المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التداول على السلطة التنفيذية

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ١٥

81 الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُ ؤمِّ ن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة1. لقد قام الص دِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الص دِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّ د قوله تعالى: ﴿إِنَّْاللّهَْيَأْمُرُْبِالْعَد لِْوَالإِح سَانِْوَإِيتَاءْذِيْالْقُر بَىْوَيَن هَىْعَنِْ ْ الْفَح شَاءْوَالْمُنكَرِْوَالْبَغْيِْيَعِظُكُم ْلَعَلَّكُم ْتَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90.) كان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُ كم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكونْالعدلْوالرحمةْمجتمعينْفيْحكمه،ْوقدْكانتْنظريةْأبيْبكرْفيْتوليْأمورْالدولةْقائمةْعلىْإنكارْالذاتْوالتجردْ للهْتجرداًْمطلقاًْجعلهْيشعرْبضعفْالضعيفْوحاجةْالمجتمعْويسموْبعدلهْعلىْكلْهوى،ْوينسىْفيْسبيلْذلكْنفسهْ وأبناءه،ْوأهله،ْثمْيتتبعْأمورْالدولةْجليلهاْودقيقها،ْبكلْماْأتاهْاللهْمنْيقظةْوحذر2.ْ وبناءْعلىْماْسبقْيرفعْالعدلْلواءهْبينْالناس،ْفالضعيفْآمنْعلىْحقه،ْوكلهْيقينْأنْضعفهْيزولْحينماْيحكمْالعدل،ْ فهوْبهْقويْلاْيمنعْحقهْولاْيضيع،ْوالقويْحينْيظلمْيردعهْالحق،ْوينتصفْمنهْللمظلوم،ْفلاْيحتميْبجاهْأوْسلطانْأوْ قرابةْذيْسطوةْأوْمكانة.ْوذلكْهوْالعزْالشامخ،ْوالتمكينْالكاملْفيْالأرض3.ْ 1 أبو بكر رجل الدولة، ص48. 2 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 130. 3 المصدر نفسه، ص130.

عدد الصفحات ٨١

82 وماْأجملْماْقالهْابنْتيميةْرحمهْالله:ْإنْاللهْينصرْالدولةْالعادلةْوإنْكانتْكافرةْولاْينصرْالدولةْالظالمةْولوْكانتْ مسلمةْ..ْبالعدلْتستصلحْالرجال،ْوتستغزرْالأموال1.ْ 7ْـْإعلانْالتمسكْبالجهادْوإعدادْالأمةْلذلك:ْ قالْأبوْبكرْرضيْاللهْعنه:ْ«وماْتركْقومْالجهادْفيْسبيلْاللهْإلاْخذلهمْاللهْبالذل»2،ْلقدْتلقىْأبوْبكرْتربيتهْالجهاديةْ مباشرةْمنْنبيهْوقائدهْالعظيمْصلىْاللهْعليهْوسلم،ْتلقاهاْتربيةْحيةْفيْميادينْالصراعْبينْالشركْوالإيمان،ْوالضلالْ والهوى،ْوالشرْوالخير،ْولقدْذكرتْمواقفْالصّدِّيقْفيْغزواتْالرسولْصلىْاللهْعليهْوسلمْولقدْفهمْالصّدِّيقْرضيْ اللهْعنهْمنْحديثْرسولْاللهْصلىْاللهْعليهْوسلم:ْ«إذاْتبايعتمْبالعينةْوأخذتمْأذنابْالبقر،ْورضيتمْبالزرع،ْوتركتمْ الجهادْسلطْاللهْعليكمْذلاًْلاْينزعهْحتىْترجعواْإلىْدينكم»3،ْأنْالأمةْتصابْبالذلْإذاْتركتْالجهاد،ْفلذلكْجعلْ الصّدِّيقْالجهادْإحدىْحقائقْالحكمْفيْدولته4.ْ ولذلكْحشدْطاقاتْالأمةْمنْأجلْالجهادْلكيْيرفعْالظلمْعنْالمظلومين،ْويزيلْالغشاوةْعنْأعينْالمقهورين،ْويعيدْ الحريةْللمحرومين،ْوينطلقْبدعوةْاللهْفيْآفاقْالأرضْيزيلْكلْعائقْضدها.ْ 8ْـْإعلانْالحربْعلىْالفواحش:ْ 1 المصدر نفسه، ص130. 2 البداية والنهاية6 /305.) 3 سنن أبي داود، رقم3462، صححه الألباني 4 أبو بكر رجل الدولة، ص73.

عدد الصفحات ٨٢

83 قالْأبوْبكرْرضيْاللهْعنه:ْولاْتشيعْالفاحشةْفيْقومْإلاْعمهمْاللهْبالبلاء1،ْوالصّدِّيقْهناْيذكرْالأمةْبقولْالنبيْصلىْ اللهْعليهْوسلم:ْ«لمْتظهرْالفاحشةْفيْقومْقطْحتىْيعلنواْبها،ْإلاْفشاْفيهمْالطاعونْوالأوجاعْالتيْلمْتكنْمضتْفيْ أسلافهمْالذينْمضوا»2.ْ إنْالفاحشةْهيْداءْالمجتمعْالعضالْالذيْلاْدواءْله،ْوهيْسبيلْتحللهْوضعفهْحيثْلاْقداسةْلشيء،ْفالمجتمعْ الفاحشْلاْيغارْويقرْالدنيةْويرضاها،ْإنهْمجتمعْالضعفْوالعارْوالأوجاعْوالأسقامْوحالْالناسْأدلْشاهد.ْلقدْ وقفْأبوْبكرْيحفظْقيمْالأمةْوأخلاقها3.ْ فقدْحرصْفيْسياستهْعلىْطهرْالأمةْونقائها،ْوبُع دهاْعنْالفواحشْماْظهرْمنهاْوماْبطن،ْوهوْرضيْاللهْعنهْيريدْ بذلكْأمةْقويةْلاْتشغلهاْشهواتهاْولاْيضلهاْشيطانها،ْلتعيشْأمةْمنتجةْتعطيْالخير،ْوتقدمْالفضلْلكلْالناس.ْ إنْعلاقةْالأخلاقْبقيامْالدول،ْوظهورْالحضارةْعلاقةْظاهرة،ْفإنْفسدتْالأخلاق،ْوخربتْالذمم،ْضاعتْالأمم،ْ وعمهاْالفسادْوالدماء،ْوالدارسْلحياةْالأممْالسابقةْوالحضاراتْالسالفةْبعينْالبصيرة،ْيدركْكيفْقامتْحضاراتْ علىْالأخلاقْالكريمةْوالدينْالصحيحْكالحضارةْالتيْقامتْفيْزمنْداودْوسليمانْعليهماْالسلام،ْوالتيْقامتْفيْزمنْ 1 البداية والنهاية6 /305.) 2 صحيح الألباني، في ابن ماجه، رقم4019. 3 أبو بكر رجل الدولة، ص66.

عدد الصفحات ٨٣

84 ذيْالقرنينْوكثيرْمنْالأممْالتيْالتزمتْبالقيمْوالأخلاق،ْفظلتْقويةْطالماْحافظتْعليها،ْفلماْدبْبسوسْالفواحشْ إليهاْاستسلمتْللشياطين،ْوبدلتْنعمةْاللهْكفراً،ْوأحلتْقومهاْدارْالبوار،ْفزالتْقوتها،ْوتلاشتْحضارتها1.ْ إنْالصّدِّيقْرضيْاللهْعنهْاستوعبْسننْاللهْفيْالمجتمعاتْوبناءْالدولْوزاولها،ْوفهمْأنْزوالْالدولْيكونْبالترفْ والفسادْوالانغماسْفيْالفواحشْوالموبقات،ْقالْتعالى: ﴿وَإِذَاْأَرَد نَاْأَنْنُّه لِكَْقَر يَةًْأَمَر نَاْمُتْرَفِيهَاْفَفَسَقُواْْفِيهَاْفَحَقَّْ ْ عَلَي هَاْالْقَو لُْفَدَمَّر نَاهَاَْتد مِيرًا﴾ْ(الإسراء،ْآية:ْ16.)ْ أي:ْأمرناهمْبالأمرْالشرعيْمنْفعلْالطاعاتْوتركْالمعاصيْفعصواْوفسقواْفحقَّ ْعليهمْالعذابْوالتدميرْجزاءْ فسقهمْوعصيناهم.ْوفيْقراءة: ﴿أَمَّر نَا﴾2.ْ بالتشديدْأي:ْجعلناهمْأمراء.ْوالترفْوإنْكانْكثرةْالمالْْوالسلطانْمنْأسبابه،ْإلاْأنهْحالةْنفسيةْترفضْالاستقامةْ علىْمنهجْاللهْوليسْكلْثراءْترفاًْ 3.ْ إنْسياسةْالصّدِّيقْفيْحربهْللفواحشْحَرِيُّْبحكّامْالمسلمينْأنْيقتدواْبها،ْفالحاكمْالتقيْالذكيْالعادلْهوْالذيْيرَبيْ أمتهْعلىْالأخلاقْالقويمةْلأنهْحينئذٍْ ْسيقودْشعباًْأحسّْ ْطعمْالآدمية،ْوجرىْفيْعروقهْدمْالإنسانيةْ..ْوأماْإنْ سُلبْالحاكمْالذكاء،ْوصارْمنْالأغبياء،ْأشاعْالفاحشةْفيْقومهْوعملْعلىْحمايتهاْبالقوةْوالقانون،ْوحاربْالقيمْ 1 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 132. 2 تفسير ابن كثير5 /58.) 3 منهج كتابة التاريخ الإسلامي، محمد صامل، ص65.

عدد الصفحات ٨٤

85 واخلاقْالحميدة،ْودفعْبقومهْإلىْمستنقعاتْالرذيلة،ْليصبحواْكالحيواناتْالضالةْوالقطعانْالهائمةْلاْهمّْلهاْإلاْالمتاعْ والزينةْالخادعة،ْفيصبحواْبعدْذلكْأقزاماً،ْقدْودّعواْالرجولةْوالشهامة1.ْ ويصدقْفيهمْقولْاللهْتعالى: ﴿وَضَرَبَْاللّهُْمَثَلاًْ ْقَر يَةًْكَانَت ْ ْآمِنَةًْ ْمُّطْمَئِنَّةًْيَأْتِيهَاْرِزْقُهَاْرَغَدًاْمِّنْكُلِّْ ْمَكَانٍْفَكَفَرَت ْبِأَنْعُمِْ اللّهِْفَأَذَاقَهَاْاللّهُْلِبَاسَْالْجُوعِْوَالْخَو فِْبِمَاْكَانُواْْيَص نَعُونَ﴾ْ(النحل،ْآية:ْ112.)ْ 9ْـْرئيسْالدولةْوتطبيقْالشريعة:ْ قالْأبوْبكرْرضيْاللهْعنه:ْ«أطيعونيْماْأطعتْاللهْورسوله،ْفإنْعصيتْاللهْورسولهْفلاْطاعةْليْعليكم»2.ْ فمصدرْالتشريعْعندْالصّدِّيق:ْ أْـْالقرآنْالكريم:ْ قالْاللهْتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُّ وَلََ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ﴾ (النساء، آية: 105.) وهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعب ة من شعب الحياة، كما بي ن القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم. بْـْالسنةْالمطهرة:ْ 1 أبو بكر الص دِّيق، ص 133. 2 البداية والنهاية6 /306.)

عدد الصفحات ٨٥

86 هيْالمصدرْالثانيْالذيْيستمدْمنهْالدستورْالإسلاميْأصوله،ْومنْخلالهاْيمكنْمعرفةْالصيغْالتنفيذيةْوالتطبيقيةْ لأحكامْالقرآن1.ْ إنْدولةْالصّدِّيقْخضعتْللشريعةْوأصبحتْسيادةْالشريعةْالإسلاميةْفيهاْفوقْكلْتشريعْوفوقْكلْقانون،ْوأعطتْ لناْصورةْمضيئةْمشرقةْعلىْأنْالدولةْالإسلاميةْدولةْشريعةْخاضعةْبكلْأجهزتهاْلأحكامْالشريعة،ْوالحاكمْفيهاْ مقيدْبأحكامهاْلاْيتقدمْولاْيتأخرْعنها2.ْ ففيْدولةْالصّدِّيقْوفيْمجتمعْالصحابةْالشريعةْفوقْالجميع،ْيخضعْلهاْالحاكمْوالمحكوم،ْولهذاْقيدْالصّدِّيقْطاعتهْالتيْ طلبهاْمنْالأمةْبطاعةْاللهْورسوله،ْلأنْرسولْاللهْصلىْاللهْعليهْوسلمْقال:ْ«لاْطاعةْفيْالمعصية،ْإنماْالطاعةْفيْ المعروف»3،ْوالحاكمْلهْعلىْرعيتهْحقْالسمعْوالطاعة،ْول كنْفيْحدودْطاعتهْهوْللهْورسوله،ْفإنْعصىْاللهْ ورسولهْـْبتعطيلْشيءْمنْشرعْاللهْـْفلاْطاعةْلهْعلىْالناس.ْ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَّ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِّ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخِر ذَلِكَ خَيْر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ (النساء، آية: 59.) وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، كذلك الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر، ولو قال تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا 1 فقه التمكين في القرآن الكريم للصَّلاَّبي، ص 432. 2 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي ، ص: 125. 3 المصدر نفسه، ص125 البخاري، رقم7145.

عدد الصفحات ٨٦

87 الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، لَوَ جَبت طاعتهم مطلقاً كطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الله جلَّ شأنه لم يقل ذلك، وإن ما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر ﴿وَأَطِيعُواْ ﴾ لتظل طاعتهم مقرونة دائماً بحدود ما أنزل الله. وهكذا فهِ م الخليفة الأول رضي الله عنه حين قال للأمة: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». فهذه هي حدود الأمر فيالإسلام، فلا يتصور أحد أن يكون لولي الأمر حق مخالفة الله ورسوله والله يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلََ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهَُّ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ (الأحزاب، آية: 36.) فليس للحاكم أن يتصرف فيالشريعة بالإبطال أو التعديل أو الَستبدال، لأن هذا الحق ليس لأحد على الإطلاق، لَ الحاكم ولَ المحكوم، ومحك الإيمان الذي بي نه الله في كتابه المنزل هو التحاكم إلى شرع الله أو الإعراض عنه، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهَِّ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهَِّ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيق مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَض أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهَُّ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهَِّ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (النور، الآيات: 47 ـ51.) فهؤلَء يقولون لَ إله إلَ الله محمد رسول ا﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهَِّ وَبِالرَّسُولِ ﴾ ثم يزيدون على ذلك فيزعمون أنهم مطيعون لله ورسوله والله يقول عنهم ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ فينفي عنهم ما زعموه من دعوى الإيمان، ويبيِّ ن أن السبب في نفي الإيمان عنهم أنهم إذا دعوا إلى شريعة الله أعرضوا عنها، إلَ حين يكون لهم مصلحة ذاتية في تطبيقها. ويبي ن

عدد الصفحات ٨٧

88 الله تعالى موقف المؤمنين الحقيقيين إذا دعوا إلى شريعة الله فإنهم على الفور يقولون سمعنا وأطعنا، بصرف النظر عما يصيب ذواتهم من تطبيقها، إنما هي الطاعة المطلقة لله ورسوله، هي صفة المؤمنين، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة1.ْ إن مدار العقد بين الرئيس والمواطنين في الدولة الحديثة المسلمة على كتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولَ يختص الرئيس بحفظ شرع الله دون الناس، بل حفظ دين الله موكل إلى جميع المؤمنين، وهو ما كان مفهوماً في العهد الأول قبل أن يطول الأمد فيُنسى العهد، ويمكن أن نجتهد بدورنا في كتابة ميثاق يجعل أولى نبوذه كون الشريعة مصدر التشريع وأن كل قانون يخالفها يعد باطلاً، فا لبيعة عقد مؤسس لشريعة الحكم، كما أنه عن رضى وقبول من الأمة، وفيه تحدد صلاحيات الحاكم، وحقوق المحكومين، والمرجع شرع الله حتى تكون حياة المسلمين بالإسلام وعلى الإسلام وللإسلام لَ إله إلَ الله محمد رسول الله2.ْ 10 ـ إقرار مشروع توثيق دستور الأمة إن دستور الدو لة الإسلامية هو القرآن الكريم، ومعه السنة النبوية، شارحة ومفصلة وموضحة له، وكان القرآن الكريم في بداية الأمر يكتب على الجلود والألواح وجريد النخل التي توزعت في بيوت الصحابة، وقد مر جمع القرآن الكريم من عهد النبوة إلى خلافة أبي بكر بمراحل من أهمها: أْـْجمعْالقرآنْالكريمْكتابةْمنْفمْرسولْاللهْصلىْاللهْعليهْوسلم:ْ وردت لفظ "الجمع" بمعنى:"الحفظ مع دقة الترتيب" عدة مرات في كتاب الله وذلك من مثل قوله تعالى مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم: ﴿لََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ 1 حول تطبيق الشريعة، محمد قطب36. 2 الشورى المغيبة، الشورى بين نصوص الوحي ومسارات التاريخ، د. خالد العسْري، ص 134.

عدد الصفحات ٨٨

89 لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَاجَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ (القيامة، الآيات: 16 ـ19.) كما وردت لفظة "الجمع" بمعنى:"الكتابة والتدوين" والمعنى الأول آتاه الله تعالى ـ لخاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم ـ ولعدد غير قليل من صحابته الكرام وممن تابعهم من الصالحين إلى اليوم وحتى يوم الدين، وهؤلَء تدارسوا القرآن الكريم ولَ يزالون يتدارسونه ويستظهرونه ليتمكنوا من القراءة به في الصلوات المكتوبة وفي النوافل وفي الَستشهاد. وأما جمع القرآن الكريم بمعنى تدوينه كتابة فقد جمع كتابة من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن جميع الأحاديث الواردة في هذا الشأن تتفق على ترتيب آيات القرآن، حسبما عليه المصحف الآن إنما هو ترتيب توقيفي، لم يجتهد فيه رسول الله ولَ أحد من الصحابة في عهده أو من بعده وإنما كان يتلقى ترتيبها بعضها إلى جانب بعض، وحياً من عند الله بواسطة جبريل. روى أحمد بإسناده عن عثمان بن أبي العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صو به، قال: «أتاني جبريل فأمرني أن ضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: ﴿إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ﴾»(النحل، آية: 90)1.ْ إن من مظاهر عناية الله بالقرآن الكريم وحفظه ما تم على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته من حفظ القرآن في صدورهم وكتابة في الصُ حف. وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته في ذلك أرقى مناهج التوثيق. ذلك أن القرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منَّ جماً في ثلاث وعشرين سنة حسب الحوادث ومقتضى الحال، 1 الإيمان بالقرآن الكريم، د. علي الصَّلاَّبي، ص 185.

عدد الصفحات ٨٩

90 وكانت السورة تُ دَو ن ساعة نُ زولها؛ إذ كان المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا ما نزلت عليه آية أو آيات قال: «ضعوها في مكان كذا ...وكذا»1.ْ ولهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن توقيفي، بمعنى أن ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف إنما هو بأمر الله ووحي من الله2.ْ وما يقال عن ترتيب آيات القرآن هو الذي يقوله إجماع المؤرخين والمحد ثين والباحثين عن ترتيب السور ووضع البسملة في رؤوسها، قال القاضي أبو بكر بن الطبيب رواية عن مكي رحمه الله في تفسير سورة "براءة" إن ترتيب الآيات من السور، ووضع البسملة في رؤوسها هو توقيف من الله عز وجل، ولما لم يؤمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة3.ْ هذا عن ترتيب آيات القرآن وسوره، أما كتابته فمن المعلوم أولًَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميً ا لَ يقرأ ولَ يكتب، أجمع على ذلك عامة المؤرخين وكل المشركين الذين كانوا على عهد رسول الله، لذا فقد كان يعهد بكتابة ما يتنزل عليه من القرآن إلى أشخاص من الصحابة بأعيانهم كانوا يُسمون كتاب الوحي، وأشهرهم الخ لفاء الأربعة وأُبي ابن كعب وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وقد كانوا يكتبون ما يتنزل من القرآن تباعاً حسب الترتيب الذي يأتي به جبريل فيما تيسر لهم، من العظام الموقف ة والمخصصة لذلك وألواح الحجارة الرقيقة والجلود، وقد كانوا يضعون ما يكتبونه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكتبون لأنفسهم إن شاؤوا صوراً عنها يحفظونها لديهم، وقد كان من الصحابة من يتتبع ما ينزل من آيات القرآن وتتبع ترتيبها فيحفظها عن ظهر قلب 1 الإتقان في علوم القرآن للسيوطي(1 /60 ـ61.) 2 البرهان في علوم القرآن1 /234 ـ235.) 3 لَ يأتيه الباطل، محمد سعيد رمضان، ص217.

عدد الصفحات ٩٠

91 حتى كان فيهم من حفظ ا لقرآن كله، فمن المشاهير أُ بي بن كعب وزيد بن ثابت وآخرون1.ْ وظل الصحابة يعكفون على حفظ القرآن غيباً، حتى ارتفعت نسبة الحفاظ منهم إلى عدد لَ يحصى. يتضح لك من هذا الذي ذكرناه أن القرآن وعاه الأوائل من الصحابة وبلغوه إلى من بعدهم بطريقتين اثنتين: أحدهما: الكتابة التي كانت تتم للقرآن بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأشخاص بأعيانهم وكَّلَ إليهم هذا الأمر ولم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه إلَ والقرآن مكتوب كله في بيته. الثانية: حفظه في الصدور عن طريق التلقي الشفهي من كبار قراء الصحابة وحف اظهم الذين تلقوه بدورهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أقرهم على كيفية النطق والأداء2.ْ وكان كل ما يكتب من آيات وسور القرآن الكريم بعد نزول الوحي بها مباشرة يُحفظ في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع استنساخ كُ ت اب الوحي نُ سَ خاً لأنفسهم من جميع ما أُ مْلِي على كل منهم. ولذلك تم جمع القرآن الكريم كتابة وحفظاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم3.ْ وثبت أن جبريل عليه السلام كان يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن مرة واحدة في كل سنة ثم عارضه في السنة التي توفي فيها صلى الله عليه وسلم مرتين4.ْ 1 البرهان للزركشي1 /238) الإتقان1 /58) فتح الباري شرح البخاري9 /18.) 2 لَ يأتيه الباطل، ص219. 3 مدخل إلى دراسة الإعجاز العلمي، د. زغلول النجار، ص68. 4 صحيح البخاري، رقم4710.

عدد الصفحات ٩١

92 ومعنى هذا أن القرآن الكريم كان في صورته التامة في هذه السنة التي تم عرضه فيها مرتان، ولذلك شواهد كثيرة ذكرها العلماء من أظهرها ما أورده البغوي عن أبي عبد الرحم ن السلمي أنه قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرأون القراءة العامة فيه، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه. وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الص دِّيق في جمعه أولًَ . وولََّه عثمان كت ابة المصحف. على أن القرآن رغم ذلك لم يجمع بين دفتين في مصحف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لضيق الوقت بين آخر آية نزلت من القرآن وبين وفاته1.ْ بْـْجمعْالقرآنْالكريمْفيْمصحفْواحدْعلىْعهدْالخليفةْالأولْأبيْبكرْالصّدِّيقْرضيْاللهْعنه:ْ كان ضمن شهداء المسلمين في حرب مسيلمة الكذ اب في اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر رضي الله عنه بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع القرآن حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال2، وأسند أبو بكر الص دِّيق رضي الله عنه هذا العمل العظيم والمشروع الحضاري الضخم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه. يروي زيد بن ثابت رضي الله عنه فيقول: بعث إليَّ أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ 3 يوم اليَ مامة بقُ راءِ القرآن... وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئاَ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم4؟ْ 1 لَ يأتيه الباطل، ص219. 2 حروب الردة وبناء الدولة، أحمد سعيد، ص145. 3 استحر: كثر واشتد 4 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 189.

عدد الصفحات ٩٢

93 فقال عمر هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبوبكر: وإنك رجل شاب عاقل لَ نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتَ ب ع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كل فني من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب 1،واللخاف2 وصدور الرجال والرقاع 3، والأكتاف4، قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُول مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوف رَّحِيم ﴾ (التوبة، آية : 128) حتى خاتمة براءة. وكانت الصحف عند أبي بكر في حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر في حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم5. وعلق البغوي على هذا الحديث فقال: فيه البيان الواضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه شيئاً . والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث وهو أنه كان مفرقاً في العس ب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، ففزعوا فيه إلى خليفة رسول الله ودعوه إلى جمعه، فرأى في ذلك رأيهم فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رس ول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل صلوات الله عليه إياه 1 العسب : جريد النخل 2 اللخاف : جمع لخفة : وهي صفائح الحجارة. 3 الرقاع : جمع رقعة وهي قطع الجلود 4 الأكتاف : جمع كتف وهو العظم الذي للبعير والشاة 5 البخاري، رقم4986.

عدد الصفحات ٩٣

94 على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في السور التي يذكر فيها كذا1. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه «يرحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين»2. وقد اختارأبوبكر رضي الله عنه زيد بن ثابت لهذه المهمة العظيمة وذلك لأنه رأى فيه المقومات الأساسية للقيام بها وهي: ـ كونه شاباً، حيث كان عمره 21 سنة، فيكون أنشط لما يطلب منه. ـ كونه أكثر تأهيلاً، فيكون أوعى له، إذ من وهبه الله عقلاً راجحاً فقد يسر له سبل الخير. ـ كونه ثقة، فليس هو موضعاً للتهمة، فيكون عمله مقبولًَ وتركن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب. ـ كونه كاتباً للوحي، فهو بذلك ذو خبرة سابقة في هذا الأمر وممارسة عملية له فليس غريباً عن هذا العمل، ولَ دخيلاً عليه 3. هذه الصفات الجليلة جعلت الص دِّيق يُرشح زيداً لجمع القرآن، فكان به جديراً، وبالقيام به خبيراً . ـ ويضاف لذلك أنه أحد الصحابة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتقان، وأما الطريقة التي اتبعها زيد في جمع القرآن فكان لَ يثبت شيئاً من القرآن إلَ إذا كان مكتوباً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ومحفوظاً من الصحابة . فكان لَ يكتفي بالحفظ دون الكتابة، خشية أن يكون في الحفظ خطأ أو وهم، وأيضاً لم يقبل من أحد شيئاً جاء به إلَ إذ ا أتى معه شاهدان يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الوجوه التي نزل بها القرآن4. 1 شرح السنة للبغوي4 /522.) 2 مصنف ابن أبي شيبة إسناده صحيح7 /196.) 3 التفوق والنجابة على نهج الصحابة، حمد العجمي، ص73. 4 التفوق والنجابة على نهج الصحابة، ص74.

عدد الصفحات ٩٤

95 وعلى هذا المنهج استمر زيد رضي الله عنه في جمع القرآن حذراً متثبتاً مبالغاً في الدقة والتحري1. إن زيداً اتبع طريقة في الجمع نستطيع أن نقول عنها في غير تردد أنها طريقة فذة في تاريخ الصناعة العقلية الإنسانية، وأنها طريقة التحقيق العلمي المألوف في العصر الحديث وأن الصحابي الجليل قد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة، وأن هذه الدقة في جمع القرآن متصلة بإيمان زيد بالله، فالقرآن كلام الله جل شأنه فكل تهاون في أمره أو إغفال للدقة في جمعه وِ زر. ما كان أحرص زيداً في حسن إسلامه وجميل صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنزه عنه. إن ما قام به زيد بن ثابت رضي الله عنه بتكليف من خليفة المسلمين أبي بكر الص دِّيق رضي الله عنه ومشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومعاونة عمر رضي الله عنه وأُ بي بن كعب ومشاركة جمهور الصحابة ممن كان يحفظ القرآن ويكتبه2، وإقرار جمع من المهاجرين والأنصار مظهر من مظاهر العناية الربانية بحفظ القرآن الكريم وتوفيق من الله للأمة الإسلامية وترشيد منه لمسيرتها ويتضمن ذلك ـ أيضاً ـ كما قال أبو زهرة: حقيقتين مهمتين تدلَن على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل، وأنه مصون بعناية الله سبحانه وتعالى، ومحفوظ بحفظه وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته3. الأولىأن عمل زيد رضي الله عنه لم يكن كتابة مبتدأة ولكنه إعادة مكتوب4. فقد كتب القرآن كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعمل زيد الَبتدائي هو البحث عن الرقاع والعظام التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها بأمرين: بشهادة اثنين على الرقعة التي فيها الآية والآيتان أو الآيات، وبحفظ زيد نفسه، وبالحافظين من الصحابة، وقد كانوا الجمع الغفير والعدد الكبير فما كان لأحد أن يقول: إن زيداً كتب من 1 أبو بكر الص دِّيق للصلابي، ص 264. 2 الحضارة الإسلامية، توفيق الواعي، ص281. 3 تميز الأمة الإسلامية1 /603.) 4 المصدر نفسه1 /603.)

عدد الصفحات ٩٥

96 غير أصل مادي قائم، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي وبذلك تقرر ما كتبه زيد هو تماماً ما كتب في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كتابة زيد، بل ما كتب في عصره عليه الصلاة والسلام وأملاه وما حفظه الروح القدس. الثانية: أن عمل زيد لم يكن عملاً أحادياً، بل كان عملاً جماعياً من مشيخة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد طلب أبوبكر إلى كل من عنده شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد، وإلى كل من يحفظ القرآن أن يدلي إليه بما يحفظه، واجتمع لزيد من الرقاع، والعظام وجريد النخل ورقيق الحجارة وكل ما كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعند ذلك بدأ زيد يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولَ يثبت آية إلَ إذا اطمأن إلى إثباتها، كما أوحيت إلى رسول الله1. واستمر الأمر كذلك حتى إذا ما أتم زيد ما كتب تذاكره الناس وتعرفوه وأقروه، فكان المكتوب متواتراً بالكتاب ومتواتراً بالحفظ في الصدور وما تم كتاب في الوجود غير القرآن2. وإنها لعناية من الرحم ن خاصة بهذا القرآن العظيم3، وكان هذا الفعل من أبي بكر في جمعه للقرآن الكريم بين دفتين من فقه المصالح المرسلة، الذي ينظر إلى مصالح الأمة العليا في باب الَجتهاد وبذلك تم توثيق أهم مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، كمرجعية عليا للدولة. 11 ـ تحديد مدة الرئاسة لَ مانع شرعاً من إضافة شرط يحدد مدة ولَية الرئاسة، حيث إن روح النظام الإسلامي لَ تتنافى إطلاقاً مع توقيت الرئاسة بمدة زمنية محددة إذا ما تضمن عقد الرئاسة ذلك وتم النص على ذلك في الدستور لأن: أ ـ التوقيت لا ينافي طبيعة العقد: 1 دراسات في القرآن ، أحمد خليل، ص90. 2 الإيمان بالقرآن والكتب السماوية، ص194. 3 المصدر نفسه، ص194.

عدد الصفحات ٩٦