المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التداول على السلطة التنفيذية

علي محمد الصلابي

صفحة ١١ من ١٥

161 بالراغب في ذلك، ولو أردت هذا الأمر لم أسلمه1، وجاء في نص الصلح الذي ذكره ابن حجر الهيثمي: ... بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين2. وعند التدقيق في روايات طلب الحسن الخلافة بعد معاوية، نجد أنها تتنافى مع أنفة وقوة وكرم الحسن، فكيف يتنازل عن الخلافة حقناً ل دماء المسلمين وابتعاء مرضاة الله، ثم يوافق على أن يكون تابعاً يتطلب أسباب الدنيا، وتشرأ ب عنقه للخلافة مرة أخرى؟ والدليل على أن هذا غير صحيح ما ذكر جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة، فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء مرضاة الله3. ومن الملاحظ أن أحداً من أبناء الصحابة أو الصحابة لم يذكروا خلال بيعة يزيد شيئاً من ذلك، فلو كان الأمر كما تذكر الروايات عن ولَية عهد الحسن بن علي، لَتخذها الحسن ابن علي حجة، ولكن لم نسمع شيئاً من ذلك على الإ طلاق ممَّ ا يؤكد على أن مسألة خلافة الحسن لمعاوية لَ أساس لها من الصحة، ولو كان الحسن رضي الله عنه أسند إليه منصب ولَية العهد في الشروط لكان قريباً في عهد معاوية من إدارة الدولة أو تولي إحدى الأقاليم الكبرى، لَ أن يذهب إلى المدينة وينعزل عن إدارة شؤون الحكم، كما أن روح ذلك العصر يشير إلى مبدأ اختيار الأمة للحاكم عن طريق الشورى هو الأصل4. 5 ـ نتائج الصلح إن أهم نتائج الصلح هي: أ ـ توحد الأمة تحت قيادة واحدة. ب ـ عودة الفتوحات إلى ما كانت عليه. جـ ـ تفرغ الدولة للخوارج. د ـ انتقال العاصمة الإسلامية إلى بلاد الشام5. 1 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 160. 2 المصدر نفسه، ص160. 3 البداية والنهاية11 /206.) 4 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 160. 5 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي.، ص: 161

عدد الصفحات ١٦١

162 6 ـ بيعة معاوية رضي الله عنه: بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه اكتملت عوامل تولي معاوية للرئاسة وتهيأت له جميع أسبابها، فبويع أمير المؤمنين عام 41 هـ وسمي هذا العام (بعام الجماعة1. وسجل في ذاكرة الأمة عام الجماعة، وأصبح هذا الحديث من مفاخرها التي تزهو به على مر العصور وتوالي الدهور، فقد التقت الأمة على زعامة معاوية ورضيت به أميراً عليها، وابتهج خيار المسلمين بهذه الوحدة الجامعة، بعد الفرقة المشتتة، وكان الفضل في ذلك لله، ثم للسيد الكبير مهندس المشروع الإصلاحي العظيم الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ويعد عام الجماعة من علامة نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفضيلة باهرة من فضائل الحسن، ولَ يلتفت إلى ما قاله العقاد من فهم غير صحيح عن عام الجماعة في هجومه الخاطىء على المؤرخين الذين سموا سنة 41هـ بعام الجماعة، فقد قال: فليس أضل ضلالًَ ولَ أجهل جهلاً من الم ؤرخين الذين سموا عام 41هـ بعام الجماعة، لأنها السنة التي استأثر فيها معاوية بالخلافة فلم يشاركه أحد فيها، لأن صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرقت فيها الأمة كما تفرقت في تلك السنة، ووقع فيها الشتات بين كل فئة من فئاتها كما وقع فيها2. والعقاد رحمه الله لم يأت بجديد في حكمه الخاط ىء بل سبقه إليه كثير من مؤرخي الإمامية، ويكفي معاوية فخراً أن كل الصحابة الأحياء في عهده بايعوه، فقد اجتمعت الأمة على معاوية وبايعه علماء الصحابة والتابعين، وعدوا خلافته شرعية، ورضوا إمامته، ورووا أنه خير من يلي أمر المسلمين ويقوم به خير قيام في تلك المرحلة، فروى عن الأوزاعي أنه قال: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله، منهم: سعد، أسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ورافع ابن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر مما سميت بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله 1 سير أعلام النبلاء3 /137.) 2 معاوية بن أبي سفيان للعقاد، ص25.

عدد الصفحات ١٦٢

163 صلى الله عليه وسلم تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله، منهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحم ن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه له كلهم بايعوا معاوية1. وقال ابن حزم: فبويع الحسن ثم سلم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بلا خلاف، ممن اتفق قبل الفتح وقاتل، وكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته2. فالصحابة لم يبايعوا معاوية رضي الله عنه إلَ وقد رأوا فيه شروط الإمامة متوفرة، ومنها العدالة، فمن يطعن في عدالة معاوية وإمامته فقد طعن في عدالة هؤلَء الصحابة جميعهم وخوَّنهم وتنقصهم، فمن رضيه هؤلَء لدينهم ودنياهم ألَ نقبله ونرضى به نحن؟ ومن قال: لعلهم بايعوا خوفاً فقد اتهمهم بالجبن وعدم الصدع بالحق، وهم القوم المعلوم من سيرتهم الشجاعة والشهامة وعدم الخوف في الله لومة لَئم3. وفي مبايعة سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي لمعاوية درس بليغ وفهم عميق لآيات النهي عن الَختلاف قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلََ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (الأنعام ، آية : 153.) فالصراط المستقيم: هو القرآن والإسلام والفطرة التي فطر الناس عليها، والسبل هي: الأهواء والفرق، والبدع، والمحدثات، قال مجاهد: ولَ تتبعوا السبل: يعني البدع والشبهات والضلالَت4. ونهى الله سبحانه هذه الأمة عما وقعت فيه الأمم السابقة من الَختلاف والتفرق من بعد ما جاءتهم البينات، وأنزل الله إليهم الكتب فقال سبحانه: ﴿وَلََ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم ﴾(آل عمران، آية : 105.) 1 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 163. 2 المصدر نفسه، ص163. 3 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص: 163. 4 دراسات في الأهواء والفرق والبدع، د. ناصر عبد الكريم العقل، ص49 .

عدد الصفحات ١٦٣

164 وقد أمر الله تعالى بالَعتصام بحبله، قال تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلََ تَفَرَّقُواْ ﴾ (آل عمران، آية : 103). لقد تحقق بفضل الله ـ تعالى ـ ثم بنجاح الحسن بن علي في صلحه مع معاوية مقصد عظيم من مقاصد الشريعة من وحدة المسلمين واجتماعهم. ولَ ينظر للحديث الضعيف الذي رواه ابن عدي من طريق علي بن زيد، وهو ضعيف عن أبي نفرة، عن أبي سعيد من حديث مجالد1، وهو ضعيف أيضاً عن أبي الوداك عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»2. أسنده أيضاً من طريق الحكم بن ظهيره 3، وهو متروك: وهذا الحديث كذب بلا شك ولو كان صحيحاً لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لَ تأخذهم ف ي الله لومة لَئم. 7 ـ انتهاء عهد الخلافة الراشدة انتهى عهد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بتنازل الحسن بن علي لمعاوية رضي الله عنه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عضوضاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت»4. وقد بي ن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء5. وقوله صلى الله عليه وسلم«الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك»6، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه 1 الكامل في الضعفاء6 /2416.) 2 البداية والنهاية11 /434.) 3 الكامل في التاريخ2 /626.) 4 مسند أحمد4 /371 ـ372)، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 5 سنن أبي داود شرح عون المعبود12 /259.) 6 سنن الترمذي شرح الأحوذي6 /395 ـ397) حديث حسن

عدد الصفحات ١٦٤

165 وسلم فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلَئل نبوة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً 1، وبذلكتكون مرحلة خلافة النبوة قد انتهت بتنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية في شهر ربيع الأول من سنة 41هـ2، فالحديث النبوي الكريم أشار إلى مراحل تاريخية وهي: ـ عهد النبوة. ـ عهد الخلافة الراشدة. ـ عهد الملك العضوض3. ـعهد الملك الجبري. ـ ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. وقد بي ن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ستكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكاً، ولم يكونوا خلفاء الأنبياء، بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «وفواببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم»4. فقوله «فتكثر» دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيراً وأيضاً قوله «فواببيعة الأول فالأول» دل على أنهم يختلفون والراشدين لم يختلفوا، وقوله: «فأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم». وقد حدد ابن خلدون مدى التغير الذي حدث، فقدر أن الخلافة وإن كانت تحولت إلى ملك، فإن معاني الخلافة بقيت ـ بعضها ـ وإنما كان التغير في الوازع فبعد أن كان ديناً انقلب عصبية وسيفاً، يقصد بذلك: أنه بعد أن كان الناس يتصرفون بوازع الدين، 1 البداية والنهاية8 /16.) 2 مرويات خلافة معاوية، د. خالد الغيث، ص165. 3 معاوية بن أبي سفيان للصلا بي، ص: 165. 4 صحيح البخاري، رقم3455.

عدد الصفحات ١٦٥

166 والخلافة شورى، صار الحكم مستنداً إلى العصبية والقوة، ولكن معاني الخلافة أي مقاصدها وأهدافها بقيت، أي أن غايات هذا الملك كانت لَ تزال تحقيق مقاصد الدين والحكم وفق الشريعة الإسلامية بالعدل وتنفيذ الواجبات التي يأمر بها الإسلام: أي أن الحكم أو الملك استمر إسلامياً وشرعياً 1. ولخص الأدوار التي مرت بها الخلافة، فقال: فقد بي ن أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولًَ، ثم التبست معانيها واختلطت بالملك، ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبية الخلافة والله يقدر الليل والنهار2. فالدور الذي يشير إليه هو عصر الخلفاء الراشدين وهو عصر الخلافة الخالصة أو الكاملة، والدور الثاني هو عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين ـ ولَ يمنع كذلك العثمانيين ـ وهذا عصر الخلافة المختلطة بالملك أو الملك المختلط بالخلافة: أي الذي يحقق في الوقت نفسه مقاصد الخلافة، أما الدور الثالث فهو عصر الملك المحض الذي صار يقصد لذات الملك والأغراض الدنيوية، وانفصل عن حقيقة الخلافة أو معانيها الدينية، فهذا وصف أو تفسير ابن خلدون المؤرخ الفقيه للتطور الذي حدث، والأدوار التي مرت بها الخلافة3. إن الخلافة الحقيقية أو الكاملة أو خلافة النبوة استمرت ثلاثين عاماً، وهو عصر الخلفاء الراشدين ثم تحولت إلى ملك، ولكن لكي نعبر عن الحقيقة يجب أن يراعى هذا التحديد، وهو أن الخلافة لم تنته أو تذهب كلية، وإنما بقيت معانيها أو مقاصدها . وأن التغيير حصل في الأساس التي قامت عليه، أما حقيقتها فقد بقيت، فالتغيير إذاً لم يكن كلياً ولكن جزئياً: أي أن الخلافة في العصر الأول كانت هي الخلافة الكاملة المثالية، ثم نقصت عن المثال من وجه أو بعض الوجوه، لكن معظم عناصره بقيت، فهي خلافة أقل في الرتبة، أو خلافة مختلطة بالملك4، والرأي العام في الإسلام يتمسك بالمثال، أو خلافة النبوة، أو 1 النظريات السياسية للريس، ص194 نقلاً عن مقدمة ابن خلدون 2 المصدر نفسه، ص195. 3 النظريات السياسية، ضياء الدين الريس، ص195. 4 المصدر نفسه، ص196.

عدد الصفحات ١٦٦

167 الخلافة الكاملة، وهي تلك التي تقوم على الشورى والَختيار التام من الأمة، وأنه إذا كانت الظروف الواقعية والعوامل الَجتماعية قد حتمت أو أدت إلى هذا التطور، فإن تحمل ذلك أو قوله لَ يكون إلَ مؤقتاً أو من باب الضرورة، ولكن لَ يلزم أن يكون المثل الكامل حاضراً دائماً في فكر الرأي العام، وبمجرد أن تزول تلك العوامل والظروف تجب العودة إلى تحقيق المثل الكامل، ولذا فإن الكتابات الإسلامية الأصلية1ظلت ملتزمة ومتشبثة بالمثل الكامل، ولَ تستخلص مبادئها إلَ منه، وتفرق بين الخلافة وهي الخلافة الحقيقية الشرعية، والخلافة الواقعة التي بعدت قليلاً أو كثيراً عن الحقيقة. وقد ذكرابن تيمية: أن مصير الأمر ـ أي الخلافة ـ إلى الملوك ونوابهم من الولَة والقضاة الأمراء ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية جميعاً، فإ نه كما تكونوا يول ى عليكم، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ (الأنعام، آية : 129.) لقد ذهبت دولة الخلفاء الراشدين، وصار ملكاً، ظهر النقص في الأمراء، وكذلك في أهل العلم والدين، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء، حتى أنه لم يبق من أهل بدر إلَ نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية، وأوائل الدولة العباسية2. عاشراً: ولاية العهد وتولي يزيد بن معاوية لم نعثر في المصادر التاريخية على تحديد دقيق لتلك الفترة التي بدأ فيها معاوية يفكر تفكيراً جدياً في تولية ولده يزيد من بعده خليفة المسلمين، ولكنه بالتأكيد لم يفكر إلَ بعد سنة خمسين من الهجرة وذلك بعد أن خلت الساحة من وجود الصحابة الكبار المبشرين 1معاوية بن أبي سفيان للصًلاًبي، ص 167. 2 المصدر نفسه، ص167.

عدد الصفحات ١٦٧

168 بالجنة من أمثال: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن يزيد بن عمرو، وبعد وفاة الحسن بن علي رضي الله عنهم جميعاً. وبعد أن عُرف يزيد عن قيادته لجيش المسلمين الذي حاصر القسطنطينية، وبعدها أصبح معاوية يهيئ الأمور لترشيح يزيد للخلافة. وكان من الطبيعي أن يستشير زياد بن أبيه بعد ما أصبح أخاً له، وصار يقال له: زياد بن أبي سفيان، وولَه العراق. ونستخرج من الروايات التاريخية بعض الحقائق من هذه الَستشارة من أهمها: ـ إن بداية الفكرة كانت من معاوية، وأنه كان يدرك أنه كان يقدم على أمر خطير، لَ بل على حدث ل م يسبق إليه، ولهذا اصطفى زياداً للاستشارة، وزياد هو الذي قال عنه الأصمعي: الدهاة أربعة: معاوية للروي ة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلة، وزياد لكل صغيرة وكبيرة، وقد أشار عليه زياد بالتؤدة فقبل. ولهذا لم يقدم معاوية على الأمر الخطير إلَ بعد وفاة زياد1. قال الطبري لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد إن حدث الموت، فيزيد ولي عهد، فاستوثق الناس 2، فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة3. ـ إن معاوية لم يكن يريد حين الَستشارة الَكتفاء بالعهد، وإنما أراد الناس على مبايعة يزيد وهو حي، وهو حدث جديد أيضاً لم يعهد من قبل، لأ ن الناس لم يبايعوا عمر إلَ بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه. ـ إن زياداً قد أحسَّ خطورة الأمر، فلم يشأ باد ىء الأمر أن يكتب لمعاوية بنصيحته، بل أراد أن يحمِّلها لرسول خاص وهو عبيد الله بن كعب النميري ليؤديها عنه إلى معاوية شفهياً، وفي ذلك من الحيطة الشيء الكثير لئلا يشيع خبر الكتاب، فيحدث ما لَ يحمد، ولهذا قال لعبيد: ولهذا دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف. 1 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي1/191.) 2 استوثق له الناس (اجتمعوا على رأيه 3 تاريخ الطبري8/221.)

عدد الصفحات ١٦٨

169 ــ إن معاوية كان يتخوف نفرة الناس، فليس العهد لولد الخليفة والخليفة حي بالأمر اليسير. ـ إن زياداً كان يخشى على الأمة من يزيد، ولذلك يقول: وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسالة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، ولهذا أيضاً نرى في جواب عبيد له أنه سيلقي يزيد وينقل إليه: أن زياداً يرى ترك ما ينقم عليه، وبذلك: يسلم ما تخاف من علاقة. ـ إن زياداً كتب أخيراً إلى معاوية، ولكن لينصحه بالتؤدة وألَ يعجل فقبل ذلك معاوية 1. وممن شاورهم معاوية رضي الله عنه الأحنف بن قيس، فقد روي أن معاوية لما نصَّب ولده يزيد لولَية العهد، أقعده في قبة حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمي ــر المؤمنين: أعلم أنك لـو لـم تول هـذا أمـور المسلمين لأضعتها، والأحنف بـن قيس جالس فقال له معاوية: ما بالك لَ تقول يا أبا بحر؟ قال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيراً، وأمر له بألوف، فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر إني لأعلم أن شر ما خلق الله سبحانه وتعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فليس نطمع في استخراجها إلَ بما سمعت، فقال له الأحنف: أمسك عليك، فإن ذا الوجهين خليق أن لَ يكون عند الله وجيهاً 2. 1 ـ الحملات الإعلامية ومن التمهيدات الإعلامية الناجحة التي قدمها معاوية رضي الله عنه لَبنه توليته أميراً على الجيش الذي وجهه إلى غزو القسطنطينية، وبعد أن رجع من الغزو ولَه إمارة الحج، ولكنه كان يتخوف من نفرة الناس ويتهيب من بعض المعارضين 3، وذلك كان يواصل إعداد العدة للأمر ويستشير ولَته ورجال دولته ويستعين بهم في تذليل العقبات 1 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي1 /192.) 2 الشهب اللامعة في السياسة النافعة، ص458 عبد الله بن رضوان 3 دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، ص104، د. محمد بطاينة

عدد الصفحات ١٦٩

170 وتهيئة الأجواء لأخذ البيعة ليزيد، ومما يذكر في هذا الجانب، أن الشاعر ربيعة بن عامر الدارمي المعروف "مسكين الدارمي" وكان مما يؤثره يزيد و يصله، أنشد في مجلس معاوية، وكان المجلس حافلاً ويحضره وجوه بني أمية فقال: ألَ ليت شعري ما يقول ابنُ عامر ومروان أم ماذا يقول سعيد بني خلفاء الله مهلاً فإنَّما يُبوُّ ئها الرحم ن حيث يريد إذا المنبر الغربيُّ خلاَّ ه ربه فإن أمير المؤمنين يزيد فقال معاوية: ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله ولم يتكلم أحد من بني أمية إلَ بالإقرار والموافقة1. 2 ـ قبول أهل الشام لبيعة يزيد: أدرك معاوية حرص أهل الشام على بقاء الخلافة فيهم، فقد حسم أهل الشام أمرهم وأصبح خيارهم في ولَية العهد ليزيد ووجدوا فيه ضالتهم لَستمرار صدارتهم في الدولة الإسلامية، ولم يكن أهل الشام يستغربون فكرة توريث الخلافة كما كان يستغربها أهل الحجاز، فقد عهدوها من قبل إبان حكم البيزنطيين لهم، بل إن بعض أهل العراق كانوا فيما يبدو مهيئين لتقبل فكرة توريث الخلافة، ولكن من منظور خاص، حيث يرون أحقية أهل البيت بها واستمرارها فيهم، وقد تأثروا في ذلك بنظام الحكم الساساني للفرس قبل الفتح الإسلامي لهذه البلاد2. إن أهل الشام استجابوا لرغبة معاوية في تولية يزيد ولياً لعهده من بعده، وكان ذلك بعد رجوع يزيد من غزوة القسطنطينية، وقد أدى طرح هذه الفكرة إلى قبول بإجماع من أهل الشام بالموافقة على بيعة يزيد ولم يكن هناك أي معارض3. 1 الشعر والشعراء لَبن قتيبة1 /455.) 2 مسند أحمد2 /325) الموسوعة الحديثة، حسن لغيره 3 مواقف المعارضة في خلافة يزيد، محمد الشيباني، ص89.

عدد الصفحات ١٧٠

171 وقد أسهم أهل الشام فيما بعد في أخذ البيعة ليزيد من الأمصار الأخرى مثل الحجاز1. 3ـ بيعة الوفود عقد معاوية رضي الله عنه اجتماعاً موسعاً في دمشق بعد ما جاءت الوفود من الأقاليم، وكانت هذه الوفود تضم مختلف رجالَت القبائل العربية، فمثلاً من بلاد الشام: الضح اك ابن قيس الفهري، ثور بن معن السلمي2، عبد الله بن عضاة الأشعري، عبد الله بن مسعد الفزاري، عبد الرحم ن بن عثمان الثقفي، حسان بن مالك بحدل الكلبي3، وغيرهم، كما حضر من أهل المدينة: عمرو بن حزم الأنصاري ـ وذلك في وقت متأخر ـ وحضر عن أهل البصرة: الأحنف بن قيس التميمي، ثم تكلم كل زعيم من هؤلَء الزعماء ورحبوا بالفكرة وأثنوا عليها وأكدوا أن هذه هي الطريقة الأصوب لحقن الدماء والحفاظ على الألفة والجماعة4. فحصلت المبايعة ليزيد بوية العهد على أن الشيء المؤكد أن عمرو بن حزم الأنصاري لم يحضر هذا الَجتماع وذلك لأحد أمرين: الأمر الأول: هو أن أهل المدينة لم يوافقوا في الأصل على البيعة وعارضوها بشدة فلم يرسلوا في موعد الوفود أحد. الأمر الثاني: هو أن معاوية قد رفض الَلتقاء بعمرو بن حزم وم ا ذاك إلَ لأنه بلغه معارضة أهل المدينة، وعرف أن عمرو بن حزم مندوب عن أولئك المعارضين، فخشي إن حضر الَجتماع سوف يشتت الآراء، ويحدث بلبلة من خلال معارضته، ولهذا استجاب له أخيراً فالتقى به على انفراد وحصل بالفعل ما كان يظن معاوية، ولكن معاوية تقبل الَنتقاد وأجزل له العطاء5. وكان ذلك بعدما عزل رأي ابن حزم عن الوفود. 1 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 435. 2 المصدر نفسه، ص: 435. 3 موقف المعارضة من خلافة يزيد، ص89. 4 المصدر نفسه، ص90. 5 مجمع الزوائد7 /248 ،249) صحيح الإسناد

عدد الصفحات ١٧١

172 4 ـ طلب البيعة من أهل المدينة مثلما أرسل معاوية رضي الله عنه إلى الأقاليم يطلب منهم البيعة ليزيد أرسل إلى المدينة يطلب من أميرها أخذ البيعة ليزيد1، فقام مروان بن الحكم أمير المدينة خطيباً فحض الناس على الطاعة لحذرهم الفتنة، ودعاهم إلى بيعة يزيد، وقال مروان سنة أبي بكر الراشدة المهدية واستدل على ذلك بولَية العهد من أبي بكر لعمر، فرد عليه عبد الرحم ن ابن أبي بكر رضي الله عنه2، ونفى أن تكون هناك مشابهة بين هذه البيعة وبيعة أبي بكر، وقال: فقد ترك أبي بكر الأهل والعشيرة وعمد إلى رجل من بني عدي بن كعب، إذ رأى أنه لذلك أهل فبايعه، ثم قال: هذه البيعة شبيهة ببيعة هرقل وكسرى، ثم حدث بينه وبين مروان نزاع3. وجاء في رواية عبدالرحم ن بن أبي بكرالصديق رضي الله عنه : يا معشر بني أمي ة اختاروا منها بين ثلاث: بين سنة رسول الله أو سنة أبي بكر أو سنة عمر. ألَ وإنما أردتم أن تجعلوها قيصرية كلما مات قيصر كان قيصر4 .فقال مروان: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه5، فقال: إن هذا الذي أنزل الله فيه﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْه أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي ﴾ (الأحقاف ، آية : 17)، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا من القرآن إلَ أن الله أنزل عذري6. وقد سبق طلب مروان بن الحكم من أهل المدينة البيعة ليزيد تمهيداً من معاوية رضي الله عنه، حيث أرسل رسالة لم يذكر فيها يزيد، وإنما جاء فيها: إني كبرت سني وخشيت الَختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لكم من يقوم بالأمر بعدي، وكرهت أن أقطع أمراً دون مشورة من عندك، ف اعرض عليهم ذلك، وأعلمني بالذي يردون عليك. فقام مروان في الناس وأخبرهم بما أراد معاوية، فقال الناس: أصاب معاوية، ووفق وقد 1 مواقف المعارضة، ص98. 2 مجمع الفوائد5 /241) إسناده حسن 3 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 436. 4 المصدر نفسه، ص436. 5 المصدر نفسه، ص: 436. 6 المصدر نفسه، ص436.

عدد الصفحات ١٧٢

173 أحببنا أن يتخير لنا فلا يألو1، ولكن عندما ذكر في المرة التالية اسم يزيد، امتنع أهل المدينة في بداية الأمر، وعبَّ ر عبد الرحم ن بن أبي بكر عما في نفوسهم2. ومما سبق نلاحظ أن مروان بن الحكم لم يوفق في المهمة التي كلفه بها معاوية رضي الله عنه، وعند ذلك قرر معاوية المجيء بنفسه إلى الحجاز ومعرفة موقف الصحابة في هذه القضية المهمة، فجاء رضي الله عنه معتمراً في شهر رجب من سنة 56 هجرية3، فلما علم عبد الرحم ن بن أبي بكر وابن عمر وابن ا لزبير بقدوم معاوية، خرجوا من المدينة واتجهوا إلى مكة4، فلما قدم معاوية المدينة خطب الناس وحثهم على البيعة وبين أن يزيد هو أحق الناس بالخلافة5، ثم قال: قد بايعنا يزيد فبايعوه6. ويبدو أن معاوية قد ذكر أنه لَ يخشى على ابن عمر وغيره من القتل إن مانعوا، ويقصد بخوفه عليهم من أهل الشام الذين لَ يمكن أن يتصوروا أن أحداً يخالف أم ير المؤمنين في أمر اتفق عليه كثير من الناس، فقد ذُ كر أن معاوية قال: والله ليبايعن ابن عمر أو لأقتلنه، فلما بلغ الخبر عبد الله بن صفوان7، غضب وعزم على مقاتلة معاوية إن ثبت هذا. فلما سأل معاوية أنكر ذلك وقال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لَ أقتله8. أ ـ عبد ا بن عمر في مجلس معاوية: فلما قدم معاوية مكة وقضى نسكه، بعث إلى ابن عمر، فقدم عليه فتشهد معاوية وقال: أما بعد يا ابن عمر فإنك قد كنت تحدثني أنك لَ تحب أن تبيت ليلة سوداء وليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى على فساد ذات بينهم. فرد ابن عمر على معاوية وبيَّ ن له كيف كانت طريقة بيعة الخلفاء الراشدين، وذكر له كيف أن لهم أبناء خير من يزيد، فلم يروا في أبنائهم ما يرى معاوية في يزيد، ثم بيَّ ن له أيضاً أنه لَ 1 المصدر نفسه، ص436. 2 مواقف المعارضة، ص99. 3 البداية والنهاية11 /305.) 4 التاريخ الصغير للبخاري1 /103) إسناده صحيح 5 تاريخ خليفة، ص213 ،214 إسناده حسن 6 معاوية بن أبي سفيان، ص437 للصلابي 7 الطبقات4 / 83) بسند صحيح 8 معاوية بن أبي سفيان للصَّلاَّبي، ص 437.

عدد الصفحات ١٧٣

174 يريد أن يشق عصا المسلمين، وأنه موافق على ما تجتمع عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأثلج هذا القول صدر معاوية وقال: يرحمك الله1. فقد اشترط ابن عمر حدوث الإجماع على بيعة يزيد حتى يعطيه البيعة2، وكان معاوية قد أرسل مائة ألف درهم لَبن عمر، فلما دعا معاوية لبيعة يزيد قال: أترون هذا أراد؟ إن ديني إذاً عندي لرخيص 3، وكان ابن عمر يرى أنه لَ يج وز أن يؤخذ على البيعة الدراهم، لأنها من باب الرشوة، فإن كانت البيعة حقاً فلا يجوز له أن يأخذ على الحق أجراً، وإن كانت باطلاً فلا يجوز له أن ي بذل البيعة لمن لَ يستحقها من أجل المال4، فموقف ابن عمر رضي الله عنه هو عدم الرضا بالأسلوب الوراثي للحكم أو أخذ البيعة عن طريق المال5. ب ـ عبدالرحمٰن بن أبي بكر في مجلس معاوية: وخرج ابن عمر من مجلس معاوية واستدعى عبد الرحم ن بن أبي بكر الص دِّيق رضي الله عنه، فأخذ معاوية في الكلام، فقاطعه عبد الرحم ن ورد عليه بلهجة شديدة، وذكر أنه يمانع بيعة يزيد، وطلب أن يكون الأمر شورى، وتوعد معاوية بالحرب6، ثم قام فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، وطلب منه أن يتمهل وألَ يعلن رفضه أمام أهل الشام فيقتلوه، فإذا جاء العشي وبايع الناس ثم يكون بعد ذلك ما عنده من رأي7، وكان الأولى لمعاوية أن يطلب من أهل الشام ألَ يتعرضوا لمن خالفه. جـ ـ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: ثم استدعى ابن الزبير واتهمه معاوية بأنه السبب في منع البيعة، وأنه وراء ما حدث من ابن عمر وابن أبي بكر، فرد عليه ابن الزبير وطلب منه أن يتنحى عن الإمارة إن كان ملَّ ها، ثم طلب من معاوية أن يضع يزيد خليفة بدلًَ منه فيبايعه، ثم استدل على عدم 1 تاريخ خليفة، ص214 ،215 بسند صحيح 2 الفقهاء والخلفاء، د. سلطان خالد، ص58. 3 الطبقات4 /182) بسند صحيح 4 موسوعة فقه ابن عمر، ص153، د. قلعجي 5 الفقهاء والخلفاء، ص59. 6 تاريخ خليفة، ص213. 7 المصدر نفسه، ص214.

عدد الصفحات ١٧٤

175 موافقته على المبايعة بما استنبطه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه « لا يجوز مبايعة اثنين في آن واحد »1، ثم قال: وأنت يا م عاوية أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا أحدهما»2. د ـ الحسين بن علي رضي الله عنه: ومن الملاحظ أن الرواية السابقة لم تذكر الحسين بن علي ضمن من استشارهم معاوية في بيعة يزيد، ولعل السبب يعود إلى أن معاوية أدرك العلاقة بين أهل العراق وبين الحسين، وأنهم كانوا يكتبون له ويمنونه بالخلافة من بعد معاوية، ثم إن الحسين قد قابل معاوية بمكة فكلمه طويلاً ـ كما يبدو ـ في أمر الخلافة الأمر الذي أغضب يزيد فقال لأبيه: لَ يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه لعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله3. ويتبين لنا من خلال الحوار الذي دار بين معاوية وعبد الله بن عمر، وعبد الرحم ن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أنهم يمانعون البيعة لسببين: ـ اعتراضهم على تولية يزيد، للعلاقة بين الأب والَبن، وإن هذه لم تكن طريقة الخلفاء الراشدين. ـ الَستدلَل على بطلان هذه البيعة ورفضها لمخالفت ها النص الصريح الذي ورد في الحديث النبوي، والذي لَ يجيز البيعة لشخصين في وقت واحد4. 5 ـ أسباب ترشيح معاوية لابنه يزيد أ ـ الحفاظ على وحدة الأمة: نظر معاوية إلى ابنه يزيد على أنه المرشح الذي سيحظى بتأييد أهل الشام الذين يمثلون العامل الأقوى في استقرار الدولة، وقد أبرز معاوية رضي الله عنه السبب الذي دعاه لَختيار ابنه يزيد وذلك أثناء جمع التأييد له من كبار أبناء الصحابة أثناء رحلته الأخيرة للحج، إذ كان الدافع لمعاوية رضي الله عنه عندما سارع في أخذ البيعة ليزيد هو خوفه 1 المصدر نفسه، ص214. 2 المعجم الكبير للطبراني19 /314.) 3 الطبقات ، الطبقة الخامسة، ص357 إسناده حسن 4 معاوية بن أبي سفيان، ص439 للصَّلاَّبي

عدد الصفحات ١٧٥

176 من الَختلاف1، الذي قد يطرأ على الأمة بعد موته، وربما تنخرط في قتال جديد لَ يعلم سعته ومداه إلَ الله عز وجل2. فكان معاوية يخشى أن يترك أمة محمد كالضأن لَ راع لها3، ولذلك عمل على اختيار من يخلفه. وكان الأولى بمعاوية أن يعين من أفاضل المجتمع الإسلامي رجالًَ يجعلهم موضع شورى يختاروا من كان أهلاً للخلافة ويب تعد عن ترشيح ابنه يزيد، لأن اختيار يزيد لم يكن أماناً من الَختلاف والقتال وسفك الدماء، ولقد وقع المحظور بعد وفاة معاوية، وسُ فكت الدماء ولم يزح اختيار معاوية يزيد ما تعلَّ ل به من المخاوف، ويبدو أنه وقع ما وقع بسبب شخصية يزيد واتباع الوراثة بديلاً من الشورى في اختيار الخليفة، ولأسباب أخرى. وعلى كل حال فمعاوية اجتهد ولم يكن مصيباً في تولية يزيد لولَية العهد، فقد كان بوسعه وقدراته السياسية الفائقة أن يطمئن في حياته على اجتماع كلمة المسلمين في أمر الخلافة من بعده باختيار واحد من المسلمين يشهد له الناس بحسن السيرة أكثر من يزيد ابنه ويجتمع عليه أعيان المجتمع الإسلامي في الشام والعراق وبلاد الحجاز وغيرها4. ب ـ قوة العصبية القبلية خاض معاوية الحرب وتولى الخلافة بنصرة من أهل الشام وكانوا من أشد الناس طاعة ومحبة لبني أمية، ومن الدلَئل على تلك الطاعة والمحبة هو: أن معاوية رضي الله عنه لما عرض خلافة يزيد بن معاوية على أهل الشام وافقوا م وافقة جماعية، ولم يتخلف منهم أحد وبايعوا ليزيد بولَية العهد من بعد أبيه5. ومن الدلَئل على قوة العصبية في بلاد الشام لبني أمية، أن مروان بن الحكم تمكن من الَنتصار بأهل الشام على عمال عبد الله بن الزبير، ثم تبعه بعد ذلك ابنه عبد الملك بن مروان، حتى تمكن من الَنتصار بأهل الشام على ابن الزبير وقتله سنة 73هـ، ومع ذلك لم نجد أهل الشام انقادوا لَبن الزبير، بل إن أهل العراق غدروا بأخيه مصعب بن الزبير 1 دراسات في النظم، ص41، د. توفيق اليوزكي 2 مواقف المعارضةمن خلافة يزيد، ص: 131. 3 تاريخ الطبري6 /222.) 4 معاوية بن أبي سفيان للصَّلابَّي، ص 443. 5 معاوية بن أبي سفيان، ص444 للصَّلاَّبي

عدد الصفحات ١٧٦