المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٩ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وإذا كانت الأدلة قد شهدت للمسيح بالنجاة ، وأن مؤامرة الأشرار لن تلحق به الأذى ، فنجا المسيح من الموت على الصليب الذي أراده له أعداؤه . فإن ثمة سؤالاً يطرح نفسه : كيف نجا المسيح ؟ وكما أسلفنا فإن القرآن والسنة النبوية لا يذكران كيفية نجاة المسيح ، وكل ما ذكره القرآن أن الله شبه عليهم غير المسيح ، فأخذوه وليس لهم به علم يقيني . لذا نعود إلى قصة الأناجيل وهي تتحدث عن الصلب المزعوم ، لنرى كيف نجا المسيح ؛ ولابد لنا هنا من قراءة ما بين سطور القصة الإنجيلية ، لتلمس الحقيقة التي يصرح الإنجيليون بخلافها . وبداية نذكر أن المسلمين لا يرون كثير ضير بالقول بالكثير من التفصيلات التي أوردتها الأناجيل ، وإن كنا نشك في حصول بعضها ، لكن نقبلها تنزلاً مع محاورينا من النصارى ، ومنها : 1- أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه ، وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه . 2- أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلاً ، وبإلحاح كبير طالبً ا من الله أن يصرف عنه كأس الموت . 3- أن المسيح استسلم لقضاء الله وقدره ، فقال : « ليس كما أريد أنه بل كما تريد أنت » ( متى26 :39 ) وقال : « فلتكن مشيئتك » ( متى26 :41 ) . 4- المسيح يصلي ، والتلاميذ نيام ، ويحاول إيقاظهم مرة بعد مرة .

عدد الصفحات ١٣٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ 5- وصل يهوذا الأسخريوطي الخائن ، ومعه الجند ، يحملون مشاعل وسيوفً ا وعصيً ا ، للقبض على المسيح ، وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح . 6- وصلت الجموع ؛ فخرج إليهم المسيح ، وقال : من تطلبون ؟ فأجابوه : يسوع الناصري . فقال المسيح : « أنا هو .. فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا18 :5-6 ) . 7- حاول بطرس الدفاع ، لكنه كان أعجز من ذلك ، فهرب وجميع التلاميذ . 8- اقتيد المأخوذ ( وهو غير المسيح ) للمحاكمة عند رئيس الكهنة ، ثم بيلاطس ، وبطرس يتابعه في بعض ذلك ، وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات . 9- في المحاكمة سأل رئيس الكهنة ، واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح ، فأجابه : « أنت قلت ، وأيض ا أقول لكم : من الآن ، تبصرون ابن الإنسان جالس ا يمين القوة ، وآتي ا على سحاب السماء » ( متى26 :64 ) . 10- حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل ، واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله : إن كان هو ملك اليهود ، فأجابه : « أنت تقول » ، ثم لم يجبه بكلمة واحدة ، حتى تعجب بيلاطس منه . 11- لم يجد الوالي للمأخوذ علةفي المقبوض عليه يستحق عليها القتل ، فأراد أن يطلقه ، لكن الجموع أصرت على صلبه ، وإطلاق باراباس ، فأعلن براءته من دم هذا البار ، وأسلمه لهم . 12- اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب ، وصلب بجوار لصين . 13- صرخالمصلوب على الصليب ، فسقوه خلاً ، ثم أسلم الروح . ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة ، وهي من هو المأخوذ من

عدد الصفحات ١٣١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ساحة القبض على المسيح ؟ فيراه المسلمون يهوذا الأسخريوطي ، التلميذ الخائن ، ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك ، إذ هي موضع النزاع ، وقد كنا قد أقمنا الأدلة على ذلك من سفر المزامير . ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ ، وأنه حصل التباس عند آخذيه ، فإنا نتصور الجموع الكثيرة والتي تقارب الألف وهي تسير ، تحمل المشاعل والسيوف والعصي ، وتتكون من جنود وغوغاء يتقدمهم يهوذا . ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نيامً ا ، وقد حاول المسيح إيقاظهم مرارً ا فلم يستطع ، برغم أن الموقف كان صعبً ا ، فقد كانت عيونهم ثقيلة ، واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا ، والتلاميذ نيام « فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا18 :6 ) . وهنانتوقف مليً ا ، لنقرأ ما غفلت عن ذكره السطور . فما فائدة سقوطهم على الأرض ؟ وما الذي أسقطهم ؟ وماذا أفاد المسيح سقوطهم ، إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها ؛ و لم ل مْ يتكرر السقوط عندما أرادوا أخذه بعدها ؟ ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة ، فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب ، وفي تلك اللحظة اقترب الجند ، حملة المشاعل والسيوف للقبض على المسيح ، فتدخلت قدرة الله العظيم ـ كما ذكر يوحناـ، فسقطوا على الأرض ، بعد أن رجعوا للوراء . ولك أن تتخيل ما حصل ، من هرج ، وتدافع ، من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل ، والتي هي فقط تنير لها ظلمة الليل البهيم . بعد ذلك الاضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض ، وأفاقوا من ذهولهم

عدد الصفحات ١٣٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لما حصل لهم ، ورأوا يهوذا وحده مبهوتً ا أصابه الذ هول ، وقد رأى المسيح يرفع للسماء ، وقد ألقى الله عليه الكثير من شبه المسيح ، ولكن من سيتوقع أن هذا المذهول هو يهوذا ، ومن الذي يعرفه وقتذاك ؟ فكانت لحظة وقوع الجند : لحظة الخلاص كما وصفتها المزامير « الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه .. هم جثوا وسقطوا ، أما ن حن فقمنا وانتصبنا » ( المزمور 20 :8 ) . وفي مزمور آخر : « أما أنت فتبارك ، قاموا وخزوا » (المزمور 109 :28 ) . وفي مزمور آخر يسجل تلك اللحظة الخالدة : « حينئذ ترتد أعدائي إلى الوراء » ( المزمور 56 :9 ) ، و « ليرتد إلى خلف ، ويخجل المشتهون لي شر ا » (المزمور 70 : 2 )، و « عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي ، ومضايقي وأعدائي عثروا وسقطو ا» ( المزمور 27 :2 ) ، « ليخز وليخجل معا الذين يطلبون نفسي لإهلاكها ، ليرتد إلى الوراء ، وليخز المسرورون بأذيتي » ( المزمور40 :14-15 )وغيرها . بعدها ح مل يهوذا إلى المحاكم ة وإلى ديوان بيلاطس ، والشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات ، فقد شك فيه رئيس الكهنة ، وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبئ عن الذهول الذي أصابه ، وعن عجزه عن بيان الحقيقة ، التي لن يقنع أحدً ا إن ذكرها ، فكان يجيبهم : « أنت تقول » ( متى27 :11 ) . ولما اجتمع في النهار مشيخة الشعب ، ورؤساء الكهنة ، « وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح ، فقل لنا . فقال لهم : إن قلت لكم لا تصدقون ، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني . منذ الآن يكون ابن الإنسان جالس ا عن يمين قوة الله . فقال الجميع : أفأنت ابن الله ؟ فقال لهم : أنتم تقولون : إني أنا هو » (لوقا 22 : 66-70 ) .

عدد الصفحات ١٣٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة ، بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم ، لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح ، وإن أشبهه ، وهذا الشبه حير رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ ، فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ ، فلم ينكر ولم يثبت . وأما يهوذا فقد عرف أن لا فائدة من إنكاره ، إذ لن يصدقه أحد ، ولربما ولفرط ندمه قد استسلم لرداه ، ورضي بعقوبة الله له ، أن يصلب عن المسيح ، لعله بذلك أن يفديه ، لذلك تكرر سكوته . وهذا الموقف ليس بعيدً ا عمن ذكرت الأناجيل أنه لفرط ندمه خنق نفسه ، وانتحر . لقد تحققت فيه نبوءات المزامير « وإذا حوكم فليخر مذنب ا .. ووظيفته ليأخذها آخر » ( المزمور109 :6-8 ) ، لقد أتى ليخطف المسيح ، فلم يستطع .. « حينئذ رددت الذي لم أخطفه » ( المزمور69 :4 ) . وقد يشكل هنا أن متى ذكرفي إنجيله أن يهوذا مات مخنوقً ا ( انظر متى 27 :2- 5)، ويكفي في دفعه أن نتذكر ما ذكره سفر أعمال الرسل عن موته حين سقوطه وخروج أحشائه . (انظر أعمال 1 :16-20 ) ، وسبب وقوع الإنجيليين في هذا التناقض اختفاء يهوذا ، فاخترع كل من متى ولوق ا نهاية ليهوذا تليق بجريمته ، فهذا التناقض بين الروايتين الإنجيليتين ، مشعر بوجود نهاية حقيقية ، خفيت على الكاتبين، ودفعتهما لاختلاق روايتيهما . وقد يعترض معترض بذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد وقوع الجموع ، فقد ذكر الإنجيليون أن بطرس حمل السيف ، وضرب أذن العبد فأمره المسيح برد السيف ، لأن من ضرب بالسيف يؤخذ به ، فهرب بطرس والتلاميذ . (انظر يوحنا 18 :10-19 ) ، وهذه القصة يجعلها يوحنا بعد حادثة تراجع الجند ، ووقوعهم على الأرض .

عدد الصفحات ١٣٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومثله ذكر يوحنا أيضً ا بعد سقطتهم ، أن المسيح سألهم : « من تريدون ؟ فقالوا: يسوع الناصري . أجاب يسوع : قد قلت لكم إني أنا هو .. ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع ، وأوثقوه » ( يوحنا18 :7-12 ) . كما قد يعترض معترض بذكر ما انفرد به يوحنا ، وهو حضور أم المسيح إلى ساحة الصلب ، فيقول : لا يصح أن يخفى عليها حقيقة المصلوب ، وأن ليس ابنها . لكن أمثال هذه النصوص التي لن يستطيع أحد أن يثبت وقوعها أو عصمة ك تابها لكثرة ما رأينا من أخطائهم وتناقضاتهم ، ولا تنهض مثل هذه الروايات في الرد على نبوءات المزامير والأناجيل ، وإلحاق ها بتناقضات الأناجيل وأخطائها أ وْل ى . وقد يعترض معترض على رفع المسيح ونجاته مستشهدً ا بروايـات القيامـة التـي تشير إلى وجود أرضي للمسيح بعـد حادثـة الصـلب ، وهـو اعـتراض لا يعـول عليـه في مثل هذه المسألة لأنه بعض تلك الروايات المفككة ، وهو على كـل حـال لا يتعـارض مع نجاة المسيح من الصلب ، بل نراه مؤكدً ا وشاهدً ا بها ، فوجود المسيح يدل علـى أنـه مازال حيً ا ، وتخفيه من اليهود والرومان بصورة البستاني ( انظر يوحنا 20 :14-15 )، وبهيئات أخرى منعت التلاميذ مجتمعين من معرفة شخصه ، ( انظر لوقا 24 :1319، ويوحنا 21 :1-7) . وكل هذا دليل على نجاة المسيح من الموت ، لا قيامته منه . فلو كان المسيح قد قهر الموت لما خافه ثانية ، ولما تخفى من اليهود ، إذ الموت لا يتسلط عليه ثانية كما قال مؤلف الرسالة إلى العبرانيين : « وكما وضع للناس أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة » ( عبرانيين 9 :27 ) ، وفي رسالته إلى أهل رومية يقول بولس : « نؤمن أننا سنحيا أيض ا معه ، عالمِين أن المسيح بعد ما أقيم من الأموات لا يموت أيض ا ، لا يسود عليه الموت بعد » ( رومية6 :8-9 ) ، وهكذا فلا مبرر لتخفيه إلا إذا كان قد نجى من الموت ، ويخشى أن يفطن أعداؤه لنجاته ، فيستدركوا ما فاتهم .

عدد الصفحات ١٣٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وقد ذكر برنابا في إنجيله أن المسيح بعد نجاته وصعوده للسماء عاد ثانية لوداع أمه قبل أن يرفع من جديد ( انظر برنابا 219 ) . ويقول برنابا ، وقد كشف له المسيح عن الحقيقة بعد هلاك يهوذا : « يا معلم : إذا كان الله رحيم ا ، فلماذا عذبنا بهذا المقدار ، بما جعلنا نعتقد أنك كنت ميت ا ؟ ولقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت .. أجاب يسوع : .. فلمّا كان الناس قد دعوني الله وابن الله على أني كنت بريئ ا في العالم ، أراد الله أن يهزأ الناس بي في هذا العالم بموت يهوذا ، معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب ، لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة ، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله ، الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله » ( برنابا220 : 14-20 ) . وقد كان ، فأخبر محمد صلى الله عليه وسلم بالحقيقة التي غابت عن النصارى طويلاً ، وصدق الله وهو يقول : ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِ نَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء : 157-158 ] .

عدد الصفحات ١٣٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ذكرنا أن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب ، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب ، لكن لغير المسيح ، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب ، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه ، فصلب بدلاً عن المسيح . وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح ، لكنه يقينً ا ليس بالمسيح ، قال الله تعالى : ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ [النساء : 157 ] . وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب ، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك : أولها : أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته ، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال : من تطلبون ؟ فأجابوه : يسوع الناصري ، فأخبرهم بأنه هو ، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه ، فأعاد عليهم السؤال ، فأعادوا الجواب . ( انظر يوحنا 18 : 3-8 ) . فهذا يدل على شكهم في شخصه ، والسؤال المثير للاستغراب : كيف وقعوا بهذا الشك ، والمسيح قد عاش بين أظهرهم ، وهو أشهر من علم ؟ ثانيها : شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ ، وهو أمر جِد مستغرب ، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل ، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم ، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل ( انظر متى 21 :12-15 ، 23-46 ) . وقد قال لهم حين جاءوا لأخذه : « كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيٍ لتأخذوني، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ، ولم تمسكوني » ( متى26 :55 ) .

عدد الصفحات ١٣٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويظهر الشك جليً ا في قول رئيس الك هنة له أثناء المحاكمة : « أستحلفك با الحي ، أن تقول لنا : هل أنت المسيح ابن الله ؟ » ( متى26 :62-64 ) . ويجلي لوقا ذلك فيقول : « ولما كان النهار ، اجتمعت مشيخة الشعب ، ورؤساء الكهنة والكتبة ، وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت المسيح فقل لنا ، فقال له م : إن قلت لا تصدقون ، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني ، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالس ا عن يمين قوة الله ، فقال الجميع : أفأنت ابن الله ؟ فقال لهم : أنتم تقولون : إني أنا هو » ( لوقا22 :66-70 ) . فنلاحظ أن الجميع كان منشغلاً بتحقيق شخص المأخوذ ، حتى في محاكمته . ونلحظ أيضً ا أن إجابة المأخوذ كانت : « أنت قلت » ، وقال لبيلاطس : « أنت تقول » ، بمعنى أنه لم يصدق كلامهم ولم يكذبه ، لكنه قال لهم : هذا ما تقولونه أنتم . ولكن الآباء اليسوعيون يعلقون في نسخة الرهبانية اليسوعية على هذا النص بقولهم : « المعنى أن يسوع يرفض هذا اللقب »(1) . ثم ما هي الإجابة التي لن يصدقها رؤساء الكهنة ؟ ولو صدقوها لأطلقوه ؟ هي بلا شك : أنه ليس المسيح ، بل يهوذا . وأما عيسى فقد أخبرهم يهوذا عن مكانه فقال : « منذ الآن يكون ابن الانسان جالس ا عن يمين قوة الله » ( لوقا22 :69 ) ، أو كما قال متى : « من الآن تبصرون ابن الانسان جالس ا عن يمين القوة ، وآتي ا على سحاب السماء » ( متى26 :64 ) . وقد يسأل سائل : كيف عرف يهوذا مكان المسيح ؟ والجواب بسيط ، لقـد رأى (1 )حاشية النص في الرهبانية اليسوعية، ص272.)

عدد الصفحات ١٣٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يهـوذا المســيح وهـو ينجــو ويصــعد بـه إلــى السـماء ، يــوم أن أ لقــي القـبض عليــه ، بعــد وقوع الجند . وهنا يتساءل البعض ، لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ؟ وفي الإجابة نقول : لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية ، في كلامه ، وذكائه ، وشجاعته ، وعلمه ، بل وصوته ، وهم اليوم لا يرون شيئً ا من ذلك في الشخص الماثل أمامهم . ولهذه ال معالم المفقودة في المأخوذ احتقر هيردوس المقبوض عليه ، بينما يتوقع أن يرى المسيح العظيم الذي طالما سمع عنه : « وأما هيردوس فلما رأى يسوع فرح جد ا ، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة ، وترجى أن يرى آية تصنع منه ، وسأله بكلام كثير ، فلم يجبه بشيء .. فاحتقره هيرودس مع عسكره ، واستهزأ به » ( لوقا 23 :8-11 ) ، لقد رآه هيرودس دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه ، بل لم يجد لديه أيً ا من معالم العظمة التي كان يسمع عنها . وفي ذلك كله تصديق لما أخبر عنه القرآن الكريم ، قبل قرون طويلة من الشك في شخصية المصلوب ، فقد قال الله تعالى موضحً ا حالهم مع المصلوب وحيرتهم في شخصه : ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ [النساء : 157 ] . كما تتحدث النصوص الإنجيلية عن بعض ما أوتيه المسيح من تأييد الله له، وهذه الأعا جيب التي أوتيها تجعل نجاته ـ في تلك الليلة في بستان جث سماني ـ ممكنة ، وذلك لما منحه الله من قدرات مكنته مرارً ا من الإفلات من كيد اليهود ، وهي ما تجعل نجاته يوم جاءوا للقبض عليه أمرً ا متوقعً ا غير مستنكر ولا مستغرب .

عدد الصفحات ١٣٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بل الزعم بتمكن اليهود وجند الرومان منه يثير سؤالاً كبيرً ا : أين اختفت هذه القدرات وتلك المعونة الإلهية له ؟ هل أسلمه الله بعد طول حمايته وتأييده له ، فتخلى عنه في أصعب الأيام وأضيقها . فالمسيح ـ حسب ما ذكرت الأناجيل ـ قد أعطاه الله قدرة على النجاة ، والهروب من بين يدي أعدائه ، فقد اختفى منهم أكثر من مرة لماّ أرادوا به شرً ا ، فمن الطبيعي والمنطقي أن يهرب منهم يوم جاءوا للقبض عليه . وأمثلة هذه القدرة الباهرة كثيرة منها : قــول لوقــا : « فــامتلأ غضــبا جميــع الــذين في المجمــع حــين ســمعوا هــذا ، فقــاموا وأخرجوه خار المدينة ، وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كان مدينتهم مبنيـة عليـه ، حتـى يطرحوه إلى أسفل ، أما هو فجاز في وسـطهم ، وانحـدر إلـى كفـر نـاحوم » ( لوقـا4 :28- 31 )، لقد أفلت من أيديهم بطريقة خارقة . ولمــا كــان في الهيكــل ، وكثــر الجــدال بينــه وبــين اليهــود ، همــوا بقتلــه « فرفعــوا حجارة ليرجموه . أما يسوع فاختفى ، وخر من الهيكل مجتـاز ا في وسـطهم ومضـى » ( يوحنا8 :59 ) . وفي مرة أخرى جادلهم « فطلبوا أن يمسكوه ، ولم يلق أحدٌ يد ا عليه ، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد ، فآمن به كثيرون في الجمع ، وقالوا : ألعل المسيح متى جاء يعمل أكثر من هذه التي عملها هذا » ( يوحنا7 :30-31 ) ، وقول إنجيل يوحنا : « لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد » ،قولٌ لا يلزمنا فإنه يؤمن بصلب المسيح ، ويحاول أن يبرر اختفاء هذه الخاصية عند القبض على المسيح . وفي يوم العيد حصل مثله « فحدث انشقاق في الجمع لسببه ، وكان قوم منهم

عدد الصفحات ١٤٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يريدون أن يمسكوه ، ولكن لم يُلق أحد عليه الأيادي » ( يوحنا7 :43-44 ) . ولما تمشّى في رواق سليمان ، وأسمعهم دعوته « فطلبوا أن يمسكوه فخر من أيديهم ، ومضى أيض ا إلى عبر الأردن » ( يوحنا10 :39-40 ) ، لقد كان يهرب منهم في كل مرة بطريقة تحيرهم ، إنها حماية الله وتأييده . ولما كان في الخزانة في الهيكل ، حاولوا إمساكه « ولم يمسكه أحد ، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد » ( يوحنا8 :20 )، ليتجددالسؤال أين اختفت هذه الخاصية للمسيح يوم المؤامرة العظمى؟ فلئن استعملها في الهرب من عامة اليهود ، فاستعمالها في الهرب من الجند أ و ل ى . في هذه النصوص تصديق لما أخبر الله عز وجل عنه في شأن المسيح ، حيث قال وهو يعدد نعمه على المسيح : ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [المائدة : 110 ] ، لقد رموه بالسحر بسبب ما أمده الله من المعجزات الباهرة التي أعيتهم . ومما تذكره الأناجيل من قدرات المسيح التي أمده الله بها قدرته على اختراق الحجب ، يقول يوحنا : « ولما كان عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع ، وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود ، جاء يسوع ، ووقف في الوسط ، وقال لهم : سلام لكم » ( يوحنا20 :19 ) . و رواية لوقا للقصة ذاتها لم يذكر إغلاق الأبواب ، وإن ذكر ما يشعر بوجود أعجوبة « وفيما هم يتكلمون بهذا ، وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم، فجزعوا وخافوا ، وظنوا أنهم نظروا روح ا » ( لوقا24 :36-37 ) . كما ثمة أعجوبة أخرى ، تجعل نجاة المسيح وخلاصه من أيدي كائديه ممكنً ا ، ألا وهي ما تذكره الأناجيل من قدرة المسيح على تغيير هيئته وشكله ، حتى يعجز

عدد الصفحات ١٤١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ المقربون منه عن معرفته ، وقد صنع ذلك مرارً ا . فقــد خفــي شخصــه بعــد القيامــة علــى ت لاميــذه مــرات عديــدة ، فخفــي علــى مــريم المجدلية التي هي من أقرب النـاس إليـه ، وظنتـه البسـتاني ، ولـم تعرفـه إلا بعـد برهـة . ( انظر يوحنا 20 :14-15 ) . وكذلك خفيشخصه على التلميذين المنطلقين لعمواس ، ولم يعرفاه إلا بعد أن بارك لهما طعامهما . ( انظر لوقا 24 :13-19 ) . وخفي أمره أيضً ا على التلاميذ مجتمعين ، وهم يصيدون في بحيرة طبريا ، وكان أول من عرفه بعد وقت طويل يوحنا . ( انظر يوحنا 21 :1-7 ) . كما تقرر الأناجيل تغير شكله في أحداث قبل الصلب ، ومن ذلك : ما ذكره لوقا « وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ، ولباسه مب يض ا لامع ا ، وإذا رجلان يتكلمان معه ، وهما موسى وإيلياء » ( لوقا9 :29 ) . ويذكر متى أنه أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا« وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين ، وتغيرت هيئته قدامهم » ( متى17 :1-2 ) . فلئن صح أن المسيح يقدر علىتغيير شكله حتى يخفى أمره على الخ لَّ ص من تلاميذه ، فهو دليل على قدرته على الخلاص والنجاة من أيدي أعدائه ، وهذا لا ريب يلجأ إليه في الشدائد ، والمؤامرة الأخيرة عليه من أشدها . وقد رأينا مما سبق اتفاق القرآن مع النصوص التوراتية والإنجيلية ، التي تقول وتتنبأ بنجاة المسيح ، ورفعه إلى السماء ، ورأينا كيف أن هذا الأمر ممكن ، وليس غريبً ا على قدرة الله العظيم .

عدد الصفحات ١٤٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ١٤٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويبقى السؤال موجهً ا للمسلمين المنكرين لصلب المسيح : من أين وردت على النصارى مقالة صلب المسيح ؛ وهل خفي عليهم حقيقة المصلوب ؟ أم خفي عليهم ذلك وقت الصلب ، ثم ك شف لهم بعد ذلك لكنهم استمرؤوا الباطل ؟ وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول : إن الأناجيل الأربعة مخطوطات قديمة ، كتبها أشخاص في أوقات مختلفة ، حسب ما تناهى إلى مسامعهم من الروايات الشفهية المتناقلة ، وهم لم يدَّ عوا لأ نفسهم الإلهام ولا ادعوا لكتبهم العصمة والقدسية ، فكتب كل حسب ما سمع ، مناقضً ا الآخرين ، أو موافقً ا لهم . ونجاة المسيح ورفعه أمر خفِي على الكثيرين من معاصري المسيح ، فظنوا أن المصلوب هو المسيح ، إذ لم يشاهد معجزة رفع المسيح إلا يهوذا الخائن ، عندما أخذوه في لحظة التسليم ، وقد شبه عليهم ، وهم في شك منه كما تبين لنا قبل . ويرى البعض أن فكرة الفداء بصلب المسيح هي بعض مبتدعات بولس، الذي وجد في اختفاء المسيح وانتشار الأقاويل والإشاعات عن صلبه فرصة لصياغة عقيدة الفداء والخلاص، التي أضحت القلب النابض للمسيحية الجديدة التي أنشأها، والتي يؤكد عليها بولس في رسائله ، ومنها قوله : « لأني لم أعزم أن أعرف شيئ ا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوب ا » (1 كورنثوس 2 :2 ) . وقد امتلأت رسائله بالتأكيد على صلب المسيح ، مما حدا بأرنست دي بو نسن الألماني للقول في كتابه (islam or true christianity) : ( الإسلام : أي المسيحية الحقة): « إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس وم ن شابهه ، من الذين لم يروا المسيح ، وليست من أصول النصرانية الحقة »(1). (1) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص 466) ، والنصرانية ، مصطفى شاهين ص (82) ، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص318-319.)

عدد الصفحات ١٤٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وقد استغل بولس الاضطراب الذي حصل في حقيقة ما جرى للمسيح، بين قائل بأنه صلب، وقائل: إن المصلوب غيره ، أو سوى ذلك مما أشيع في تلك الأيام .. ووظفه، وجعله قاعدة لضلالته المسماة ( الفداء ) . ونعود لنتساءل عن موقف النصارى الأوائل من دعوى بولس بصلب المسيح ، والتي نسج الإنجيليون أحداثها بعد وفاته . ونحاول معرفة موقف تلاميذ المسيح والمسيحيون الأوائل بالتأمل في رسائ ل بولس التي أكدت صلب المسيح وأهمية هذا الحدث كمعتقد ، لكنها حملت في طياتها أيضً ا موقف الحواريين والأتباع الأوائل الرافض لبدع بولس ومن ضمنها ولا ريب عقيدة الصلب . ونرى هذا الموقف جليً ا في قول بولس وشكواه في رسالته لتيموثاوس : « أنت تعلم هذا ، أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني » (2 تيموثاوس 1 :15 ) ، لقد هجره جميعهم وارتدوا عنه ، لماذا ؟ لا ريب أنهم كانوا يرفضون تبشيره . وفي رسالته لأهل غلاطية يشكو من أولئك الذين كذبوه « إني أتعجب أنكـم تنتقلـون هكذا سريع ا عن الذي دعاكم بنعمة المسـيح ، إلـى إنجيـل آخـر ، لـيس هـو آخـر ، غيـر أنـه يوجد قوم يزعجونكم ، ويريدون أن يحولوا إنجيـل المسـيح ، ولكـن إنْ بشَّـرناكم نحـن أو مــلاك مــن الســماء بغيــر مــا بشّــرناكم فلــيكن أناثيم ــ ا [ » ( غلاطيــة 1 :6-8) ، إنه يعاني مشكلات في تبشيره الذي يزعم أنه الحق ، بينما هناك مزعجون يرفضون هـذا التبشير . ويرى المحققون أن الحواريين ما كانوا يعرفون شيئً ا عن صلب المسيح ، بدليل خلو رسائلهم الموجودة في العهد الجديد من الحديث عن المسيح المصلوب .

عدد الصفحات ١٤٥