65 بنظرة متأملة في نشأة الديمقراطية الغربية المعاصرة نجد أن أساسها نظرية العقد الَجتماعي التي صاغها جون جاك روسو لتكون بمثابة أصل تنطلق منه الديمقراطية التي أراد الغرب أن يتخذها منهجاً لسياسته وحكمه ، وبأدنى نظرة في هذه النظرية على وجه الإجمال نجد أنها لَ ت بتعد عن فكرة البيعة في الإسلام، بل يبدو بوضوح أنها مستقاة منها ولَ يبعد ذلك، لأن أوروبا دخلها العلم قديماً ـ في أيام صراعها في القرون الوسطى مع البابا ورجال الإقطاع عن طريق العرب والمسلمين في الأندلس ـ التي بلغت في العلم والتطور شأواً بعيداً، إذ قد أنشئت مدرسة ط ليطلة للترجمة سنة 1130م وقامت بترجمة أشهر مؤلفات العرب وكتب اليونان التي كان المسلمون ترجموها إلى لغاتهم. فما البيعة في الإسلام إلَ تعاقد بين الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد وبين المرشح للخلافة "رياسة الدولة" ينبني عليه من كلا الطرفين التزام للآخر ويعطيه حقاً عليه. وللفرد في الأمة صفتان: صفة شخصية باعتباره مواطناً له حق الحماية وعليه السمع والطاعة، وصفة اجتماعية باعتباره عضواً في الأمة. والشريعة الإسلامية طبقاً لقواعد نظرية العقد فيها تسمح با نعقاد العقد بإرادة المنفرد بالصفتين، يحلُّ التعاقد بكل منهما طرفاً في التعاقد، ويترتب على التعاق د كل الآثار، وهذه الصفة التي دخل بها الإنسان في الجماعة وإن فقد فيها الكثير من حريته غير المحدودة، إلَ أنه كسب فيها حريته المدنية واحترام ملكيته، وأحل العدالة محل الغريزة في سلوكه، وأضفى على تصرفاته أساساً أخلاقياً، وأي اعتداء على الفرد يعتبر اعتداء على ال جماعة كلها لأنها جسد واحد. وهذه الصورة الكريمة الوضاءة التي افترضها "جون جاك روسو" صاحب صياغة نظرية العقد الَجتماعي في قوله: "وبمجرد أن تتَّ حد جماعة في جسد سياسي فإن أي اعتداء على أي فرد فيها يعتبر اعتداء على الجسد" لَ أثر لها إلَ في مجتمعات الرسالَت السماوية التي تقوم على أساس من الطهر والعفاف ويقظة الضمير في خشية الله، ولذا فقد كانت هذه الصورة واضحة في صدر الإسلام وقد صورها الرسول صلى الله عليه وسلم وقررها في قوله فيما صح عنه فيما رواه النعمان بن بشير
عدد الصفحات ٦٥66 رضي الله عنه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»1، وحديث«مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً »2. أ ـ رأي عبد الرازق السنهوري في عقد الإمامة يرى القانوني المصري الشهير السنهوري في أطروحته التي قد مها في العشرينيات في باريس عام 1926م أن عقد الإمامة: عقد حقيقي مستوف بشرائطه من وجه ة النظر القانونية، وإن الغاية منه أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته. إنه تعاقد بينه وبين الأمة مبنى على الرضاء، وهو عقد حقيقي، غايته تولية الخليفة السلطة العليا، إنه عقد بين الخليفة والأمة وذلك يعني أن سلطة الخليفة مستمدة من الأمة وأن المسلمين قد سبقوا بقرون عديدة إلى نظرية التعاقد وما يلحقها من نظرية سيادة الأمة3. ب ـ أما ضياء الدين الريس،فيرى أن نظرية التعاقد لدى المسلمين تبقى متفوقة عن مثيلتها لدى روسو، ذلك أن العقد الذي تحدث عنه روسو كان مجرد افتراض، لأنه بناه على حالة تخيلها في عصور ماضية سحيقة لَ يوجد عليها برهان تاريخي، بينما نظرية العقد الإسلامية تستند إلى واقع تاريخي ثابت هو تجربة الأمة من خلال العصر الذهبي للإسلام4. هذا ما يؤكد إجماع المسلمين على الجانب السياسي الَجتماعي من أن الموجب لعقد الإمامة أو طريق ثبوتها هو اختيار الأمة، ويلخص ذلك قولهم أن الإمامة عقد، وإن البيعة صفة، أو رمز ذلك التعاقد بين الإمام والأمة، ويؤص ل بعضهم هذا التعاقد في بيعة العقبة الثانية، فقد كانت بيعة سياسية وضرباً من الح لف العسكري من أجل إقامة نظام سياسي، نظام دولة ذات سيادة5. 1 مسلم في باب الأدب، رقم46. 2 صحيح مسلم3 /1999.) 3 الحريات العامة1 /126.) 4 النظريات السياسية الإسلامية، ص214. 5 مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها علال الفاسي، ص256.
عدد الصفحات ٦٦67 ج ـ الواضحفي الخطبة الأولى لأبي بكر: أن المسلمين هم الذين ولَّ وه، وأن طاعتهم له مشروطة بالتزامه الخضوع للشريعة، وأنهم هم الرقباء عليه والمسؤولون عن تقويمه إذا اعوج، وأنه لم يصر إماماً ببيعة السقيفة، فقد كانت مجرد ترشيح، وإنما بالبيعة العامة في المسجد صار إماماً 1. ولقد ردد الخلفاء الراشدون بعده هذه المفاهيم، نفسها، وتلقوا البيعة العامة من عامة الناس في المسجد وما اعتبروا أن لسلطانهم مصدراً آخر غير الخضوع للشريعة ورضا الناس عنهم، وأنهم رغم ما حصل من انقلاب في صلب الحكم الإسلامي، فقد ظلت المشروعية واضحة لدى عامة المسلمين فضلاً عن خاصتهم بأنها إنما تستمد من الخضوع للدستور "للشريعة" من الشورى "البيعة العامة" . ولذلك حافظ ملوك الَستبداد على صورة الخلافة بعد أن كادت حقيقتها تضمحل، ومن تلك الشكليات البيعة الصورية، تأكيداً وشكلياً لمعنى سياسي عقائدي استقر في ضمير الأمة، وهو أن الإمام إنما يستمد مشروعية حكمه من رضا الناس وتمثيل إرادتهم عن طريق مبايعة جماعة أهل الحل والعقد له2. الخلاصة: أن الإمامة عقد بين الأمة والحاكم، يلتزم فيها الحاكم إنفاذ الشريعة والنصح للأمة ومشاورتها، وتلتزم له، إن هو وفي بذلك السمع والطاعة، وينتج من ذلك، أن الأمة هي مصدر كل سلطاته وأن لها عليه السيادة، كل ذلك في إطار الدستور "الشريعة"3. 4 ـ الفروق الأساسية بين العقد الاجتماعي والبيعة في الإسلام من هذه الفروق: أ ـ إن فكرة العقد الَجتماعي تقوم في الحقيقة على الخيال، فالعقد فيها مفترض غير واقعي من حيث أنه لم يكتمل مفهومه السياسي إلَ إذا افترضنا أن جميع الشعب وكافة طوائفه مشتركة فيه وهذا ما لم يحصل قط. 1 الحريات العامة1 /262.) 2 المصدر نفسه1 /262.) 3 الحريات العامة1 /262.)
عدد الصفحات ٦٧68 بينما عقد البيعة على الإمامة في الإسلام واقعي فقد كانت تتم البيعة فعلاً، فبمبايعة أفراد الشعب للإمام أمر واقعي وليس أمراً مفترضاً في الخيال، من حيث أن البيعة تتم من خلال أهل الحل والعقد أولَ تتابعهم العامة على ما عقدوا عليه. ب ـ نظرية العقد الَجتماعي تعطي الحاكم سلطة تحديد مدى ما يتنازل عنه الأفراد من الحريات ومدى ما يتحملونه من الت زامات وقيود مما قد يؤدي إلى الَ ستبداد، بينما الرئيس في الإسلام ليست له سلطة تحديد ما للأفراد من حريات وحقوق لأن ذلك أمراً تنظمه النصوص من الكتاب والسنة وقواعد الإسلام العامة. ج ـ إن التعاقد السياسي المفترض في نظرية العقد الَجتماعي ما هو إلَ اتفاق بين الفرد والجماعة على انضمام الفرد للجماعة، فهو أمر شخصي مقصود به دخوله في الجماعة فالمصلحة فيه فردية ولم يكن وسيلة لإبداء رأي الأمة في شأن عام من شؤونها. بينما البيعة وسيلة للتعبير عن رأي الأمة وإن لم يشارك في التعبير كل الأفراد وإنما ممثلون عنهم1. 5 ـ كيفية اختيار رئيس الدولة أ ـ حقائق لابد من ذكرها: قبل الحديث عن اختيار رئيس الدولة لَبد من ذكر الحقائق الثلاثة التالية: الحقيقة الأولى: إن الشريعة الإسلامية توجب على المسلم أن يكون مواطناً في دولة الإسلام، وتحت إمرة رئيس تلك الدولة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»2. أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لَ إمام لهم ولقد كانت سيرة الصحابة رضوان الله عليهم تطبيقاً حياً ل هذا النص وأمثاله .. ولهذا رأيناهم انصرفوا على تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أسلم الروح إلى الرفيق الأعلى، إلى سقيفة بني ساعدة لَختيار ـ 1 البيعة أحكام ومضامين، د. عبد الله الوشلي، ص137. 2 مسلم، ك الإمارة3 /1478)، رقم1825.
عدد الصفحات ٦٨69 الخليفة الأول ـ حتى إذا تمت البيعة للصديق رضي الله عنه أقبلوا على جهاز المصطفى صلى الله عليه وسلم وما حملهم على ذلك إلَ الخشية من أن يبقوا دون دولة أو من غير دولة1. الحقيقة الثانية أن الرسول قد انتقل إلى جوار ربه سبحانه وتعالى دون أن ينص على استخلاف أحد. الحقيقة الثالثة: أن نصوص الشريعة لم تأت على ذكر الطريقة التي يتم بها اختيار رئيس الدولة، سكتت عن ذلك من غير نسيان، وتركت اختيار رئيس الدولة للأمة لتمارس بكل إرادتها الطريقة التي تراها محققة لمصلحتها على ضوء ما يقدمه عصرها وواقعها من تجارب نافعة ورأي مفيد، وهذه رائعة من روائع الإسلام الدالة على أنه الدين الذي تجد فيه الإنسانية سعادتها في كل العصور والأمصار. ب ـ الأمة في النظام الإسلامي: هي صاحبة الحق في اختيار الحاكم كونها مسؤولة عن تنفيذ الشرع: وبيان ذلك بأن القرآن الكريم خاطب الأمة بتنفيذ أحكام القانون الإسلامي في المعاملات والعقوبات ونحوها، وجعلها مسؤولة عن هذا التنفيذ من هذه الخطابات: ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (البقرة، آية: 278.) ــ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ (المائدة، آية: 38.) ــوقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة ﴾ (النور، آية: 2.) فهذه النصوص، وأمثالها في القرآن كثيرة، خطابات للأمة بمجموعها، تجعلها مسؤولة عن تنفيذ القانون الإسلامي، وكان من المتعذر عليها في الواقع بصورتها الجماعية مباشرة جميع سلطاتها وقيامها بواجب ا لتنفيذ، فإنه من الواجب عليها الإ نابة فيه بأن 1 حقوق الإنسان وحر ياته الأساسية هاني سليمان، ص 213.
عدد الصفحات ٦٩70 تختار الرئيس أو الحاكم ليزاول ما تملكه من سلطة نيابة عنها، وينفذ ما هي مكلفة به شرعاً، وهكذا ظهرت النيابة عن الأمة، إذ من المعروف أن مالك السلطة أو الحق ليس من اللازم عليه شرعاً أن يستعمل حقه بنفسه بل له أن يوكل أو ينيب غيره في مباشرة ما يملكه. ثم إن الأحاديث النبوية التي زخرت بها السنة تؤيد هذا الحق للأمة، حيث أوجبت على الأمة تنصيب إمام عليها، ومنعت بقاءها بدون إمام والسوابق الدستورية في ذلك كثيرة، حيث أجمع الصحابة على أن الَختيار من الأمة هو طريق ثبوت الرئاسة، ولم يعلم أن أحداً منهم نازع في ذ لك1. جـ ـ وسيلة إسناد السلطة للحاكم من قبل الأمة: إذا كانت الأمة هي صاحبة الحق في اختيار الحاكم فكيف تباشر هذا الحق على صعيد الواقع؟ أيقوم به أفراد الأمة مباشرة؟ أم يقوم بهذا الحق طائفة منهم بتحويل منها؟ الواقع أن ا لَ نجد في النظام الإسلامي إلزاماً بصورة واحدة من هاتين الصورتين دون الثانية، مما يدل على أن تنظيم هذا الأمر متروك لتقدير الأمة حسب الظروف والأحوال، فيمكن أن يكون الحاكم بطريقة الَنتخاب المباشر أو غير المباشر، فكلاً الطريقتين مما تتسع له قواعد الشريعة الإسلامية2. دطريقة الانتخاب المباشر: الَنتخاب بشكل عام يقصد به: المفاضلة بين من طلبوا ولَية منصب ما من المناصب التي تم توليها بهذه الطريقة، واختيار الأصلح منهم، من وجهة نظر صاحب الحق في الَختيار، وهذا بعد تحقق الشروط المطلوبة لذلك المنصب. وهذه الطريقة في اختيار الحاكم تجد سندها في قوله تعالى: ﴿وَأَم رُهُمْشُورَىْبَي نَهُم ﴾ (الشورى، آية: 38.) 1 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ص215. 2 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، ص215.
عدد الصفحات ٧٠71 فهذا النص القرآني بظاهره يوجب أن يتشاور أفر اد الأمة ـ لَ فئة متميزة منها ـ في شؤونهم وفي أعلاها انتخاب رئيس الدولة، فيباشرون جميعاً هذا الحق إلَ من استثني منهم بدليل شرعي لعدم التكليف1. وتقوم هذهالطريقة على إعطاء كل مواطن توافرت فيه شروط الناخب حق التصويت لَختيار رئيس الدولة وذلك بعد الإعلان عن المرشحين، مع ملاحظة أنه لَ يُقبل ترشيح إلَ من توافرت فيه الشروط المطلوبة للخليفة، لأن منصب الإمامة ليس منصباً تشريفياً وإنما هو عمل وجهد ومسؤولية. ولَ مانع شرعاً من أن يترشح لهذا المنصب أكثر من واحد، بل هذا هو المطلوب تجنباً للشورى الشكلية والمرشح الفائز بأغلبية أصوات الناخبين يتولى أخذ البيعة الخاصة من أهل الحل والعقد عن طريق مباشر كوضع اليد في اليد، أم ا عامة الناس فتكون بيعتهم في صيغة من الصيغ التي تراها الدولة مناسبة2. على أن البيعة هنا لَ تعني الَنتخاب والَختيار وإنما تعني الموافقة على نتيجة الَنتخاب واختيار الخليفة الجديد، ومعاهدته على الطاعة له والَنصياع لأوامره. هـ : طريقة الانتخاب غير المباشر: وتقوم هذه الطريقة على أساس أن يقوم أهل الحل والعقد بالمفاضلة بين المرشحين لمنصب الإمامة إلى أن يستقر رأيهم أو رأي أكثريتهم على اختيار واحد من المرشحين، وبهذا الَختيار تنعقد الإمامة للرئيس الجديد، وبعدها يتولى الرئيس المنتخب أخذ البيعة من عامة الناس وبالطريقة التي تراها الدولة مناسبة، وذلك تأكيداً لبيعة أهل الحل والعقد له، وإعلاناً للدخول في طاعته3. وهذه الطريقة في الَنتخاب تجد سندها في السوابق الدستورية الثابتة في عصر الخلفاء الراشدين، فقد تم انتخاب الخلفاء الراشدين ـ وعصرهم خير العصور فهماً للإسلام 1 المصدر نفسه، ص216. 2 المصدر نفسه، ص216. 3 حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، ص216.
عدد الصفحات ٧١72 وتطبيقاً له ـ من قبل طائفة من الأمة، وهم أهل الحل والعقد، وتابعهم بعد ذلك الناس الموجودين في المدينة، فبايعوا من اختاره أهل الحل والعقد للرئاسة، ولم ينتخبهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية 1، ولم ينقل لنا اعتراض على هذه الكيفية لَ من الخلفاء الراشدين أنفسهم ولَ من غيرهم، فيكون ذلك إجماعاً منهم على صحة الَنتخ اب غير المباشر في إسناد السلطة للحاكم، كما نجد سندها في أن صاحب الحق ـ وهي الأمة التي لها حق الَختيار ـ لها أن تنيب طائفة. 1 المصدر نفسه، ص217.
عدد الصفحات ٧٢73 رابعاً: تحليل خطاب أبي بكر بعد البيعة العامة كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في الن ظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه "أركان وضمانات الحكم الإسلامي"، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه "نظرية الدولة في الإسلام" وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إل هي، وتقرير المبادئ الدستورية الإل هية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء1. وكذلك أوردها توفيق الشاوي ضمن كتابه: فقه الشورى والَستشارة وقال: إن الفقه الإسلامي يكبح جماح سلطان الحكام، لأنه يحصر ولَية الحكومة الشرعية في نطاق التنفيذ، ويحجبها عن ميدان الفقه ويفرض الأساس التعاقدي للدستور الذي يفصل شروط البيعة الحرة ويقيد سلطة الحكام، وينظم مساءلتهم والرقابة على أعمالهم، ويحمي استقلال المؤسسات المستقلة عنهم في ميدان الفقه والعلم والتعليم والأوقاف وبين المال والزكاة2. ويظهر أن توفيق الشاوي يحدد أسس وضمان العدالة في الحكم الإسلامي فيما يلي: ــ استقلال الشريعة والفقه على سلطة الدولة التنفيذية. ــ اختيار الرئيس يقوم على أساس البيعة الحرة. ــ الحد من سلطة الحاكم. ــ مراقبة الحاكم ونقده وتقويمه. ــ استقلال المؤسسات العلمية والتعليمية والمالية عنهم3. 1 نظرية الدولة في الإسلام، ص176 ـ187. 2 الَجتهاد الفقهي المعاصر، د. حبيبة أبو زيد، ص150. 3 الَجتهاد الفقهي المعاصر، د. حبيبة أبو زيد، ص150.
عدد الصفحات ٧٣74 وقد جاء في خطبة الص دِّيق حينما وُ ل ي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة. فقد نص خطاب الصّدِّيق رضي الله عنه على الآتي: أما بعد: ــ أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم. ــ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. ــ الصدق أمانة والكذب خيانة. ــ والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله. ــ لَ يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلَ ضربهم الله بالذل. ــ ولَ يشيع في قوم قط الفاحشة إلَ عمهم الله بالبلاء. ــ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم1. فنص الخطاب يتضمن أهم شروط البيعة التي يلتزم بها الإمام وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها: 1 - أول حاكم بعد الرسول إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لَ يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطىء ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة. 2 ـ التواضع الكبير إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تم ت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه2. 3 ـ البيانالوزاري للسلطة: 1 البداية والنهاية6 /305 ـ306) إسناده الصحيح 2 البداية والنهاية6 /305 ـ306) إسناده الصحيح
عدد الصفحات ٧٤75 إن قول أبي بكر رضي الله عنه«وُل يت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معر ض للخطأ والمحاسبة وأنه لَ يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يد عون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية1. وهذه مدرسة الإسلام في تقديم النماذج القيادية للسلطة التنفيذية، من معالمها التواضع الجم، وإلَ فأبو بكر خير الناس بعد محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء المرسلين بلا منازع بنصوص واضحة وصريحة من الكتاب والسن ة، ولكن أبا بكر يؤسس لمنهج التواضع السياسي الذي ينبغي أن يسير عليه مواطنو الدولة الإسلامية وخاصة رئيسهم لأنه القدوة بالنسبة للآخرين. إن التواضع المطلوب في الإسلام هو التواضع الشامل في الأخلاق والكلام والأفعال والملبس والمأكل والمشرب والمركب لَ يُستثنى من ش ؤون الحياة شيء2. 4 ـ حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني3. فهذا الص دِّيق يقر بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الص دِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لَ يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالَت والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ ، ومن صفته باعتباره رسولًَ يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته 1 الَجتهاد الفقهي المعاصر، ص150. 2 التحليل السياسي2 /50.) 3 البداية والنهاية6 /305.)
عدد الصفحات ٧٥76 صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُ ستمدَّ ين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم1. إن الأمة في فقه أبي بكر لها إ رادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألَ يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكر م فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله تستوجب تبجيله وإحلاله، وإكرامه، إجلالًَ وإكراماً لشرع الله الذي ين افع عنه ويدافع عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلا الله تعالى، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط»2. والأمة واجب عليها أن تناصح ولَة أمرها قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» ـ ثلاثاً ـ قال ا لصحابة: لِ من يا رسول الله؟. قال: «لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»3. ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الَستقامة رهن باستقامة ولَتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للص دِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يحسن أن يقر ره والشيء المحزن أن كثيراً من الدول الإسلامية تعرض عن هذا النظام الحكيم، فعظم مصيبتها في تسلط الحكام وجبروتهم، والتخلف الذي يعم معظم ديار المسلمين ما هو إلَ نتيجة لتسلط بغيض "ودكتاتورية" لعينة، أماتت في الأمة روح التناصح والشجاعة وبذرت فيها وزرعت فيها الجبن والفزع إلَ من رحم ربي4. 1 فقه الشورى والَستشارة، ص441. 2 صحيح سنن أبي داود، رقم3504. 3 مسلم، ك الإيمان، رقم55. 4 أبو بكر الص دِّيق للص لاَّبي، ص: 127.
عدد الصفحات ٧٦77 ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الص دِّيق الرشيده في إدارة الحكم. 5 ـ الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الص دِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُ لق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق. ــ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَ ا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة، آية: 119.) ومن التحذير من الكذب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر»1. فهذه الكلمات(الصدق أمانة) اكتست بالمعاني، فكأن لها روحاً تروح وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، (والكذب خيانة) وهكذا يأبى أبو بكر إلَ أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكماً يتعاطى الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الص دِّ يق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول .. وهل بعد الخيانة من عداوة؟. حقاً ما زال الص دِّيق يطل على الدنيا من موقفه هذا، فيرفع أقواماً ويسقط آخرين، وتظل صناعة الرجال أرقى فنون الحكم، إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدفع به عن نفسها ملمات الأيام، ولَ شك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقه الخبر بأن الرجل كان رائداً في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير على النهج النبوي الكريم 2. 1 مسلم، ك الإيمان، رقم172. 2 أبو بكر رجل الدولة. مجدي حمدي، ص36 ـ37.
عدد الصفحات ٧٧78 إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الَنتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولَبد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا1، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها 6 ـ إقرار مبدأ العدلوالمساواة بين الناس: قال أبو بكر الص دِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُر جع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»2. إن من أهداف دولة الص دِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولَ يعرف العدل. إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولًَ، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل3. قال الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل 4، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة. إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُ بل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهداً أو مالًَ ، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه . لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون 1 فقه الشورى والَستشارة، ص442. 2 البداية والنهاية6 /305.) 3 فقه التمكين في القرآن الكريم، ص455. 4 تفسير الرازي10 /141.)
عدد الصفحات ٧٨79 النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الَجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولَ يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالًَ أو أصحاب عمل1. قالتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلََ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (المائدة، آية: 8.) لقد كان الص دِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام، ف يه تفتح قلوب الناس للإيمان . لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى2. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الص دِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداه، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولَ يدخل علينا أحد إلَ بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ..... فقال عمر: والله لَ يستقد ولَ تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها3. وأما مبدأالمساواة الذي أقره الص دِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُ عدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. 1 فقه التمكين في القرآن الكريم، ص945. 2 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 128. 3 المصدر نفسه، ص128.
عدد الصفحات ٧٩80 ومما ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَاْأَيُّهَاْالنَّاسُْإِنَّاْخَلَقْنَاكُمْمِّنْ ذَكَرٍْوَأُنثَىْوَجَعَلْنَاكُم ْشُعُوبًاْوَقَبَائِلَْلِتَعَارَفُواْإِنَّْأَكْرَمَكُم ْعِندَْاللَّهِْأَتْقَاكُم ْإِنَّْاللَّهَْعَلِيم ْ ْخَبِير ﴾ (الحجرات، آية: 13.) إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء1. وجاءت ممارسة الص دِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُ عطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غي ر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلَ أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس2. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففر قها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير3، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلَء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لَ تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها ... إنه 1 فقه التمكين في القرآن الكريم، ص461. 2 الأحكام السلطانية للماوردي، ص201. 3 الأحكام السلطانية للماوردي، ص201.
عدد الصفحات ٨٠