المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ٣ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وينفرد أحد الإنجيليين بذكر حوادث قد تكون مهمة ، ومع ذلك أ غفلها الآخرون ، وقد يتبادر للذهن لأول وهلة أن ذلك يرجع لنظرية تكامل الروايات التي لا تعتبر زيادات البعض في روايتهم ضربً ا من التناقض والتعارض . وهذا ليس بصحيح ، إذ معرفتنا البسيطة بتدوين الإنجيل وتاريخه ت نبئنا بأن الإنجيليين اعتمد اللاحق فيهم على السابق ، فإغفال اللاحق لبعض ما ذكره سلفه ، إنما يرجع لتشككه في جدوى الرواية ، أو صحتها ، أو تناسقها مع المعتقد ، وهو ما يقال أيضً ا في الإضافة التي قرر المتأخر زيادتها عن السابق . ولعل مما يوضح الصورة ويجليها نقل مقدمة لوقا الذي يقول : « رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كـل شـيء مـن الأول بتـدقيق .. لتعـرف صـحة الكـلام الـذي عُلِّمـتَ بـه » ( لوقا1 :3-4 ) ، فهو ينقل عن السابقين له بتدقيق وإمعان في رواياتهم ، وما يدعه مـن مروياتهم إنما تركه لعدم وثوقه بهذه الروايات . وقد انفرد بعض الإنجيليين بذكر أحداث مهمة تثير أسئلة استفهام ك بيرة ، تبحث عن إجابة ، ومن هذه الأمور التي انفرد بها أحد الإنجيليين : انفرد لوقا فذكر في وصف ليلة القبض على المسيح أمورً ا لم يذكرها غيره ، ومنها : أنه بالغ في إظهار جزع المسيح ، حتى إن الله أيده بملاك يقويه ، وكأنه أوشك على الانهيار . يقول لوقا : « وظهر له من السماء ملاك يقويه ، وإذ كان في جهاد ، كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض » ( لوقا22 :43-44). وهاتان الفقرتان ـ رغم وجودهما في أكثر النسخ المتداولة ـ فإن المراجع القديمة تحذفهما ، كما نقل أحمد عبد الوهاب عن جورج كيرد مفسر إنجيل لوقا حيث يقول : « فإن هذا الحذف يمكن إرجاع سببه إلى فهم أحد الكتبة بأن صورة

عدد الصفحات ٣٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يسوع هنا قد اكتنفها الضعف البشري ، كان يتضارب مع اعتقاده في الابن الإلهي الذي شارك أباه في قدرته القاهرة » (1) . ولعل هذا ما دعا الإنجيليين إلى تجاهل هذا الوصف الدقيق ، بل إن يوحنا لم يذكر شيئً ا عن معاناة المسيح وآلامه تلك الليلة ، وذلك للسبب نفسه بالطبع . ولنــا أن نتســاءل كيــف عــرف لوقــا بنــزول المــلاك ؟ وكيــف شــاهد عرقــه وهــو يتصبب منه على هذه الكيفية ؛ كيف ذلك وجميع التلاميذ نيام كما وصفهم لوقا بعدها مباشرة بقوله : « ثم قام من الصلاة ، وجاء إلـى تلاميـذه ، فوجـدهم نيام ـ ا مـن الحـزن » ( لوقا22 :45 ) ؛ كما أن المسيح لم يكـن بجـوارهم ، فقـد كـان يصـلي بعيـدً ا عـنهم « انفصل عنهم نحو رمية حجر ، وجثا على ركبتيه وصلى » ( لوقا22 :41 ) . ذكر الإنجيليون ضرب أحد التلاميذ لعبد رئيس الكهنة بالسيف ، وأنه قطع أذنه ، وتتكامل الروايات ، فيذكر يوحنا أن اسم العبد ملخس ، وأن الأذن هي اليمنى ، فيما لم يحدد متى ومرقس اسم الضارب ، كما لم يحددا الأذن المضروبة . لكن أحدً ا منهم ـ سوى لوقا الغائب حينذاك ـ لم يذكر أن المسيح أبرأ أذن العبد وردّها ، وهي ولاشك معجزة كبيرة ستترك أثرً ا في تلك الجموع الكافرة .. « فأجاب يسوع : دعوا إليّ هذا ، ولمس أذنه وأبرأها » ( لوقا22 :51 ) ، ولم يذكر لوقا أي ردة فعل للجند والجموع تجاه هذه المعجزة الباهرة . وكأن شيئً ا لم يكن . كمــا انفــرد مــرقس بواحــدة أخــرى ، وهــي : قصــة الشــاب الــذي هــرب مــن الشــبان ، فأمســــكوا بــــإزاره الــــذي يلبســــه علــــى عــــري ، فــــترك الإزار ، وهــــرب مــــنهم عريانًــــا (1) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص140-143) ، وانظر حاشية النص في الترجمة العربية المشتركة.

عدد الصفحات ٣٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ( انظر : مرقس 14 :51-52) . وأيضًــ ا انفــرد يوحنــا بــأن المســيح طلــب مــن الجنــد أن يــدعوا تلاميــذه يهربــون . ( انظر : يوحنا 18 :8 ) مع أن أحدًا لم يتعـرض لتلاميـذه ، لكـن يوحنـا يريـد بـذلك أن يحقق نبوءة توراتية ، فقد قال بعدها « ليتم القول الذي قاله : إن الذين أعطيتني لم أهلـك منهم أحد ا » ( يوحنا18 :9 ) . وانفرد يوحنا عن بقية الإنجيليين ، فذكر أن الجند لما همّوا بالقبض على يسوع، وقعوا على الأرض ، يقول يوحنا : « فلما قال لهم : إني أنا هو رجعوا إلى الوراء ، وسقطوا على الأرض » (يوحنا 18 :6 ) ، ولم يذكر هذا الخبر ـ على أهميته ـ غيره ، فما الذي أخاف الجنود حتى سقطوا ؟ إنه خوفهم من الملائكة الذين حموا المسيح ، فذاك الذي سبب لهم هذا السقوط ، كما في النبوءة التوراتية : « لا يلاقيك شر ، ولا تدنو ضربة من خيمتك ، لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك ، على الأيدي يحملونك ، لئلا تصطدم بحجر رجلك » (المزمور 109 :14-16) . وانفرديوحنا فذكر ذهاب الجند بالمسيح إلى حنان حما رئيس الكهنة قيافا ، ثم أخذه بعدها إلى قيافا الكاهن . ( انظر يوحنا 18 :12-13 ) . وانفــرد لوقــا بــذكر إرســال بــيلاطس المســيح إلــى هيــرودس حــاكم الجليــل ( انظــر لوقــا 23 :8 ) ، مــع أن هيــردوس مــات قبــل ذلــك بكثيــر ، وذلــك إبــان طفولــة المسيح، يقول متى : « فلما مات هيردوس إذا ملاك الرب قد ظهـر في حلـم ليوسـف مصر قائلا : قم وخذ الصبي وأمـه ، واذهـب إلـى أرض إسـرائيل ، ولكـن لمـا سـمع أن ارخيلاوس يملك على اليهودية عوض ا عن هيرودس أبيه .. » ( متى2 :19-20 ) .

عدد الصفحات ٣٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فلو صدق متى في خبر وفاة هيرودس زمن طفولة المسيح فإن لوقا حينذاك من الكاذبين رغم تتبعه لكل شيء بتدقيق . والذي دعاه لإ حضار هيرودس من الموت ـ كما يرى مفسر إنجيل لوقا جورج كيرد ـ : أنه أراد أن يشرك ملكً ا آخر مع بيلاطس، ليحقق نبوءة المزمور الثاني ، وفيه « قام ملوك الأرض ، وتآمر الرؤساء مع ا على الرب ، وعلى مسيحه » (المزمور 2 :2)(1). وانفرد متى فذكر عجائب حصلت والمسيح على الصليب في اللحظة التي فارق فيها الحياة ، فيقول : « وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا لكثيرين » ( متى 27 :51-53 ) ، فهذه الأعاجيب ينفرد بها دون س ائر الإنجيليين والمؤرخين ومنهم لوقا المتتبع بالتدقيق لكل شيء . ولو صح مثل هذا لكان من أعظم أعاجيب المسيح ، ولحرص الجميع على ذكره ، لذا فهو إلى الكذب أقرب ، يقول أندريوس نورتن (ت 1853م ( حامي الإنجيل ) : « هذه الحكاية كاذبة ، والغالب أن أمثال هذه الحكاية ك انت رائجة في اليهود ، بعدما صارت أورشليم خرابً ا ، فلعل أحدً ا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى ، وأدخلها الك تاب في المتن ، وهذا المتن وقع في يد المترجم ، فترجمها على حسبه »(2). وقد نقلت هذه الأخبار عن الأساطير القديمة ، يقول المفسر جورج كيرد في تفسيره (ص : 253) : « كان الشائع قديمًا أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر (1) انظر: المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (162 – 163.) (2) The Evidences of the Genuineness of the Gospels . Andrews Norton.pp 442‏. ‏

عدد الصفحات ٣٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ سوء ، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان بسبب تعاسته » . ويقول المفسردنيس نينهام في تفسيره (ص : 427) : « لقد قيل : إن مثل تلك النذر ل وحِظ تْ عند موت بعض الأحبار الكبار ، وبعض الشخصيات الع ظيمة في العصور القديمة والوثنية ، وخاصة عند موت يوليوس قيصر » . ويقول المفسر جون فنتون في تفسيره ( ص : 444 )مبررً ا إضافاته في القصة : «لقد كان قصد متى من هذه الأحداث الخرافية أن يبين أن موت يسوع كان عملاً من صنع الله » (1). ومما يدل على كذب كاتب إنجيل متى في هذه الزيادة ، أن نتأمل أثر ظهور هذه العجائب في الأحداث التالية ، فلو وقع ما ذكره متى لما تجرأ اليهود على الرجوع إلى بيلاطس ، وطلب حراسة القبر ، ولو وقعت هذه الأحداث الخرافية لما تجاسر قيافا أن يصف المسيح وقتئذ بالمضل ، ولانتقم منهم بيلاطس ، بل وعامة اليهود ، ولآمن كثيرون بالمسيح ، كما آمن كثيرون في أعجوبة أقل من ذلك ، حين نزل روح القدس على التلاميذ ، فآمن ثلاثة آلاف شخص . ( انظر أعمال 2 :40-41) ، وما ذكره متى من عجائب تزامنت مع موت المسيح أعظم من ذلك . ثم ماذا عن هؤلاء الأموات ؟ هل عادوا بأكفانهم ؛ أم حفاة عراة ؟ ومع م ن تكلموا ؟ هل كان خروجهم حزنً ا عليه أم نصرة له ؛ أم فرحً ا به ؟ ثم كم عاشوا ؟ وكيف ماتوا ؟ ومتى ؟ وانفرد يوحنا بذكر وجوده إلى جوار المسيح ، وأم المسيح معه وقت الصلب ( يوحنا 19 :25-26) ، وأمر كهذا لا يتصور أن تغفله الأناجيل لو كان حقً ا ، كما لا (1) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الـرحمن بـاجي البغـدادي ، ص441-447) ، المسـيحية الحقــة التــي جــاء بهــا المســيح ، عــلاء أبــو بكــر ، ص ( 264 ،300 – 301 )، المســيح في مصــادر العقائــد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (174.)

عدد الصفحات ٣٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يمكن تصور أن الجند يسمحون لذوي المسيح من الاقتراب منه وهو على الصليب ، وهم الذين أنكر بطرس بين أيديهم معرفة المسيح ثلاث مرات ، لخوفه من بطشهم . وعند التأمل في الروايات الإنجيلية في جزئيات كثيرة اجتمع عليها الإنجيليون ـ أو بعضهم ـ نجد أن في الروايات خللاً وحلقات مفقودة لا يمكن تجاوزها ، علاوة على ما في الروايات من تهافت في المعنى . وفي كثير من هذه الملاحظات لا يمكن للنصارى الخروج منها ، إلا بالتسليم بأن المصلوب ليس المسيح ، أو بالتسليم بأن الروايات بشرية الوضع ، غير محبوكة الصنعة . ومنها : تتحدث الأناجيل عن دور يهوذا في خيانة المسيح بعد أن صحب المسيح وكان من خاصته ، بل أحد تلاميذه الاثني عشر ، فكيف حصل هذا التغير المفاجىء ؟ إن وقوع الانحراف بين البشر غير م ستبعد ، ولكن الرواية الإنجيلية تجعل المسيح ـ وهو الذي أرسله الله لهداية البشر ـ ، تجعله سببً ا في غواية يهوذا . فقد سأل التلاميذ معلمهم المسيح عن الخائن ، فأجابهم المسيح ـ كما يزعم يوحنا ـ : « الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه ، فغمس اللقمة ، وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي ، فبعد اللقمة دخله الشيطان ، فقال له يسوع : ما أنت تعمله ، فاعمله بسرعة أكثر » ( يوحنا 13 :26-27 ) ، فقد جعل النص المسيح ولقمته التي دفعها ليهوذا سببً ا في ضلالة يهوذا وخيانته . ثم كيف لم يستطع يهوذا أن يخرج الشياطين من نفسه ، وهو أحد الذين قال

عدد الصفحات ٣٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لهم المسيح : « اشفوا مرضى ، طهروا برص ا ، أقيموا موتى ، أخرجوا شياطين » ( متى 10 :8 ) . وعلى الرغم من أهمية شخصية يهوذا فإن أحدًا من أصحاب الأناجيل ـ سوى متى ـ لم يذكر شيئً ا عن موته ، وقد اختار له متَّى ميتة سريعة سبقت حتى موت المسيح، وكأنه بذلك أراد أن يتخلص من الشخصية الغريبة ، والتي اختفت منذ تلك الفترة . ( انظر متى 27 :3-7 ) ، وقارن مع ( أعمال 1 :18 ) . وتناقض الروايتين وسكوت بقية الأناجيل يرجع لاختفاء يهوذا عن مسرح الأحداث في تلك الليلة التي قبض عليه فيها بدل المسيح . وهنا سؤال آخر يطرح نفسه : كيف جهل رؤساء الكهنة شخص المسيح حتى احتاجوا إلى من يدلهم عليه مقابل ثلاثين من الفضة ؛ كيف ذلك وهو الذي كان في الهيكل يعلم كل يوم . ( انظر : لوقا 22 :52 ) . وتذكر الأناجيل أن المسيح في ليلة الصلب تضرع إلى الله يدعوه أن يصرف عنه كأس الموت ، فأين كان التلاميذ في تلك اللحظات العصيبة ؟ لقد كانوا مع المسيح في البستان ، لكنهم كانوا نيامً ا كما وصفهم لوقا بقوله : « ثم قام من الصلاة ، وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نيام ا من الحزن » ( لوقا22 :45 ) ، لكن المعهود في البشر أنهم إذا خافوا طار النوم وعزّ ، وهو ما يؤكده علماء النفس ، ومرده فرز الغدة الكظرية لهرمون الأدرينالين في مجرى الدم ، فيتعقب النوم ويطارده ، إذً ا كيف نام هؤلاء من الخوف !؟ ومن التنافر في رواية الصلب أيضً ا ما جاء في مرقس أن المسيح جاء إلى التلاميذ فوجدهم نيامً ا فقال : « ناموا الآن واستريحوا . يكفى . قد أتت الساعة . هو ذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ، قوموا لنذهب ، هوذا الذي يسلمني قد اقترب » ( مرقس14 :41 ) فكيف يتوافق قوله : « ناموا الآن وا ستريحوا » مع قوله في تمام

عدد الصفحات ٤٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الجملة : « قوموا لنذهب » ؟ وكيف يطلب الهرب وهو يعرف أنه سيؤخذ ويصلب ؟ كيف يهرب وهو ـ كما زعموا ـ تجسد ليصلب ! ؟ ومن التنافر في الرواية الإنجيلية أن إ نجيل يوحنا ي ظهر الحكم على المسيح ، وكأنه حكم إلهي نزل على رئيس الكهنة قيافا ، وليس حكمً ا صادرً ا من مجمع للظّل مة يقول يوحنا : « فقال لهم واحد منهم . وهو قيافا كان رئيس ا للكهنة في تلك السنة : أنتم لستم تعرفون شيئ ا ، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ، ولا نُهلك الأمة كلها ، ولم يقل هذا من نفسه ، بل إذ كان رئيس ا للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة ، وليس عن الأمة فقط ، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد » ( يوحنا11 :49-52 ) . فالنص يصف قيافا بالنبوة ، وبأنه عرف بالنبوة أن المسيح يموت عن الشعب ، فكيف يصح هذا ؟ وهو الذي حكم ظلمً ا على المسيح بالموت ، كيف وهو أحد الظلمة الذين قال لهم المسيح : « ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة » ( لوقا22 : 53 ) . كيف يأمر نبي بقتل نبي ، فلو صحت نبوته لكان حكمه ردة ، أو يكون قد حكم على غير المسيح . وفي محاولة للتبرير قال يوحنا فم الذهب : « إن روح القدس حرك لسان قيافا ، لا قلبه ، على أن قيافا لم يخط ضد الإيمان ، بل ضد العدل والتقوى » (1) . وما اللسان إلا ترجمان للقلب ، وإذا كان روح القدس هو الذي حرك قيافا ، (1) انظــر : الفــارق بــين المخلــوق والخــالق ، عبــد الــرحمن بــاجي البغــدادي ، ص 379-383 ،513) ، وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (751.)

عدد الصفحات ٤١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فلم كان قيافا خاطئً ا ضد العدل والتقوى . وقد تعارض قيافا في فهمه لعموم الفداء وخصوصه ، فهو يفهم أن موت المسيح فداء لبني إسرائيل ، بينما يوحنا في رسالته الأولى يقول : « هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط ، بل لخطايا كل العالم أيض ا » (1 يوحنا 2 :2 ) . وتذكر الأناجيل أن الجميع وقف ضد المسيح ، وليس رؤساء الكهنة فحسب ، بل حتى الجماهير كانت تنادي على بيلاطس وتقول : « اصلبه ، اصلبه » وترفض إطلاقه ، وتود إطلاق المجرم باراباس « كان بيلاطس يطلب أن يطلقه ، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين : إن أطلقت هذا فلست محب ا لقيصر ، كل من يجعل نفسه ملك ا يقاوم قيصر » ( يوحنا19 :12 ) ، ويقول مرقس : « فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس . فصرخوا أيض ا : اصلبه .. فازدادوا جد ا صراخ ا : اصلبه ، فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم .. » ( مرقس15 :11-15) . فــأين الجمــوع التــي شــفاها المســيح مــن الــبرص والعمــى وغيــره والتــي تعــد بالألوف؟ أين أولئك الذين استقبلوه وهو يدخل أورشليم راكبً ا على الجحش والأتان معً ا ؟ أين أولئك « الجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق ، وآخرون قطعوا أغصان ا مـن الشجر ، وفرشوها في الطريق ، والجموع الذين تقدموا ، والذين تبعوا كـانوا يصـرخون قائلين : أوصنّ ا لابن داود .. ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة : مَن هذا ؟» ( متى21 :8-10 ) . أين ذهب هؤلاء ؟ بل أين ذهب أصحاب المروءة والشهامة ، وهم يرون المسيح يصفع ويضرب على غير ذنب أو جريرة ؟ ذكر مرقس قصة الرجل الذي هرب عريانً ا فقال : « تبعه شـاب لابس ـ ا إزار ا علـى

عدد الصفحات ٤٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ عريه » (مرقس14 :52 ) ، ويدل هذا على أن قصة الصلب حصلت في شهور الصـيف ، وممــا يؤيــد ذلــك أن الفصــح عنــد اليهــود ـ حيــث حصــلت حادثــة الصــلب ـ يكــون في شهر نيسان . لكن يوحنا يذكر ما يفيد أن القصة حصلت في شهور الشتاء ، فقد وقف بطرس يوم محاكمة المصلوب ، يحتمي من البرد بالنار ، يقول يوحنا : « وسمعان بطرس كان واقف ا يصطلي » ( يوحنا18 :25 ) ، فجمع الإنجيليون الصيف والشتاء في يوم واحد . ثم إن بطرس ـ الذي يحتل في المسيحية مكانً ا بارزً ا ، وجعلت الأناجيل بيده مفاتيح السماوات والأرض ـ أنكر المسيح في تلك الليلة ثلاث مرات ، وأضاف إلى الإنكار ح لفً ا ولعنً ا ، لم تجرؤ أقلام الإنجيليين على بيان ذاك الذي لعنه بطرس ، لكن لا يحتاج القارئ إلى كثير فطنة ليدرك أنه كان يلعن المقبوض عليه ، ويبرأ منه ومن معرفته ، فهل كان يلعن سيده المسيح أم المصلوب الخائن ؟ وهذا الحلف واللعن سقوط لا يتفق مع خصوصية بطرس الذي كان ينبغي أن يكون مثالاً للثبات والقوة ، فقد قال له المسيح : « ولكني طلبت من أجلك ، لكي لا يفنى إيمانك ، وأنت متى رجعت ، ثبت إخوانك » ( لوقا22 :32 ) . كما أن الحلف منهي عنه عند النصارى ، فكيف حلف بطرس ، والمسيح قد علمهم : « لا تحلفوا البتة .. ، بل ليكن كلامكم : نعم نعم ، لا لا ، وما زاد على ذلك فهو شر » ( متى5 :34-37 ) . وعليه فبطرس شرير ، حلف كاذبً ا ، والتوراة تقول : « .. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا » (الخروج20 :7 ) ، و « لا تحلف باسمي للكذب ، فتدنس اسم إلهك ، أنا الرب » ( اللاويين 19 :12) وخروج بطرس عن هذه الأحكام يجعله ملعونً ا « ملعون من يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها » ( التثنية27 :26 ) .

عدد الصفحات ٤٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولا يمكن أن يصدر هذا الحلف واللعن من بطرس ، فلا يمكن أن يهون عليه نبيه ومعلمه إلى هذا الحد ، ولو فعل ذلك لما كان مستحقً ا لاسم الإيمان ، فضلاً عن المعجزات والخصائص المذكورة له في الأناجيل ، وعليه فإن بطرس كان صادقً ا محقً ا في حلفه ولعنه ، إذ الملعون هو المصلوب ، وهو ليس المسيح ، بل غيره ، وهو مستحق للإنكار واللعن . وت ظهر الأناجيل المسيح على الصليب غايـة في الضـعف والهـوان ، يسـتجديهم المـاء وهو يـرى شـماتتهم ، ثـم ي سـمعهم صـراخه ... ولا يتطـابق هـذا مـع مـا ع ـرف عـن شخصـية المسيح القوية ، والتي تحدى فيها اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه . (انظـر يوحنـا7 :23)، أو المسيح الذي دخل الهيكل فطرد الصيارفة ( انظر مرقس 11 :15 ) ، وصـام أربعـين يومًـا قبل من غير أن يشكو جوعً ا أو عطشً ا . ( انظر متى 4 :2 ) . فلم كل هذا الجزع ، وممن ؟ من المسيح الذي يدعون ألوهيته !! كيف يصدر هذا الخور منه وهو القائل لتلاميذه : « لا تضطرب قلوبكم ، ولا ترهب ، سمعتم أني قلت لكم : أنا أذهب ثم آتي إليكم ، لو كنتم تحبون ني لكنتم تفرحون ، لأني قلت : أمضي إلى الآب » ( يوحنا12 :27-28 ) . ويذكر الإنجيليون قيامه المسيح بعد الموت ، وهذه أحد أكثر موضوعات الأناجيل إثارة ، لما في رواياتها من تناقض وتنافر . فلم ظهر المسيح لتلاميذه ولم يظهر لأعدائه ؛ فهذا أظهر لحجته ، وأدعى للإيمان به ، كما نتساءل عن موقف الكهنة وقد علموا من الحراس بخروج المسيح من القبر ، كيف سكتوا عن ذلك ، إن الأناجيل لا تذكر أنهم حركوا ساكنً ا ، وكأن الأمر لا يعنيهم . وأنبه هنا إلى أن إنكار قيامة المسيح قديم ، فهاهم أهل باغوس يحدثهم بولس

عدد الصفحات ٤٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ « ولما سمعوا بالقيامة منالأموات كان البعض يستهزئون ، والبعض يقولون سنسمع منك عن هذا أيض ا » ( أعمال17 :32 ) . وقد قدم بولس للمحاكمة بسبب هذا القول الغريب الذي يشيعه بين الناس « فلما وقف المشتكون حوله لم يأتوا بعلّة واحدة مما كنتأظن ، لكن كان لهم عليه مسائل من جهة ديانتهم وعن واحد اسمه يسوع قد مات ، وكان بولس يقول : إنه حيّ » ( أعمال25 :18-19) . فلو كان أمر قيامة المسيح معلومً ا مشهورً ا لما رفضها المؤمنون ولا استهزأ بخبرها المعاصرون . ومما يدل على عدم صح ة هذه القصة جهل تلاميذ المسيح بها « لأنهم لم يكونوا بعدُ يعرفون الكتاب ، أنه ينبغي أن يقوم من الأموات » ( يوحنا20 :9 ) ، وعليه فإن فكرة سرقة الجسد من القبر كان إشاعة قديمة لتبرير القيامة . ومن الأدلة على كذب القيامة : وجود المسيح وظهوره ، فوجوده دليل على أنه لم يمت ، لأن التوراة تقول : « السحاب يضمحل ويزول ، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد » ( أيوب7 :9 ) ، والهاوية هي الموت ، ولو كان المسيح قد مات لا يرونه بعد لأنه قال : « لأني ذاهب إلى أبي ، ولا ترونني أيض ا » ( يوحنا16 :1 ) ويؤكد هذا قوله : « الحق الحق أقول لكم : إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه : مبارك الآتي باسم الرب » ( لوقا13 :5) . وهكذا ومن خلال هذا كله يتبين لنا أن الروايات الإنجيلية أقل بكثير من أن تصلح للاعتبار في مسألة مهمة كهذه ، إذ هي عمل بشري ممتلئ بسائر أنواع الضعف البشري من خطأ وغلط واختلاق .

عدد الصفحات ٤٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ٤٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يدعي النصارى أن المسلمين بقولهم بنجاة المسيح من الصلب ينكرون حقيقة تاريخية أجمع عليها اليهود والنصارى الذين عاصروا صلب المسيح ومن بعدهم . فكيف لنبي الإسلام وأتباعه الذين جاءوا بعد ستة قرون من الحادثة أن ينكروا صلب المسيح ؟ ! قد يبدو الاعتراض النصراني وجيهً ا لأول وهلة ، لكن عند التأمل في شهادة الشهود تبين لنا تناقضها وتفكك رواياتهم . ولدى الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب ، وم ن المصلوب فيها ؟ يتبين أمور مهمة : أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح ، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق مسيحية كثيرة أنكرت الصلب، ومن أهمها الفرق الغنوصية التي كانت تعتقد بأن المسيح لا يملك جسدًا حقيقيًا ، لأنه يليق به ذلك، فالجسد سجن للروح، ولذلك ينزهونه عن الجسد المادي، ويتعاملون مع جسده على أنه شبح مرئي. وهذه الفرق هي : الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية ، والتايتانيسيون والفلنطانيائية والهرمسيون . وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح ، إذ يرجع بعضها للق رن الميلادي الأول ففي كتابه ( الهرطقات مع دحضها ) ذكر القديس الكاثوليكي الفونسو ماريا دي ليكوري أسقف سانت أجاثي (ت 1787م أن من بدع القرن الأول قول فلوري : إن

عدد الصفحات ٤٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ المسيح قوة غير هيولية ، وكان يتشح ما شاء من الهيئات ، ولذا لما أراد اليهود صلبه ؛ أخذ صورة سمعان القروي ، وأعطاه صورته ، فصلب سمعان ، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور ، وصعد إلى السماء (1) . ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثا ، حيث يقول المفسر جون فنتون شارح متى (ص : 440 ) : « إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلاً من يسوع »(2) ، وكان ال قديس أيريناوس قد ذكر هذه الطائفة، وأسماها «العارفون»(3). وقدنقل أوريجانوس تقليدً ا شائعً ا في عهده بأن يسوع كان يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء ، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قبلة يهوذا الخائن ؛ وإلا فإن المسيح كان معروفً ا لدى عموم أهل أورشليم (4) . ولعل أهم هذه الفرقالمنكرة لصلب المسيح الباسيليديون ؛ الذين نقل عنهم سيوس في ( عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية ) والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح ، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني (سيمون السيرناي )، يقول باسيليوس الباسليدي : « إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح » . وكذلك قالت طوائف الغنوصيين في القرن الميلادي الثاني بأن يسوع «نجا من (1 )الهرطقات مع دحضها، الفونسو ليكوري، ص17.) (2) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص273 ،274) ، وتاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/207) ، وقاموس الكتاب المقدس ، ص1112.) (3) انظرضد الهرطقات، القديس إيريناوس (1/108،113) (4) انظر : دائرة المعارف الكتابية1/40-41 .)

عدد الصفحات ٤٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الموت، وحل محله يوداس أو سيمون قبل صلبه»(1). ولعل هؤلاء المنكرين لصلب المسيح قديمً ا هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال : « الخياليون يقولون : إن المسيح لم يصلب ، وإنما صلب رجل آخر مكانه»(2) . ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلاً عنه : الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون . يقول جورج سايل : إن السيرنثيين والكربوكراتيين ، وهما من أقدم فرق النصارى ، قالوا : إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل ، وإنما صلب واحد من تلاميذه ، يشبهه شبهً ا تامً ا ، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصً ا آخر صلب بدلاً من المسيح . وثمة فِرق نصرانية غنوصية قالت بأن المسيح نجا من الصلب ، وأنه رفع إلى السماء ، ومنهم الدوستية والمرسيونية والفلنطنيائية . وهذه الفرق الثلاث تعتقد صورة من الألوهية في المسيح ، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية (3). وقد استمر إنكار صلب المسيح ، فكان من المنكرين الراهب تيودورس ( 560م ) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص ( 610م ) وغيرهم . (1) أسطورة تجسد المسيح ، البرفسور جون هِك ورفاقه، ص 61.) (2) أقانيم النصارى ، أحمد حجازي السقا ، ص 75) ، الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي ، ص (465-466) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503) ، عقيدة الصلب والفداء ، محمد رشيد رضا ، ص (101.) (3) انظر : الفارق بين المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص465) ، قصص الأنبياء ، عبد الوهاب النجار ، ص (503.)

عدد الصفحات ٤٩