المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التداول على السلطة التنفيذية

علي محمد الصلابي

صفحة ٤ من ١٥

49 ــاختاره صلى الله عليه وسلم ضمن الوفد الذي أرسل للتأكد من خيانة بني قريظة، وذلك أثناء غزوة الخندق، وأتمَّ مع الفريق الذي معه المهمة على أكمل وجه. ــ استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة عند خروجه صلى الله عليه وسلم لغزوة الغابة لَسترداد إبل المسلمين اللقاح 1، التي أغار عليها عيينه بن حصن الفزاري في خيل لغطفان، وبذلك يكون تقديم الأنصار لسعد بن عبادة لتاريخه المشرف وجهوده في خدمة الإسلام، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلَ أن الأنصار وسعد بن عبادة بعد حجج الص دِّيق اقتنعوا برأيه وبايعوا جميعاً أبا بكر بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة، إذ أنه نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن لل ص دِّيق بالخلافة وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الص دِّيق رضي الله عنه في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات لَ بسيطة ولَ خطيرة، ولم يثبت أي انقسام أَ فْرُق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة كما زعم بعض كُ ت اب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي، بل ازدادت توثقاً كما يثبت ذلك النقل الصحيح، ولم يثبت النقل الصحيح تآمراً حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيد ة لَحتكار الحكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم2، فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك. وقد حاول بعض الكُ ت اب من المؤرخين أصحاب الأهواء أن يجعلوا من سعد بن عبادة منافساً للمهاجرين يسعى ل لخلافة بِشَرَه ويدبر لها المؤامرات، ويستعمل في الوصول إليها كل أساليب التفرقة بين المسلمين، هذا الرجل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام والصحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لَ يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن يحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصل في غمار هذه الفرقة على منصب الخلافة، كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه ـ بعد بيعة أبي بكر 1 الإبل الحوامل ذوات الألبان، التحليل السياسي2 /27.) 2 استخلاف أبي بكر، جمال عبد الهادي، ص: 50،51،53.

عدد الصفحات ٤٩

50 ـ كان لَ يصلي بصلاتهم ولَ يفيض في الحج بإفاضتهم1، كأنما انفصل سعد بن عبادة عن جماعة المسلمين2. فهذا باطل ومحض افتراء فقد ثبت من خلالالروايات الصحيحة أن سعداً بايع أبا بكر، فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة، فذكر فضل الأنصار وقال: ولقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعبً ا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار»3. ثم ذك ر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة لَ ترد فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم». قال سعد: صدقت ونحن الوزراء وأنتم الأمراء4، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد5. وبهذا تثبت بيعة سعد بنعبادة، وبها يتحقق إجماع الأنصار على بيعة أبي بكر، ولَ يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة، بل سيكون ذلك مناقضاً للواقع واتهاماً خطيراً أن ينسب لسيد الأنصار العمل على شق عصا المسلمين والتنكر لكل ما قدمه من نصرة وجهاد وإيثار للمهاجرين، والطعن بإسلامه من خلال ما ينسب إليه من قول: لَ أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي فكان لَ يصلي بصلاتهم ولَ يجمِّع بجماعتهم ولَ يقضي بقضائهم ولَ يفيض بإفاضتهم 6، أي: في الحج إن هذه الرواية التي استُغِلَّت للطعن بوحدة المهاجرين والأنصار وصدق أخوتهم ما هي إلَ رواية باطلة للأسباب التالية: أن الراوي صاحب هوى، وهو "إخباري تالف لَ يوثق به"7، ولَسيما في المسائل الخلافية 1 الخلافة والخلفاء الراشدون سالم البهنساوي، ص48. 2 المصدر نفسه، ص49. 3 صحيحالبخاري، كتاب التمني، رقم: 7244. 4 مسند الإمام أحمد، رقم18 صحيح لغيره 5 الأنصار في العصر الراشدي، ص102. 6 تاريخ الطبري4 /42.) 7 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 109.

عدد الصفحات ٥٠

51 قال الذهبي عن هذه الرواية: وإسنادها كما ترى1، أي في غاية الضعف أما متنها فهو يناقض سيرة سعد بن عبادة وما في عنقه من بيعة على السمع والطاعة ولما روي عنه من فضائل2. 4ـ أبو بكر وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع استطاع أبو بكر أن يدخل في نفوس الأنصار فيقنعهم بما رآه هو الحق، من غير أن ي عرِّض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة ، والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه ليكون مهي أ لقبول الحق إذا تبين له، وقد كان في هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أن أفضله م وإن كان كبيراً لَ يعني أحقيتهم في الخلافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أن المهاجرين من قريش هم المقد مون في هذا الأمر 3. وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر استدل على أن أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار خيراً، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، ومما ا حتج، أبو بكر على الأنصار قوله: إن الله سم انا "الصادقين" وسم اكم "المفلحين" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهَِّ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهََّ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ (الحشر، آية: 8 ـ9.) 1 سير أعلام النبلاء1 /277.) 2 الأنصار في العصر الراشدي، ص102،103. 3 التاريخ الإسلامي، عبد العزيز الحميدي9 /24.)

عدد الصفحات ٥١

52 وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُواْ اللهَّ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ (التوبة، آية: 119.) إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية؛ فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه1. وبين الص دِّيق في خطابه أن مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا من يدين لهم العرب بالسيادة، وتستقر بهم الأمور، حتى لَ تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لَ يعترفون بالسيادة إلَ للمسلمين من قريش لكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ولِمَ استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم. وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الص دِّيق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء معينين وجنوداً مخلصين، كما كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك توحد صف المسلمين2. 5 ـ التنافس بين المرشحين رأى أبو بكر الص دِّيق أن يرشح كلاً من عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فعمر من المحدثين الملهمين بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أبو عبيدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»3. ثم برز مرشح آخر قدم نفسه وهو من الأنصار وهو الحباب بن المنذر رضي الله عنه ويبدو أنه له فهم آخر وهو من عُرف بـ(ذي الرأي)، فقدَّ م نفسه في حملة إعلامية أمام الجميع، بأنه صاحب الرأي والمشورة وهو الجواد والكريم بقوله: أنا جُذيلها المحك ك وعُذيقها المرجَّب، وقدَّ م مقترحاً جديدً ا بقوله: منا أمير ومنكم أمير، ولكن هذا المبدأ "منا أمير ومنكم أمير" رُفض، لأن ذلك ليس من أصول السياسة الإسلامية التي أقرت منذ البداية بوجود رئيس واحد على هرم السلطة4. 1 العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، ص10. 2 التاريخ الإسلامي9 /24.) 3 البخاري، كتاب: المغازي، باب قصة أهل نجران 4 التحليل السياسي2 /32.)

عدد الصفحات ٥٢

53 وأوضح عمر رضي الله عنه؛ إن إقامة أميرين بمثابة: وضع قوة في مواجهة قوة أخرى، مما يفضي حتماً إلى التنازع، وقال: هيهات أن يجتمع اثنان في قرن. سيفان في غمد واحد لَ يصطلحان . وتوحدت وجهات النظر بعد نقاش وحوار ووضعت الرئاسة في محلها الصحيح1. 6 ـ ترشيح أبي بكر رضي الله عنه لرئاسة الدولة وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قد آن الأوان لتقديم مقترح لَ يختلف فيه اثنان من الصحابة، شخص له من الَمتيازات والمناقب والشمائل، ما لَ يعد ولَ يحصى، فقد م أبا بكر الص دِّيق وقال له: ابسط يدك نُ بايعك، فلما جاء عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما ليبايعا أبا بكر الص دِّيق ، سابقهم صحابي من الأنصار هو بشير بن سعد الخزرجي رضي الله عنه، وكان موقفاً نبيلاً منه، فبايعه رضي الله عنه المهاجرون، ثم الأنصار، وحُ سِم الأمر لأبي بكر رضي الله عنه وكانت هذه البيعة تمثل بيعة أهل الحل والعقد في الأمة. وبعد أن بايع أهل الحل والعقد وأهل الشورى في الدولة أبا بكر الص دِّيق رضي الله عنه كرئيس للدولة لم يكتف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك لما يمتلك من حكمة رجل السياسة والرأي، فجمع الناس في اليوم الثاني وأعلن البيعة لأبي بكر ورئيساً للدولة وفق المصطلحات السياسية المعاصرة، فبايعه الناس جميعاً ولم يتخلف إلَ من كان له عذر وهم قلة يُعد ون على أصابع اليد، وقد بايعوا فيما بعد. لقد كان في أبي بكر الص دِّيق رضي الله عنه من المواصفات ما لم تكن في غيره، بحيث اجتمعت عليه الأمة بهذا الشكل فلم يكن الأمر بالهين، فقد كان الناس من المهاجرين والأنصار وغيرهم بالأمس القريب تحت إمرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بما كانت فيه من مواصفات هائلة أكرمه الله سبحانه وتعالى بها من الوجو د كافة، فأي شخص في نظر الناس لَ يمثل في القيمة والمكانة شيئاً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من السهل تجاوز هذا الشعور لدى الناس. ولكن رغم كل ذلك فقد قبلوا بأبي 1 الدور السياسي للصفوة، د. السيد عمر1 /291.)

عدد الصفحات ٥٣

54 بكر رضيالله عنه رئيساً لهم، لأنهم يعرفون قبل غيرهم بم كان يمتاز أبو بكر الص دِّيق رضي الله عنه عن بقية الصحابة فضلاً عن بقية الناس 1، فقد تحلى بصفات وملكات وأخلاق نادرة أهلته لرئاسة الدولة منها: أ ـ تميز بأنه ظَ لَّ طول حياته بعد الإسلام متمتعاً بثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وشاهدته له واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لَ يستصحب فيها الإنسان إلَ من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الَعتماد. ب ـ تميز بالتماسك والصمود في وجه الأعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولُ بهِّ ، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة. ج ـ تميز في فهمه الدقيق للإسلام، ومعايشته له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف أطواره وألوانه، وحرب وخوف وأمن ووحدة واجتماع، وشدة ورخاء. د ـ تميز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيِّه غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات والبنين والبنات، ولَ يحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه. هـ ـ كان دقيقاً كل الدقة وحريصاً أشد الحرص في تنفيذ رغبات الرسول صلى الله عليه وسلم من الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لَ يحيد عن ذلك قيد شعرة ولَ يساوم فيه أحداً ولَ يخاف لومة لَئم. و ـ كان أبو بكر من الزاهدين في متاع الدنيا والتمتع به، زهداً لَ يُتصور فوقه إلَ عند امامه وهاديه سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وألَ يخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعها لصالح عشيرته وورثته كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب 1 التحليل السياسي2 /32،33.)

عدد الصفحات ٥٤

55 الدول والحكومات من جزيرة العرب كالروم والفرس1، وقد اجتمعت هذه الصفات في سيدنا أبي بكر وغيرها وتمثل بها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد وف اته واستمرت معه حتى توفاه الله تعالى، بحيث لَ يسع مُ نكر أن ينكره أو مشك ك يشك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر2. لقد تبي ن للدارسين أن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شؤون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الإسلامية وعلى حماية الدين والأ مة بالجهاد وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم، وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد وهذا ثابت بالقرآن والسنة والإجماع كما مر معنا. 7ـ زهد عمر وأبي بكر في الخلافة: بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قد م عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها: كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ولَ يقرِّبني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر 3. ومن هذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة، قال له: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، وجاء في رواية: قال عمر: ... يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه؟، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر4. وهذا ملحظ مهم وُف ق إليه عمر رضي ا عنه، وقد اهتم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته فأصرَّ على إمامة أبي بكر، وهو من باب الإشارة بأنه أحق من غيره بالخلافة، وكلام عمر رضي الله عنه في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زُ هد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها عن قبول الخلافة حيث 1 المرتضى، سير أبي الحسن على بن أبي طالب لأبي الحسن الندوي، ص65،66. 2 المصدر نفسه، ص67. 3 صحيح البخاري، ك المحاربين، رقم: 6830. 4 مسند أحمد1 /21) وصحح إسناده أحمد شاكر، رقم133.

عدد الصفحات ٥٥

56 قال«وَاللهَِّ ، مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَ لَيْلَةً قَطُّ ، وَلَ كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا ، وَلَ سَأَلْتُهَا اللهََّ عَزَّ وَجَلَّ فِي سِرٍّ وَلَ عَلانِيَة ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَمَا لِي فِي الإِمَارَ ةِ مِنْ رَاحَة ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ مِنْ طَاقَة وَلَ يَدَ إِلَ بِتَقْوِيَةِ اللهَِّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي الْيَوْمَ » 1. وقد ثبت أنه قال: ودد ت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبي عبيدة أو عمر وكنت وزيراً 2، وقد تكررت خطب أبي بكر في الَعتذار عن تولي الخلافة وطلبه بالتنحي عنها فقد قال: ... أيها الناس هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس وأنا أجيبكم ، وأكون كأح دكم، فأجا به الناس : رضينا بك قسماً وحظاً وأنت ثاني اثنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم3. وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أية معارضة لخلافته واستحلفهم على ذلك فقال أيها الناس أذكر الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه ، فقام علي بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رجلاً على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لَ نقيلك ولَ نستقيلك قد مك رسول الله فمن ذا يؤخرك؟ 4 ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسؤولية، بل إنها روح العصر. 8 ـ حرص الجميع على وحدة الأمة من هذه النصوص التي تم ذكرها يم كن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لَ يخرج عن هذا الَتجاه ، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سراعاً لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلَ فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من 1 المستدرك3 /66) قال الحاكم: حديث صحيح وأقره الذهبي 2 الأنصار في العصر الراشدي، حامد الخليفة، ص108. 3 الخلافة الراشدة للعمري، ص13. 4 الأنصار في العصر الراشدي، ص108.

عدد الصفحات ٥٦

57 الأنصار وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين، والأنصار كما زعمه بعضهم1، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقاً وغرباً مجاهدين لتثبيت أركانها ولو لم يكونوا متحمسين لنصرتها2. فالصواباتضح على حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الدولة والَندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يختلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من المسلمين وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في روايتهم المغرضة3. 9ـ حديث: الأئمة من قريش: ورد حديث: «الأئمة من قريش » في الصحيحين، وكُ تب الحديث الأخرى، بألفاظ متعددة، ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّ ه اللهُ في النار على وجهه ما أقاموا الدين»4، وفي صحيح مسلم: « لايزال الإسلام عزيزاً بخلفاء كلهم من قريش »5. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان»6. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الناس تبع لقريش في هذا الشأن لمسلمهم وكافرهم لكافرهم »7، وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثاً ما أحدثه كل أحد كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب8، فقال«الأئمة من قريش إن لهم عليكم 1 الإسلام وأصول الحكم، محمد عمارة، ص71 ـ74. 2 الأنصار في العصر الراشدي، ص109. 3 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 108. 4 البخاري، ك الأحكام، رقم7140. 5 مسلم، ك الإمارة، رقم1821. 6 البخاري، ك الأحكام، رقم7140. 7 مسلم، ك الإمارة، رقم1818. 8 الفتح الرباني للساعاتي، باب الخلافة ج5 (23 /65.)

عدد الصفحات ٥٧

58 حقاً، ولكم عليهم حقاً مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا»1. وفي فتح الباري أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب الأُ مراء من قريش أسندها إلى كتب السُ نن والمسانيد والمصنفات2، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لَ يكاد يخلو منها كتاب من كُ تب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة إلَ أنها متقاربة تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط، أما ما سوى ذلك فيتساوى فيه جميع المسلمين3، وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش، حذرت من الَنقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية، وكما جاء في حديث أنس: «إن استرحموا فرحموا وإن عاهدوا أوفوا وإن حكموا عدلوا4، ومن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»5. وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إذا زاغوا عن الحُ كم بما أنزل الله، فإن لم يتمثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خط راً على الأمة، وحذ رت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله ودعت إلى اجتنابهم والبُ عد عنهم واعتزالهم، لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن هلاك أمتي أو فساد أمتي على يدي أغيلمة6 سفهاء من قريش»7، وعندما سئل صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن الناس اعتزلوهم»8، ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول 1 المصنف لأبي شيبة5 /544.) 2 الأنصار في العصر الراشدي، ص111. 3 المصدر نفسه، ص111. 4 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 111. 5 مصنف ابن أبي شيبة5 /544.) 6 أغيلمة: تصغير أغلمة والمفرد: غلام وهو حين يولد إلى أن يثيب. 7 البخاري، ك الفتن، رقم7058. 8 دلَئل النبوة البيقهي6 /464) صحيح ابن حبان، رقم6713.

عدد الصفحات ٥٨

59 الله صلى الله عليه وسلمعلى السمع والطاعة، والصبر على الأثرة وأن لَ ينازعوا الأمر أهله، إلَ أن يروا كفراً بو احاً عندهم من الله فيه برهاناً 1. فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث: «الأئمة من قريش» كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لَ يعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الص دِّيق ، ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تمَّ بالتشاور والَحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا نفسه بالخلافة، مم ا يؤكد اقتناع الأنصار، وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج 2، وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال: إن حديث «الأئمة من قريش» شعار رفعته قريش لَستلاب الخلافة من الأنصار أو أنه: رأي لأبي بكر وليس حديثاً رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما كان فكراً سياسياً قرشياً، كان شائعاً في ذلك العصر يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين، وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ما هي إلَ صورة من صور التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام الذي قام أساساً على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار، حتى قال فيهم أبو بكر: نحن الأنصار، كما قال القائل: أبوا أن يملونا ولو أن أُمَّنا تلاقي الذي يلقون منا لملت3 10 ـ الشورى الجماعية فيحادثة السقيفة: أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيام الأمة لَ تقام إلَ بالَختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الَختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لَ يتولَها إلَ الأصلب ديناً والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الرئاسة لَ تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو 1 البخاري، ك الفتن، رقم7056. 2 الأنصار في العصر الراشدي، ص116. 3 المصدر نفسه، ص116.

عدد الصفحات ٥٩

60 القبلية، وأن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لَ هرج ولَ مرج، ولَ تكذيب ولَ مؤامرات، ولَ نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية1. وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في سقيفة بني ساعدة حيث قال:  ـأول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن "نظام الحكم ودستور الدولة" يقرر بالشورى الحرة تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي إن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى المُ لزِ مة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلَ تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى2.  ـتقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار ر ئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطانه يجب أن يتم بالشورى، أي بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولَية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الَختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.  ـتطبيقاً للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية3. 1 دراسات في عهد النبوة لعبد الرحم ن الشجاع، ص256. 2 أبو بكرالص دِّيق للصَّلاَّبي، ص: 121. 3 فقه الشورى والَستشارة، ص140 للشاوي

عدد الصفحات ٦٠

61 ثم إن هذا الترشيح لم يَصِحَّ نهائياً إلَ بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قبوله لها بالشروط التي ذُكرت 1، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى ثالثاً: البيعة العامة: 1 ـ الاجتماعبالمسجد النبوي: بعد أن تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه في اليوم التالي موقفاً في تأييد أبي بكر حينما اجتمع المسلمون للبيعة2 العامة: قال أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولَ كانت عهداً عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ـ يقول يكون آخرنا ـ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه»، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّ موني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُر جع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لَ يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلَ ضربهم الله بالذل، ولَ تشيع الفاحشة في قوم إلَ عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله»3. 1 المصدر نفسه، ص142. 2 عصر الخلفاء الراشدين، د. فتحية النبراوي، ص30. 3 البداية والنهاية6 /305 ـ306) إسناده صحيح

عدد الصفحات ٦١

62 وقال عمر لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة1. وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب الإسلامية على إيجازها، وقد قرر الص دِّيق فيها قواعد العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، ورك ز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الَنهيار والفساد2، ومن خلال الخطبة والأحداث التي تمت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن للباحث أن يستنبط بعض ملامح نظام الحكم في بداية عهد الحكم الرشيد والتي من أهمها: 2 ـ مفهوم البيعة عر ف العلماء البيعة بتعريفات عدة، منها تعريف ابن خلدون: العهد على الطاعة لولي الأمر3، وعرفها بعضهم بقوله: البيعة على التعاقد على الإسلام4، وعرفت كذلك بأنها أخذ أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة، وإقامة ما أقامه وكان المسلمون إذا بايعوا الأمير جعلوا أيديهم في يده، تأكيداً للعهد والولَء، فأشبه ذلك الفعل البائع والمشتري، فسمي هذا الفعل بيعة، ونتعلم بأن مبايعة الأمة للص دِّيق بأن الحاكم في الدولة الإسلامية إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة، فيجب على المسلمين جميعاً مبايعته والَجتماع عليه، ونصرته على من يخرج عليه، حفظاً على وحدة الأمة وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها5. 1 صحيح البخاري، ك الأحكام، رقم7219. 2 التاريخ الإسلامي9 /28.) 3 المقدمة لَبن خلدون، ص209. 4 جامع الأصول في أحاديث الرسول1 /252.) 5 نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد، ص250.

عدد الصفحات ٦٢

63 قال صلى الله عليه وسلم«من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»1، فهذا الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع عاش على الضلال ومات على الضلال2. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قل به فليطعه، ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»3، فالشارع الحكيم قد رت ب القتل وأمر به، نتيجة الخروج على الإمام مما يدل على حرمة هذا الفعل، لأنه يطالب بيعة أخرى، بالبيعة الأولى التي هي فرض على المسلمين4. والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولة هوالرئيس، وأما في الأقاليم فقد يأخذها الرئيس وقد يأخذها نوابه، كما حدث في بيعة الص دِّيق رضي الله عنه، فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة. والذين تجب بيعتهم للإمام هم أهل الحل والعقد، وأهل الَختيار من علماء الأمة وقادتها، وأهل الشورى وأمراء الأمصار، وأما سائر الناس، وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحت بيعة هؤلَء، ولَ يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهل الحل والعقد5، وهناك من العلماء من قال لَبد من البيعة العامة، لأن الص دِّيق ، لم يباشر مهامه كرئيس للمسلمين إلَ بعد البيعة العامة له من المسلمين6. والبيعة بهذا المعنى الخاص الذي تم للصديق لَ تعطى إلَ لرئيس الدولة، لما يترتب على هذه البيعة من أحكام. خلاصة القول: إن البيعة بمعناها الخاص هو إعطاء الولَء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين الطرفين، الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام 1 مسلم، ك الإمارة، رقم1852. 2 نظام الحكم في الإسلام، ص250. 3 مسلم، ك الإمارة، رقم1852. 4 نظام الحكم في الإسلام، ص253. 5 المصدر نفسه 6 فقه الشورى، د. الشاوي، ص439.

عدد الصفحات ٦٣

64 يبايع على الحكم بالكتاب والسنة، والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة، والأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للرئيس في حدود الشريعة. فالبيعة خصِّيصة من خصائص نظام الحكم في الإسلا م تفرد به عن غيره من النظم الأخرى في القديم والحديث، ومفهومه أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية، ولَ يحق لأحداهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج على أحكام الشريعة، أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد فعل مثل ذلك خروجاً على الإسلام، بل إعلان الحرب على النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم ينفي عنهم صفة الإيمان1. قال تعالى﴿فَلاَْوَرَبِّكَْلاَْيُؤ مِنُونَْحَتَّىَْيُحَكِّمُوكَْفِيمَاْشَجَرَْبَي نَهُم ْثُمَّْلاَْيَجِدُواْْفِيْأَنفُسِهِم ْحَرَجًاْمِّمَّاْقَضَي تَْ وَيُسَلِّمُواْْتَس لِيمًا﴾ (النساء، آية: 65.) فهذا مفهوم البيعة من خلال عصر أبي بكر الص دِّيق 2. ــ والبيعة عقد لَ يحتمل الإكراه. ــ ويحتمل الشروط المسبقة. ــ ولَ إمامة إلَ بعد عقد البيعة. ــ وأنه لَ عقد بيعة إلَ برضا الأمة واختيارها: ــ ولَ رضا بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة وشؤون الأمة. ــ وأنه لَ شورى بلا حرية. ــ وأنه السيادة والطاعة المطلقة لله ورسوله3. 3 ـ نظرية العقد الاجتماعي 1 نظام الحكم في الإ سلام، ص 152 ـ153. 2 أبو بكر الص دِّيق للصَّلاَّبي، ص 125. 3 الحرية أو الطوفان، د. حاكم المطيري، ص21 إلى45.

عدد الصفحات ٦٤