المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٤ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم ، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله . ويقول الألماني ارنست دي بو نسن (ت 1903م في كتابه (Islam Or True Christianity) ( الإسلام أو النصرانية الحقة ) ما معناه : إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح ، لا في أصول النصرانية الأصلية . ويقول هنري هارت ملمن في كتابه (History of Christianity to the Abolition of Roman Empire Paganism in the ) ( تاريخ الديانة النصرانية ) : « إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس ، وإسدال ثوب الظلام ، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف ، وصدقهم القرآن » (1) . وأخيرًا نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل . وأما الطائفة التي يسميها القس الخضري بالرومانسيين ( القرن التاسع عشر ) فقد ذكروا أن المسيح « أنزل من على الصليب فاقد الوعي ، وعالجه أطباء أسينيون إلى أن استرد قوته وظهر لتلاميذه الذين اعتقدوا أنه مات » (2) . وإذا كان هؤلاء جميعً ا من النصارى ، يتبين أن لا إجماع عند النصارى على (1) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (366) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503.) (2) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جـرجس الخضــري (1/158)، وهـل حقـق قـام المسـيح؟ د. صموئيل حبيب ، ص (39) .

عدد الصفحات ٥٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ صلب المسيح ، فتبطل دعواهم بذلك . ويذكر معرِّب ( الإنجيل والصليب ) ما يقلل أهمية إجماع النصارى لو صح فيقول : إن العالم المسيحي العظيم الذي أطبق على ترك السبت خطأ 1900 سنة ، هو الذي أطبق على الصلب . وأما إجماع اليهود فهو أيضً ا لا يصح القول به ، إذ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر للمسيح والذي كتب تاريخه سنة 71م أمام طيطوس لم يذكر شيئً ا عن قتل المسيح وصلبه . أما تلك السطور القليلة التي تحدثت عن قتل المسيح وصلبه في كتابه ، فهي إلحاقات نصرانية كما جزم بذلك المحققون وقالوا : بأنها ترجع للقرن السادس عشر، وأنها لم تكن في النسخ القديمة (1) . ولو صح أ ا أصلية فإن الخلاف بيننا وبين النصارى و من وافق هم قائم في تحقيق شخصية المصلوب ، وليس في وقوع حادثة الصلب . ﴿ و م ا ق ت ل وه و م ا ص ل ب وه و ل ـكِن ش بِّه ل ه مْ ﴾ [النساء : 157 ] ، وهذا حال اليهود والنصارى فيه . ولكن قد يقال : إن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام 117م كتابًا تحدث فيه عن المسيح المصلوب . وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس ، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه ، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك ، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد في القرون الوسطى. (1) انظر : قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص 485) ، دين الله في كتب أ نبيائه ، محمد توفيق صدقي أفندي ، ص ( 79) ، تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري 1/150)، قصة الحضارة، وليام ديورانت (11/205).

عدد الصفحات ٥١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومما يدل على ضعف مصادره وتخبطه ، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية ، من أنه ذكرً ا أمورً ا مضحكة ، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية ، مع أنها لا تعدو أن تكون شأنً ا محليً ا خاصً ا باليهود ، ولا علاقة لروما بذلك . ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ ، أنه كان يتحدث عن اليهود ـ ومقصده : النصارى . فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية ، لأنهم كانوا يحدثون شغبً ا وقلاقل يحرضهم عليها « السامي» أو« الحسن» ويريد بذلك المسيح . ومن الأمور المضحكة التي ذكره ا تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم إلهً ا ، رأسه رأس حمار ، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته . كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس ، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي ( ملخص تاريخ الدين ) و ( شهود تاريخ يسوع )، وقد تحدث أندريسن أن العبا رة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة التي تحدثت عن ( CHRESTIANOS )بمعنى الطيبين ، فأبدلها النصارى ، وحوروها إلى : ( CHRISTIANOS )بمعنى المسيحيين . وقد كانت الكلمة الأولى ( الطيبين ) تطلق على ع بّاد إله المصريين (أوزيريس)، وقد هاجر بعضهم من مصر ، وعاشوا في روما ، وقد مقتهم أهلها ، وسموهم : اليهود ، لأنهم لم يميزوا بينهم وبين اليهود المهاجرين من الإسكندرية ، فلما حصل حريق روما ؛ ألصقوه بهم بسبب الكراهية ، واضطهدوهم في عهد نيرون . وقد ظن بعض النصارى أن تاسيتوس يريد مسيحهم الذي صلبوه ، فحرف العبارة ، وهو يظن أنه يصححها . ويرى العلامة أندريسن أن هذا التفسير هو الصحيح . وإلا كان هذا المؤرخ لا يعرف الفرق بين اليهود والنصارى ، ويجهل أن ليس

عدد الصفحات ٥٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثمة علاقة بين المسيح وروما (1) . وهكذا فإن التاريخ أيضً ا ناطق بالحقيقة ، م ثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح وصلب غيره . (1) انظر : عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص94-97)، وموت أم إغماء؟ د. فريز صموئيل ، ص (80).

عدد الصفحات ٥٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تحتل النبوءات في الفكر المسيحي مكانة سامقة ، جعلت بعض النصارى يشترطون لصحة النبوة أن يسبقها نبوءة . وحادثة صلب المسيح ـ كما يعتبرها النصارى ـ أحد أهم أحداث المعمورة ، فكان لابد وأن يتحدث عنها الأنبياء في أسفارهم ، وأن يذكرها المسيح لتلاميذه . فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته ؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك؟ والإجابة النصرانية عن هذه التساؤلات : نعم ، وأن ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية . ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءً مقدسً ا كتابهم المقدس ، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار ، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية ، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه . وللأسفار التوراتية دور عظيم في قصة صلب المسيح ، فقد أكثر الإنجيليون في سردهم للقصة من الإحالة إلى أسفار التوراة ؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب ، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره . وقد أكد عيسى لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيـه النبـوءات التوراتيـة بقولـه : « لابــد أن يــتم جميــع مــا هــو مكتــوب عنــي في نــاموس موســى والأنبيــاء والمزاميــر » ( لوقا26 :44 ) ، وقد قال لهم : « فتشوا الكتب .. وهي التي تشهد لي » ( يوحنا5 :39). يقول جوش مكدويل : « هناك تسع وعشرون نبوءة في العهد القديم تتحدث

عدد الصفحات ٥٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ عن خيانة المسيح ( أي خيانة يهوذا للمسيح ) ومحاكمته وموته ودفنه .. وتحققت كلها حرفيً ا في أربع وعشرين ساعة من الزمان » (1) . وبعض هذه النبوءات استشهد بها الإنجيليون في سياق روايتهم لقصة صلب المسيح ، ومجموع هذه النبوءات أربع عشرة نبوءة ، ذكر متى منها ستً ا ، ومرقس أربعً ا، ولوقا اثنتين ، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات . ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح . ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية وكثرة النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة إلى ا لمسيح ، فيقول القمّ ص سرجيوس في كتابه ( هل تنبأت التوراة عن المسيح ) : « فالمسيح ساطع في كل الكتاب ا لمقدس في إشراق دائم ، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلاً ، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح ، بل يشع اسمه ، وشخصه ، وصفاته ، وأعماله ، وظروفه ، وأحواله في التوراة ، وكتب الأنبياء ، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة ، وفي كل إصحاح ، وفي كل سفر من أسفارها . وما حروفها وكلماتها إلا خطوط أو ظلال لصورة المسيح المجيدة .. فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح .. » (2) ، ورغم ما في الكلام من مبالغة ، فإننا نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح . (1) برهان يتطلب ق رارًا ، جوش مكدويل ، ص ( 197)، وانظر تأملات في المزامير، القس منيس عبد النور، ص (7). (2) انظر : دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص 72-74). ولسوف نعتمد في هذا المبحث كليًا على هذا الكتاب الفريد والعظيم ، مع بعض التلخيص وقليل من ال تصرف والإضافة.

عدد الصفحات ٥٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولسفر المزامير وموضوع الصلب شأن خاص ، يصفه سرجيوس فيقول : « أما سفر المزامير فكان الهالة ، التي أحاطت بكوكب يسوع ، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة ، وآلامه المبرحة ، ناهيك عن صفاته وألقابه ، أكثر من أي نبي آخر ، ويمكننا القول ، أن سفر المزامير هو سفر « مسِيّ ا » الخاص ، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله » . ويؤكد عبد الفادي القاهراني أهمية المزامير في كتابه( رب المجد ) بقوله : « لم يوجد كتاب مليء بالإشارات والرموز والنبوءات عن المسيح أكثر من كتاب المزامير هذا ، وعليه فأهميته في نظر اللاهوتيين تفوق الوصف » (1 ) . وقدارتضى العلامة منصور حسين في كتابه الفريد ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) محاكمة النصارى في هذه المسألة إلى أسفار التوراة ، ذلك بأنه ليس من المقبول أن يتصور أحد أن اليهود يغيرون كتبهم لتتمشى مع معتقدات النصارى ، لذا فقد قبل هذه الكتب لتكون معيارً ا للكشف عن الحقيقة في هذه المسألة . وقبل أن نشرع في تلخيص دراسة الأستاذ منصور ، فإنه يحسن التنبيه إلى نقاط الاختلاف والاتفاق بين المسلمين والنصارى في مسألة الصلب . النصارى يقولون بصلب المسيح ، بينما يقول المسلمون بأنه لم يصلب ، وأنه قد ش به غير المسيح به ، ولا ينفون وقوع صلب لغيره . كما لا يمانع المسلمون أن يكون الله تعالى قد أنبأ المسيح بتعرضه للبلاء (1) انظر : هل تنبأت التوراة عن المسيح؟ ، القمّص سرجيوس ، ص 28) ، ورب المجد ، لجماعة من اللاهوتيين المسيحيين برئاسة عبد الفادي القاهراني ، ص (84.)

عدد الصفحات ٥٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ والامتحان وأن أحد تلاميذه سيسلمه لأعدائه « ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر ، وفيما هم يأكلون قال : الحق أقول لكم : إن واحد ا منكم يسلمني ، فحزنوا جد ا ، وابتدأ كل واحد منهم يقول له : هل أنا هو يا رب ؟ فأجاب وقال : الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني ، إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان ،كان خير ا لذلك الرجل لو لم يولد » (متى26 : 20-24 ) . وقد تألم المسيح لذلك الخبر وارتاع ، فقام يطلب من الله ويدعوه أن يصرف هذه المؤامرة عنه ، دعا الله بلجاجة وحرارة أن ينجيه منها ، زقضى الليل كله على هذه الحال ، ويصور لنا متى حال المسيح وشدة ضراعته لله ، فيقول : « جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جثسيماني ، فقال للتلاميذ : اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلّي هناك، ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي ، وابتدأ يحزن ويكتئب ، فقال لهم : نفسي حزينة جد ا حتى الموت ، امكثوا ههنا واسهروا معي ، ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه ، وكان يصلّي قائلا : يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ، ولكن ليس كما أريد أنا ، بل كما تريد أنت ، ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نيام ا .. فمضى أيض ا ثانية ، وصلّى قائلا : يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس ، إلا إن أشربها ، فلتكن مشيئتك ، ثم جاء فوجدهم أيض ا نيام ا ، إذ كانت أعينهم ثقيلة ، فتركهم ، ومضى أيض ا ، وصلّى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه » ( متى26 :36-40) . ويصف لوقا المشهد ، فيقول : « وإذ كان في جهاد ؛ كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض » ( لوقا22 :44 ) . فالمسلمون مصدقون بلجوء المسيح إلى الله ودعائه إياه في تلك الليلة العصيبة، إذ هو حال الصالحين جميعً ا حين يتعرضون للأهوال والشدائد ، فلا يجدون ناصرً ا

عدد الصفحات ٥٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يلجؤون إليه إلا الله العظيم . وقد أجاب الله دعاء عبده المسيح فصرف عنه كأس الموت ، كما قال بولس : « الذيأيام جسده ، إذ قدّ م بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسُ مع له من أجل تقواه » ( عبرانيين5 :7 ) ، فقد سمع الله لعبده المسيح وأجابه في سؤله « وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي » ( يوحنا11 :40 ) . وهكذافالمسلمون لا ينفون جملة ما ترويه الأناجيل من وقوع تلك الأحداث التي صاحبت الصلب أو سبقته ، كإخبار المسيح تلاميذه عن المؤامرة التي سيتعرض لها ، ثم لجوؤه في البستان إلى الله القادر طالبً ا من الله أن ينجيه من الموت ، وكذا فالمسلمون يصدقون بأن الجموع حضرت للقبض عليه ، وأن ثمة من أ خذ من ساحة البستان ، وأن المأخوذ حوكم ، وصلب ، ثم دفن . فالخلاف إنما هو في حقيقة المأخوذ والمصلوب ، فيرى المسلمون أنه يهوذا الخائن ، وأن لحظة الخلاص هي تلك التي أراد الجند أن يلقوا القبض فيها على المسيح ، فسقطوا على الأرض ، سقطت الجموع الغفيرة ، وتدافع الجند ، ووقعت المشاعل من أيديهم ، ثم نهضوا ليجدوا دليلهم يهوذا الأسخريوطي وحيدً ا في الساحة، فأخذوه ، وقد ألقى الله عليه شبه المسيح ، لينال جزاء خيانته لسيده . وهذه اللحظة العظيمة الخالدة سجلها يوحنا حين قال : « فأخذ يهوذا الجند وخدام ا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين ، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخر يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه ، وقال لهم : من تطلبون ؟ أجابوه : يسوع الناصري ، قال لهم يسوع : أنا هو ، وكان يهوذا مسلمه أيض ا واقف ا معهم ، فلما قال لهم : إني أنا هو ، رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » ( يوحنا18 :4-6 ) ، فكانت لحظة سقوطهم هي لحظة الخلاص الخالدة التي تاهت عنها عيون الملايين

عدد الصفحات ٥٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ من النصارى ممن ظن أن المأخوذ بعدها هو المسيح . وأما المسيح فقد نزلت ملائكة الله وصعدت به إلى السماء ، « وظهر له ملاك من السماء يقويه » ( لوقا22 :44 ) لينجو من المؤامرة بحماية الله العظيم ، وأعطي بذلك حياة طويلة تمتد إلى قبيل قيام الساعة حيث ينزل إلى الأرض ليعيش عليها ويموت في سلام. فماذا تراه تقول المزامير والأسفار عن هذا الحدث العظيم الذي لا يصح أن تغفله الكتب ؟ هل تراها تحدثت عنه ؟ ولو أجبنا بالإث بات ، فماذا ت راها تقول ؟ هل تحدثت عن المسيح المصلوب كما يؤمن النصارى ، أم تحدثت عن نجاة المسيح وصلب الخائن الأسخريوطي ، كما يعتقد المسلمون ؟ دعونا نتجرد ونبحث عن الجواب الصحيح في سفر المزامير الذي فاقت أهميته عند اللاهوتيين جميع الأسفار . ولسوف نستعرض في هذه ال عجالة ثلاث عشر مزمورً ا فقط ، من نبوءات المزامير، نختصرها مع بعض التصرف من الدراسة الرائعة للأستاذ منصور حسين في كتابه الماتع ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) ، والتي شملت ستة وثلاثين مزمورً ا . والمزامير التي اختارها للدراسة ، يجمعها أنها مما يعتبر ه النصارى نبوءات تحدثت عن المسيح المصلوب .

عدد الصفحات ٥٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وفيه : « لماذا ارتجت الأمم ، وتفكر الشعوب في الباطـل ، قـام ملـوك الأرض ، وتـآمر الرؤســــاء مع ــــا علــــى الــــرب ، وعلــــى مســــيحه ، قــــائلين : لنقطــــع قيودهــــا ولنطــــرح عنا رُبُطهما . الساكن في السماوات يضحك ، الرب يستهزئ بهم ، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه، ويرجفهم بغيظه » ( المزمور2 :1-5 ) . والمزمور الثاني يراه العلماء النصارى نبوءة بالمسيح الموعود ، وأول من نبه على ذلك ميليتون أسقف سارييس (ت 180م) ، ثمكيرلس الأورشليمي (ت 386م بقوله: «يقول المزمور الثاني الذي يتكلم عن آلام المسيح» (1) . ووافقه القديس أوغسطينوس بقوله: «بوسعنا أن نرى في عبارة أنا اليوم ولدتك) (المزمور 2 :7) نبوءة عن اليوم الذي ولد فيه يسوع المسيح بالجسد » (2). وتابعهما العلماء المحدثون ، يقول د . هاني ر زق في كتابه ( يسوع المسيح ناسوته وألوهيته ) عن هذا المزمور : « وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد ، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب ، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين ، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم »، ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح ، ثم تأمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح . (1) العظة الرابعة عشر، كيرلس الأورشليمي (الفقرة9)، وانظر رسالة في الفصح، مليتيو، ص38)، الفقرة 62. (2) تفسير المزامير، أغسطينوس1/15)، وانظر: الإيمان بأمور لا ترى، أغسطينوس، ص23.)

عدد الصفحات ٦٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ووافقه ( فخري عطية ) في كتابه ( دراسات في سفر المزامير ) ، وحبيب سعيد في كتابه ( من وحي القيثارة ) وويفل كوبر في كتابه ( مسيا عمله الفدائي ) ، وياسين منصور في كتابه ( الصليب في جميع الأديان ) ، فيرى هؤلاء جميعً ا أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب (1 ) . وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيحتصديق لما ورد في سفر أعمال الرسل : « فلما سمعوا رفعوا بنفس واحـدة صـوت ا إلـى الله وقـالوا : أيهـا السـيد ، أنـت هـو الإلـه صـانع السماء والأرض والبحـر وكـل مـا فيهـا . القائـل بفـم داود فتـاك : لمـاذا ارتجّـت الأمـم وتفكر الشعوب بالباطل . قامت ملوك الأرض ، واجتمع الرؤساء معا على الـرب وعلـى مسيحه . لأنه بالحقيقة اجتمع على فتـاك القـدوس الـذي مسـحته هيـرودس وبـيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل ، ليفعلـوا كـل مـا سـبقت فعيّنـت يـدك ومشـورتك أن يكون » ( أعمال4 :24-31) . و نرى مانعً ا في موافقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح ، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه ، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى ، وإنما الخلاف : هل نجحوا أم لا ؟ فبماذا يجيب النص ؟ يجيب المزمور بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم ، وأنه حينئذ ، أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه . فهل يكون ذلك دليل نجاحهم في صلب المسيح ، أم أن الرب يضحك لنجاة عبده المسيح من بين أيديهم ، ووقوعهم في شر أعمالهم ؟ (1) انظر : يسوع المسيح ناسوته وألوهيته ، د. هاني رزق ، ص46) ، دراسات في سفر المزامير ، فخري عطية ، ص (61-66) ، ومن وحي القيثارة ، حبيب سعيد ، ص18) ، ومسيّا عمله الفدائي ، ويفل كوبر ، ص (32) ، والصليب في جميع الأديان ، ياسين منصور ، ص (13) ، نقلاً عن ( دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ) .

عدد الصفحات ٦١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويفسر المزمور السابع والثلاثون سبب ضحك الرب واستهزا ئه ، فيقول : « الشرير يتفكر ضد الصدّيق ، ويحرق عليه أسنانه ، الرب يضحك به ، لأنه رأى أن يومه آت ، الأشرار قد سلّوا السيف ، ومدوا قوسهم لرمي المسكين والفقير ، لقتل المستقيمِ طريقُ هم ، سيفهم يدخل في قلبهم ، وقسيّهم تنكسر » (المزمور37 :12- 15) ، لقد ضحك الرب لفشل المؤامرة ، وعودها على أصحابها ، فقد وقعوا في الحفرة التي حفروها للمسيح الذي نجاه الله بقوته . وفيه نقرأ : « يا رب ، إلهي عليك توكلت ، خلصني من كل الذين يطردونني ، ونجني لئلا يفترس كأسد نفسي ، هاشم ا إياها ، ولا منقذ . يا رب ، إلهي ، إن كنتُ قد فعلت هذا ، إن وجد ظلم في يدي ، إن كافأت مسالمي شر ا ، وسلبت مضايقي بلا سبب ، فليطارد عدو نفسي ، وليدركها ، وليدس إلى الأرض حياتي ، وليحط إلى التراب مجدي ، سلاه . قم يا رب بغضبك ، ارتفع على سخط مضايقي ، وانتبه لي . بالحق أوحيت ، ومجمع القبائل يحيط بك ، فعد فوقها إلى العلا ، الرب يدين الشعوب ، اقض لي يا رب كحقي ، ومثل كمالي الذي فيّ ، لينته شر الأشرار ، وثبت الصديق ، فإن فاحص القلوب والكلى : الله البار ، ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب . الله قاض عادل ، وإله يسخط كل يوم ، إن لم يرجع يحدد سيفه : مد قوسه وهيأها، وسدد نحوه آلة الموت ، يجعل سهامه ملتهبة . هو ذا يمخض بالإثم ، حمل تعب ا ، وولد كذب ا ، كرى جُب ا حفره ، فسقط في الهوة

عدد الصفحات ٦٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ التي صنع ، يرجع تعبه على رأسه ، وعلى هامته يهبط ظلمه . أحمد الرب حسب بره ، وأرنم لاسم الرب العلي » ( المزمور 7 :1-17 ) . ولكن هل المزمور نبوءة تتعلق بالمسيح ، والجواب نعم ، فعلى قول الترنم في هذا المزمور : « اقض لي يا رب كحقي ، ومثل كمالي الذي فيّ » ،يعلق القديس جيروم فيقول : « لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلمات عن نف سه ، إنما هي بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط » (1) ،فهو يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح . ويؤكد ذلك فخري عطية في كتاب ( دراسات في المزامير ) فيقول عن هذا المزمور : « واضح أنه من مزامير البقية ، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح ، وفيه نسمع صوت البقية ، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة ، في أيام الضيق العظيمة » (2) . والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي « يا رب ، إلهي ، عليك توكلت ، خلصني من كل الذين يطردونني ونجني ... » وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه « إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس » . ثم يطلب الداعي من الله عونًا ؛ أن يرفعه إلى فوق ، في لحظة ضيقه « فعد فوقها إلى العلا » ، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به « ومجمع القبائل يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا » . (1) كتاب المزامير ، القمّص تادرس يعقوب ملطي ، ص 153.) (2) دراسات في سفر المزامير ، فخري عطية ، ص 118) ، نقلاً عن «دعوة الح ق بين المسيحية والإسلام».

عدد الصفحات ٦٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثم يذكر المزمور بأن الله « قاض عادل » فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا ؟ ثم يدعو الداعي في المزمور الله أن يثبت الصديق ، وأن ينتهي شر الأشرار ، ويؤكد لجوءه إلى الله ، مخلص القلوب المستقيمة . ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا . وقد جاء « مد قوسه وهيأها ، وسدد نحوه آلة الموت » ( القبلة الآثمة ) « ويجعل سهامه ملتهبة » . ولكن حصل أمر عظيم ، لقد انقلب السحر على الساحر ، « هو ذا يمخض بالإثم ، حمل تعب ا ، وولد كذب ا ، كَرَى جُب ا ، حفره فسقط في الهوة التي صنع ، يرجع تعبه على رأسه ، وعلى هامته يهبط ظلمه » لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح ، ونجا المسيح من مجمع القبائل إلى العلا . لقد تحقق في يهوذا سنة الله وعادته في عقوبة الخائنين « من يحفر حفرة يسقط فيها ، ومن يدحر حجر ا يرجع عليه » ( الأمثال26 :27 ) . وفي موضع آخر : « الشرير تأخذه آثامه ، وبحبال خطيته يمسك ، إنه يموت من عدم الأدب ، وبفرط حمقه يتهور » ( الأمثال5 :22-23 ) . و سفر الجامعة : « من يحفر هوة يقع فيها ، ومن ينقض جدار ا تلدغه حية » ( الجامعة10 :8 ) . وهذا ما أسفر عنه المزمور التاسع بوضوح حين قال : « لأنك أقمت حقي ودعواي ، جلست على الكرسي قاضي ا عادلا ، انتهرت الأمم ، أهلكت الشرير .. تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها ، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم ، معروف هو الرب قضاء أمضى : الشرير يعلق بعمل يده » ( المزمور9 :4-16) ، فهل

عدد الصفحات ٦٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تراه علق يهوذا بشرِّ يديه أم نجا من قانون الله وقضائه ، وأفلت من الشبكة التي نصبها للمسيح ؟ ثم ينتهي المزمور بحمد الله على هذه العاقبة « أحمد الرب حسب بره ، وأرنم لاسم الرب العلي » ،وهكذا نرى في هذا المزمور صورة واضحة لما حصل في ذلك اليوم ، حيث نجى الله عز وجل نبيه ، وأهلك يهوذا . ولا مخرج للنصارى إزاء هذا النص إلا إنكاره ، أو الت سليم له ، والقول بأن المسيح له ظلم ، وله إثم ، وأنه ذاق ما كان يستحقه ، وأن الله عادل ؛ بقضائه قتل المسيح ، وأن ذلك أعدل وأفضل من القول بنجاته ؛ وصلبِ يهوذا الظالم الآثم ، جزاءً لفعله وخيانته ، وإلا فعليهم الرجوع إلى معتقد المسلمين ؛ بأن النص نبوءة عن يهوذا الخائن . وفيه : « ليستجب لك الرب في يوم الضيق . ليرفعك اسم إله يعقوب ، ليرسل لك عون ا من قدسه ، ومن صهيون ليعضدك ، ليذكر كل تقدماتك ، وليستسمن محرقاتك ، سلاه ، ليعطك حسب قلبك ، ويتمم كل رأيك ، نترنم بخلاصك ، وباسم إلهنا نرفع رايتنا ، ليكمل الرب كل سؤلك . الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه ، يستجيبه من سماء قدسه ، بجبروت خلاص يمينه ، هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل ، أما نحن : فاسم الرب إلهنا نذكره. هم جثوا وسقطوا ، أما نحن فقمنا وانتص بنا ، يارب خلص ، ليستجيب لنا الملك في يوم دعائنا » ( المزمور20 :1-9) .

عدد الصفحات ٦٥