209 وإن حال القهر يمكن أن يتسامح فيها في بعض شروط الإمامة كالعلم أو العدالة، إلَ أن شرط الإسلام لَ يمكن أبداً إسقاطه عن الإمام . وعلى هذا فلو تغلب كافر على هذا المنصب فلا يجوز شرعاً ـ كما يرى ذلك الجمهور ـ السكوت عن هذا الوضع. ويجب خلع هذا المتغلب بقوة السلاح 1، لأن الله سبحانه يقول ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُّ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ (النساء ، آية : 141.) 1 ـ بيعة عبد الله بن عمر لعبد الملك لما أجمع الناس على بيعة عبد الملك بن مروان كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب: أما بعد: فإني قد بايعت لعبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بذلك2، وجاء في رواية: أن ابن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان فبدأ باسمه، فكتب إليه: أما بعد: ﴿اللهُّ لَ إِلَـهَ إِلََّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لََ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِّ حَدِيثًا ﴾ (النساء ، آية : 87)، وقد بلغني أن المسلمين اجتمعوا على البيعة لك وقد دخلت فيما دخل فيه المسلمون والسلام3. وحاول بعض بطانة عبد الملك بن مروان أن يوغروا صدره على ابن عمر لأنه بدأ باسمه قبل اسم الخليفة، فقال عبد الملك: إن هذا من أبي عبد الرحم ن كثير. وكان مما كَ تب به عبد الملك إلى الحجَّاج بن يوسف ألَ يخالف عبد الله بن عمر في الحج لما يعرفه من فضله وفقهه4. 2 ـ ابن عمر رضي الله عنهما والحَ جَّاج: بقي الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على مكة بعد مقتل ابن الزبير وكان عبد الله بن عمر يترك المدينة ويأتي مكة حاجاً أو معتمراً، ويرى أو يسمع من أفعال الحجاج وأقواله المخالفة للشرع، فيأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويرد عليه بكل جرأة وشجاعة، 1 رياسة الدولة في الفقه الإسلامي، ص305، د. محمد رأفت عثمان 2 الطبقات4 /152.) 3 المصدر نفسه4 /152.) 4 عبد الله بن عمر، محيي الدين مستو، ص108.
عدد الصفحات ٢٠٩210 وبعدما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير وتمت له السيطرة على مكة خطب الناس، وكان مما قال: إن ابن الزبير حرَّف كتاب الله ـ وفي روا ية: غيَّ ر كتاب الله ـ فقام ابن عمر وقال: كذبت كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك، ولَ أنت معه1 . وخطب الحجاج الناس يوم الجمعة، فأطال حتى كاد يذهب وقت الصلاة، فقام ابن عمر فقال: أيها الناس قوموا إلى صلاتكم فقام الناس، فنزل الحجاج فصلى، فلما انصرف قال لَبن عمر: ما حملك على ذلك، فقال: إنما نجيء للصَّلاة فصلِّ الصلاة لوقتها ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة2، كما أنكر ابن عمر على الحجاج تهاونه في إشاعة حمل السلاح في مكة، وتركه لرجال جيشه يضايقون به المسلمين ويعرضون حياتهم بذلك للخطر، ففي الصحيح عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه فلزقت قدمه بالركاب، فنزلت فنزعتها وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك، فقال ابن عمر: أنت أصبتني: قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن يدخل السلاح الحرم. وفي رواية عن إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: دخل الحجَّاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ فقال: صالح. فقال: من أصابك، قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لَ يحمل فيه حمله ـ يعني الحجَّاج. ـ ولما خرج الحجَّ اج قال ابن عمر: ما آسى على شيء من هذه الدنيا إلَ على ثلاث، وذكر منها: ألَ أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا3، يقول الذهبي في تعليقه يعني بالفئة الباغية: الحجاج4، وأنا أزيد ومن أرسله 3 ـ منهج ابن عمر في الفتن 1 سير أعلام النبلاء3 /230.) 2 الطبقات4 /186 ،185) سير أعلام النبلاء3 /230.) 3 الطبقات4 /185.) 4 سير أعلام النبلاْ 3 /232.)
عدد الصفحات ٢١٠211 لم يكن ابن عمر بمنأى عن الأحداث السياسية من حوله، بل كانت له نظراتهوتحليلاته لتلك الأحداث، وتميز ابن عمر بموقفه في الفتن تميزاً واضحاً، فقد عايش عدداً من الفتن التي ابتليت بها الأمة الإسلامية آنذاك، وقد كشفت تلك الفتن عن حكمة بالغة ونظرة ثاقبة للأحداث مما جعلته بحق مدرسة مليئة بالدروس المفيدة والآداب الجمَّ ة التي اهتدى بها كثير من الناس في عصره، وأصبحت بعده معلماً يقتدى به من بعده، كما قال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ يُقتدى بعمر في الجماعة وبابنه في الفرقة 1. أ ـ تجنب القتال والحرص على حقن دماء المسلمين وقد وردت عدة روايات توضح موقف ابن عمر رضي الله عنهما من ذلك القتال الدائر في الفتنة الأولى والثانية، فعن القاسم بن عبد الرحم ن قال: قالوا لَبن عمر في الفتنة الأولى: ألَ تخرج فتقاتل؟ فقال: قد قاتلت والأنصاب بين الركن والباب حتى نفاها الله عز وجل من أرض العرب، فأنا أكره أن أقاتل من يقول: لَ إله إلَ الله. قالوا: والله ما رأيك ذلك؟ ولكنك أردت أن يفني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضاً، حتى إذا لم يبق غيرك قيل: بايعوا لعبد الله بن عمر بإمارة المؤمنين، قال: والله ما ذلك فيَّ، ولكن إذا قلتم: حيَّ على الفلاح أجبتكم، وإذا افترقتم لم أجامعكم، وإذا اجتمعتم لم أفارقكم2. وجاءه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالَ: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك من أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، فسأله أحدهما قائلاً: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لََ تَكُونَ فِتْنَة ﴾ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، فلما رأى أنه لَ يوافقه فيما يرد، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ 1 عبد الله بن عمر، محيي الدين مستو، ص212. 2 حلية الأولياء1 /294) لأبي نعيم
عدد الصفحات ٢١١212 قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأشار بيده، وهذا بيته حيث ترون1. ولم يكتفِ ابن عمر رضي الله عنهما بالحرص على كف نفسه وتجن يبها إراقة دماء المسلمين، بل سلك بعض السبل التي تؤدي إلى تجنب المسلمين إراقة الدماء فيما بينهم، من ذلك محاولته الجادة ـ خلال الخلاف بين الزبير وعبد الملك بن مروان لإنهاء القتال بينهما حقناً لدما ء المسلمين2. فروى المدائني: أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يأمره بتقوى الله، وأن يكف نفسه، فكتب إليه عبد الملك أنه سيخرج نفسه ويجعل الأمر شورى، فلما كتب ابن عمر إلى ابن الزبير بذلك لم يلتفت إليه3. ب ـ الحث على السمع والطاعة للإمام القائم، ونهيه عن إثارة الفتنة وتفريق الكلمة: قال ابن عمر رضي الله عنهما: جاءني رجل في خلافة عثمان فإذا هو يأمرني أن أعتب على عثمان، فلما قضى كلامه قلت له: إنا كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة محمد بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وإنا والله ما نعلم عثمان قتل نفساً بغير حق، أو جاء من الكبائر شيئاً، ولكن هو هذا المال، إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه قرابته سخطتم. إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، لَ يتركون لهم أميراً إلَ قتلوه، قال: ففاضت عيناه بأربع من الدمع ثم قال: اللهم لَ تَ رُدَّ ذلك4. وروى سالم بن عبد الله بن عمر: أن أباه قال: لقد عتبوا على عثمان أشياء لو فعلها عمر ما عتبوا عليه5، فانظر إلى أي مدى كان حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنه، لما كان يعلم من خطورة مثل هذا المنحى، وما يؤدي إليه النيل من الخليفة والطغاة فيه من فساد وفرقة، لذا فإن عثمان منحه ثقته، فكان يستشيره إبان محنته مع الغوغاء، فحين 1 هناك رواية: وهذه بنته، ولعل ذلك تصحيف. 2 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /775.) 3 المصدر نفسه1 /775.) 4 ابن عمر، محيي الدين مستو، ص82. 5 العواصم من القواصم لَبن العربي، ص104 ،105.
عدد الصفحات ٢١٢213 دخل عليه ابن عمر قال له عثمان: انظر ما يقول هؤلَء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك، قال له ابن عمر: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لَ قال: هل يزيدون على أن يقتلونك؟ قال لَ، قال: هل يملكون لك جنة أو نار؟ قال: لَ. قال: فلا تخلع قميص الله عليك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه 1. وهذا الرأي من ابن عمر ينم عن بُعد نظر وتقديره لعواقب الأمور ، وقد أ بدى استعداده لحمل السلاح للدفاع عن أمير المؤمنين عثمان والتصدي للغوغاء المحاصرين لعثمان في داره، فقد ذكر ابن سعد عن نافع أن ابن عمر لبس الدرع يوم الدار مرتين. ولما قتل عثمان رأى ابن عمر أن الأمة وقعت في محنة، وأن قتل الخليفة بهذه الصورة معصية شؤمها على الأمة خطير، لذا لما عَرض عليه الغوغاء الخلافة بعد مقتل عثمان قال: إن لهذا الأمر انتقاماً، والله لَ أعترض له، فالتمسوا غيري2. وكان ابن عمر رضي الله عنهما كثيراً ما يركز في نصائحه للعامة على لزوم الجماعة والإعراض عن دماء المسلمين وأموالهم، فكتب له رجل: اكتب إلي بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافاً لسانك عن أعراضهم ، لَزماً لأمر جماعتهم فافعل، والسلام 3. جـ ـ استجابته لكل من دعاه إلى خير، وتعاونه مع أطراف الخلاف فيما يخدم المصلحة: ورد أنه كان لَ يأتي أميراً في زمان الفتنة ، إلَ صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله4. وقيل له: أتصلي مع هؤلَء ومع هؤلَء، وبعضهم يقتل بعضاً؟ فقال: من قال: حيَّ على الصلاة أجبته، ومن قال: حيَّ على الفلاح أجبته، ومن قال: حيَّ على أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لَ5. 1 المصدر نفسه، ص130. 2 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /776.) 3 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /776.) 4 الطبقات الكبرى4 /149.) 5 المصدر نفسه4 /170.)
عدد الصفحات ٢١٣214 وكان ابن عمر يتبوأ مكانة رفيعة في الأمة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وعبادته وزهده، وكان عبد الله بن محيريز ـ رحمه الله ـ يراه أماناً في الأرض، حيث قال: والله إن كنت أعد بقاء ابن عمر أماناً لأهل الأرض 1. د ـ إن ابن عمر رضي الله عنهما لم يدعُ إلى وجوب الخضوع المطلق للسلطات وكذلك لم يدعُ إلى جواز البيعة القهرية، ولم يوجد في حياته ما يدل ع لى عدم اهتمامه بأمور المسلمين السياسية أو عدم المشاركة فيها، بل على العكس فه و كان دائماً أحد الأطراف الرئيس ة في المعادلة السياسية في العهد الأموي، وكان أسلوبه هو الحوار واللجوء إلى الشورى، والَبتعاد عن الَقتتال، لَ أن يعتزل الحياة السياسية ، وكانت محايدته و اعتزاله كنوع من التأمل والتفكر والَطلاع على مواقف الفئات المختلفة، والبعد عن المشاركة في سفك الدماء بسبب التصارع على السلطة، مع العمل على تهيئة الظروف والمناخ السياسي الملائم لجمع شمل الأمة. فموقف ابن عمر المحايد كان بسبب صعوبة تكوين رأي قاطع، فضلاً عن خش ية الوقوع في الفتن2، وكان يقول: كففت يدي عن القتال فلم أندم، والمقاتل على الحق أفضل3. إن نظرة ابن عمر تقوم على الطاعة للخليفة الشرعي الذي بويع بالإجماع أو اتفاق الأغلبية، واجبة ما لم يأمر بمعصية، فإن ظلم أو جار فلا طاعة له، بل يجب مناصحته، فإن لم تُجد المناصحة يجب عندئذ اللجوء إلى المعارضة الصريحة، ولكنه كان يكره اللجوء إلى العنف والَقتتال، لما في ذلك من سفك الدماء وإضعاف لوحدة الجماعة4. 1 أثر العلماء في الحياة السياسية، ص337، د.عبد الله بن عبد الرحم ن الخزعان 2 مع المسلمين، حلمي مصطفى، ص54. 3 الطبقات4 /164.) 4 الدولة الأموية1 /778.)
عدد الصفحات ٢١٤215 الخلاصة 1 ـ إن ا جتماع الإنساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسا ن مدني بالطبع، أي لَبد له من الَجتماع، ثم إن هذا الَجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعضهم لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم. 2 ـ السلطة الإسلامية ليست سلطة "ثيوقراطية" وهي تجعل الحاكم يستمد سلطته من الإله ويضفي عليه التقديس والتفوق على الب شر، بحيث لَ يعارض حكمه ، ولو استبد الأمر والسلطة في المفهوم الإسلامي أن الشعب يختار الحاكم، وهو مفوض من قبله بتنفيذ أوامر الله تعالى، وهو مقيد بالكتاب والسنة، ومن حق المواطنين النقد والمعارضة والنصيحة. 3 ـ السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة المسلمة: هي الهي ئة الحاكمة التي تقوم بتنفيذ القوانين وتسيير الإدارة والمرافق العامة، وهي تتكون من جميع المسؤولين في الدولة، من رئيس الدولة والوزراء والموظفين. 4 ـ تتكون السلطة التنفيذية من جميع العاملين بالدولة بدئاً من الخليفة والوزراء والأمراء، وقوات الجيش، وجباة الضرائب، ورجال الشرطة وجميع عمال الحكومة. 5 ـ يسمي الفقهاء السلطة التنفيذية العليا باسم "الخلافة" أو "الإمامة" أو "الإمارة"، وفي العصر الحاضر تسمى "الرئاسة" ويسمون من يتولى تلك السلطة باسم "الخليفة" أو "الإمام" أو "أمير المؤمنين" أو "الرئاسة". 6 ـ الإمامة والخفة وإمارة المؤمنين: مترادفة، والمراد بها الرياسة العامة في شؤون الدين والدنيا.
عدد الصفحات ٢١٥216 7 ـ عندما تولى أبو بكر الص دِّيق رضي الله عنه أمر المسلمين سمي بـ"خليفة رسول الله"، وهذه التسمية أطلقت على من تولى أمر المسلمين تشعر بالَرتباط بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم الذي حل خلفه في الولَية على المسلمين. 8 ـ أمير المؤمنين هو اللقب الثاني الذي أطلق على من تولى السلطة التنفيذية العليا في الترتيب الزمني من حيث خلع الألقاب على ولَة أمور المسلمين، وأول من لقب به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 9 ـ وإذا كان لقب الخليفة يبرز الطابع الديني والَتصال القوي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن لقب أمير المؤمنين أقرب لإظهار المعنى الدنيوي، لأنه يعني أن المؤمنين قد أصبحوا قوة، وأن رئيس الدولة قد صار المتصرف في شأن هذه القوة. 10 ـ الإمام هو اللقب الثالث من ألقاب من يتولى السلطة التنفيذية العليا، وقد ورد لفظ "الإمام" في القرآن الكريم بمعنى "القدوة"، وورد مع نى الإ مام بمعنى من يتولى أمر المسلمين. 11 ـ والسلطان هو الذي يتولى أعلى سلطة في الدولة، ولذا كان يسمى بالسلطان الأعظم، وقد لقبه بذلك المتأخرون لأنه صاحب السلطة العليا في الأمة وظهر بشكل لَفت إطلاق لفظ السلطان على الحاكم أو رئيس الدولة في عهد الأيوبيين والمماليك ثم دولة بني عثمان. 12 ـ إن لفظ "الملك" يقوم مقام "الخليفة" أو أمير المؤمنين، وكان إطلاق لقب "الملك على من يتولى أمور المسلمين قد ظهر بعد "الخليفة" وأمير المؤمنين في الترتيب. 13 ـ الرئيس هو اللقب الذي تسمى به بعض ولَة أمور المسلمين بعدانتهاء الخلافة وتفرق كلمة المسلمين وانق سام الدولة الإسلامية إلى أقاليم صغيرة سميت بعضها بالجمهورية، وبعضها بالدولة، وبعضها بالسلطنة، وبعضها بالمملكة. 14 ـ ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوبتنصيب الخليفة أو رئيس الدولة وقالوا أنه واجب، وقالوا أن الأمة آثمة إذا لم تقم بهذا الواجب، وحيثما خلا عصر من العصور، أو فترة من فترات حياتها من وجود إمام أو رئيس للدولة، فجميع أفراد هذه الأمة آثمون ولَ
عدد الصفحات ٢١٦217 يخرجهم من هذا الإثم، ولَ يرفع عنهم هذا الوزر إلَ العمل بجد وبكل ما في وسعهم لإيجاد أمير عام ومبايعته وتنصيبه. واستدلوا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة القولية والفعلية والإجماع والقواعد الفقهية مثل: مالَ يتم الواجب إلَ به فهو واجب. 15 ـ من الثابت تاريخياً أن رسول ا لله صلى الله عليه وسلم لم يعين للمسلمين من يقوم بأمر الدولة الإسلامية بعد وفاته، بل لم يحدد رسول الله الطريقة التي تتبع في اختيار الحاكم بعده، وإنما أوضح القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته في الناس وبيَّ ن بسيرته وأقواله المثل العليا التي يجب التمسك بها والمحافظة عليها من جانب الحاكم والمحكومين على السواء. 16 ـ أعطى الإسلام فرصة للاجتهاد وفق الأصول والثوابت والقيم والمبادىء وراعى تغير الزمان والمكان وتوالي الأجيال وتقلبات الظروف الَجتماعية والَقتصادية وغيرها مما يتحكم في النظام السياسي ويؤثر فيه. 17 ـ أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادىء منها: أن قيام الأمة لَ تقام إلَ باختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الَختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لَ يتولَها إلَ الأصلب ديناً والأكفأ إدارة ، فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية، وأن الرئاسة لَ تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن إثارة "قريش" في سقيفة بني ساعدة، باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين، حيث لَ هرج ولَ مرج، ولَ تكذيب ولَ مؤامرات، ولَ نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم، حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية. 18 ـ تقرر يوم السقيفة أناختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطانه يجب أن يتم بالشورى، أي البيعة الحرة التي تمنحه تفوي ضاً ليتولى الولَية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الَختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادىء الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق.
عدد الصفحات ٢١٧218 19 ـ إن البيعة بمعناها الخاص هو إعطاء الولَء والسمع والطاعةللخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين الطرفين، الإمام من جهة وهو الطرف الأول، والأمة من جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع على الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام حياة الأمة تبايع على الخضوع والسمع والطاعة للرئيس في حدود الشريعة. 20 ـ اهتم الحكم الإسلامي بأسس ضمان العدالة فيما يلي ـ استقلال الشريعة والفقه على سلطة الدولة التنفيذية. ـ اختيار الرئيس يقوم على أساس البيعة الحرة. ـ الحد من سلطة الحاكم. ـ مراقبة الحاكم ونقده وتقويمه. ـ استقلال المؤسسات العلمية والتعليمية والمالية عنهم. 21 ـ إن نص خطبة أبي بكر الص دِّيق رضي الله عنه يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمت على البيعة العامة وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه. 22 ـ أقر الص دِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لَ يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالَت والرسل المعصومين قد انتهى وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كَنب يِّ ، ومن صفته باعتباره رسولًَ يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مستمدين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم. 23 ـ لقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاءالأمة على الَستقامة رهن باستقامة ولَتها، ولذلك كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم ونصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصديق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة
عدد الصفحات ٢١٨219 ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات، وتشير عليه بما يح سن أن يقرِّره. 24 ـ أعلن الص دِّيق رضي الله عنه مبدأ أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم، له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حكامها، إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق. 25 ـ إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الَنتخابات وتلفيق التهم واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولَ بد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها وحريتها وأموالها. 26 ـ إن الص دِّيق رضي الله عنه استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها، وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والَنغماس في الفواحش والموبقات، فعلاقة الأخلاق بقيام الدول وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار، والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات على الأخلاق الكريمة والدين الصحيح، وأن كثيراً من الأم م التي التزمت بالقيم والأخلاق، ظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفراً، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها وتلاشت حضارتها. 27 ـ في دولة الص دِّيق وفي المجتمع الإسلامي الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم، ولهذا قيد الص دِّيق طاعته التي طلبها من الأمة بطاعة الله ورسوله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في المعصية إنما الطاعة في المعروف»، ولكنفي حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عصى الله ورسوله ـ بتعطيل شيء من شرع الله ـ فلا طاعة له على الناس.
عدد الصفحات ٢١٩220 28 ـ لَ مانع شرعاً من إضافة شرط يحدد مدة ولَية الرئاسة، حيث إن روح النظام الإسلامي لَ تتنافى إطلاقاً مع توقيت الرئاسة بمدة زمنية محددة إذا ما تضمن عقد الرئاسة ذلك، وتمَّ النص على ذلك في الدستور . 29 ـ كانت دولة الص دِّيق مدنية شورية، لأن من يترأس الدولة لم تكن سلطته مطلقة، ويكفي ذلك أن ترجع إلى خطبة أبي بكر، بعد تولي الخلافة حيث قال: إني وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، ثم أضاف: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيتهما، فلا طاعة لي عليكم. ومعنى ذلك أنه أعطى للأمة حق الرقابة على عمله ومحاسبته، فضلاً عن أنها هي التي اختارته بواسطة من يمثلونها، وهذان المبدآن هما أساس النظام الديمقراطي في العصر الحديث. 30 ـ إن حكومة الص دِّيق قامت على الأصول الشورية الثابتة وروحها التي هي أهم من الأشكال المتغيرة والقابلة للتطور. 31 ـ كانت دولة الص دِّيق قائمة على الشورى والمواطنة، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، وحقوق المرأة...الخ المستمدة من مقاصد القرآن الكريم والتوج يهات النبوية الرشيدة. 32 ـ دولة الص دِّيق مدنية تقوم على أساس الَختيار والبيعة والشورى، ومسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، بل يعتبر الإسلام هذا واجباً كفائياً على المسلمين، ويصبح فرض عين إذا قدر عليه وعجز غيره عنه أو جبن عن أدائه. 33 ـ إن الحاكم في الإسلاممُقيَّد غير مطلق، فهناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تُقيَّ ده، وهي أحكام لم يضعها هو ولَ حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره ((رب العالمين)) ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ﴾، ولَ يستطيع هو ولَ غيره من الناس، أن يلغوا هذه الأحكام أو يجمدوها، فلا مَلِك ولَ رئيس ولَ برلمان، ولَ حكومة ولَ مجلس شورى، ولَ
عدد الصفحات ٢٢٠221 لجنة مركزية ولَ مؤتمر للشعب، ولَ أي قوة في الأرض تملك أن تغيِّر من أحكام ا الثابتة. 34 ـ إن عهد الخلافة الراشدة يعتبر مرجعية كبرى في الفقه السياسي وبناء الدول وازدهار الحضارات، لذلك يجب دراسته بكل دقة، لأنه يقدم لنا السوابق التاريخية التي تعتبر حجة في فقه "الرئاسة" المنضبطة بمقاصد القرآن الكريم والسنة النبوية، وإذا كان البريطانيون يعتبرون "الماجنة كارتا" الميثاق الأساسي لحرياتهم والفرنسيون يعتبرون إعلان حقوق الإنسان ميثاقهم، فإن المسلمين يعتبرون حكومة الخلفاء الراشدين الوثيقة الأساسية لحرياتهم السياسية، وهي ميثاق عملي وليس مجرد بيان قَ وْلي، أما البيان القَ وْلي فإننا نجده في خطبة الوداع التي ألقاها الرسول الكريم في حجة الوداع، ويكفي أن نذكر منها المقتطات الآتية: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا... استوصوا بالنساء خيراً... لقد ت ركت فيكم ما إن أطعتموه فلن تضلوا بعدها أبداً ، كتاب الله وسنة رسوله... لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولا فضل لأبيض على أحمر ولا أحمر على أبيض إلا بالتقوى». 35 ـ ويمكن تلخيص المبادىء الأساسية اتي تبنى عليها مسؤولية الحاكم فيما يلي: ـ أن الحاكم هو أجير للأمة وعامل لديها ضمن حقوق وواجبات ينظمها القانون والدستور. ـ أن الحكم عبارة عن عقد اجتماعي بين الأمة والحاكم لرعاية مصالحها. ـ أن البيعة بين الأمة والحاكم بيعة موقوتة. ـ أن الحكم قائم على مبدأ الفصل بين السلطات. ـ للحاكم أن يختار الكيفية المناسبة لممارسة صلاحياته، إما بالتفويض أو بالتنفيذ المباشر، أو حسب ما يقرر الدستور. ـ أن يمارس الحاكم صلاحياته وسلطاته في ضوء مبدأ سيادة القانون، المستمد من الكتاب والسنة.
عدد الصفحات ٢٢١222 36 ـ تولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رئاسة الدولة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم، فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقروه، وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب "الطبيعيون" عن هذه الأمة، وإذاً فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلَ على أصح الأساليب الشورية وأعدلها، والخطوات التي سار عليها أبو بكر الص دِّيق في اختيار خليفته من بعده لَ تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر. 37 ـ أناط عمر بن الخطاب أهل الشورى وحدهم في اختيار الخليفة من بينهم، ومن المهم أن نشير أن أحداً من أهل الشورى لم يعارض هذا القرار الذي اتخذه عمر، كما أن أحداً من الصحابة الآخرين لم يثر أي اعتراض عليه، وبوسعنا أن نقول: أن عمر قد أحدث هيئة سياسية عليا، مهمتها انتخاب رئيس الدولة، أو الخليفة، وهذا التنظيم الدستوري الجديد الذي أبدعته عبقرية عمر لَ يتعارض مع المباد ىء الأساسية التي أقرَّ ها الإسلام، ولَ سيما فيما يتعلق بالشورى، لأن العبرة من حيث النتيجة للبيعة العامة التي تجري في المسجد الجامع. 38 ـ ختم عمر رضي الله عنه حياته، ولم يشغله ما نزل به من البلاء، ولَ سكرات الموت عن تدبير أمر المسلمين، وأرسى نظاماً صالحاً للشورى لم يسبقه إليه أحد ، ولَشك في أن أصل الشورى في القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، وقد عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولم يكن عمر مبتدعاً بالنسبة للأصل، ولكن الذي عمله عمر هو تعيين الطريقة التي يختار بها الخليفة، وحصر عدد معين جعلها فيهم، وهذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولَ الص دِّيق رضي الله عنه، بل أول من فعل ذلك عمر ونِ عْمَ ما فعل، فقد كانت أفضل الطرق المناسبة لحال الصحابة في ذلك الوقت. 39 ـ تمكن عبد الرحم ن بن عوف رضي الله عنه بكياسته وأمانته وصبره وحزمه وحسن تدبيره ما كفل له النجاح في قيادة ركب الشورى بمهارة وتجرد، وأشرف على
عدد الصفحات ٢٢٢223 العملية الَنتخابية بين عثمان وعلي رضي الله عنهما، وأعلن النتيجة بعد مشاورة الصحابة وكل من يلقاه في المدينة من كبارهم وأشرافهم، ومن أمراء الأجناد ومن يأتي المدينة، وشملت مشاورته النساء في خدورهن، وقد أبدين رأيهن، كما اشتملت الصبيان والعبيد في المدينة، وكانت مشاورات عبد الرحم ن قد أظهرت النتيجة لصالح عثمان رضي الله عنه وثمَّ أعلن تلك النتيجة ومبايعته. 40 ـ عندما بايعت الأمة عثمان بالخلافة، قام في الناس خطيباً، فأعلن منهجه السياسي، مبيناً أنه سيتقيد بالكتاب والسنة وسيرة الشيخين، كما أشار في خطبته إلى أنه سيسوس الناس بالحلم والحكمة، وأنه سينفذ الحدود، ثم حذر الناس من الركون إلى الدنيا والَفتتان بحطامها خوفاً من التنافس والتباغض والتحاس د بينهم، مما يفضي بالأمة إلى الفرقة والخلاف. 41 ـ كان في كتاب عثمان للولَة التركيز على قيم العدل السياسي والَجتماعي والَقتصادي، بإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، وأخذ ما عليهم، وإعلاء شأن مبدأ الرعاية السياسية لَ الجباية وتكثير الأموال. 42 ـ تمت بيعة علي رضي اعنه بالخلافة بطريقة الَختيار، وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاؤوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة وقبائل متباينة. 43 ـ إن بيعة الخليفة الرابع علي رضي الله عنه، لم تختلف من حيث مبدأ الشورى عن مثيلتها السابقة بالرغم من الأزمة التي ألمت بالأمة والأحوال المدلهمة، والمشكلات المتتابعة، فلم تتم البيعة على أساس عشائري، أو أسري أو قبلي، أو على أساس عهد ووصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم. 44 ـ اختيار الناس الحسن بن علي بعد استشهاد والده اختياراً شور ياً، وأصبح الخليفة الشرعي على الحجاز واليمن والعراق وكل الأماكن التي كانت خاضعة لوالده، وقد استمر في خلافته ستة أشهر، وتلك المدة تدخل ضمن الخلافة الراشدة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن مدتها ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً فقد روى الترمذي
عدد الصفحات ٢٢٣224 بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك». 45 ـ كان الحسن بن علي رضي الله عنه ذا خلق يجنح إلى السلم، وكان رضي الله عنه يملك رؤية إصلاحية واضحة المعالم، خضعت لمراحل وبواعث، وتغلب على العوائق وكتب شروطه، وترتب على صلحه نتائج. وأصبح هذا الصلح من مفاخر الحسن على مر العصور وتوالي الأزمان، فكان في صلحه مع معاوية وحقنه لدماء المسلمين، كعثمان في جمعه للقرآن، وكأبي بكر في حربه للمرتدين. ولَ أدل على ذلك في كون هذا الفعل من الحسن يعد علماً من أعلام النبوة، والحجة في ذلك ما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، والحسن بن علي على جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابْ ني هذا سيد، ولعلَّ اللهُ أن يُ صلح به بين فئتين عظيمتين مِ نَ المُ سلمين». 46 ـ تنازل الحسن بن عليعن الخلافة وتسليمه الأمر إلى معاوية رضوان الله عليهما أجمعين بعد أن أنجى الله سبحانه وتعالى الحسن بن علي من الفتنة التي وقعت في معسكره، ترك المدائن، وسار إلى الكوفة وخطب في أهلها وأعلن تنازله لمعاوية. 47 ـ بتنازل الحسن بن علي رضيالله عنه اكتملت عوامل تولي معاوية للرئاسة وتهيأت له جميع أسبابها ، فبويع أمير المؤمنين عام واحد وأربعين للهجرة، وسمي هذا العام بـ"عام الجماعة" وسجل في ذاكرة الأمة عام الجماعة، وأصبح هذا الحدث من مفاخرها التي تزهو به على مر العصور وتوالي الدهور، فقد التقت الأمة على زعامة معاوية ورضيت به أميراً عليها، وابتهج خيار المسلمين بهذه الوحدة الجامعة، بعد الفرقة المشتتة، وكان الفضل في ذلك لله، ثم للسيد الكبير مهندس المشروع الإصلاحي العظيم الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. 48 ـ انتهى عهد الخلافة الراشدة على مناهج النبوة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية رضي الله عنهما، وكان ذلك في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين هجرية، وذلك كمال
عدد الصفحات ٢٢٤