساويه بذلك في أعين الناس فراجع عمر نفسه رضي الله عنه، ونزل درجة عن مكان الص دِّيق رضي الله عنه3. وفي رواية أخرى أنه بعد يومين من استخلافه تحدث الناس فيما كانوا يخافون من شدته وبطشه، وأدرك عمر أنه لَبد من تجلية الأمر بنفسه، فصعد المنبر وخطبهم فذكر بعض شأنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته وكيف أنهما توفيا وهما عنه راضيان ثم قال:... ثم إني قد وُ لِّيت أمركم أيها الناس فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي... ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق، وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، ولكم علي أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم علي ألَ أجتبي شيئاً من خراجكم، ولَ مما أفاء الله عليكم إلَ في وجهه، ولكم علي إذا وقع في يدي ألَ يخرج مني إلَ في حقه ولكم علي أن أزيد في عطاياكم وأرزاقكم ـ إن شاء الله تعالى ـ وأسُد ثغوركم، ولكم علي ألَ ألقيكم في المهالك 1 الطبقات3 /275.) 2 كنز العمال، رقم44214، الدولة الإسلامية، حمدي شاهين، ص120. 3 الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، حمدي شاهين، ص120.

عدد الصفحات ١١٢