هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ م ن الذي ذهب للقبض على يسوع ؟ يقول متى : « جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب » ( متى26 :52 ) ، وزاد مرقس بأن ذكر أن من الجمع الكتبة والشيوخ ( انظر مرقس 14 :43 ) ، فيما ذكر يوحنا أن الآتين هم جند الرومان وخدم من عند رؤساء الكهنة ( انظر يوحنا 18 :3 ) ولم يذكر أي من الثلاثة مجيء رؤساء الكهنة ، ولو كانوا قد حضروا لما صح إغفال ذكرهم مع الحاضرين ، فهم ليسوا أقل أهمية من الكتبة والشيوخ والدهماء . ولكن لوقا ذكر أن رؤساء الكهنة جاءوا بأنفسهم للقبض على المسيح إذ يقول : « قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه » ( لوقا22 :52 ) فالتناقض بين لوقا والباقين ظاهر . وتذكر الأناجيل محاكمة المسيح في مجمع اليهود ، وتتفق في وصف الكثير مما جرى في أثناء المحاكمة ، كاستفسار كبير الكهنة عن شخص الماثل بين يديه ، وإجابته له أن ابن الإنسان عن يمين قوة الله ، وأنه سوف يأتي في سحاب السماء . ( انظر لوقا 22 :67-69 ، ومرقس 14 :61-63 ، ومتى 26 :63-64) . ولكنهم اختلفوا في موعد هذه الجلسة من جلسات المحاكمة ، إذ يجعلها لوقا صباح الليلة التي قبض عليه فيها فيقول : « ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة ، وأَصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح فقل لنا ؟ ... » ( لوقا22 :66-67 ) . وأماالإنجيليون الثلاثة فإنهم يجعلون هذه المحاكمة في ليلة القبض عليه ،
عدد الصفحات ١٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فيقول مرقس : « فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة ، فاجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة ... » ( مرقس14 :53 ( ) وانظر : متى 26 :57 ، ويوحنا 18 :3 ) . وتبع بطرس المسيحمن بعيد ليرى محاكمته ، وقد أخبره المسيح بأنه سينكره في تلك الليلة ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين حسب مرقس « قبلأن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات » (مرقس14 :72 ) وم رةً حسب الثلاثة ، يقول لوقا : « قبلأن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات » (لوقا22 :60 )( انظر : متى 26 :74 ، يوحنا 18 :27 ) وقد ذكر الثلاثة خلال القصة صياحًا واحدً ا فقط ، خلافً ا لما زعمه مرقس ، فقد ذكر صياحين للديك . وأثناء متابعة بطرس للمحاكمة تعرف بعض الموجودين في المحاكمة عليه ، وعرفوا أنه من أتباع المسيح ، مما اضطر بطرس لإنكار ذلك ثلاث مرات . وتتفق الأناجيل في أنه تعرفت عليه في المرة الأولى جارية ، وتختلف في تحديد المكان الذي تعرفوا فيه على بطرس ، فيذكر متى ويوحنا أنه كان حينذاك خارج الدار « وأما بطرس فكان جالسا خارج ا في الدار . فجاءت إليه جارية قائلة : وأنت كنت مع يسوع الجليلي » ( متى 26 :69 ، 75) . وذكر مرقس ولوقا أنه كان داخل الدار يستدفئ من البرد ، يقول مرقس : « بينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة . فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت : وأنت كنت مع يسوع الناصري » (مرقس14 :66) ، وفي لوقا : « ولماأضرموا نار ا في وسط الدار وجلسوا مع ا جلس بطرس بينهم . فرأته جارية
عدد الصفحات ١٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ جالس ا عند النار ، فتفرست فيه وقالت : وهذا كان معه .. » ( لوقا22 :55-56 ) ، فهل كان بطرس داخل الدار أم خارجها ؟ كما نلحظ اختلافً ا ثانيً ا بين الأناجيل في الفعل الذي كان يصنعه بطرس حين تعرفت الجارية علي ه ، فقد ذكر الإنجيليون الثلاثة أنه كان جالسً ا عند النار يستدفئ ، فخالفوا يوحنا الذي أخبرنا أن الجارية تعرفت عليه عند البوابة ، فهذه الجارية مسؤولة عن البوابة ، وقد صرح به يوحنا حين أخبرنا أن تلميذً ا من تلاميذ المسيح توسط لبطرس عند رئيس الكهنة ليدخله إلى الدار ، « فأدخل بطرس ، فقالت الجاريةُ البوابةُ لبطرس : ألست أنت أيض ا من تلاميذ هذا الإنسان ؟ » ( يوحنا18 :17) ، إذً ا اكتشف أمر بطرس عند البوابة ، خلافً ا لما ذكره الإنجيليون الثلاثة الذين أخبرونا بأنه كان جالسً ا عند النار . وأما المرة الثانية ، فقد تعرفت عليه حسب مرقس نفس الجارية التي تعرفت عليه في المرة الأولى ، يقول : « فرأته الجارية أيضا ، وابتدأت تقول للحاضرين : إن هذا منهم » ( مرقس14 :69) . ولكن حسب متى فإن الذي تعرف عليه جارية أخرى غير الأولـى « ثـم إذخـر إلــى الــدهليز رأتــه أخــرى فقالــت للــذين هنــاك : وهــذا كــان مــع يســوع الناصــري » ( متى26 :71 ) . ويخالفهما جميعً ا لوقا الذي ذكر أن الذي تعرف عليه هذه المرة رجل من الحضور وليس جارية ، فيقول : « وبعد قليل رآه آخر وقال : وأنت من هم ، فقال بطرس: يا إنسان ، لست أنا » (لوقا22 :58) . ويحاول يوحنا الخروج من الخلاف والجمع بين الأقوال المتناقضة للثلاثة الذين سبقوه ، فيستعير قصة الإنكار الثالث لبطرس حين أشار جمع إليه ، فيجعلها في
عدد الصفحات ٢٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الإنكار الثاني ، فيقول : « سمعان بطرس كان واقفا يصطلي ، فقالوا له : ألست أنت أيض ا من تلاميذه ؟ فأنكر ذاك ، وقال : لست أنا » (يوحنا18 :25) . وهذه الصيغة في التعرف على بطرس بواسطة الجموع ذكرها مرقس ومتى سياق الإنكار الثالث ، حيث يقول مرقس : « وبعد قليلأيض ا قال الحاضرون لبطرس: حق ا أنت منهم ، لأنك جليلي أيض ا ، ولغتك تشبه لغتهم . فابتدأ يلعن ويحلف : إني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه » (مرقس14 :70-71) . وكذا ذكرها متى في الإنكار الثالث ، فقال : « بعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس : حق ا أنت أيض ا منهم ، فإن لغتك تظهرك ، فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف : إني لا أعرف » ( متى26 :73-74) . وأما لوقا ويوحنا فجعلا المتعرف على بطرس هذه المرة ( الثالثة ) رجل واحد، وليس مجموعة من الموجودين في المحكمة ، يقول لوقا : « ولما مضى نحو ساعة واحدة أكّد آخر قائلا : بالحق إن هذا أيض ا كان معه ، لأنه جليلي أيض ا ، فقال بطرس : يا إنسان لست أعرف ما تقول » ( لوقا22 :59-60 ) . ويصادق على كلامه يوحنا ، فيذكر أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة « قال واحد من عبيد رئيس الكهنة ، وهو نسيب الذي قطع بطرس أذنه : أما رأيتك أنا معه في البستان ؟ فأنكر بطرس أيض ا » ( يوحنا18 :26 ) . فهل الذي تعرف على بطرس في المرة الثانية نفس الجارية ؟ أم جارية أخرى ؟ أم رجل ؟ وهل أنكر بطرس المسيح في المرة الثالثة بسبب تعرف الجمع على لهجته ؟ أم بسبب عبد رئيس الكهنة الذي رأى بطرس في البستان مع تلاميذ المسيح ؟ ويعترف بهذا التضارب بين الروايات الأب متى المسكين ، فيقول : « أقوال القديس لوقا اختلفت عن أقوال ال قديس مرقس في المضمون وأنواع الأفراد الذين
عدد الصفحات ٢١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تصدوا لبطرس وأسباب كل مرة » (1) . وصدر حكم بيلاطس بصلب المسيح ، وخرج به اليهود لتنفيـذ الحكـم ، وفيمـا هــم خــارجون لقــيهم رجــل يقــال لــه ســمعان ، فجعلــوه يحمــل صــليب المســيح يقــول مرقس : « ثمخرجوا لصلبه ، فسخروا رجلا مجتاز ا كان آتي ا من الحقل ، وهو سـمعان القيـــرواني أبـــو الكســـندروس وروفـــس ليحمـــل صـــليبه » ( مـــرقس15 :20-22 ) و انظر : متى 27 :32 ، لوقا 23 :26 ) . لكن يوحنا يخالفالإنجيليين الثلاثة ، فيجعل المسيح حاملاً لصليبه بدلاً من سمعان ، يقول يوحنا : « فأخذوا يسوع ومضوا به ، فخر وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له : الجمجمة » ( يوحنا19 :17) ، ولم يذكر يوحنا شيئً ا عن سمعان القيرواني ، فمن الذي حمل الصليب ، سمعان أم المسيح ؟ ويتحدث العهد الجديد عن نهايتين مختلفتين للتلميذ ال خائن يهوذا الأسخريوطي الذي خان المسيح ، وسعى في الدلالة عليه وتسليمه مقابل ثلاثين درهمً ا من الفضة ، فيقول متى : « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ ، قائلا : قد أخطأت ، إذ سلمت دم ا بريئ ا . فقالوا : ماذا علينا ؟ أنت أبصر . فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ، ثم مضى وخنق نفسه ، فأخذ رؤساء الكهنة الفضة ، وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم . فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء . لهذا سمي ذلك الحقل (1) الإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، ص705 .)
عدد الصفحات ٢٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حقل الدم إلى هذا اليوم » ( متى27 :2-5 ) . ولكن سفر أعمال الرسل يحكي نهاية أخرى ليهوذا وردت في سياق خطبة بطرس، حيث قال : « أيها الرجال اخوة ، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود عن يهوذا الذي صار دليلا للذين قبضوا على يسوع ، إذ كان معدود ا بيننا ، وصار له نصيب في هذه الخدمة ، فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلوم ا عند جميع سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » ( أعمال1 :16-20) . فقد اختلف النصان في جملة من الأمور : كيفية موت يهوذا ، فإما أن يكون قد خنق نفسه ومات « ثم مضى وخنق نفسه » ، وإما أن يكون قد مات بسقوطه ، حيث انشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه فمات « وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها » ، ولا يمكن أن يموت يهوذا مرتين ، كما لا يمكن أن يكون قد مات بالطريقتين معً ا ، ويجدر هنا أن نذكر أن المؤرخ الأسقف بابياس ( 155م ) ذكر أن يهوذا مات دهسً ا بعربة فانسكبت أحشاؤه! من الذي اشترى الحقل ، هل هو يهوذا « فإن هذا اقتنى حق من أجرة الظلم » ، أم الكهنة الذين أخذوا منه المال « فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري » ؟ هل مات يهوذا نادمً ا « لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم .. قد أخطأت ، إذ سلمت دم ا بريئ ا » أم معاقبًا بذنبه كما يظهر من كلام بطرس ؟ هل رد يهوذا المال للكهنة « وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ » ، أم أخذه واشترى به حقلاً « فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم » ؟
عدد الصفحات ٢٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ هل كان موت يهوذا قبل صلب المسيح وبعد المحاكمة « ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي ، حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه » أم أن ذلك كان فيما بعد ، حيث مضى واشترى حقلاً ثم مات في وقت الله أعلم متى كان ؟ هل سمي الحقل حقل دم لأنه كان ثمنً ا لدم المسيح « فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة ، لأنها ثمن دم ، فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء ، لهذا سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم » ، أم سمي بذلك لأن دم يهوذا قد سال فيه لما انشق بطنه « فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم ، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط ، فانسكبت أحشاؤه كلها ، وصار ذلك معلوم ا عند جميع سكان أورشليم ، حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما ، أي حقل دم » . وتتحدث الأناجيل عن تعليق المسيح على الصليب ، وأنه صلب بين لصين أحدهما عن يمينه ، والآخر عن يساره ، ويذكر متى ومرقس أن اللصين استهزءا بالمسيح ، يقول متى : « بذلكأيض ا كان اللصّان اللذان صلبا معه يعيّرانه » ( متى27 : 44 ، ومثله في مرقس 15 :32 ) . بينمــا ذكــر لوقــا بــأن أحــدهما اســتهزء بــه ، بينمــا انتهــر ه الآخــر ، ولــم يوافقــه في استهزائه وسخريته بالمسيح ، يقول لوقا : « وكان واحد من المذنبين المعلقين يجـدف عليه قائلا : إن كنت أنت المسيح فخلّص نفسك وإيانا . فأجاب الآخر ، وانتهره قائلا : أولا تخاف الله .. فقال له يسوع : الحق أقول لك : إنك اليوم تكون معي في الفردوس » ( لوقا23 :39-43) .
عدد الصفحات ٢٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويحدثنا مرقس أن المسيح لما كان على الصليب صرخ يطلب الماء « فركض واحد ، وملأ إسفنجة خلا ، وجعلها على قصبة ، وسقاه قائلا : اتركوا ، لنر هل يأتي إيليا لينزله » ( مرقس15 :36) ، فقائل العبارة السابقة هو ذلك الذي سقى المسيح ، ويوجه خطابه للآخرين قائلاً : « اتركوا ، لنر هل يأتي إيليا لينزله » . وهذا وصف ناقضه فيه متى حيث كتب : « وللوقت ركض واحد منهم ، وأخذ إسفنجة ، وملأها خلا ، وجعلها على قصبة وسقاه . وأما الباقون فقالوا : اترك ، لنرى هل يأتي إيليا يخلّصه » (متى27 :48-49) ، فجعل القائل لتلك العبارة الآخرون ، فقد طلبوا من الذي يسقي المسيح أن يتركه « اترك » ، فمن القائل ؟ ومن المخاط ب؟. أما اللحظات الأخيرة في حياة المسيح فتذكرها الأناجيل ، وتختلف في وصف المسيح حينذاك ، فيصور متى ومرقس حاله حال اليائس القانط ينادي ويصرخ : « إلهي إلهي لماذا تركتني » ثم ي سلم الروح . ( متى 27 :46-50 ، ومرقس 15 :34-37 ) . وأما لوقا فيرى أن هذه النهاية تليق بالمسيح ، فيصوره بحال القوي الراضي بقضاء الله حيث قال : « يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، ولما قال هذا أسلم الروح » ( لوقا23 :46 ) . ويتجنب يوحنا وصف مشاعر المسيح دفعًا للحرج ، لكنه يسجل مقالة أخرى ينسبها إلى المسيح ويجعلها آخر كلماته على الصليب ، فيقول : « فلماأخذ يسوع الخل قال : قد أكمل . ونكس رأسه ، وأسلم الروح » (يوحنا19 :30) ، فأي الكلمات كانت آخر كلام المسيح ، وأي الحالين كان حاله على الصليب ؟
عدد الصفحات ٢٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويرى الإنجيليون أنه لا يليق أن تكون نهاية المسيح عادية كسائر الأموات ، بل لابد أن تصحبها بعض الأحداث الكبيرة ، والتي يختلفون في نسجها وفقً ا لخيالاتهم الخصبة ، لكنهم على أي حال يتفقون على واحدة منها ، وهي انشقاق حجاب الهيكل، من غير أن يتفقوا على لحظة حصوله ، فمرقس يجعله بعد وفاة المسيح ، فيقول : « فصرخ يسوع بصوت عظيم ، وأسلم الروح ، وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين ، من فوق إلى أسفل » ( مرقس15 :37-38) . أما لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق فإنه يخالف البشير مرقس أول الإنجيلين تأليفً ا ، ويرى أن تلك الأعجوبة كانت قبل موت المسيح ، فيقول : « وكان نحو الساعة السادسة ، فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة ، وأظلمت الشمس ، وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه ، ونادى يسوع بصوت عظيم وقال : يا أبتاه ، في يديك استودع روحي ، ولما قال هذا ، أسلم الروح » ( لوقا23 :44-46) ، فانشقاقه كان قبل موت المسيح خلافً ا لما زعمه مرقس .
عدد الصفحات ٢٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وتتحدث الأناجيل الأربع عن قيامة المسيح بعد دفنه ، وتمتلىء قصص القيامة في الأناجيل بالمتناقضات التي تجعل من هذه القصة أضعف قصص الأناجيل . تتحدث الأناجيل عن زائرات للقبر في يوم الأحد ، ويجعله مرقس بعد طلوع الشمس ، فيقول : « وباكرا جد ا في أول الأسبوع أتين إلى القبر ، إذ طلعت الشمس ، وكنّ يقلن فيما بينهنّ من يدحر لنا الحجر عن باب القبر ، فتطلعن ، ورأين أن الحجر قد دحر » (مرقس16 :2-3 ) . لكن لوقا ومتَّى يجعلون الزيارة عند الفجر ، وينص يوحنا على أن الظلام باقٍ ، يقول يوحنا : « فيأول الأ سبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكر ا ، والظلام باق ، فنظرت الحجر مرفوع ا عن القبر » (يوحنا20 :1 ) ، ( انظر : متى 28 :1 ، لوقا 24 :1) . ولنقرأ محاولة الأب متى المسكين في الجمع بين الفجر وطلوع الشمس ، فقد قال : « فالاختلاف ناتج أن النسوة قمن باكرًا جدً ا والظلام باق ، وأتين إلى الباب ، باب غربي المدينة ، وانتظرن هناك إلى أن فتحوا الباب الذي لا يفتح إلا في شروق الشمس ، وهكذا بين أن قمن ووصلن في الفجر عند الباب وخرجن والشمس قد طلعت ؛ كانت المفارقة » (1) . ولا ريب أن القارئ يدرك أن أحدً ا من الإنجيليين ولا المؤرخين يدري عم ا يكتبه الأب المسكين عن باب المدينة المغلق ، كما يدرك أن تفسير الأب للقصة (1 )الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ، ص (830.)
عدد الصفحات ٢٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يكذب ما قاله يوحنا الذي يقول : « جاءت مريم المجدليةإلى القبر باكر ا ، والظلام باق » ، لقد وصلت المجدلية إلى القبر والظلام باق ، وليس إلى باب المدينة الغربي الذي لا يفتح إلا بعد شروق الشمس ! أما الزائرات والزوار ، فهم حسب يوحنا مريم المجدلية وحدها كما في النص السابق « جاءت مريم المجدليةإلى القبر باكر ا » ( يوحنا20 :1-3) . وأضاف متى مريم أخرى أبهمها « جاءت مريم المجدلية ومريمالأخرى لتنظرا القبر » ( متى28 :1) . لكن مرقس يخبر قراءه أن الزائرات هن مريم المجدلية وأم يعقوب وسالومة ، فيقول : « اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوط ا ليأتين ويدهنّه » ( مرقس16 :1 ) . وأما لوقا فيخبر أن القادمات للزيارة كن نساء كثيرات ومعهن أناس ، يقول لوقا : « وتبعته نساء كنّ قد أ تين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وضع جسده . ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس ، فوجدن الحجر مدحرج ا عن القبر » ( لوقا 23 : 55-24 :1) . وهذا كله إنما كان زيارة واحدة . ثم هل وجد الزوار الحجر الذي يسد القبر مدحرجً ا أم د حرج وقت الزيارة ؟ يقول متى : « وإذا زلزلة عظيمة حدثت ، لأن ملاك الرب نزل من السماء ، جاء ودحر الحجر عن الباب ، وجلس عليه » ( متى28 :2 ) ، فيفهم منه أن الدحرجة
عدد الصفحات ٢٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حصلت وقتذاك . بينما يذكر الثلاثة أن الزائرات وجدن الحجر مدحرجً ا ، يقول لوقا : « أتينإلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس . فوجدن الحجر مدحرج ا عن القبر» ( لوقا24 :2 ) (وانظر : مرقس 16 :4 ، يوحنا 20 :1 ) . وقد شاهدت الزائرات في القبر شابًا جالسً ا عن اليمين ، لابسً ا ح لة بيضاء حسب مــرقس ( انظــر : مــرقس 16 :5 ) ، ومتـــى جعــل الشــاب ملاكًـــا نــزل مــن الســـماء . ( انظر : متى 28 :2 ) ، ولوقا جعلهما رجلين بثياب براقة . ( انظر : لوقا 24 :4 ) . وأما يوحنا فقد جعلهما مل كين بثياب بيضٍ ، أحدهما عند الرأس ، والآخر عند الرجلين . ( انظر يوحنا 20 :12 ) . لقد كانت زائرات القبر أول من رأين المسيح ، فأين حصل هذا اللقاء . يجيب يوحنا بأنه كان داخل قبر المسيح ، حين كانت المجدلية ( وهي الزائرة الوحيدة حسب يوحنا ) تتحدث إلى الملائكة ، « فقا لها : يا امرأة لماذا تبكين ؟ قالت لهما : إنهم أخذوا سيدي ، ولست أعلم أين وضعوه ، ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء ، فنظرت يسوع واقف ا ، ولم تعلم أنه يسوع ، قال لها يسوع : يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين ؟ فظنت تلك أنه البستاني ؛ فقالت له : يا سيد إن كنت أنت قد حملته ؛ فقل لي : أين وضعته ؟ وأنا آخذه ، قال لها يسوع : يا مريم . فالتفتت تلك ، وقالت له : ربوني الذي تفسيره يا معلّم » (يوحنا20 :14-16) ، ونلحظ هنا أنها اكتشفت أن المسيح مازال حيً ا من غير إخبار الملائكة لها ، فقد رأته وتعرفت عليه بعد برهة من حديثه معها .
عدد الصفحات ٢٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وأما إجابة متى عن السؤال فهي مختلفة ، فإنه يرى أن المجدلية وصاحبتها قد لقيتاه خارج القبر ، بل بعيدً ا عنه ، فقد قال لهما الملاك مبشرً ا بنجاة المسيح : « لا تخافا أنتما . فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب ، ليس هو ههنا ، لأنه قام كما قال . هلم انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجع ا فيه ، واذهبا سريع ا ، قولا لتلاميذه أنه قد قام من الأموات .. فخرجتا سريعا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه ، وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه ؛ إذا يسوع لاقاهما ، وقال : سلام لكما . فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له . فقال لهما يسوع : لا تخافا . اذهبا ، قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني » ( متى28 :8-10) . وهكذا فحسب متى كان اللقاء بعيدًا عن القبر ، وكانت البشارة بقيامته من قبل الملائكة ، لا المسيح نفسه ، ليتجدد السؤال : أي الإنجيلين أصاب كبد الحقيقة وأيهما أخطأها ؟ وهل يمكن أن يكون مصدر ذا وذاك الله ؟ ويتناقض مرقس مع لوقا في مسألة : هل أخبرت النساء أحدً ا بما رأين أم لا ؟ فمرقس يقول : « ولم يقلن لأحد شيئا ، لأنهن كن خائفات » ( مرقس16 :8 ) ، ولوقا يقول : « ورجعن من القبر ، وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله » ( لوقا24 :9). وتختلف الأناجيل مرة أخرى في عدد مرات ظهور المسيح لتلاميذه ، وفيمن لقيه المسيح في أول ظهور ؟ فمرقس ويوحنا يجعلان الظهور الأول لمريم المجدلية . (انظر:مرقس16 :9، يوحنا20 :14). ويضيف متى: مريم الأخرى. (انظر:متى 28 :9). بينما يعتبر لوقا أن أول من ظهر له المسيح هما التلميذان المنطلقان لعمواس
عدد الصفحات ٣٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ (انظر : لوقا 24 :13) . ويجعل يوحنا ظهور المسيح للتلاميذ مجتمعين ثـلاث مـرات . (انظـر:يوحنـا20 :19، 26) بينما يذكر الثلاثة للمسيح ظهورً ا واحدً ا ( انظر : متى 28 :16 ، مرقس 16 :14 ، لوقا 24 :36 ) . ويجزم لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق أن المسيح ظهر للتلاميذ مرة واحدة ، وقد ر فع في نهاية هذه المقابلة ، فيقول : « وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم ، فجزعوا وخاف وا ، وظنوا أنهم نظروا روح ا .. وأخرجهم خارج ا إلى بيت عنيا ، ورفع يديه وباركهم ، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم ، وأُ صعد إلى السماء » ( لوقا24 :36-51) . وهذا اللقاء الأول والأخير بين المعلم وتلاميذه يرى لوقا أنه قد تم في أورشليم، فيقول : « ورجعاإلى أورشليم ، ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم ، وهم يقولون : إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان .. وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم ، وقال لهم : سلام لكم » ( لوقا24 :33-36) . بينما يقول صاحباه ( متى ومرقس ) بأن ذلك كان في الجليل « أما الأحد عشر تلميذ ا ، فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل ، حيث أمرهم يسوع ، ولما رأوه سجدوا له » ( متى28 :10) ، ( وانظر مرقس 16 :7 ) ، فهل كان لقاؤهم الأول مع المسيح في الجليل أم في أورشليم ؟ وعند غض الطرف عن عدد ظهورات المسيح للتلاميذ فإنا نتساءل عن
عدد الصفحات ٣١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الحضور الذين رأوا المسيح في اللقاء الأول حيث كان التلاميذ مجتمعين في أورشليم أو الجليل ، هل كانوا جميعً ا موجودين أم أن أحدهم وهو توما الشكاك كان غائبً ا عن هذا اللقاء ؟ متّ ى يرى أن التلاميذ الاثني عشر كانوا موجودين خلا يهوذا الخائن ، فيقول : « وأما الأحد عشر تلميذ ا ، فانطلقوا إلى الجليل ، إلى الجبل ، حيث أمرهم يسوع ، ولما رأوه سجدوا له ، ولكن بعضهم شكّوا » (متى28 :16-17) ، يفهم منه أن توما كان أحد أولئك الساجدين حينذاك ، ولعله هو من عناه متى حين قال : « ولكن بعضهم شكوا » . لكن يوحنا يجزم بغياب توما عن اللقاء الأول ، ويقول : « أما توما أحد الاثني عشر الذي يقال له التوأم ، فلم يكن معهم حين جاء يسوع ، فقال له التلاميذ الآخرون : قد رأينا الرب » ( يوحنا20 :19-25) ، والحديث بالطبع عن اللقاء الأول ، وقد لقيه بعد ذلك بثمانية أيام ، وشكّ في شخص من ير اه ، وأراه المسيح يديه ورجليه كما قال يوحنا . ( انظر يوحنا 20 :26-27) . لكن العجب كل العجب فيما أضافه بولس في اللقاء الأول ، لقد أضاف ضيفً ا غريبً ا ثقيلاً ، وهو يهوذا الأسخريوطي ، التلميذ الخائن الهالك ، فقد قال : « قام في اليوم الثالث حسب الكتب ، وإنه ظهر لصفا ، ثم للاثني عشر » ( 1 كورنثوس 15 :4) ، إنه تناقض صارخ آخر من تناقضات هذه الرواية التي تعتبر بحق أضعف أجزاء العهد الجديد . ونشير أخيرً ا إلى تناقض كبير وقعت فيه الأناجيل ، وهي تتحدث عن ظهور المسيح ، ألا وهو مقدار المدة التي قضاها المسيح قبل رفعه .
عدد الصفحات ٣٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويفهم من متى ومرقس أن صعوده كان في يوم القيامة ( انظر : متى 28 :8-20 ، مرقس 16 :9-19 ، ولوقا 24 :1-53 ) . بيد أن مؤلف أعمال الرسلـ والمفترض أنه لوقا ـ جعل صعود المسيح للسماء بعد أربعين يومً ا من القيامة . ( انظر : أعمال 1 :13 ) . وذه التناقضات وغيرها سقطت شهادة الشهود في هذه المسألة ، وصح لأي محكمة أن تعتبرهم شهود زور ، وهل ي عرف شهود الزور إلا بمثل هذه التناقضات ، أو أقل منها ؟ أما الأب متى المسكين فأعياه أن يواجه تناقضات قصة القيامة ، فبدلاً عنه رأى أن يقدم « رجاء وتوعية لكل قارئ أن لا يعثر من الاختلافات الواضحة في قصة القيامة ، لأن الذي يتحدث عن القيامة إنما يتحدث عن أمور ليست تحت ضبط العقل والفكر والحواس والتمييز البصري .. فكل ما يخص القيامة لا يدخل تحت النقد أو الفحص أو التحقيق والإيضاح » (1) . فهل القارئ الكريم ممن يلتمس العذر لكتاب الأناجيل فيما عثروا به في قصة القيامة ؟ أم يعتبرها دليلاً آخر على كذب الشهود وسقوط شهاداتهم المتخالفة عن الشهادة في مثل هذه القضية العظيمة ؟ (1) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ، ص832.)
عدد الصفحات ٣٣