177 ومالوا مع عبد الملك بن مروان، فلماذا لم تجتمع الأمة على ابن الزبير، وهو في ذلك الحين لَ يشاركه أحد في فضائله ومكانته؟ بل نجد العكس، نجد أن عبد الملك بن مروان الذي يعتبر في السن كأحد أبناء عبد الله بن الزبير تمكن من تولي زعامة المسلمين1. فعصبية أهل الشام كانت سبباً مهماً في تولية يزيد وليست عصبية بني أمية، فإن أسرة بني أمية لم تكن ذات تأثير كبير على الأحداث في مجيء معاوية رضي الله عنه إلى منصب الخلافة، وقد بنى ابن خلدون دفاعه عن صنيع معاوية في ولَية العهد أن المصلحة تقتضي ذلك، حيث قال: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوا ئهم با تفاق أهل الحل والعقد حينئذ من بني أمية، إذ بني أمية يومئذ لَ يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الَتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع ، وإن كان لَ يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذ العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم من أجل ذلك2. وقال أيضاً: عهد معاوية إلى يزيد خوفاً من افتراق الكلمة، بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه3. ومما لَ شك فيه لو جاء معاوية برجل من ذوي الكفاءة من قريش غير ابنه يزيد واستفتى ذوي الرأي والنهي بشأنه، ثم وقف وراءه بثقله الكامل وتأييده الصريح وطلب من أهل الحل والعقد في الأمة مبايعته بولَية العهد، فهل كان يعترض أحد؟ طبعاً لَ؟ ذلك لأن أمير المؤمنين هو الداعي، ولأن المرشح لولَية العهد رجل أريد بترشيحه ومبايعته مصلحة الأمة، وكان ذلك ممكناً وأنه كان محققاً للغرض القائ ل بأن القصد من ولَية 1 مواقف المعارضة من خلافة يزيد، ص132. 2 مقدمة ابن خلدون1 /262 ،263.) 3 المصدر نفسه1 /257 ،258.)
عدد الصفحات ١٧٧178 العهد هو سد أبواب الخلاف بين المسلمين وتجنب الأمة أخطار التنازع والفتن من جديد؟ ولكن معاوية على كل حال اجتهد ولم يكن مصيباً في اجتهاده. جـ ـ محبة معاوية لابنه وقناعته به: قال ابن كثير: وقد كان معاوية لما صالح الحسن، عهد للحسن من بعده بالأمر، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأي أنه لذلك أهلاً ، وذلك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولَد الملوك، ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان ظن ألَ يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى1. وقال معاوية رضي الله عنه لعمرو بن حزم الأنصاري الذي كان معارضاً للبيعة، فذكر معاوية بالله، وطلب منه أن ينظر في عاقبة الأمور، فشكره معاوية وقال: إنك امرؤ ناصح، ثم أخذ معاوية يبين له ب صراحة أنه لم يبق إلَ ابنه وأبناء هم وابنه أحق من أبنائهم2. وكان ليزيدبعض الصفات التي شجعت معاوية على جعله ولياً للعهد ، قال الذهبي في ترجمة يزيد: كان قوياً شجاعاً، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة 3. وقال ابن كثير: وكان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك4. ولَ شك أن الصحابة وأبناءهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لَ تكن لغيره في قيادة الأمة بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه ومناصرة أهل الشام وولَئهم الشديد له، ثم اطلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره. هذه من أهم أسباب ترشيح معاوية لَبنه. 6 ـ الانتقادات التي وجهت لمعاوية بشأن البيعة ليزيد: 1 البداية والنهاية، نقلاً عن مرويات خلافة معاوية، ص: 460. 2 مجمع الفوائد7 /248 ،249) رجاله رجال الصحيح 3 سيرة أعلام النبلاء4 /37.) 4 أحداث وأحاديث فتنة الهرج، د. عبد العزيز دخان، ص204.
عدد الصفحات ١٧٨179 لقد حمل كثير من المؤرخين السابقين والمعاصرين معاوية رضي الله عنه مسؤولية البيعة الكاملة، وبالتالي حملوه جميع الأخطاء التي يقع فيها الحكام من زمان معاوية حتى عصرنا الحاضر، فمنهم من اتهمه بالخروج على نظام الشورى في الإسلام فكان أول محطم لنظام الإسلام1، فمنهم مناتهم معاوية بأنه أقر النظام الذي يعتمد على السياسة أولًَ وإلى الدين ثانياً 2، والبعض شبه معاوية بالملوك الأقدمين من الفرس والروم 3، والبعض يجعل معاوية بهذه البيعة هو رائد المدرسة "المكيافيلية" في السياسة القائمة على تسويغ الوسيلة من أجل الغاية4، والبعض حكم على معاوية بارتكابه كبيرة أضافها إلى كبائره السابقة5، والبعض اعتبر معاوية خارجاً عن إجماع المسلمين بهذه البيعة 6. إن معاوية قصد بإحداث ولَية العهد في نظام الحكم جمع كلمة المسلمين، وحقن دمائهم، ولكنه كان قادراً على أن يجعل العهد بعده لغير ولده من كبار الصحابة الموجودين في تلك الفترة وكان فيهم كفاءات لو أسند إليهم الأمر، فقد كان الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحم ن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر وغيرهم موجودين في هذا الوقت، ولكن معاوية عدل عن هؤلَء وقصد لولده ليكون خليفة بعده، وبذلك حصل التغيير الحقيقي في نظام الحكم الإسلامي، فليس التغيير في إيجاد نظام ولَية العهد... ولكن التغيير في أن يكون ولي العهد ولد الخليفة أو أحد أقاربه، حتى أصبحت الحكومة ملكية بعد أن كانت خلافة راشدة7. وإذا كنا مأمورين باتباع سنة الرسول وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فإن التزام نظام الوراثة ليس من سنة النبي ولَ سنة خلفائه الراشدين، كما أن يزيد لم يكن موفقاً لأسباب منها: إن المجتمع الإسلامي يومئذ كان فيه من هو أحق وأولى بالخلافة من يزيد في سابقته وعلمه وعمله ومكانه وصحبته، كعبد الله بن عمر، وابن عباس وغيرهم، 1 معاوية بن أبي سفيان للصلابي، ص446. 2 نساء لهم في التاريخ الإسلامي نصيب، على إبراهيم حسن، ص: 58. 3 مواقف المعارضة من خلافة يزيد، ص141. 4 ملامح التيارات السياسية، إبراهيم بيضون، ص147. 5 الأعمال العربية الكاملة6 /36) أمين الريحاني 6 زعماء الإسلام، حسن إبراهيم حسن، ص219. 7 الأمويون بين الشرق والغرب، محمد الوكيل1 /180.)
عدد الصفحات ١٧٩180 فأين الثرى من الثريا؟ 1 ومنها: مبدأ توريث الحكم من الأب لَبنه، فإنهم لَ ينزهون معاوية ولَ من هو أفضل منه من الذنوب، فضلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الَجتهاد بل يقولون إن للذنوب أسباب اً تدفع عقوبتها من التوبة والَستغفار والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم2. ومعاوية رضي الله عنه من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببريء من الهنات والله يعفو عنه3، والذي يجب أن نعتقده في معاوية أن قلوبنا لَ تنضوي على غل لأحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل نقول : ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ وَلََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَّحِيم ﴾ (الحشر، آية : 10). ونقول بأن معاوية اجتهد للأمة خوفاً عليها من الَنقسام والفتن، ولَ يمكن أن يحمل تبعات كل أخطاء الملوك والأمراء الذين جاؤوا من بعده، كما قرره عبد القادر عودة رحمه الله: حيث يقول: وأقام معاوية أمر الأمة الإسلامية على المحجات والظلم وإهدار الحقوق، وقضى على الشورى وعطل قول الله تعالى : ﴿وَأَمْرُهُ مْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (الشورى، آية : 38). وحو ل الحكم العادل النظيف إلى حكم قذر قائم على الأهواء والشهوات، ووجه الناس إلى النفاق والذلة والصغار، ولَشك أن كل من جاؤوا بعده إلى عصرنا هذا قد عمل بسنته وتشبثوا ببدعته حاشا عمر بن عبد العزيز، فعلى معاوية وقد استن هذه السُ نة السيئة إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة4. وإذا كان معاوية ـ أو الخلفاء الأمويون ـ قد حو لوا الخلافة من الشورى إلى الملك، فإن حفيده معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ثالث خلفاء الأمويين قد أعاد الخلافة من الملك العضوض إلى الشورى الكاملة، وإنه لما يستوجبه الإنصاف أن تصاغ القضية 1 تاريخنا المفترى عليه، د. يوسف القرضاوي، ص250. 2 منهاج السنة لَبن تيمية4 /385.) 3 الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص159. 4 المصدر نفسه
عدد الصفحات ١٨٠181 على هذا النحو بدلًَ من التركيز على الشق الأول الخاص بتوريث الخلافة فقط، ولم تستطيع الأمة التي أعطيت حقها في اختيار خليفتها أن تعود إلى شكل من أشكال الَختيار السابق في عصر الراشدين وبرَّ ر بوضوح دور العصبية الإقليمية والقبلية وحسم في النهاية الصراع الدائر حول منصب الخلافة لمصلحة البيت الأموي، واستطاعت الشام أن تحقق الحسم التاريخي بعمق الَلتحام بين بنائها القبلي والوجود الأموي1. والحقيقة أن بيعة يزيد قد قبِ لها الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد بايعه ستون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيهم ابن عمر خوفاً من الفتنة وحرصاً على وحدة الصف، فقد توفي عبد الرحم ن بن أبي بكر بعيد خروج معاوية من المدينة ولم يبق من المعارضين إلَ ثلاثة هم: ابن عمر، وابن الزبير، والحسين بن علي، أما ابن عمر فلما رأى الناس مجتمعة على يزيد بايعه وأرسل بيعته بعد وفاة معاوية رضي الله عنه، وقال: إن كان خيراً رضينا به، وإن بلاءً صبرنا 2، وانحصرت المعارضة في شخص ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم، ولقد تورط الكثير من الباحثين في الروايات الضعيفة والموضوعة فيما يتعلق بتاريخ صدر الإسلام وبنوا عليها تصورات وأفكاراً و أحكاماً تحتاج إلى إعادة نظر من جديد 3. ومع ما وقع من انحراف في تغيير النموذج الأعلى لنظام الحكم الإسلامي، التي تتمثل فيه روح الإسلام الكاملة وهو الخلافة واستبدال الملك العضوض ب ه4، إلَ أن الطابع الإسلامي هو الصفة الغالبة على مظهر الدولة وتصرفات الحكام، فالصلاة تؤدى في أوقاتها، والزكاة تحصَّل من أربابها والصوم فريضة لَ يُ عارض في أدائها وإقامة الحدود دون هوادة لم يقف شيء دون تنفيذها والجهاد في سبيل الله فريضة ماضية بين رجالها وبالجملة كانت تعاليم الإسلام مُ طب قة بحذافيرها5. 7 ـ بيعة يزيد 1 الدولة الأموية المفترى عليها حمدي شاهين، ص294. 2 مصنف ابن أبي شيبة11 /100) بسند صحيح 3 معاوية بن أبي سفيان للصلابي، ص458. 4 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 458. 5 المصدر نفسه، ص458.
عدد الصفحات ١٨١182 كان يزيد غائباً حين حضر معاوية الموت ، فلما حضر يزيد كان قد دُ فن، فقصد يزيد باب الصغير حيث دفن أبوه، وهناك صلى على أبيه ومن خلفه المسلمون وكبر أربعاً 1، ولما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب، ثم دخل البلد، وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء ـ وهو قصر بناه معاوية ـ فاغتسل ولبس ثياباً حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس، إن معاوية عبداً من عبيد الله، أنعم الله عليه، ث م قبضه الله إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من قبله، ولَ أزكيه على الله عز وجل فإنه أعلم به، إن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد ول يت الأمر من بعده ولست آسى على طلب، ولَ أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئاً كان، وقال لهم في خطبته هذه: إن معاوية كان يغز وكم في البحر، وإني لست حاملاً أحداً من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتياً أحداً بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثاً، وأنا أجمعه لكم كله، فافترق الناس وهم لَ يفضلون عليه أحد2. وفي هذه الخطبة شرح يزيد سياسته في قيادة الأمة ووضَّ ح خطته التي سيلتزمها أثناء خلافته وهي سياسة استطاع أن يكسب بها قلوب أهل الشام، وقد أجمعت الأمة ـ غالبية ـ على بيعة يزيد، أو بمعنى آخر جددت له البيعة بعد وفاة أبيه ولم يعارض إلَ الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما3 ومن كان معهما، وكان لكل منهما مع يزيد شأن. وأما بقية الصحابة فقد بايعوا يزيد جمعاً للكلمة وحفظاً لوحدة الأمة وخوف الفتنة، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ومحمد ابن الحنفية 4، وأما أهل الشام والعراق وغيرها من الأقاليم فقد بايعوا، وكانت المعارضة ليزيد في أهل الحجاز يتزعمها الحسين ابن علي وابن الزبير. 1 البداية والنهاية11 /459.) 2 البداية والنهاية11 /460.) 3 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 476. 4 المصدر نفسه، ص: 476.
عدد الصفحات ١٨٢183 تولى يزيد الأمر بعد أبيه في رجب (سنة60هـ ـ680م) فأقر عمال أبيه على ولَيتهم وأصرَّ يزيد على طلب البيعة من الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما وهو الشرارة الأولى في الفتنة التي اندلعت بين المسلمين، فقد شعر كل منهما بأنه مطلوب، وأنه إذا لم يبايع فسيكون ضحية طيش يزيد، وأن سيوف أعوان الخليفة الجديد أصبحت مسلولة عليهم، فعادا إلى البيت الحرام، وَلَجآ إلى مكة يطلبان فيها الأمان ويحتميان بحمى الله فيها، وشرعا في تجييش أنصارهما وحشدهم في مكان يصعب على يزيد وأعوانه أن يقتحموه وكان ذلك في مكة المكرمة، في جوار بيت الله الذي قال فيه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ (آل عمران ، آية : 97.) ولم يكن لهذا التجمع وذلك الحشد نتيجة سوى المواجهة التي أودت بحياة الكثير من المسلمين، وكان على رأس هؤلَء الحسين بن علي رضي الله عنه حيث قتل في كربلاء ـ شهيداً ـ على يد فئة ظالمة من جيوش يزيد 1. لقد كانت غلطة من يزيد، بدأ بها حياته، وظلت تلاحقه حتى مماته، ولم يستطيع التخلص منها وبدأت سلسلة الأخطاء تتوالى في حياة الخليفة، وكلما ادلهمت الأمور من حوله، عظمت الأخطاء، وتضخمت المشكلات، وكلما أراد حل مشكلة عرض لها بمشكلة أخطر منها وأفظع . لقد كانت الكوارث الكبرى في عهد يزيد مقتل الحسين رضي الله عنه، ووقعة الحر ة بالمدينة، وحصار مكة لَبن الزبير . لقد وصم يزيد عهده بوصمة لن يمحوها ماء البحار، ولن تزيل مرارتها عذوبة الأنهار2. 8 ـ خلافة معاوية بن يزيد معاوية بن يزيد: هو ثالث الخلفاء الأمويين، وكنيته أبو يزيد أو عبد الرحم ن، وأبوه يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم ابن عتبة بن ربيعة3، ويسمى معاوية الأصغر، ولد سنة 44هـ ونشأ في بيت الخلافة، وبويع له بالخلافة بعد موت أبيه، 1 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 478. 2 المصدر نفسه، ص478. 3 تاريخ الطبري6 /434.)
عدد الصفحات ١٨٣184 في رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وستين هجرية، وكان أبيض شديد البياض، كثير الشعر، كبير العينين، جعد الشعر، أقنى الأنف، مدور الرأس، جميل الوجه، كثير شعر الوجه، دقيقه، حسن الجسم، وكان رجلاً صالحاً ن اسكاً 1. ويختلف المؤرخون كثيراً في المدة التي حكمها معاوية بن يزيد، ويتراوح الخلاف بين عشرين يوماً وثلاثة أشهر، ويبدو أن مدة ثلاثة الأشهر هي الأرجح، ويُ رجِّ ح بعض المؤرخين مدة الأربعين يوماً 2، وكان مريضاً مدة ولَيته، ولهذا لم يؤثر له ع مل مدة خلافته حتى الصلاة، فإن الضحاك بن قيس هو الذي كان يصلي بالناس، ويسي ر الأمور، وظل الضحاك يصلي بالناس حتى بعد وفاة معاوية، حتى استقر الأمر لمروان بالشام3. ولما أحس معاوية بن يزيد بالموت نادى في الناس: الصلاة جامعة، وخطب فيهم وكان مما قال: أيها الناس إني قد وُ ل يت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها عمر بن الخطاب، وليس فيكم من هو صالح لذلك، وقد تركت أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى4. قد أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم: أنه لم يجد مثل عمر، ولَ مثل أهل ال شورى، فترك لهم أمرهم يولون من يشاؤون، وقد جاء ذلك صريحاً في رواية أخرى للخطبة عند ابن الأثير قال فيها: أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت سنَّة مثل سنَّ ة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيَّ ب حتى مات5. واعتبر هذا الموقف منه دليلاً على عدم رضاه عن تحويل الخلافة من الشورى إلى الوراثة6، فقد رفض أن يعهد لأحد من أهل بيته حينما قالوا لهاعهد إلى أحد من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها، وتتعجلون أنتم حلاوتها، 1 البداية والنهاية11 /663.) 2 المصدر نفسه11 /662.) 3 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 584. 4 البداية والنهاية11 /663 ،664.) 5 الكاملفي التاريخ (2 /605.) 6 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 584.
عدد الصفحات ١٨٤185 وأتعجل مرارت ها، اللهم إني بريء منها، مُتخلٍّ عنها1، وجاء في رواية : قيل له: ألَ توصي؟ فقال: لَ أتزو د مرارتها وأترك حلاوتها لبني أمية2. وتعتبر حادثة تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة حادثة نادرة في التاريخ الإنساني، لقد عرفت استقالَت فيها إكراه مادي أو معنوي أما أن ملكاً استقال لأن في أمته من هو خير منه، فهذا ما لم نقع عليه، وأية محاسبة للنفس أرفع من هذه3.! وإذا كان معاوية بن أبي سفيان أول الخلفاء الأمويين قد حول الخلافة من الشورى إلى المُ لك، فإن حفيده معاوية الثاني، ثالث خلفاء الأمويين أيضاً، قد أ عاد الخلافة من الملك العضوض إلى الشورى الكاملة، وإنه لَ مِ م ا يستوجب الإنصاف أن تصاغ القضية على هذا النحو بدلًَ من التركيز على الشق الأول الخاص بتوريث الخلافة فقط 4. ومات معاوية بن يزيد عن إحدي وعشرين سنة وقيل غير ذلك، وشهد دفنه مروان بن الحكم، فلما فُرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد، فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أزنم الفزاري: إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا5 وكان معاوية بن يزيد قد أحدث أزمةخطيرة، فقد كان أخوة خالد بن يزيد صبياً صغيراً وكان أمر ابن الزبير قد استفحل وبايع له الناس من أنحاء الدولة، فرأى فريق من جند الشام على رأسهم الضحاك بن قيس أمير دمشق أن يبايعوا لَبن الزبير، وحتى مروان بن الحكم كبير بني أمية فكر في الذهاب إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان، ولكن سائر الجند والقادة بزعامة حسان بن مالك زعيم القبائل اليمنية ـ الذين كانوا أقوى المؤيدين لبني أمية وهم أخوال يزيد ـ رفضوا أن يخرج الأمر من بني أمية وأن يبايعوا لَبن الزبير، فحدث خلاف شديد ـ َو لَبِثتْ الشام ستة أشهر بدون إمام، وأخيراً اتفق القوم 1 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ1 /116.) 2 البداية والنهاية11 /116.) 3 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ1 /116.) 4 الدولة الأموية المفترى عليها، ص293. 5 البداية والنهاية11 /664.)
عدد الصفحات ١٨٥186 على أن يعقدوا مؤتمراً للشورى، يبحثون فيه عمن يصلح للخلافة ويصلوا في ذلك إلى قرار1. ويعتبر معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان آخر خلفاء الفرع السفياني، وانتقلت الخلافة بعده إلى الفرع الثاني من بني أمية بالمروانيين، وأولهم مروان بن الحكم، ولَ يُعد عند كثير من المحققين والمؤرخين خليفة، حيث يعتبرونه باغياً خرج على أ مير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وكذلك ولده عبد الملك لَ يعتبر خليفة إلَ بعد موت ابن الزبير، واجتماع المسلمين عليه2، وبوفاة معاوية بن يزيد انتهت الدولة السفيانية وظهرت الدولة الزبيرية ولكنها لم تستمر، فقد استطاع بنو مروان القضاء عليها. الحادي عشر: بيعة ابن الزبير بالخلافة: بعد موت يزيد بن معاوية لم يكن هناك من خليفة، وإذا كان يزيد قد أوصى لَبنه معاوية فإن هذا لَ يكفي للبيعة، إذ لَ بيعة دون شورى، إضافة إلى الذين قد بايعوا معاوية بن يزيد لَ يزيدون على دمشق وما حولها وأعيان بني كلب، هذا مع أن معاوية بن يزيد لم يعش طويلاً وترك الأمر شورى ولم يستخلف أحداً ولم يوص إلى أحد. وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قد بويع له في الحجاز، وفي العراق، وما يتبعه إلى أقصى بلاد المغرب، وبايعت الشام أيضاً إلَ بعض جهات منها، ففي دمشق بايع الضحاك بن قيس الفهري لَبن الزبير وفي حمص بايع النعمان بن بشير، وفي قنسرين زفر بن الحارث الكلابي، وفي فلسطين بايع نائل بن قيس، وأخرج منها روح بن زنباع الجذامي، ولم يكن رافضاً بيعة ابن الزبير في الشام إلَ منطقة البلقاء وفيها حسان بن مالك بن بحدل الكلبي ، وهكذا تمت البيعة لعبد الله بن الزبير في ديار الإسلام وأصبح الخليفة الشرعي3، وعَ ي ن ابن الزبير نو ابه على الأقاليم، و تكاد تُ جمع المصادر على أن جميع الأمصار قد أطبقت على بيعة ابن الزبير خليفة للمسلمين، ولذلك صر ح العديد من العلماء والمؤرخين بأن 1 النظريات السياسية الإسلامية، محمد ضياء الريس، ص202. 2 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 585. 3 المصدر نفسه
عدد الصفحات ١٨٦187 بيعة ابن الزبير شرعية، وأنه أولى بها من مروان بن الحكم1، فيروي ابن عبد البر عن مالك أنه قال: إن ابن الزبير كان أفضل من مروان وكان أولى بالأمر منه، ومن ابنه عبد الملك2. ويقول ابن كثير: ثم هو ـ أي ابن الزبير ـ الإمام بعد موت معاوية بن يزيد محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه وقامت البيعة له في الآفاق وانتقم له الأمير3، ويؤكد كل من ابن حزم4، والسيوطي5، شرعية ابن الزبير، ويعتبران مروان بن الحكم وابنه عبد الملك باغيين عليه خارجين على خلافته، كما يؤكد الذهبي شرعية ابن الزبير ويعتبره أمير المؤمنين6. 1 ـ بيعة ابن الزبير بالحجاز كان من الطبيعي أن يكون الحجاز أول المناطق خضوعاً وولَء لبيعة ابن الزبير لكون ه مركز المعارضة ضد بني أمية، وقد سارع أهل الحجاز إلى مبايعة ابن الزبير، ويروي ابن سعد أن من الأوائل الذين سارعوا إلى مبايعة ابن الزبير: عبد الله بن مطيع العدوي، وعبد الله بن رضوان بن أمية الجمحي، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبيد بن عمير، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر 7، وكان هناك بعض العناصر الذين امتنعوا عن بيعة ابن الزبير، وعلى رأسهم ثلاث شخصيات لها مكانتها وتأثيرها لَسيما في الحجاز وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب وابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وتكاد تُ جمِ ع المصادر أن أياً من هؤلَء لم يبايع ابن الزبير طيلة حياته8. 2 ـ موقف ابن عمر من بيعة ابن الزبير بايع ابن عمر يزيد بالخلافة، والتزم بيعته، وحاول إقناع ابن الزبير بذلك ونهاه عن إثارة الفتنة والخروج على خلافة يزيد9، وبعد وفاة معاوية بن يزيد بويع ابن الزبير بالخلافة، 1 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /716.) 2 الَستيعاب3 /910.) 3 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /716.) 4 المصدر نفسه1 /716.) 5 تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص212. 6 سير أعلام النبلاء3 /363.) 7 أنساب الأشراف1 /352) عبد الله بن الزبير 8 عبد الله بن الزبير للخراشي، ص119. 9 مصنف ابن أبي شيبة15 /84.)
عدد الصفحات ١٨٧188 وطلب من ابن عمر أن يبايع له، فرفض ابن عمر البيعة معللاً ذلك بقوله: لَ أعطي صفقة يميني في فرقة ولَ أمنعها في جماعة1. ولم يحاول ابن الزبير إجبار ابن عمر على البيعة، كما أن المصادر لم تُشِر إلى أي صدام أو مواجهة وقعت بين الَثنين2. وكان لَمتناع ابن عمر عن بيعة ابن الزبير تأثير سلبي، فقد كان ابن عمر يتمتع بمكانة عالية وبالأخص في الحجاز، وكان تأثيره على الناس كبيراً، فامتناعه عن البيعة يجعل البعض يقتدي به ويتخذ نفس الموقف، ومما يزيد من تأثيره السلبي على حركة ابن الزبير أن ابن عمر كان يجبر من له طاعة عليهم، أن يتخذوا الموقف نفسه الذي يتخذه، ومع كل ذلك فلم يكن ابن عمر يشك ل خطراً حقيقياً على ابن الزبير، فهو لم يكن ذا طموح للخلافة، كما أنه لَ يملك أتباعاً يستطيع أن يواجه بهم ابن الزبير كما هو الحال عند محمد ابن الحنفية3. 3 ـ ابن عباس وبيعة ابن الزبير كان ابن عباس يختلف عن ابن عمر في مواقفه إزاء الفتن التي جرت في عصره، حيث خاض فيها وشهد مع علي صراعه ضد خصومه في موقعتي الجمل وصفين، ولما جاء الأمويون للحكم واستخلف معاوية يزيد، بادر ابن عباس إلى بيعته، والتزم بها، ولم يعرف أنه أيَّد ابن الزبير الذي رفض البيعة، وفي نفس ا لوقت لم يعلن عداءه لَبن الزبير، وبدأت العلاقة بين الَثنين تدخل طوراً جديداً بعد وفاة يزيد بن معاوية، حيث بويع ابن الزبير بالخلافة سنة 64هـ، وعندما طلب ابن الزبير من محمد ابن الحنفية وابن عباس المبايعة قالَ: حتى تجتمع لك البلاد ويتسق لك الناس4. 1 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /717.) 2 المصدر نفسه 3 الدولة الأموية1 /177.) 4 الطبقات5 /100.)
عدد الصفحات ١٨٨189 ووعداه بعدم إظهار الخلاف له 1، لم يحاول ا بن الزبير في بداية الأمر إجباره على البيعة. وبدأت العلاقة بين ابن الزبير وابن عباس في تحسن، نلمس ذلك في العديد من الروايات التي تدلل على شعور ابن عباس تجاه ابن الزبير والمتمثل في تأييده لبعض مواقفه2، أو في الثناء المباشر عليه3،ويروي عبد الرزاق في مصنفه أن ابن عباس كان قاضياً لَبن الزبير بمكة، إلَ أن العلاقة بينهما تعكرت، وقد وردت عدة روايات تدل على مظاهر تردِّي العلاقة بين الَثنين ، وإن كانت في مجموع ها لَ تخرج عن نطاق المناقشات الحادة4، ونظراً لتوافق ابن عباس مع محمد ابن الحنفية في رفض بيعة ابن الزبير وتنامي خطر الأخير، فقد انتهى الأمر بخروج ابن عباس إلى الطائف وبقي هناك إلى أن توفي5. وكان ابن عباس يُ ثني على ابن الزبير فعندما ذُ كر عنده قال ابن عباس: قارىء لكتاب الله، عفيف في الإسلام، أبوه الزبير، وأمه أسماء، وجده أبو بكر، وعمته خديجة، وخالته عائشة، وجد ته صفية 6. 4 ـ ابن الحنفية وبيعة ابن الزبير كان المبدأ الذي صرح به ابن الحنفية بعد وفاة يزيد أن لَ يبايع أحداً إلَ في حالة اجتماع الناس عليه7. ولم يحاول ابن الزبير في بداية امر إكراه ابن الحنفية على البيعة، ولم يستمر ابن الزبير في سياسته اللينة مع ابن الحنفية، فبعد أن علا شأن ابن الزبير وجاءته بيعة الأمصار، وكادت الأمة أن تجتمع عليه، أحس أن الوقت قد حان لأن يبايع ابن 1 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /718.) 2 المصدر نفسه1 /718.) 3 الدولة الأموية1 /718.) 4 المصدر نفسه1 /718.) 5 سير أعلام النبلاء3 /358.) 6 المصدر نفسه3 /367.) 7 مصنف ابن أبي شيبة15 /73.)
عدد الصفحات ١٨٩190 الحنفية بناء على وعده، فعاود الكر ة مر ة أخرى ودعاه إلى البي عة سنة 65هـ، ولكن ابن الحنفية أبى أن يبايع، فلجأ ابن الزبير إلى حبسه في الشِعب 1. ويبدو أن ابن الزبير تخوَّف من دعوة المختار بن أبي عبيد الثقفي بالكوفة، فقد كان المختار من أشد المدافعين عن ابن الزبير أيام حوصر في مكة سنة 64هـ من قِ بَل جيش الحصين بن نمير السكوني، وكان المختار بالإضافة إلى شجاعته وجرأته يتمتع بمكر ودهاء كبيرين، ويحمل بين جنبيه طموحات عالية للزعامة2. لم يجد المختار عند ابن الزبير ما يحقق طموحاته، فأخذ يبحث عن مكان آخر يمكن أن يحقق فيه ما تصبو نفسه إليه، فترك مكة بعد ستة أشهر من نهاية الحصار الأول ووصل العراق في رمضان سنة 64هـ، واستطاع عن طريق ادعائه نصرة آل البيت ورفع شعار الأخذ بثأر الحسين أن يجمع حوله الأنصار والمؤيدي والناقمين على حكم بني أمية، واستطاع أن يستولي على الكوفة3، وكان المختار على علم بما جرى بين ابن الزبير، وابن الحنفية في أمر البيعة، وأراد أن يستغل هذا الموقف لصالحه، وادعى أنه موفد من محمد ابن الحنفية للأخذ بثأر آل البيت والواقع أن ابن الحنفية تبرأ من المختار وأنكر أن يكون قد أرسله إلى العراق4. ودعت الشيعة بالكوفة إلى ابن الحنفية، فخاف ابن الزبير أن تفتح بذلك جبهة جديدة عليه مما يزيد الأمر خطورة وتعقيداً، وأرسل المختار جيشاً في عام 66هـ إلى مكة في موسم الحج، واستطاع أن يخلص ابن الحنفية من سجنه، ومنع ابن الحنفية الجيش من قتال ابن الزبير لكونه لَ يستحل القتال في الحُ رم5. والواقعأن ابن الحنفية أصبح يشكل خطراً على ابن الزبير بعد و صول نجدة العراق، وتروي المصادر أنه كان لَبن الحنفية لواء في الحج ينافس فيه لواء ابن الزبير6، أما بالنسبة لَبن الزبير فقد أحس أن مصدر قوة ابن الحنفية يكمن في مساندة المختار بن أبي 1 تاريخ خليفة، ص263. 2 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /719.) 3 تاريخ خليفة، ص263. 4 الطبقات5 /98.) 5 الدولة الأموية للصَّلاَّبي 1 /719.) 6 الطبقات5 /3) تاريخ خليفة، ص263.
عدد الصفحات ١٩٠191 عبيد له، ولذلك فكر في القضاء عليه، فأرسل أخاه مصعباً والياً على البصرة، وأمره أن يقاتل المختار، وفعلاً استطاع مصعب بن الزبير أن يقضي على المختار في الرابع عشر من رمضان سنة 67هـ، وأدى مقتل المختار إلى تضعضع موقف ابن الحنفية بمكة ، ويروي ابن سعد أن ابن الزبير أرسل إلى ابن الحنفية أخاه عروة يطلب منه أن يبايع، وهدده بالحرب إن هو أصر على رفض البيعة1، ولَحت لَبن الحنفية في هذه الأثناء فرصة رأى فيها مخرجاً من ضغوط ابن الزبير تمثلت في دعوة عبد الملك بن مروان له بأن يقدم إلى الشام، فاغتنم ابن الحنفية هذه الفرصة وتوجه إلى الشام هو وأتباعه، واختاروا المقام بأيلة2، وهذه البلدة وإن كانت من بلاد الشام، منطقة نفوذ عبد الملك بن مروان إلَ أنها في أطرافها نحو الحجاز، وأصبح تقريباً في منطقة بعيدة عن الَثنين معاً، ولكن اتضح أن نوايا عبد الملك لم تكن تختلف عن نوايا ابن الزبير، فعرض عليه البيعة مقابل أموال وأعطيات سخية أو الخروج من بلاد الشام وآثر ابن الحنفية الخروج على البيعة، حيث اشترط ذلك على ابن الزبير من قبل، وأراد ابن الحنفية العودة إلى مكة، ولكن ابن الزبير منعه من دخولها فتوجه بمن معه إلى الطائف، وقيل: المدينة، وبقي بها إلى أن قتل ابن الزبير سنة 72هـ3. 5 ـ بيعة ابن الزبير في العراق أدت وفاة يزيد بن معاوية إلى اضطراب الوضع في العراق ونشوب النزاع بين قبائله المختلفة حول السلطة، وهرب عبيد الله بن زياد إلى الشام، وخرج الخوارج قبل هروبه من السجن، وبدؤوا بإشاعة الفوضى والفساد، وبعد فتن وقتال اتفقت القبائل بالبصرة على أن يتولى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب الأمر4، ثم شرع ابن الزبير في تعيين نوابه بعد بيعة أهل البصرة له إلى أن استقر على ولَيتها أخوه مصعب، وعيَّ ن أهل الكوفة عامر بن مسعود بن خلف القرشي5، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأقره، وهذا 1 تاريخ خليفة، ص264 الدولة الأموية1 /720.) 2 أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام. 3 تاريخ خليفة، ص258. 4 تاريخ خليفة، ص258. 5 الدولة الأموية1 /721) للصَّلاَّبي
عدد الصفحات ١٩١192 التصرف يعد في حقيقته إقراراً من أهل الكوفة بخلافة ابن الزبير1، وتعامل أهل البصرة وأهل الكوفة مع ابن الزبير، كخليفة للمسلمين2. وقد ساعدت عوامل عديدة على نشر بيعة ابن الزبير بالعراق، من أهمها: الفراغ السياسي في السلطة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وهروب عبيد الله بن زياد إلى الشام، كما أن التنافس القبلي على السلطة واشتداد شوكة الخوارج وتهديدهم للأمن ساهم في حث أهل العراق على توحيد كلمتهم والَنضواء تحت لواء ابن الزبير3. 6 ـ بيعة ابن الزبير في الشام بعد وفاة معاوية بن يزيد وفي مناخ الشام المشوب بالفوضى والَضطراب وجدت بيعة ابن الزبير منفذاً لها في بلاد الشام، لَ سيما وأن أخبار صمود ابن الزبير أمام جيش الحصين ابن نمير في الحصار الأول، وبيعة أهل الحجاز له، قد تنامت إلى بلاد الشام، ويصور لنا البلاذري موقف أهل الشام من بيعة ابن الزبير في تلك الظروف فيقول: فلما مات معاوية بن يزيد مال أكثر الناس إلى ابن الزبير، وقالوا: هو رجل كامل السن، وقد نصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وهو ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه بنت أبي بكر بن أبي قحافة وله فضل في نفسه ليس لغيره، وتكاد تُ جْمع المصادر على بيعة جميع أقاليم أهل الشام ما عدا الأردن، فقد بايع زفر بن الحارث الكلابي4، بقنسرين، وبايع النعمان بن بشير الأنصاري بحمص، واستطاع نائل بن قيس الجذامي5، أن يسيطر على فلسطين ويدعو فيها لَبن الزبير، ودعا الضحاك بن قيس الفهري لَبن الزبير في دمشق وعيَّ ن ابن الزبير الضحاك بن قيس والياً على الشام 6، هذه أهم الأقاليم التي بايعت ابن الزبير. 7 ـ موقف الخوارج من بيعة ابن الزبير 1 المصدر نفسه1 /721.) 2 المصدر نفسه1 /721.) 3 المصدر نفسه1 /721.) 4 الأعلام للزركلي3 /45.) 5 المصدر نفسه7 /343.) 6 أنساب الأشراف5 /132) عبد الله بن الزبير
عدد الصفحات ١٩٢