المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٨ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ كما تذكر الأناجيل دليلاً آخر يشهد على عدم صحة هذه النبوءات المتنبئة بصلب المسيح ، بل تدلل على أن المسيح تنبأ بنجاته ، وأن التلاميذ فهموا منه ذلك قول مرقس أن المسيح قال لتلاميذه : « كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة » ( مرقس14 : 27 ) . هذا ولا تذكر الأناجيل شيئً ا عن شك التلاميذ ، سوى ما ذكرته عن بطرس الذي أنكر المأخوذ ثلاث مرات ليلة المحاكمة ، وأما الآخرون فصمت مطبق ، فكيف شك التلاميذ ؟ لقد شك التلاميذ في المسيح وهم يرون ا لمأخوذ من البستان ( يهوذا ) وقد قبض عليه ، وظنوه المسيح ، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح ، وهو الشك فيه ، لقد كان أخبرهم بنجاته من المؤامرة ثم يرون أنه قد أخذ ولم ينجو . ويوضح العلامة أحمد عبد الوهاب هذه المسألة ، فيقول بأن الشك هو تراجع داخل النفس ، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية ، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا : « كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون » . ويفرق بين الإنكار والشك ، فالشك عمل قلبي ، والإنكار : قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه ، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار . فلقد آمن التلاميذ بالمسيح ، وصدقوه فيما تنبأ به ، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفً ا لنبوءاته ، فسوف يحصل منهم الشك ، والردة عن العقيدة . ويورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب احتمالين : الأول : أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده ، وست حدث له ألمً ا ومعاناة ، إلا أنها ستفشل ، وسينقذه الله من القتل ، كما في قوله : « ستطلبونني

عدد الصفحات ١١٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولا تجدونني » . وهذا الذي حصل ولم يشاهده التلاميذ ، بل هم قد رأوا ما حسبوه وظنوه نقيض ه ، فقد رأوا المسيح مأخوذً ا مصلوبً ا ، فوقعوا في الشك فيه ، لأن كلامه لم يتحقق ، وهذا هو الصحيح . والآخر : أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله ، وليس هناك ما يدعو للشك والارتياب حسب هذه الصورة ، سواء تحقق قوله أم لم يتحقق ، إذ تحققه تصديق لقوله ، وتخل فه إكرام من الله له وحفظ ورعاية . وهذا الفرض خاطئ ، ويدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح ، حيث نجد أن التلاميذ جميعً ا قد هربوا ، وتركوا المسيح وحده . ويبدو هنا شكهم واضحً ا ، لقد حصل أمام التلاميذ ما لم يتوقعوه ـ فيما يظهر لهم ـ ، أي ما لم يتنبأ به المسيح . فلئن كان أخبرهم بأن سي قبض عليه وسيقتل ، فليس ثمة ما يثير الشك ، وإن كان الاحتمال الأول بأنه سينجو ، وأن المؤامرة ستفشل ، ولكنهم يجدونه ـ فيما يظهر لهم ـ قد قبض عليه ، ولم تتحقق نبوءته ، فحينئذ وقعوا في الشك (1) . إذًا فلقد تحقق الشك ، حين حسبوا المسيح هو المأخوذ والمصلوب ، وقد كان أخبرهم بنجاته ، كما قد سمعوا منه مرارً ا ، كما سيأتي تفصيله . وأما سيء الذكر في الأناجيل ـ بطرس ـ ، فإنه الوحيد من بين التلاميذ الذي ذكر أصحاب الأناجيل شكه ، ويتمثل شكه عند النصارى في تنكره للمسيح ، قبل أن يصيح الديك صباح تلك الليلة مرة أو مرتين على خلاف بين متى ومرقس . لكن أحمد عبد الوهاب يفرق مرة أخرى بين الشك والإنكار ، فما حصل من (1) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (138-139،147-148) ، المناظرة الإسلامية النصرانية ، ص (89-90.)

عدد الصفحات ١١٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بطرس في القصة الإنجيلية هو إنكار ، وليس بشك ، فقد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده بقلبه ، لكن ما وقع فيه بطرس كان شكً ا كذاك الذي وقع فيه التلاميذ ، لقد سمع من المسيح تنبأه بنجاته ، فإذا به يصحو من نومه في البستان ، ويراه مأخوذً ا ، كما خيل له ، فوقع منه الشك في المسيح ، ثم الإنكار له في مجمع الظلمة . ولو فرضنا جدلاً أن المسيح تنبأ بصلبه وقتله ، فإن ذلك لا يمنع بالضرورة أن يصرف الله قضاءه عن المسيح ، فينجيه ، ولذا فإن المسيح كان يناجي الله طالبً ا منه صرف كأس الموت عنه ، فدعاؤه الطويل في البستان دليل على يقينه بإمكانية النجاة ، وإلا كان دعاؤه نوعً ا من العبث وإضاعة الوقت فيما لا طائل من ورائه . ولو تأملنا في قصة الملك حزقيا لرأينا شاهدً ا مطابقً ا لما بين يدينا ، يقول سفر إشعيا : « في تلكالأيام مرض حزقيا للموت ، فجاء إليه إشعياء بن آموص النبي ، وقال له : هكذا يقول الرب : أوص بيتك ، لأنك تموت ولا تعيش » . لكن الملك حزقيا لم ييأس « فوجه حزقيا وجهه إلى الحائط ، وصلى إلى الرب، وقال : آه يا رب ، اذكر كيف سرتُ أمامك بالأمانة وبقلب سليم ، وفعلتُ الحسن في عينيك ، وبكى حزقيا بكاء عظيم ا » . ولم يخيبه ربه ، بل استجاب لتضرعه ودعائه « فصار قول الرب إلى إشعياء قائلا : اذهب وقل لحزقيا : هكذا يقول الرب إله داود أبيك : قد سمعت صلاتك ، قد رأيت دموعك ، ها أنذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة ، ومن يد ملك أشور أنقذك وهذه المدينة ، وأحامي عن هذه المدينة » (إشعيا38 :1-6) ، فقد رفع الله حكمه المقدر في حق حزقيا بحكم آخر ، فقد قبِل تضرعه واستغاثته ، وقبوله تعالى دعاء عبده البار المسيح من باب أولى . ومثله في الوعيد الذي توعده الله للملك اخآب ثم عفوه عنه لتضرعه واتضاعه

عدد الصفحات ١١٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بين يدي ربه . ( انظر 1 ملوك 21 :19-29 ) . ومثله أيضًا رفع الله العقوبة التي قررها على بني إسرائيل بعد اتضاع الملك داود له وبنائه لمذبح للرب ( انظر 2 صموئيل 24 :11-25 ) . لقد تضرع المسيح ودعا طويلاً في البستان ، وطلب من الله أن يصرف كأس الموت و الصلب عنه ، فهل كان المسيح يجهل أنه سيصلب ؟ وإذا كان يعلم أنه سيصلب فما فائدة هذا الدعاء والتضرع ؟ أقول : إن قيام المسيح بالدعاء والتضرع لله في البستان دليل على ثقته بأن الله سيستجيب له . وهل يليق أن يقال بأن الله رد المسيح خائبً ا بعد هذا التضرع والدعاء ، فمثل هذا لا يحصل إلا مع عصاة العباد الذين لا يستحقون رحمة الله ومحبته . فاستجابة الله للأنبياء والصالحين حال دعائهم أمر مشهود ، فقد وعد رسله بالنجاة ؛ كما في رسالة يعقوب « صلاة الإيمان تشفي المريض ، والرب يقيمه … طلبة البار تقتدر كثير ا في فعلها ، كان إيليا إنسان ا تحت الآلام ، ومثلنا صلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ، ثم صلى أيض ا ، فأعطت السماء مطر ا ، وأخرجت الأرض ثمرها » ( يعقوب5 :15-18) . وقد استجاب ا لإبراهيم لما أمره بذبح ابنه ، فامتثل لأمر الله ، فأنجى الله ابنه واستجاب له طلبه . ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله ، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته ، فقد نجى الله النبي دانيال ، وإبراهيم ، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار . أما نجاة إبراهيم ، فقد ذكرت في قوله تعالى : ﴿ قَالُوا حَرِّ قُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ

عدد الصفحات ١١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَْخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء : 68-70 ] . وأما دانيال ، فقد ألقاه الملك في ج بَّ مع الأ سود ، وختم الجب بخاتمه ، ثم لما فتحه ناداه : « يا دانيال عبد الله الحي ، هل إلهك الذي تعبده دائم ا قدِ ر على أن ينجيك من الأسود ؟ فتكلم دانيال مع الملك : يا أيها الملك ، عش إلى الأبد ، إلهي أرسل ملاكه ، وسد أفواه الأسود ، فلم تضرني ، لأني وجدت بريئ ا قدامه وقدامك أيض ا .. فأمر الملك ، فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال ، وطرحوهم في جب الأسود ، هم وأولادهم ، ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأُسود ، وسحقت كل عظامهم » ( دانيال6 :15-24 ) . وأما الفتية الثلاثة فقد أ لقوا في النار ، ولكن « لم تكن للنار قوة على أجسامهم ، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق ، وسراويلهم لم تتغير ، ورائحة النار لم تأت عليهم » ( دانيال3 :27 ) . ومما يؤكد استجابة الله للمسيح : ظهور ملاك له ليقويه ( انظر لوقا 22 :43 ) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليهويهزأ به ، أم يعينه فينجيه ؟ وهذا الأخير هو ما يليق بعدل الله ورحمته ، فقد استجاب الله للمسيح فأنجاه ، وصلب يهوذا الخائن ، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح ، وصلبه وتسليمه إلى مرام أعدائه ومبغضيه . لقد حفظ الله مسيحه ، وأمكنه من النجاة ويسّر له س بلها ، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل والمكانة ، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه ، وحطم سلاسله وهو نائم ، وأمره بالخروج . ( انظر أعمال 12 :7 ) .

عدد الصفحات ١١٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وكذلك زعم لوقا أن بولس نجا من السجن بأعجوبة ، فقد تزلزلت الأرض ، وتصدع السجن ، وتحطمت القيود . وانفتحت الأبواب ، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما . ( انظر أعمال 16 :26 ) . كما أن توراة القومتتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم : أخنوخ « وسار أخنوخ مع ا ، ولم يوجد لأن الله أخذه » ( التكوين5 :24 ) . ومثلهالنبي إيليا « وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار ، وخيل من نار ، ففصلت بينهما ، فصعد إيليا من العاصفة إلى السماء » (2 ملوك 2 :11) . فِلم أمكن هذا لبطرس وبولس وغيرهما ، ولم يمكن للمسيح ، وهو أولى منهم برعاية الله وحفظه ؟! وهكذا ، ومن خلال هذه الأمثلة ، نرى أن رعاية الله التي أحاطت بالمؤمنين من قبل قد أحاطت بالمسيح ، وأنجته من يدي أعدائه ، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله : « والذي أرسلني هو معي ، ولم يتركني الأب وحدي ، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه » ( يوحنا8 :9 ) .

عدد الصفحات ١١٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إن خبر تنبؤ المسيح بقتله وصلبه ـ كما يذكر الإنجيليون ـ معار ض بنصوص كثيرة، أخبر المسيح تلاميذه فيها بنجاته ، بل أعلنها على ملأ اليهود ، وتحداهم ، وأخبر بأنه غلبهم ، وغلب العالم . وقد تجاهل النصارى هذه الروايات ، ولم يلتفتوا إلى الأناجيل وهي تنقل ـ على استحياء ـ عن المسيح شهادته بنجاته في نصوص عديدة : ومنها قوله حسب ما جاء في يوحنا : « فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خدام ا ليمسكوه ، فقال لهم يسوع : أنا معكم زمان ا يسير ا بعد ، ثم أمضي إلى الذي أرسلني ، ستطلبونني ولا تجدونني ، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا » فمتى حقق المسيح هذه النبوءة ؟ متى بحث عنه اليهود فلم يجدوه ؟ إنه ولا ريب يوم جاءوا للقبض عليه ، فنجاه الله وأخذه إلى المكان الذي لا يقدرون عليه ، إلى السماوات العلا . وقد فهم منه اليهود أنه أراد نجاته منهم « فقال اليهود فيما بينهم : إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن ؟ ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات ا ليونانيين ، ويعلم اليونانيين ؟ ما هذا القول الذي قال : ستطلبونني ولا تجدونني ، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟ » ( يوحنا7 :32-36 ) . ومرة أخرى ، جاهر المسيح بنجاته منهم قائلاً : « أعلم من أين أتيت ، وإلى أين أذهب ، وأما أنتم ، فلا تعلمون من أين آت ي ، ولا إلى أين أذهب .. قال لهم يسوع أيض ا: أنا أمضي ، وستطلبونني وتموتون في خطيتكم ، حيث أمضى أنا ، لا تقدرون أنتم أن تأتوا . فقال اليهود : ألعله يقتل نفسه حتى يقول : حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا . فقال لهم : أنتم من أسفل ، أما أنا فمن فوق ، أنتم من هذا العالم .. فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان ، فحينئذ تفهمون إني أنا هو ، ولست

عدد الصفحات ١٢٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أفعل شيئ ا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي ، والذي أرسلني هو معي ، ولم يتركني الأب وحدي ، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه » ( يوحنا8 :21-29 ) . ثم مرة أخرى ، لما أعطى يهوذا اللقمة قال لتلاميذه : « يا أولادي أنا معكم زمانا قليلا بعد ، ستطلبونني ، وكما قلت لليهود : حيث أذهب أنا ، لا تقدرون أنتم أن تأتوا ، أقول لكم أنتم الآن .. قال له سمعان بطرس : يا سيد ، إلى أين تذهب ، أجابه يسوع : حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني ، ولكنك ستتبعني أخير ا » ( يوحنا13 :32-36 ) ، ولا يمكن أن يكون مقصوده الموت ، فإنه مقدور لكل أحد . ومنها أيضً ا قول المصلوب ( يهوذا ) وهو في المحاكمة : « من الآن يكون ابن الإنسان جالس ا عن يمين قوة الله » ( لوقا22 :69 ) فقد رأى يهوذا نجاة المسيح بما رآه أو سمعه من المسيح عن نجاته ، وما شاهده من نجاة المسيح لحظة ألقي الشبه عليه ، وهو يخبر أنه في تلك اللحظة ، المسيح في السماء ، وقد رفع بقوة الله . ومن النصوص التي تحدثت أيضً ا عن نجاة المسيح قوله : « هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها ، كل واحد إلى خاصته ، وتتركونني وحدي ، وأنا لست وحدي ، لأن الآب معي ، قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام ، في العالم سيكون لكم ضيق ، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم » ( يوحنا16 :32-33 ) ، وهكذا كان ، فقد هربوا جميعً ا وتركوه ، لكن الله معه ، لذا يطلب منهم أن يثقوا أنه غلب العالم ، وأن يثقوا أنه في سلام ، فأين هذا من القول بصفع المسيح وصلبه وضربه ؟ ومن النصوص الدالة أيضً ا على نجاة المسيح قول يوحنا : « من عند الله خر ، وإلى الله يمضي » ( يوحنا13 :3 ) ولو كان المقصود الموت ، فكل الناس إلى الله تمضي ، والقول بأن مضيه إنما يكون بعد الدفن ثلاثً ا ، يحتاج لدليل يثبت ذلك .

عدد الصفحات ١٢١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومن النصوص الدالة أيضً ا على نجاة المسيح ما جاء في متى « فقال لهم يسوع : هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم ؛ ولكن ستأتي أيام ، حين يرفع العريس عنهم ، فحينئذ يصومون » ( متى9 :15 ) ، ومقصده رفعه للسماء . ومن ذلك أيضً ا : أن في أقوال بولس ما يجعل حادثة الصلب قضية غير مسلم أنها حصلت للمسيح ، وي رى ذلك بالإمعان في هذه الأقوال ، يقول بولس : « أما نحن فنكرز بالمسيح مصلوب ا ، شك ا لليهود ، وجهالة للأمم » (1 كورنثوس 1 : 23) . ويشهد الكاتب المجهول لرسالة ال عبرانيين بنجاة المسيح من الصلب ، حين قال في وصف ملكي صادق : « لأن ملكي صادق هذا ملك ساليم ، كاهن الله العلي .. بلا أب ، وبلا أم ، بلا نسب ، لا بداءة أيام له ، ولا نهاية حياة ، بل هو مشبه بابن الله ، هذا يبقى إلى الأبد » ( عبرانيين7 :1-3 ) فيفهم من قوله هذا ، أن ليس للمسيح نهاية أرضية سابقة ، كما هو الحال في ملكي صادق ! لكن يبقى أظهر أدلة نجاة المسيح ما قاله كاتب رسالة العبرانيين عن المسيح : « الذي في أيام جسده ، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسمع له من أجل تقواه » ( عبرانيين 5 :7 ) . فهذا النص ، شهادة ناطقة ، بأن الله استجاب للمسيح تضرعه في تلك الليلة التي قضاها في بستان جثماني ، وصرف عنه ما كان يحذره ويخافه من الصلب والبلاء ، وهذا ما تيقنه المسيح من ربه « أيها الآب أشكرك ، لأنك سمعت لي ، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي » ( يوحنا11 :40-41 ) . وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوء ات تتكامل لتؤكد حقيقة واضحة تفيد بنجاة المسيح من يد أعدائه ، وأنه سيرفع للسماء ، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه ، ولا يمكن أن يكون مقصده من هذه الأقوال الموت ، فإن ذلك أمر

عدد الصفحات ١٢٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يطيقه كل أحد ، كما أن أحدً ا لا يتحدى أعداءه بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه . لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول : « هو ذا بيـتكم ، يتـرك لكـم خراب ـا ، لأني أقول لكم : إنكم لا تروننـي مـن الآن ، حتـى تقولـوا : مبـارك الآتـي باسـم الـرب » ( متى23 :28-29 ) . في آخر القرن الميلادي الأول و والقرن الثاني ساد فكر تسميه الكنيسة (الغنوصية)، وهو ما اعتبرته هرطقة تصدى لها الآباء في (أدب الدفاعيات) الذي ساد في القرن الثاني والثالث، وتتمحور الأفكار الغنوصية حول رفض العهد القديم والإله اليهودي القاسي، والإيمان بألوهية المسيح ، وأنه لا يليق به أن يموت على الصليب، لذلك فصلوا بين جسد المسيح البشري واللاهوت ، وجعلوا الجسد جسدًا روحانيًا، أي شبح ليس له حقيقة، فقال بعضهم بأن المصلوب هو الجسد البشري (الشبح)، وقال آخرون منهم : بل المصلوب هو شخص آخر، وهو سمعان ا لقيرواني، يقول الأب جورج رحمة: «الغنوصية أنكرت ناسوت المسيح، واعتبرت أن يسوع لم يكن له مظهر الجسد ، وأن المسيح لم يصلب، بل سمعان القيرواني هو الذى صلب بدلاً منه»(1). ويقول الأب الخضري« :رفض الغنوصيون عقيدة الصليب لأنها لا تتفق ولاهوت المسيح ، ولكي يفسروا ع قيدتهم هذه إزاء م شكلة صلب المسيح ، يقتبس الكثيرون منهم قصة سمعان القيرواني ، ليس كما يذكرها الإنجيليون ، بل يقتبس الغنوصيون الأناجيل الم زيفة التى تجعل من سمعان القيرواني الشخص الذى أخذ مظهر يسوع الناصري وهيئته ، ولذلك وضع اليهود أيديهم عليه وصلبوه بدلا م ن (1) الكنيسة الكاثوليكية والبدع ، جورج رحمة ، ص (79.)

عدد الصفحات ١٢٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ المسيح لأنه شبه لهم بأنه المسيح»(1). ويضيف أسد رستم بديلاً آخر اعتقده الغنوصيون مصلوبًا بدلاً عن المسيح ، وهو الشيطان، ولك حين قال بعضهم: « المسيح لم يتألم، ولم يمت، ولكن الشيطان تألم ومات مكانه . وقال البعض الآخر : لا بل مات من أجل البشر ، ليحررهم من سلطان إله اليهود»(2). وممن قال بذلك العلامة تاتيان (ت180م)، وهو مؤلف أول محاولة للتوفيق بين الأناجيل الأربعة (الدياتسرون)، يقول تاتيان: «لكن عوضًا عن أن تقع أيديهم عليه وقعت على الشيطان، لأن المسيح كان قد صعد إلى السماء دون أن يبصروه، لذلك فالمسيح لم يتألم أو يمت، لكن الشيطان هو الذي تألم ومات» (3). وفي أواسط القرن العشرين عثر العلماء في نجع حمادي بمصر على ما عرف بمخطوطات نجع حمادي ؛ وتحوي ثلاثة وخمسين نصًا ، تقع في ألف ومائة وثلاثة وخمسين صفحة ، وفيها شهادات للغنوصيين عن نجاة المسيح ، وأنه لم يصلب (4) . ولم ي رد في هذه المخطوطات أي ذِكْرٍ لمحاكمة المسيح وصلبه ، بل جاء في رؤيا بطرس على لسان بطرس : « رأيته يبدو كأنهم يمسكون به ، وقلت : ما هذا الذي أراه يا سيد ؟ هل هو أنت حقً ا من يأخذون ؟ .. أم أنهم يدقون قدميّ ويديّ شخص آخر ؟ .. قال لي المخلص : .. من ي دخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل ، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار ! انظر إليّ ، وانظر إليه » . (1) تاريخ الفكر المسيحي ، حنا جرجس الخضري 1 /206)، وانظر شرح يوحنا، وليم باركلي، ص (26.) (2) آباء الكنيسة الأولى، أسد رستم، ص105.) (3) صلب المسيح وموقف الغنوسطيين ، عوض سمعان، ص (15.) (4) انظر : مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص15.)

عدد الصفحات ١٢٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وفي مخطوطة أخرى من هذه المخطوطات وهي كتاب ( سيت الأكبر ) جاء على لسان المسيح « كان شخص آخر ، هو الذي شرب المرارة والخل ، لم أكن أنا .. كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه ، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه . وكنت أنا مبتهجً ا في الع لا .. أضحك لجهلهم » . وفي مخطوطة( مقالة القيامة ) ما يدل على أن المسيح مات موتً ا طبيعيً ا ، وأن روحه المقدسة لا يمكن أن تموت (1) . وفي أعمال يوحنا وهو أيضًا سفر غنوصي كتب قبل عام 160م، وتعتبره الكنيسة من أسفار الأبوكريفا أن المسيح قال أثناء تعليق جسده على الصليب : « إنه الوقت الذي علق فيه جسد يسوع البشري على صليب الجلجثة ، كان يوحنا في داخل مغارة فى جانب الجبل ، يتحدث مع المسيح ، الذي قال له : (يا يوحنا ، في نظر الناس في أورشليم ، أنا أصلب وأسمر بالمسامير ، و أطعن بالحربة ، ويقد م ل ي خل وم ر لأشرب ، لكن ها أنا أتحدث إليك ، فأصغ إلى قول ي ، إنن ي لم أعان شيئق ما ، مما سيقولون إني قد عانيت)»، وقال«لست كذلك من هو على الصليب، أنا الذي لا تراه الآن، بل تسمع فقط صوته .. إن ما سيقولون في شاني حقير وغير جدير بي» (2) . أما إنجيل برنابا ، فيذكر قصة مقاربة لتلك القصة الموجودة في الأناجيل ، فيذكر أن المسيح دعا وتضرع في البستان ، وأنه كان معه تلاميذه الأحد عشر ، وأن يهوذا جاء مع الجند ليدلهم على مكان المسيح ، مقابل ثلاثين من الفضة ، وأن التلاميذ كانوا (1) المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص14-16) ، مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص (137-139) ، النصرانية ، مصطفى شاهين ، ص282.) وانظر Bart D Ehrman , Lost christianities , page 187 , 188 (2 )أعمال يوحنا95،99.)

عدد الصفحات ١٢٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ نيامً ا ، وأنهم هربوا لما استيقظوا ورأوا الجند . وكذا يذكر برنابا أن المأخوذ ( يهوذا ) قد أخذ إلى رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح ، وعرضه على الوالي الذي كان يريد إطلاق سراحه ، لقناعته ببراءة المقبوض عليه ، لكن الجموع رفضت ذلك . وثمة نقاط صغيرة كثيرة أخرى تتشابه فيها رواية برنابا والروايات الإنجيلية ، لكن رواية برنابا تفترق في نقاط ، أهمها : أن المقبوض عليه هو يهوذا ، الذي ألقي عليه شبه المسيح . أن المسيح أخرجته الملائكة سالمً ا ، وصعدت به إلى السماء ، وأنه عاد بعد ذلك واجتمع بتلاميذ ه ، وأخبرهم بحقيقة ما حصل ، وبأنه نجا ، وأن الذي دفنوه وصلبوه وسرقوه هو يهوذا الأ سخريوطي ، و أن الجسد المصلوب قد سرقه بعض التلاميذ من القبر ، وأشاعوا قيامة المسيح من القبر ، ثم يختم بذكر صعوده إلى السماء، بعد وداعه لأمه وتلاميذه . ومما ذكره برنابا في قصته : « فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب عليّ التحفظ ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة نقود ، وعليه فأنا على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي ، لأن الله يصعدني في الأرض ، وسيغير منظر الخائن ، حتى يظنه كل أحد إياي ، ومع ذلك لما يموت شر ميتة ؛ أمكث في ذلك العار زمن ا طويلا في العالم ، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس ، تزال عني هذه الوصمة ، وسيفعل الله هذا ، لأني اعترفت بحقيقة مسيّا ، الذي سيعطيني هذا الجزاء ، أي أن أعرف أني حي ، وأني بريء من وصمة تلك الميتة . فأجاب من يكتب ( أي برنابا ) : يا معلم . قل لي من هو ذلك التعيس ؟ لأني

عدد الصفحات ١٢٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وددت لو أُميته خنق ا . أجابه يسوع : صه ، فإن الله هكذا يريد ، فهو لا يقدر أن يفعل غير ذلك ، ولكني متى حلت هذه النازلة بأمي ، فقل لها الحق ، لكي تتعزى .. وخر يسوع من البيت ، ومال إلى البستان ليصلي ، فجثا على ركبتيه مائة مرة معفر ا وجهه كعادته في الصلاة .. ولما دنت الجنود مع يهوذا في المحل الذي كان فيه يسوع سُمع دنو جم غفير ، فلذلك انسحب إلى البيت خائف ا ، وكان الأحد عشر نيام ا ، فلما رأى الله الخطر على عبده ، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم ، فجاء الملائكة الأطهار ، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب ، فحملوه ، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد » . ثم يمضي برنابا هو يصور ما حصل ليهوذا الخائن ، فيقول : « ودخل يهوذا إلى الغرفة ، دخل يهوذا مندفع ا أمام جميع من كانوا معه إلى الحجرة التي كان فيها عيسى ، ثم رفع منها إلى السماء ، بينما كان التلاميذ نيام ا ، على أن الله العظيم القادر على كل شيء ، تصرف تصرف ا عجيب ا ، فحول يهوذا إلى صورة عيسى وهيئته وصوته وأسلوب حديثه تمام ا ، حتى اعتقدنا أنه عيسى ، ولما استيقظنا من النوم كان يدور ليعرف مكان المعلم ، أما نحن فعجبنا للأمر ، فقلنا له : إنك أنت معلمنا ومولانا ، هل نسيتنا ؟ فضحك يهوذا ، وقال : إنكم لحمقى ، ألا تعرفونني ؟ أنا يهوذا الأسخريوطي ، وفي هذه اللحظة دخل الجنود ، ووضعوا أيديهم على يهوذا ، فقد كان صورة طبق الأصل لعيسى. ولما سمعنا نحن قول يهوذا ، ورأينا كتائب الجنود هربنا واختفينا ، كان يوحنا يلتف بقماش من التيل ، فاستيقظ وهرب ، ولما أمسك أحد الجنود بقطعة القماش ، تركها له ، وفر هارب ا عاري الجسد ، إذ كان الله قد سمع دعوة عيسى ، وبالفعل نجا

عدد الصفحات ١٢٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ التلاميذ الأحد عشر من كل شر » (برنابا214 :1-216 :13) . ثم لما رجع يسوع من السماء لوداع أمه « وبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات ، وقام قائلا : أتحسبونني أنا والله كاذبين ، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم ، كما قد قلت لكم ، الحق أقول لكم : إني لم أمت ، بل يهوذا الخائن . احذروا ، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم .. وبعد أن انطلق يسوع تفرق التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة . أما الحق المكروه في الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائم ا ، فإن فريق ا من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشّروا بأن يسوع مات ولن يقو م ، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام ، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله ، وقد خدع في عدادهم بولس . أما نحن فإنما نبشر ـ بما كتبت ـ الذين يخافون الله ، ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله » (برنابا221 :15 - 222 :6 ) . وهكذانرى ا لحقيقة بادية ساطعة ، نطقت بها النبوات نبيً ا بعد نبي في جلاء ووضوح عجيب . ويتساءل المرء : لِم ل مْ يتوصل النصارى إلى هذه الحقيقة الجلية ؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة والمغلوطة التي يفكر بها النصارى ، هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم . وكمثال لطريقتهم في التفكير ، ينقل عن الدكتور ر .أ . ترى في كتابه ( كيف تدرس الكتاب المقدس؟ ) . فقد وضع الدكتور النصراني شروطً ا ينبغي أن يتحلى بها قارئ الكتاب المقدس، ليحصل على أكبر قدر من الفائدة فمن هذه الشروط : أن يكون القارئ مولودً ا ولادة

عدد الصفحات ١٢٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثانية ( مسيحيً ا ) ، وأن يكون محبً ا للكتاب المقدس ، وعنده استعداد للكد والجد في دراسته ... ويتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين : أولهما : أن يكون عند الدارس « إرادة مسلَّمة تسليمً ا كاملاً ... » . وثانيهما : « أن ندرسه باعتباره كلمة ا» . فيرىالأستاذ منصور حس ين أن هذين الشرطين يفرضان على قارئ الكتاب المقدس التسليم والإيمان بأن ما يقرأه هو وحي الله ، الذي لاشك فيه ولا لبس ، مهما ظهر فيه من التناقض ، والخطأ ، والتعارض مع المعتقدات النصرانية . فمثلاً : عندما يقرأ النصراني في المزمور قوله : « أما أنا فدودة لا إنس ان ، عار عند البشر» ( المزمور22 :6 ) يجد أنه من غير المنطقي أن يكون هذا عن المسيح ، لكنه يسلم لمشيئة مؤلفي العهد الجديد ، فيقول بأنه نبوءة عن المسيح رغم استحالتها بحقه. ويفعل الشيء نفسه ، وهو يقرأ « الرب مخلص مسيحه » ( المزمور20 :6 ) وهكذا فهم يضعون النتائج أولاً ، ثم يقرؤون الكتاب المقدس . وهكذا ، فإن المتأمل لهذين الشرطين « ليكاد يقطع بأن واضعهما يعرفـ بيقين ـ أن لو أطلقت للباحث حرية البحث عن الحقيقة وحدها ، فإنه سينتهي من العهد القديم إلى ما يخالف ما جاء به العهد الجديد ( من حديث عن صلب المسيح ) ، فيصل إلى أن الله مخلص مسيحه ، ورافعه إليه ، وأن الذي سيقبض عليه ويحاكم ويصلب هو يهوذا » (1) . (1) دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص281-289.)

عدد الصفحات ١٢٩