المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٧ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثم لا يمكن القطع بأن المسيح لم يعرف المعنى الصحيح الذي تدل عليه النبوءات ، بل قد يكون المسيح عرف ذلك ، فلجأ إلى الله يتضرع إليه ويسأله صرف هذه الكأس ، لأنه عرف أن الله يستجيب دعاءه وتضرعه ، بينما لو وافقنا الرواية الإنجيلية بأن المسيح علم أنه سيصلب ثم صلب ، فما فائدة تضرعه ودعائه ، ولم كان جزعه يأسه وصراخه على الصليب « لماذا تركتني » ؟ كما ثمة أمر آخ ر يجدر التنبه له ، وهو أن فهم النبوءات لا يعني يقينً ا معرفة الساعة، وتحديد اليوم الذي سيسعى أعداؤه فيه للقبض عليه ، فهذا قد يكون سبب خفاء وقت تحقق هذه النبوءات على المسيح عليه الصلاة والسلام .

عدد الصفحات ٩٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ٩٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لكن النصارى يرون أن ثمة نبوءات كثيرة تنبأت عن المسيح المصلوب تناثرت في أسفار العهد القديم، وأهمها ما جاء في إشعيا 52 و53 . وقبل أن نلج إلى النبوءة المزعومة في سفر إشعيا، فإنه يحسن بنا أن نشير إلى بعض هذه النبوءات، وقبلها إلى حقيقة مهمة، وهي أن هذه النبوءات لم يشر إليها المسيح صراحة طوال تعليمه للتلاميذ الذين سمعوا منه أن التوراة تنبأت عنه، ولم يسمعوا منه طوال تعليمه قبل الصلب أي تحديد لنصوص معينة، ولم يفهموا ذلك، ومثال ذلك أن المسيح دخل إلى أورشليم جالسًا على حمارين، ولم يتنبه التلاميذ ولم ينبههم هو أنه يحقق نبوءة توراتية «لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأ جالسًا على جحش أتان ، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه ، وأنهم صنعوا هذه له »(يوحنا12 : 15-16)، فالربط بين النص التوراتي والمسيح محض استنتاج يحتم ل الصواب والخطأ. ومن النبوءات المزعومة عن المسيح الفادي العائد من الموت ما قاله هوشع النبي: «يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا، فنحيا أمامه» (هوشع6 :2)، فقد اعتاد المهووسون باستخراج النبوءات حشر هذه الفقرة ضمن نبوءات التوراة عن المسيح الذي قام بعد ثلاثة أيام من الموت، لكنهم يخرجون النص عن سياقه، فقد تقدمه ما يبدد أحلامهم، وهو حديثه عن معصية بني إسرائيل «ورأى أفرايم مرضه ويهوذا جرحه، فمضى أفرايم إلى أشور، وأرسل إلى ملك عدو، ولكنه لا يستطيع أن يشفيكم ولا أن يزيل منكم الجرح، لأني لأفرايم كالأسد، ولبيت يهوذا كشبل الأسد،

عدد الصفحات ١٠٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فإني أنا أفترس وأمضي وآخذ، ولا منقذ، أذهب وأرجع إلى مكاني حتى يجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إلي، هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا» (هوشع5 :13- 6 :1)، فهذا حديث عن بني إسرائيل وسبيهم إلى بابل « فمضى أفرايم إلى أشور، وأرسل إلى ملك عدو »، وعذاب الله لهم «أفترس وأمضي وآخذ ولا منقذ .. ضرب»، وهو يدعوهم إلى التوبة« يجازوا ويطلبوا وجهي، في ضيقهم يبكرون إلي، هلم نرجع إلى الرب »، وكل هذه المعاني لا علاقة لها بالمسيح عليه السلام. ويكمل النص سياقه فيأتي بخبر النبوءة المزعو مة: «هلم نرجع إلى الرب لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا، يحيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه»، ويكمل في نفس السياق في تبكيته لبني إسرائيل على معاصيهم ورفضه لذبائحهم ومحرقاتهم: «ماذا أصنع بك يا أفرايم؟ ماذا أصنع بك يا يهوذا؟ فإن إحسانكم كسحاب الصبح، وكالندى الماضي باكرا، لذلك أقرضهم بالأنبياء، أقتلهم بأقوال فمي. والقضاء عليك كنور قد خر ، إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات. ولكنهم كآدم تعدوا العهد. هناك غدروا بي. جلعاد قرية فاعلي الإثم مدوسة بالدم. وكما يكمن لصوص لإنسان، كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم. إنهم قد صنعوا فاحشة. في بيت إسرائيل رأيت أمرا فظيعا. هناك زنى أفرايم. تنجس إسرائيل. وأنت أيضا يا يهوذا قد أعد لك حصاد، عندما أرد سبي شعبي » (هوشع6 :4-10)، فالم قام في اليوم الثالث هو الشعب المسبي المرتكب للموبقات «أفرايم .. يهوذا ..كآدم تعدوا ..جلعاد قرية فاعلي الإثم مدسوسة بالدم ..صنعوا فاحشة .. زنى أفرايم، تنجس إسرائيل »،والنص يبكتهم على خطاياهم «أقرضهم بالأنبياء، أقتلهم بأقوال فمي. والقضاء عليك كنور قد خر ، وكما يكمن لصوص لإنسان، كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم .. يا يهوذا قد أعد لك

عدد الصفحات ١٠١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حصاد، عندما أرد سبي شعبي » (هوشع6 :4-10)، فالم قام في اليوم الثالث هو الشعب المسبي المرتكب للموبقات «أفرايم .. يهوذا ..كآدم تعدوا ..جلعاد قرية فاعلي الإثم ..صنعوا فاحشة .. زنى أفرايم، تنجس إسرائيل »،وهم الشعب الذين رفض الله طاعتهم وعبادتهم ، وشبَّه عبادتهم كسحاب الصباح الذي ينجلي سريعًا من غيرما فائدة «إحسانكم كسحاب الصبح، وكالندى الماضي باكرا .. إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات ». يقول الأب متى المسكين: ولعل أعظم ما قاله هوشع العجيب على عودة بني إسرائيل في توبة .. «هلم نرجع إلى الرب، لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا يحيينا بعد يومين ، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه» (1). وهكذا يظهر لكل ذي عينيين أن نص هوشع لا علاقة له بالمسيح من قريب و بعيد، وأن الربط بينهما نوع من التعلق بالسراب الذي يوشك أن ينجلي. وبالعود إلى سفر إشعيا فإننا نقرأ فيه : « هو ذا عبدي يعقل ، ويتعالى ، ويرتقي ويتسامى جد ا ، كما اندهش منه كثيرون ، كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم ، هكذا ينضح أمم ا كثيرين ، من أجله يسد ملوكُ ُ أفواههم ، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به ، وما لم يسمعوه فهموه . من صدق خبرنا ، ولمن استعلنت ذراع الرب ، نبت قدامه كفرخ ، وكعرق من أرض يابسة ، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس ، رجل أوجاع ، ومختبر الحزن ، وكمستَّ ر عنه وجوهنا ، محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها ، وأوجاعنا تحملها ، ونحن حسبناه مصلوب ا ، مضروب ا من (1) تفسير إنجيل متى، الأب متى المسكين، ص (75.)

عدد الصفحات ١٠٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الله ومذلولا ، وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا ، كلنا كغنم ضللنا ، مِلْنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا ، ظلم أما هو فت ذلل ، ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام جازيها ، فلم يفتح فاه . من الضغطة ، ومن الدينونة أُ خذ ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء ، أنه ضُ رب من أجل ذنب شعبي ، وجعل مع الأشرار قبره ، ومع غني عند موته ، على أنه لم يعمل ظلم ا ، ولم يكن في فمه غش . أما الرب فسُ ر بأن يسحقه بالحزن ، أن جعل نفسه ذبيحة إثم ، يرى نسلا تطول أيامه ، ومسرة الرب بيده تنحج ، من تعب نفسه يرى ويشبع ، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين ، وآثامهم هو يحملها ، لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء ، يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه ، وأحصي مع أثمةٍ ، وهو حمل خطية كثيرين ، وشفع في المذنبين » (إشعيا 52 :13-53 :12 ) . ويربط النصارى بين هذا السفر وبين ما جاء في مرقس « فتم الكتاب القائل : وأحصي مع أثمة » ( مرقس 15 :28) ، ومقصوده كما لا يخفى ما جاء في إشعيا «سكبللموت نفسه ، وأحصي مع أثمة » ومثله سفر أعمال الرسل . (انظر أعمال 8 : 22-23). والــنص ولا ريــب قــد تعــرض للكثيــر مــن التلاعــب والتحــوير ، وتجــزم بهــذا التلاعب عندما تلحظ غموض عباراته ، وحين تقارن نص إشعيا مع مـا جـاء في أعمـال الرسل ، وهو ينقل عنه ، وفيه « وأما فصل الكتابالذي كـان يقـرأه ، فكـان هـذا : مثـل شاة سيق إلى الذبح ، ومثل خروف صامت أمام الـذي يجـزه ، هكـذا لـم يفـتح فـاه ، في تواضـــعه انتـــزع قضـــاؤه ، وجيلـــه مـــن يخبـــر بـــه ، لأن حياتـــه تنتـــزع مـــن الأرض »

عدد الصفحات ١٠٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ( أعمال 8 :32-33 ) ، فثمة فروق بين ما جاء في إشعياء وما نقله عنه أعمال الرسل . فالنعجة في سفر إشعيا تحولت في أعمال الرسل إلى خروف ، و « من الضغطة ، ومن الدينونة أُ خذ » ، أضحت : « في تواضعه انتزع قضاؤه » . لكن الفارق الأكبر بين السفرين نجده في قولإشعيا : « وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء » ، فيما يقول سفر الأعمال : « وجيله من يخبر به ، لأن حياته تنتزع من الأرض » . كما أن النص الكاثوليكي للسفر يزيد عبـارة أسـقطتها الطبعـات البروتسـنتية لمـا فيها من إبهام ، ففي نسخة الشـرق الأوسـط الكاثوليكيـة « مـن الضـيق والقضـاء أُخـذ ، ومن يصف مولده ، إنه قد انقطع من أرض الأحيـاء » ، فقولـه : « ومـن يصـف مولـده » نص موجـود في الترجمـة السـبعينية واللاتينيـة ، وتسـقطه النسـخ التـي اعتمـدت الـنص العبراني فقط . أما نسخة الرهبانية اليسوعية فقد حورت النص ليتلائم مع السياق الذي تريده ، فجعلته « بالإكراه والقضاء أُخذ ، فمن يفكر في مصيره ، قد انقطع من أرض الأحياء » ، فأضحى ا لنص فيها متحدثً ا عن صلب المسيح بدلاً من مولده ! كما أضحى انتزاع حياته بالإكراه ، لا مجرد ابتلاء وضيق ! وجاء في خاتمة القصة في سفر أعمال الرسل في نسخة الشرق الأوسط البروتستنتية، والأخرى الكاثوليكية أن فيلب س مر مع العبد الحبشي على ماء « فقال الخصي : هوذا ماء ، ماذا يمنع أن أعتمد ؟ فقال فيلبس : إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز ، فأجاب وقال : أنا أُومن أن يسوع المسيح هو ابن الله ، فأمر أن تقف المركبة ، فنزلا كلاهما إلى الماء .. » ( أعمال8 :36-38 ) ، وهذا الحوار الذي جرى بعد

عدد الصفحات ١٠٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ رؤيتهما للماء لم تذكره نسخة شهود يهوه المسماة ترجمة العالم الجديد ، كما حذفته نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية ، والنص فيها : « فقال الخصي : هذا ماء ، فما يمنع أن أعتمد ؟ ثم أمر بأن تقف المركبة ، ونزلا كلاهما في الماء » . وهذه الفروقوذلك التلاعب يدلنا على مدى الحرية التي تعامل بها القديسون أو المترجمون للنصوص الكتابية . لكن التحريف الأكبر الذي صنعه النصارى لنص إشعيا هو اجتثاثه من سياقه الذي كان يتحدث عن عودة بني إسرائيل من السبي وفداء الله لهم وخلاصهم من ذلهم، فالقصة التوراتية لا تبدأ من حيث يبدأ النصارى « هوذا عبدي يعقل ويتسامى » ، فإن الابتداء بها بتر للنص وإخراج له عن سياقه ومعناه الطبيعي ، حيث يقول : « هكذا قال السيد الرب : إلى مصر نزل شعبي أولا ليتغرب هناك ، ثم ظلمه آشور بلا سبب ، فالآن ماذا لي هنا ، يقول الرب : حتى أُ خذ شعبي مجان ا .. صوت مراقبيك يرفعون صوتهم ، يترنمون مع ا ، لأنهم يبصرون عين ا لعين عند رجوع الرب إلى صهيون ، شيدي ترنمي مع ا يا خِ رب أورشليم ، لأن الرب قد عزى شعبه ، فدى أورشليم ، قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم ، فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا ، اعتزلوا اعتزلوا ، اخرجوا من هناك لا تمسوا نجس ا ، اخرجوا من وسطها (في نسخة كتاب الحياة التفسيرية : اخرجوا من وسط بابل) ، تطهروا يا حاملي آنية الرب ، لأنكم لا تخرجون بالعجلة ، ولا تذهبون هاربين ، لأن الرب سائر أمامكم ، وإله اسرائيل يجمع ساقتكم ، هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جد ا .. » ( إشعيا52 :3-13 ) . وبعد انتهاء النبوءة ـ المدعاة عن المسيح ـ عاد النص للحديث عن عزاء أمة بنـي إسرائيل بعد عذابها الطويل في بابـل ، قيقـول مخاطبًـا أورشـليم : « ترنمـي أيتهـا العـاقر التي لم تلد ، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخـض ، لأن بنـي المستوحشـة أكثـر مـن بنـي

عدد الصفحات ١٠٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ذات البعل . قال الرب : أوسعي مكان خيمتك ، ولتبسـط شـقق مسـاكنك ، لا تمسـكي ، أطيلي أطنابك ، وشددي أوتادك ، لأنك تمتدين إلـى اليمـين وإلـى اليسـار ويـرث نسـلك أمم ا ، ويعمر مـدن ا خربـة ، لا تخـافي لأنـك لا تخـزين ، ولا تخجلـي لأنـك لا تسـتحين ، فإنك تنسين خزي صباك ، وعار ترملك لا تذكرينه بعـد ، لأن بعلـك هـو صـانعك ، رب الجنود اسمه » ( إشعيا54 :1-5) . لذا حق للمحققين أن يروا ما ورد في إشعيا نصً ا ح ور لفظً ا ومعنىً لينطبق على المسيح ، ودليل ذلك أن المسيح لم يخبر أن ما جاء في إشعيا نبوءة عن ه المسيح ، فالمسيح لم يشر إلى هذه النبوءة من قريب أو بعيد . والمسلمون لا يرون في هذا النص أي نبوءة عن المسيح ، ويستغربون ويستنكرون ربط النصارى بين نص إشعيا وقصة الصلب في الأناجيل ، فنص إشعيا يتحدث وفي أكثر من موضع عن عبد ، فيما يقول النصارى بألوهية المسيح ، فكيف يجمعون بين عبوديته لله وألوهيته في وقت واحد . وهذا العبد قبيح في منظره ، مخذول محتقر لا يعتد به ، فهو ليس المسيح على أي حال « هو ذا عبدي .. كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم .. لا صورة له ولا جمال ، فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس ، رجل أوجاع ، ومختبر الحزن ، وكمستّ ر عنه وجوهنا ، محتقر فلم نعتد به » ، أفهذه صورة المسيح عندهم ؟ . والنص أيضً ا يتحدث عن الذي « لم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح ، وكنعجة صامتة أمام جازيها ، فلم يفتح فاه » ، بينما المسيح تكلم مرارً ا وتكرارً ا ، فقد تكلم طويلاً في البستان ، وهو يناجي ، طالبً ا من الله أن يعبر عنه هذه الكأس .. ثم نطق فقال لبيلاطس أثناء محاكمته : « أنت تقول : إني ملك ، لهذا قد ولدت أنا ، ولهذا قد أتيت

عدد الصفحات ١٠٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إلى العالم ، لأشهد للحق ، كل من هو في الحق يسمع صوتي » ( يوحنا18 :37 ) . وكان قد قال له قبل : « مملكتي ليست في هذا العالم ، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هذا » ( يوحنا18 :36 ) . كما تكلم في المحاكمة لما لطمه أحد الخدم فأجابه المسيح : « إن كنت قد تكلمت ردي ا فاشهد على الردي ، وإن حسن ا فلماذا تضربني ؟ » ( يوحنا18 :22 ) . فإن أصر النصارى بعد ذلك على أن النبوءة تنطبق على المسيح ، فقد قالوا إذً ا بأن المسيح تكلم وهو مغلق الفم !! كما يذكر نص إشعيا شجاعة وتماسكً ا لا تتناسب وصراخ المصلوب ، وجزعه، وقنوطه ، فالمصلوب لم يظهر كشاة أمام جازيها صامتة ، « وهكذا لم يفتح فاه » ، بل كان يصرخ على الصليب : « إلهي إلهي ، لماذا تركتني ؟ » ( متى27 :46) . والنص متحدث عن صاحب نسل وولد ، فيقول : « يرى نس تطول أيامه » ، وقد س رّ الرب بعذابه وبالعاهات التي تصيبه « وأما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن » ، والنص في النسخة الكاثوليكية يفسر الحزن بالع اهات ، فيقول : « والربرضي أن يسحقه بالعاهات » ، وفي نسخة الرهبانية اليسوعية : « والرب رضي أن يسحق ذاك الذي أمرضه » ، فهل يس ر الله لأحزان عبده البار ، المسيح عليه الصلاة والسلام ، وهل كان المسيح مصابً ا بعاهة من العاهات أو مرض من الأمراض ؟ ويرى الأستاذ محمد الأفندي(1) أن علاقة بين هذا الإصحاح في إشعيا ، وبين (1) انظر : عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص ( 106-122،196) ، فقد ضمنه كتاب الأفندي.

عدد الصفحات ١٠٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حادثة الصلب ، فالإصحاح يتحدث عن قصة بني إسرائيل ، وذلهم في بابل بسبب معاصيهم ومعاصي سلفهم ، فحاق بهم عقوبة الله التي عمّت صالحيهم وفجارهم ، ثم أنعم الله عليهم بالعود من بابل مرة أخرى إلى فلسطين ، وهذا المعنى هو ما كان يتحدث عنه السياق التوراتي في سفر إشعيا . وقوله : « هو ذا عبدي .. كما اندهش منك كثيرون كان منظره كذا مفسد ا أكثر من الرجل ، وصورته أكثر من بني آدم » فالمقصود بالعبد شعب إسرائيل . وقد ع هد في التوراة إطلاق لفظ الفرد ، والمراد الشعب كما في إشعيا : « يقول الرب ، خالقك يا يعقوب ، وجابلك يا إسرائيل .. وإذا اجتزت في المياه فأنا معك ، وفي الأنهار فلا تغمرك ، لأني أنا الرب إلهك ، قدوس إسرائيل ، مخلصك ، جعلت مصر فديتك » ( إشعيا 43 :1-3 ) ، وفي سفر ميخا : « إ أجمع جميعك يا يعقوب » ( ميخا2 :12 ) ، ومثله في مواضع كثيرة ، منها ( إشعيا 41 :8 ) و ميخا 1 :5 ) ، والمقصود من ذلك كله شعب إسرائيل . وفي إشعيا 52 و53 يتنبأالنبي عن غربة بني إسرائيل و يصف ذلتهم ، ثم يتحدث عن عودة أبنائهم من أرض السبي « نبت قدامَه كفرخ ، وكعرق في أرض يابسة » فقد عادوا ل رض المقدسة ، ونبتوا فيها ، من جديد ، كما في سفر النبي إرمياء « وأجعل عيني عليهم للخير ، وأرجعهم إلى هذه الأرض ، وأبنيهم ولا أهدمهم ، وأغرسهم ، ولا أقلعهم » ( إرمياء24 :6 ) ، وقوله : « وأفرح بهم لأحسن إليهم ، وأغرسهم في هذه الأرض بالأمانة بكل قلبي وبكل نفسي » ( إرمياء32 :41 ) . ( وانظر إرمياء 31 :27-28 ) . وقد تغيرت صورتهم بسبب الذل فكان الشعب« محتقر مخذول .. الرب وضع عليه إثم جميعنا » ويفسره قول إرميا وقد شاهد الأسر البابلي : « آباؤنا أخط ؤوا ،

عدد الصفحات ١٠٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وليسوا بموجودين ، ونحن نحمل آثامهم ، عبيد حكموا علينا ، ليس من يخلص من أيديهم ، جلودنا اسودت من جري نيران الجوع » ( المراثي 5 :7-10 ) . وقوله : « ظلِم أما هو فتذلل » كقول سفر إشعيا عن اضطهاد بني إسرائيل على يد الآشوريين : « نزلشعبي أولا ليتغرب هناك ، ثم ظلمه آشور بلا سبب » (إشعيا 52 :4 )، وكقوله : « إن بني إسرائيل وبني يهوذا مع ا مظلومون » (إرميا 50 :33 ) . وأما قوله : « كشاة تساق إلى الذبح .. » فهو حديثذبح ملك بابل لبني إسرائيل ، وقد ساق هم كما تساق الشياه إلى الذبح ، كما في قوله : « أنزلهم كخراف للذبح ، وككباش مع أعتدة » ( إرميا51 :40 ) فمات أكثرهم جوعًا ، ونحوه قوله عنهم : « وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكار ا قائلين : لنهلك الشجرة بثمرها ، ونقطعه من أرض الأحياء ، فلا يذكر بعد اسمه » (إرميا11 :19) . وقوله : « وجعل مع الأشرار قبره ، ومع غني عند موته » إشارة إلى أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين ، ولا يمكن للنصارى حمله على المسيح المدفون ـ حسب كتابهم ـ وحده في بستان ، في قبر جديد ، لم يدفن فيه معه لا شرير ولا غني . وقوله : « أحصي مع أثمة » هو أيضًا يحكى عن وجود بني إسرائيل مع الوثنيين في بابل ، ولا يصح أن يقال : الأثمة هما اللصان ، إذ قد وعد أحدهما الفردوس ، فكيف يوصف بعد ذلك بالآثم ؟! وقوله : « فسَّر أن يسحقه بالحَ زَ ن ، أن جعل نفسه ذبيحة إثم ، يرى نسلا تطول أيامه » ، وفي النسخة الكاثوليكية يتضح المعنى أكثر : « والربرضي أن يسحقه بالعاهات ، فإنه إذا جعل نفسه ذبيحة إثم يرى ذرية ، وتطول أيامه » ، وفي الترجمة التفسيرية المسماة كتاب الحياة : « فقد سُر الله أن يسحقه بالحزن ، وحين يقدم نفسه

عدد الصفحات ١٠٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ذبيحة إثم فإنه يرى نسله وتطول أيامه » ، فالنص كما هو واضح ليس حديثً ا عن المسيح الفادي ، بل هو إشارة إلى تكفير الله خطايا بني إسرائيل بسبب توبتهم ، حيث يرفع الله عنهم الاضطهادات ، ويعيدهم إلى إلى وطنهم ، حيث تطول أيامهم ويعيشون ويتوالدون في فلسطين بعد السبي وآلامه وعاهاته وبلاياه . وقوله : « على أنه لم يعمل ظلم ا ، ولم يكن في فمه غش » حديث عن طهر أولئك الذين يعودون من السبي الذين عنهم « يقول الرب : لأني أصفح عن إثمهم ، ولا أذكر خطيتهم بعد » ( إرمياء31 :34 ) ، كما قال عنهم : « وأرد سبي يهوذا وسبي إسرائيل وأبنيهم كالأول ، وأطهرهم من كل إثمهم الذي أخطؤوا به إليّ ، وأغفر كل ذنوبهم التي أخطؤوا بها إليّ والتي عصوا بها عليّ » ( إرمياء33 :7-8 ) . وأما قوله : « عبدي البار بمعرفته يبرر كثيرون ، وآثامهم هو يحملها » يتحدث كيف شمل البؤس بررة بني إسرائيل وعصاتهم ، كما قال الله : ﴿ و اتَّق واْ فِتْن ةً لاَّ ت صِيب نَّ الَّذِين ظ ل م واْ مِنك مْ خ آصَّةً ﴾ [الأنفال : 25 ] . وإكرامًا لهؤلاء البررة من بني إسرائيل ، طهرهم الله من ذنبهم ، ورفع عنهم هذه العقوبة ، كما في إرميا : « في تلك الأيام يطلب إثم إسرائيل فلا يكون ، وخطية يهوذا فلا توجد ، لأني أغفر لمن أبقيه » ( إرميا50 :20 ) ، فقد حملوا خطيئة آبائهم ، ثم غفرت ذنوبهم . سوف يبدأ عهد جديد لا تضرس فيه أسنان الأبناء بحصرم آبائهم ، ولا يعاقبون ثانية بجريرتهم ، فقد تحملوا من آثامهم ما يكفي « في تلك الأيام لا يقولون بعد : الآباء أكلوا حصرم ا ، وأسنان الأبناء ضرست ، بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ، ها أيام تأتي يقول الرب ، وأقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت

عدد الصفحات ١١٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يهوذا عهد ا جديد ا » ( إرميا31 :29-31 ) (1) . وهكذا ف الإصحاح يتحدث عن شعب إسرائيل ، وسبيه ، وذلته ، ثم نجاته . وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين ، بل هو رأي كثير من المفسرين المسيحيين ، كما نقل القس الخضري حين قال : « إن عددًا لا بأس به من المفسرين يتردد كثيرً ا في نسب هذه النصوص إلى المسيح ظنً ا منهم بأن النبي يتكلم عن إسرائيل كله كشخص محتقر مخذول ومطرود » (2) . (1) ينقل القس صموئيل عن بعض العلماء رأيه في معنى هذا النص أنه يشير« إلى الأبناء الذين ولدوا أرض المعاناة والضيق ، وكل كرب وألم في أرض سبيهم ، وحملوا من إثم آبائهم في هذه الأرض الغريبة». المدخل إلى العهد القديم ، القس الدكتور صموئيل يوسف298.) (2) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري1/36.)

عدد الصفحات ١١١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تتحدث الأناجيل الأربعة عن صلب المسيح ، كخاتمة لوجوده على الأرض ، ولكن : هل تنبأ المسيح بأنه سيصلب ؟ وهل عرف بذلك تلاميذه ؟ لا تخطئ عين الناظر في الأناجيل أن ترى أن الإنجيليين نقلوا عن المسيح تنبؤه بتعرضه لمؤامرة تودي به إلى الموت والصلب ، فهل تصح هذه الأقوال في نسبتها إلى السيد المسيح ؟ الحقيقة أن خبر تنبؤ المسيح بقتله أو صلبه (انظر متى 17 :22 و20 :16 ، 26 : 2 ، 26 :23) ، قول دخيل على الأناجيل ، ملحق بها ، والأدلة على ذلك تتضح باستقراء عدد من الملاحظات التي يقوي بعضها بعضً ا : أن العبارة في إنجيل متى والتي يخبر فيها المسيح عن مؤامرة يتعرض لها ابن الإنسان وتودي به إلى الموت وردت بلا مقدمة ، ولا مناسبة ، ولا تعليق عليها من قبل الحواريين ، حتى وكأنها تتحدث عن حدث عادي ، فلئن صحت ، دل ذلك على أن ابن الإنسان المصلوب المسلّم لأيدي الخطاة ، هو غير المسيح . تتحدث المواضع الأربعة ـ التي ذكرت تنبؤه بالموت ـ عن تسليم ابن الإنسان ، وقتله أو صلبه ، ولا تنص على عيسى ، لكن اللفظ ـ وإن تبادر في الذهن إلى المسيح ـ فإنه يصح أن يطلق على غيره ، بدليل أنهم سألوه عن ابن الإنسان م ن هو بقولهم : « كيف تقول أنت : إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان ؟ من هو هذا ابن الإنسان ؟ » ( يوحنا12 :34 ) ولو كان هذا اللقب بالمسيح خاصًا لما كان في سؤالهم وجه .

عدد الصفحات ١١٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يقترن وصف الأناجيـل الثلاثـة لـردة فعـل التلاميـذ حيـال هـذا الخـبر بكثيـر مـن الغرابة ، ففي متى ( 26 :1-2 ) لم يذكر لهم حسًا ولا خبرًا ، بيد أنه في ( متـى 26 :23 ) ذكر بأنهم« حزنوا جدا » ، ويفهم منه أنهم فهمـوا مـراده فحزنـوا ، لكـن مـرقس يقـول : « وأما هم فلم يفهموا القول ، وخافوا أن يسألوه » ( مرقس9 :32 ) ، ويؤكد لوقـا هـذا بقوله : « وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئا ، وكان هذا الأمر مخفي ا عنهم ، ولم يعلموا ما قيل » . وإضافة إلى تناقض النصوص ، فإن في خوف التلاميذ من المسيح وترددهم في سؤاله ما يدعو للعجب ، فقد عرف عليه الصلاة والسلام بدماثة خلقه ، وبتحببه لهم ، حتى إنه غسل أرجلهم ، وكثيرً ا ما كانوا يسألوه ، فِلمْ لم يسألونه في هذا الأمر الخطير ؟ ذكر الإنجيليون الثلاثة الذين ذكروا الخبر بأن المسيح سيقو م في اليوم الثالث ( انظر متى 17 :23 ، مرقس 9 :32 ، لوقا 18 :33 ) ، وهذا لم يحصل ، بل مكث ما لا يزيد بحال عن ليلتين ويوم . ومما يدل على عدم صحة التنبؤ بالصلب والقتل : فرار التلاميذ ، وفيهم بطرس الذي قال له المسيح : « طلبت من أجلك لكي يفنى إيمانك ، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك ، فقال له : يا رب ، إني مستعد أن أمضي معك ، حتى إلى السجن ، وإلى الموت » ( لوقا22 :32-34 ) ، فدل هذا على معرفتهم بأن المأخوذ غيره ، كما قد عرفوا ذلك فهربوا ، وقد قال عنهم المسيح : « الذين أعطيتني حفظتهم ، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك » ( يوحنا 17 :12 ) . ثم بعد ذلك ولأن أمر المصلوب يهمهم وقد عرفوا بنجاة سيدهم لم يهتموا بمتابعة المصلوب وهو على الصليب ، أو في أثناء المحاكمة ، إلا ما جاء عن بطرس ويوحنا وبعض النسوة .

عدد الصفحات ١١٣