المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١٠ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويذكر فوتيوس بطريرك القسطنطينية في النصف الثاني من القرن التاسع في كتابه " ببليوتيكا " تقريرً ا عن 280 كتابق مختلفق قرأها ، ومن بينها كتاب «تجوال الرسل» (رحلة الرسل)، وحكم عليه بأنه «غاص بالحماقات والمتناقضات ، وتعليمه هرطوقي ، وبخاصة أنه يعلم بأن المسيح لم يصبح مطلقق إنسانق حقيقيق ، وأن المسيح لم يصلب بل صلب إنسان آخـــر مكانه»(1). وتظهر المعارضة الصريحة لدعوى بولس صلب المسيح من الحواري « برنابا» في إنجيله الذي تتنكر له الكنيسة ، وقد ذكر في مقدمته سبب تأليفه لهذا الإنجيل فيقول: « الذين ضل في عدادهم أيض ا بولس ، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق ، الذي رأيتهُ وسمعتهُ أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا ، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله ، وعليه ، فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه ، لتخلُصوا خلاص ا أبدي ا » ( برنابا مقدمة: 7-9). وكانت الفرق المسيحية المنكرة للصلب صدى لإنكار الحواريين على بولس كما قد سبق تفصيله . كما تكشف لنا الكشوف الأثرية عن كتاب يقص رؤيا اكت شف حديثً ا في نجع حمادي منسوبً ا للحواري المقرب بطرس ، ينكر فيه صلب المسيح ، ويقول برفعه قبل إجراء الصلب . ويعترف النصارى من مفسري الأناجيل بحدة الخلاف لبولس وتلاميذه ، في مسألة صلب المسيح ، وأن هذا الخلاف دعا الإنجيليين إلى التأكيد على أن المسيح قد صلب كما قال بولس الذي سبقت رسائله الأناجيل الأربعة في تاريخ كتابته . (1) دائرة المعارف الكتابية1/43.)

عدد الصفحات ١٤٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فنقل أصحاب الأناجيل فيما بين سطور الأناجيل الإنكار على بولس وتكذيب صلب المسيح ، نقلوا ذلك حين كانوا يؤكدون على بعض التفصيلات والجزئيات التي قد يلج منها منكرو صلب المسيح ، يقول مرقس : « ثم خرجوا به ليصلبوه ، فسخروا رجلا مجتاز ا كان آتي ا من الحقل ، هو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه » ( مرقس15 :20-23 ) . يقول المفسردنيس نينهام في تفسيره لمرقس ( ص : 422 ) : « يبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة ؛ التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب ، وما من شك في أن أحد الأسباب في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل ؛ كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدرً ا للمعلومات عن الصلب ، جديرًا بالثقة .. ولعل السبب في حذف هذه الرواية والخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب من إنجيل يوحنا ، هو الادعاء : بأن سمعان قد حل محل يسوع ، وص لب بدلاً منه ، ولا يزال ساريً ا في الدوائر الغنوسطية ، التي كانت لها الشهرة فيما بعد » . وهكــذا نفهــم ســبب مخالفــة يوحنــا للأناجيــل الثلاثــة في مســألة( مــن حمــل الصليب) فيقرر أنه المسيح حمل صليبه بنفسـه فيقـول : « فأخـذوا يسـوع ، ومضـوا بـه فخر وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة .. حيث صلبوه» (يوحنا19 :16-18 ) . وينبهجون فنتون شارح إنجيل متى ( ص : 440 ) إلىوقوع مثل هذا الفعل من متى ، عندما عـدَّل ألفـاظ مـرقس وهـو ينقـل عنـه في أحـداث اللحظـة التـي بعـد اقتسـام الثيــاب والاقــتراع عليهــا ، حيــث يقــول مــرقس : « وكانــت الســاعة الثالثــة فصــلبوه » ( مــرقس 15 :25 )، لكــن متــى يغيــر ، فيقــول بعــدها : « ثــم جلســوا يحرســونه هنــاك » ( متى27 :36 ) ، فتكلم متى عن حراسة يسوع أثناء الصلب وبعده .

عدد الصفحات ١٤٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويكمل فنتون بالقول أن ذلك « إنما يرجع إلى وجود أناس قالوا بأن يسوع قد أنزل من على الصليب ، قبل أن يموت . كذلك فإن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد ص لب بدلاً من يسوع . فلعل متّى كان يرد على هذه الأقوال » (1) . (1) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص 272-274) ، المسيح القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (438.)

عدد الصفحات ١٤٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ١٤٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة لم يكن يتحدث من تأليفه وإبداعه ، فإنه إنما يستنسخ عقيدة قديمة ، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل . وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح ، على نحو ما قرره بولس ، وعلى صورة ما ورد عن الأم م الوثنية ، حتى أضحت قص تهم للصلب قصة منحولة من قصص وأساطير الأمم الوثنية . ولعل أوضحها شبهً ا بقصة المسيح أسطورة إله بابل ( بعل ) فقد اكتشف مؤخرً ا لوحتان أثريتان تعودان للقرن التاسع قبل الميلاد ، وفيهما قصة تشابه تمامً ا ما قاله النصارى في صلب المسيح ومحاكمت ه ، وعقد ( آرثر فندلاي ) في كتابه ( الكون المنشور) (1) ،المقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية وما قيل عن المسيح في المسيحية . ويوضح ذلك الجدول التالي : 1- أخذ بعل أسيرًا . 1- أخذ عيسى أسيرًا . 2- حوكم بعل علنًا 2- وكذلك حوكم عيسى . 3- جرح بعل بعد المحاكمة 3- اعت دي على عيسى بعد المحاكمة 4- اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل 4- اقتيد عيسى لصلبه على الجبل 5- كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن 5- وكان مع عيسى قاتل اسمه : ( باراباس ) محكوم عليه بالإعدام ، (1) أقانيم النصارى ، أحمد حجازي السقا ، ص 96) ، العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص (220-221.)

عدد الصفحات ١٥٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ شخص حكم عليه بالموت . وقد طلب الشعب إعدام بعل ، والعفو عن المذنب الآخر . ور شح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام . ولكن اليهود طلبوا العفو عن ( باراباس ) وإعدام عيسى . 6- بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد ، واضطرب الناس . 6- عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء . 7- ح رس بعل في قبره حتى يسرق أتباعه جثمانه 7- وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى يسرق حواريوه جثمانه . 8- الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه . 8- مريم المجدلية ، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه . 9- قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء . 9- قام عيسى من مقبرته في يوم أحد ، و مطلع الربيع أيضًا ، وصعد إلى السماء . ويبدو أن هذه الأسطورة البابلية قد انتقلت عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل . وتتشابه كثير من تفا صيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثن ية مشابهة ، فقد ذكر متى أحداثً ا غريبة عدة ، صاحبت موت المسيح حيث يقول : « و الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض ، إلى الساعة التاسعة .. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت، والقبور تفتحت .. » ( متى27 :45-53 ) . وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة ، فقد نقل العلامة التنير عن عدد من المؤرخين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم . من ذلك : أن الهنود يقولون : « لما مات( كرشنا ) مخلصهم على الصليب ،

عدد الصفحات ١٥١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حدثت في الكون مصائب جمّ ة ، وعلامات متنوعة ، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء ، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار ، وأمطرت السماء نارً ا ورمادً ا ... . » . ويقول عباد بروسيوس« إنه لما صلب على جبل قوقاس ، اهتزت الكائنات ، وزلزلت الأرض » . والاعتقاد بحدوث أحداث سماو ية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته ، معروف عند الرومان واليونان . كما ينقل المؤرخ ( فرار ) في كتابه ( حياة المسيح ) ، وينقل جيبون في تاريخه أن عددً ا من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول : « لما قتل المخلص اسكو بيوس، أظلمت الشمس ، واختبأت الطيور في أوكارها .. لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا » . والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل أيضً ا عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان ، وعليه فحصول الغرائب والعجائب عند موت العظماء أسطورة قديمة تداولتها الأمم ، ونقلها أصحا ب الأناجيل من تلك الوثنيات (1) . وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها ، خاصة عند حلول الكسوف ، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم ، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب ، لذا حرص متى على القول : « ومن الساعة السادسة ، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة » ( متى27 :45 ) (2) . ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأمـوات، (1) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص41-43 .) (2) انظر : المسيحية الحقة التي جاءبها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (16.)

عدد الصفحات ١٥٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت ، ولكن هذا قد سبقهم إليه الهنود، حيث قالوا في كرشنا : « هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات » . وكذا يقول ع بّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض « حتى إن مهاويو ( الإله العظيم ) حزن ونادى : قم أيها المحب المقدس ، فقام كام ( أي بوذا ) حيً ا ، وب دِّ لت الأحزان والأتراح بالأفراح ، وهاجت السماء ، ونادت فرِحة : عاد الإله الذي ظ ن أنه مات وف قد .. » ، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم ( لأوكيون ) ، والمجوس في ( زرادشت) . ويقول عابدو ( سكولا بيوس ) في القصيدة التي حكت عن حياته : « أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهب م ن في القبور ... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافرً ا وتصير إلهً ا » . وعن تموز يقول البابليون : « ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم ، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات » . ومثل هذا الاعتقاد ، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية ، فقد قيل بقيام أوزوريس ، وحورس ، وباخوس ، وهرقل ، وكوتز لكوتل ، ويلدور ، وغيرهم ، فكل هؤلاء قال ع بّادهم بقيامتهم من الموت . ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية ، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد . يقول المؤرخ مهامي : « إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله » (1) . (1 )انظر : تفصيل هذا التشابه بين الوثنيات والنصرانية في : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (105-110) ، وانظر منهجية جمع الأناجيل وجمع السنة ، عزية طه ، ص222-223 .)

عدد الصفحات ١٥٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لقد وقع النصارى فيما حذرهم الله منه ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ [المائدة : 77 ] ، لكنهم أعرضوا واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وضلالاتها ، فكان معتقدهم في المسيح مشابهًا لمعتقدات الوثنيين في آلهتهم المزعومة ، كما قال الله : ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة : 30 ] .

عدد الصفحات ١٥٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ١٥٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ انعقد مجمع الفاتيكان عام 1963م لبحث موضوعات عديدة ، تدور حول تقوية الوحدة المسيحية . وفي الدورة الثانية منه وبناء على طلب البابا قدّم الألماني الكاردينال بيّ ا وثيقة تعتبر الصورة التمهيدية للوثيقة التي صدرت فيما بعد ، وتبرئ اليهود من دم المسيح . وتنادي الوثيق ة التمهيدية باعتبار الشعب اليهودي جزءًا من الأمل المسيحي ، وأنه لا يجوز أن ننسب إلى يهودِ عصرِنا ما ارت كب من أعمال أيام المسيح ، واحتج الكاردينال لكلامه بأن كثيرين من الشعب لم يكونوا يعرفون شيئً ا عما حدث ، ولم يوافق بعض قادة الشعب على فعل سائر الكهنة . وقد عورضت الوثيقة داخل المجمع ، لما فيها من اعتبارات سياسية ، وطلب المطران الهندي ( كوتنهو ) حذف ها ، وإضافة فصول عن الديانة الهندية والإسلامية ، وكذلك عارض الوثيقة بعض كرادلة الشرق ، كما عارضها الشباب الكاثوليك بالقدس ، وأوضحوا أن ذلك ليس حقً ا للمجمع ولا غيره ، وطالبوا بتطبيق ما جاء في سِفر الخروج : « أنا الرب إلهك ، إله غيور ، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء » ( الخروج20 :15 ) . واستشهد القس إبراهيم سعيد ـ رئيس طائفة الأقباط الإنجيليين ـ بنصوص الإنجيل ، التي تقرر أن اليهود طلبوا صلبه ، ورفضوا إطلاق المسيح ، وطلبوا إطلاق باراباس ، وتولى رئيس الكهنة قيافا بعض الوِزر في ذلك . ثم إنهم قالوا : « دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى27 :25 ) . وقد قال بطرس لثلاثة آلاف من اليهود : « يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم » ( أعمال2 :36 ) .

عدد الصفحات ١٥٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وتم تشكيل لجنة لتعديل الوثيقة ، وعدّ لت ، وفي أكتوبر 1965م صدرت وثيقة تبرئة اليهود . ويقول الكاردينال بيّ ا عن هذه الوثيقة : « ليست هذه الوثيقة ثمرة يوم أو ليلة ، إنها خلاصة دراسة » ، وقد وقع البابا يوحنا الثالث والعشرون عليها قبل وفاته بخمسة أشهر ، لتصبح وثيقة دينية معتبرة ، ومعتمدة من أهم المراجع النصرانية (1) . وقد أراد بيا من وثيقته التمهيدية تبرئة العنصر اليهودي من صلب المسيح . ولكن الوثيقة النهائية الرسمية أقرت بدور اليهود وبراءة الرومان ، وبرأت الأجيال اليهودية اللاحقة من تولي وزر هذه الجريمة ، كما أنها حاولت حصر الجريمة في أقل عدد ممكن من الكهنة ورؤساء الشعب اليهودي ، « فإن ما ارتكب أثناء آلامه ، لا يمكن أن يعزى إلى جميع اليهود الذين كانوا عائشين إذ ذاك ، ولا إلى يهود أيامنا » . وتعود الوثيقة للحديث عن آلام المسيح المصلوب ، فتقول : « ما حصل للمسيح من عذابه لا يمكن أن يعزى لجميع الشعب اليهود ي .. فإن الكنيسة كانت ولا تزال تعتقد بأن المسيح قد مر بعذابه وقتله بحربة بسبب ذنوب جميع البشر ، ونتيجة ح بٍ لا حدَّ له » . ونلحظ في هذه الوثيقة تعارضً ا صريحً ا مع النصوص الإنجيلية ، المصرحة بدور اليهود بقتل المسيح على الصليب ، ومنها قول بولس : « اليهود الذين قتلوا الرب يسوع ، وأنبياءهم ، واضطهدونا نحن » (1 تسالونيكي 2 :15 ) . (1) انظر : إسرائيل حرفتالأناجيل ، أحمد عبد الوهاب ، ص (20-35) ، دراسة تحليلية نقدية لإنجيل مرقس ، محمد عبد الحليم أبو السعد ، ص (528.)

عدد الصفحات ١٥٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وقد ذكرت الأناجيل دورهم الخسيس في هذه الجريمة ، فهم الذين تآمر رؤساء كهنتهم ، وهم الذين قدموا الرشوة ليهـوذا ، وأصـروا وأصـرت جمـوعهم علـى صـلب المسيح رغم براءته التي ظهرت لبـيلاطس ؛ الـذي قبـل نصـيحة زوجتـه ، فتـبرأ مـن دم هذا البار . كيف يبرأ اليهود من دمه ؛ ويوحنا يقول على لسان قيافا رئيس الكهنة : « أنتم لستم تعرفون شيئ ا ، ولا تنكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ، ولا تهلك الأمة كلها .. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه » ( يوحنا11 :47-53 ) . واليهود هم الذين أتوا بشهود الزور . ولما وجد بيلاطس أن لا جرم عليه ، قال: « إني بريء من دم هذا البار . أبصروا أنتم ، فأجاب جميع الشعب وقالوا : دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى27 :24-25 ) . ثم كيف للكنيسة أن تبرئ اليهود وذراريهم من دم المسيح ، وهم قد قالوا لبيلاطس : « دمه علينا وعلى أولادنا » ( متى 27 :25 ) ، والمفروض أن النصارى يؤمنون بوراثة الذنب ولو تبرأ منه الورثة ، فما بالنا بالذنب الذي أعلن أصحابه مسئوليتهم وأبناءهم عنه ، ومن الممكن تصور وراثة ذنب اليهود دون ذنب آدم ، أما العكس فلا ، وألف لا . وعندما نسجل هذا الاعتراض على النصرانية ، فإنا نعلم براءة يهود زماننا من جرائم أسلافهم ، بل وبراءة يهود القرن الأول من دم المسيح ، فقد أنجاه الله منهم ، ولكن ذلك لا يبرئهم من أصل الجريمة ، ألا وهي سعيهم لقتل المسيح ، فقد خططوا لصلبه ، وتآمروا عليه ، ومضوا في التنفيذ ، فأخذوا م ن ظنوه المسيح ، وصلبوه ، وقتلوه، وهي في كل القوانين جريمة ، والخطأ في شخص المجن ي عليه لا يغير من بشاعة جريمتهم كثيرً ا ، من حيث نيتهم وما أرادوا فعله .

عدد الصفحات ١٥٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ١٥٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أثبتنا فيما سبق نجاة المسيح من الصلب ، وهو أمر مبطل لكل ما يقوله النصارى عن عقيدة الفداء والخلاص . والحديث النصراني عن المسيح المصلوب لا يلزم منه أن صلبه كان فداء للخطيئة ، لكن نجاة المسيح بلا شك هدم لأساس هذا المعتقد . وما انتهينا إليه قبل لن يمنعنا من الاسترسال في نقد عقائد النصرانية الملحقة والمبنية على هذا الباطل ، وأهمها الفداء ووراثة الذنب الأول . وقبل أن نشر ع في بيان بطلان عقيدة الفداء والخلاص نتوقف لتبيان معتقد المسلمين بشأن ذنب آدم وذنوب سائر البشر . تحدثت النصوص القرآنية عن آدم وتكريم الله له ، فهو خليفة عن الله في أرضه ﴿ وَإِذْ قَالَ رَ بُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة ﴾ [البقرة : 30 ] . وذكرتالآيات تكريم الله له ولذريته من بعده ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴾ [الإسراء : 70 ] . ولعــل أبــرز مظــاهر تكــريم لآدم أن الله أســجد لــه ملائكتــه الكــرام ﴿ ثُــمَّ قُلْنَــا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [الأعراف : 11 ] . لكن هذا التكريم والاصطفاء لا يعني خروج آدم عن طبيعته البشرية إلى حالة ملائكية ، فقد أخطأ ، ووقع في إغواء الشيطان له ، لكنه سرعان ما تخلص من ذنبه بتوبته التي قبلها الله غافر الذنب وقابل التوب ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه : 121-122 ] . وتوبة آدم قبلها الله كما يقبل توبة سائر من عصاه ، ولو عظم ذنبه ، فعفو الله

عدد الصفحات ١٦٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أعظم من آثامنا وذنوبنا ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُ وبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر : 53 ] . إن ذنبً ا واحدً ا لا يغفره الله ، ما لم يتب منه العبد ، وهو الشرك بالله الواحد الأحد ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِا للّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا بَعِيدا ﴾ [النساء : 116 ] . وأنزل الله آدم من جنته ، وجعله في الأرض التي خلقه منها ولها ، وطلب منه وذريته عمارتها ، وأعطاهم قدرة تامة وإرادة كاملة على فعل الخير والشر طالما امتدت به الحياة ، ثم يرد كل واحد منا إلى ربه فيجازى عما قدم وأسلف ﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُد ى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة : 38-39 ] . وأكدت النصوص القرآنية مسئولية الإنسان عن عمله وكسبه ﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ [طه : 14- 15 ] ، وقال : ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْ زَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِ ُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُورا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ [الإسراء : 13-14 ] . وهكذا فإن كل ما يصنعه الإنسان في حياته الدنيا مسجل محفوظ ، ولسوف يراه المرء في يوم لا تخفى على الله منه خافية ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة : 7-8 ] . وهذه المسئولية للإنسان عن عمله لا تمنع رحمة الله ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَ طَايَانَا ﴾ [طه : 73 ] .

عدد الصفحات ١٦١