هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ E رقم الإيداع بدار الكتب المصرية رقم الإيداع بالمملكة العربية السعودية الترقيم الدولي I.S.B.N.
عدد الصفحات ٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ سلسلة الهدى والنور 4 الدكتور منقذ بن محمود السقار دكتوراه في مقارنة الأديان
عدد الصفحات ٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟
عدد الصفحات ٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين ، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وبعد : انتهينا في الحلقات الماضية من سلسلتنا ( سلسلة الهدى والنور ) إلى حقيقة واضحة وساطعة كما الشمس في رابعة النهار ، وهي أن الكتاب المقدس ـ وكما رأينا ـ عمل بشري لا يمثل كلمة الله بحال من الأحوال ، وعليه فلا يصح الاستدلال به على أي من العقائد أو الأحداث الهامة ، ومن ذلك الصلب والفداء . وتنزلاً مع النصارى في الحوار ، ورغبة في عدم غلق هذا الباب نعود لطرح سؤالين هامين ، أحدهما تاريخي ، والآخر عقدي ، أولهما : هل صلب المسيح كما تذكر الأناجيل ، وكما تجمع الفرق النصرانية المعاصرة ؟ والسؤال الثاني ، وهو متعلق بالسؤال الأول ، ونطرحه جدلاً ـ إن قلنا بصلب المسيح ـ : فهل كان صلبه فداء لنا وللبشرية ؟ وتثور تبعً ا لهذا السؤال أسئلة كثيرة : مم الخلاص ؟ من دينونة جهنم أم من نكد الدنيا وعثراتها ؟ وهل الخلاص متعلق بذنب أبوينا ( آدم وحواء ) فقط أم يسري إلى كافة ذنوبنا وخطايانا ؟ وهل الخلاص مشروط أم أنه منحة محبة من الله ومسيحه ، وهي أعظم من أن يطلب لها مقابل ؟ ثم هل الخلاص لليهود الذين اختص المسيح بهم في رسالته أم يمتد ليشمل الجنس البشري الذي ولد مسربلاً بالخطيئة ؟
عدد الصفحات ٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عن ها في حلقتنا الرابعة من سلسلة الهدى والنور ، ونجملها في سؤال يل م شعثها : هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ نجيب عنه بموضوعية ومنهجية علمية ، نقلب صفحات الأسفار المقدسة عند النصارى ، ونحتكم وإياهم إلى العقل المجرد والفطرة السوية ، مستشهدين بدلالة التاريخ وحكمة عقلائه من النصارى . اللهم اهدنا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم . د . منقذ بن محمود السقار مكة المكرمة ـ شعبان ـ 1424هـ mongezss@gmail.com
عدد الصفحات ٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يعتبر النصارى حادثة صلب المسيح أحد أهم أحداث المعمورة ، حيث يعتقدون أن الله أنزل ابنه السيد المسيح ، ليموت على الصليب ليطهر البشر من أغلال خطيئة أبيهم آدم ، بل وخطاياهم جميعً ا . وتؤكد الأناجيل ـ في إصحاحات مطولة ـ صلب المسيح ، ذاكرةً الكثير من تفاصيل القبض عليه ، ومحاكمته ، وصلبه ، ثم دفنه ، ثم قيامته ، فصعوده إلى السماء. ومما يؤكد أهمية مسألة الصلب في الفكر النصراني أن النصارى يرون أن تجسد الإله في المسيح ، هذا الحدث العظيم ، إنما كان من أجل أن يصلب الإله ، ويصور هذا الكاثوليكي الشهير توماس الأكويني ( الملقب بالدكتور الملائكي ) فيقول : « توجدآراء مختلفة ، فيزعم البعض أن ابن الله كان سيتجسد حتى لو لم يخطئ آدم ، ويرى البعض خلاف ذلك ، ويبدو من الأصوب الانتماء إلى الرأي الثاني .. الكتاب يقول لنا دائمً ا : إن خطية الإنسان الأول هي الدافع لتجسد ابن الله ، وعليه يظهر أن هذا السر إنما رتبه الله كدواء للخطيئة ؛ بحيث إنه لولا الخطيئة لما كان التجسد » (1) . ويصور الكاردينال الإنجليزي منينغ أهمية حادثة الصلب في كتابه ( كهنوت الأبدية ) فيقول : « لا تخفى أهمية هذا البحث الموجب للحيرة ، فإنه إذا لم تكن وفاة المسيح صلبً ا حقيقية ، فحينئذ يكون بناء عقيدة الكنيسة قد هدم من الأساس ، لأنه إذا لم يمت المسيح على الصليب ، لا توجد الذبيحة ، ولا النجاة ، ولا التثليث .. فبولس والحواريون وجميع الكنائس ، كلهم يدعون هذا ، أي أنه إذا لم يمت المسيح لا تكون قيامة أيضً ا » . (1) المسيح إنسان أم إله ، محمد مجدي مرجان ، ص150.)
عدد الصفحات ٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويقول جوردن مولتمان في كتابه ( الإله المصلوب ) : « إن وفاة عيسى عل ى الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية ، إن كل النظريات المسيحية عن الله ، وعن الخليقة ، وعن الخطيئة ، وعن الموت ، تستمد محورها من المسيح المصلوب » (1) . وهذا ما أكد عليهبولس حين ألغى دور الناموس معتمدً ا على أن المسيح صلب مكفرً ا بصلبه الخطيئة ، فافتدانا بذلك من لعنة الناموس ، فيقول : « وإن لم يكن المسيح قد قام ، فباطل كرازتنا ، وباطل أيض ا إيمانكم » (1 كورنثوس 15 :14) . وعليه نرى جليً ا أهمية هذا الحدث التاريخي في الفكر النصراني ، إذ يعتبره النصارى المحور الذي تدور حوله الحياة الإنسانية على وجه هذه البسيطة . (1) انظر : مسألة صلب المسيح بين الحقيقةوالافتراء ، أحمد ديدات ، ص (10.)
عدد الصفحات ٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وأما الرأي الإسلامي فيتلخص في أن المسيح لم يصلب كما يدعي اليهود والنصارى . وقد استند المسلمون ـ في هذا الرأي المخالف لما أجمعت عليه الأناجيل ـ إلى آيات القرآن الكريم وهي تقرر ذلك . فقد أشارت الآيات إلى المؤامرة التي جرت للمسيح ، وقررت أمورً ا يلحظها قارئ الآيات ، فقد تحدثت الآيات عن نجاة المسيح من مؤامرة أعدائه ، فقد قال الله تعالى ـ في معرض تعداده لنعم الله على المسيح ـ : ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ ﴾ [المائدة : 110 ] . وذلك ولا ريب في ذلك اليوم العصيب الذي جرت فيه م ؤامرة الرومان مع اليهود بغية قتل المسيح وصلبه ، ولكن الله مكر بهم فلم تفلح المؤامرة ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران : 54 ] ، فقد أنجى الله نبيه ـ المسيح ـ من مؤامرتهم وكيدهم . وتخبر الآيات عن بعض ملامح هذه المؤامرة التي حاكها اليهود ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ ال ظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزا حَكِيماً ﴾ [النساء : 157-158 ] . وثمة آية أخرى تشير إلى رفعه ونجاته ، وهي قوله تعالى : ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران : 55 ] . كما أشارت الآيات إلى نجاته في قوله : ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ
عدد الصفحات ٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران : 46 ] ، والمعلوم أن المسيح رفع وهو في الثلاثينيات من عمره، والكهولة في اللغة مقترنة بالمشيب ، ولما يدركه المسيح حال وجوده الأول ، فدل على أنه سيعيش ويبلغ الكهولة ، ويكلم الناس حينذاك ، ولو صرفت عن هذا المعنى لما بقي لذكر الكهولة ـ وكلامه فيها ـ وجه ، إذ ذكرت بين معجزات المسيح ، والكلام في الكهولة كل أحد يطيقه ، ولا معجزة في ذلك . وقد ذكر القرآن في آية أخرى إشارة إلى نزوله عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان وهي قوله تعالى : ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف : 61 ] . ومثله قوله تعالى : ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا ﴾ [النساء : 159 ] . و تذكر النصوص القرآنية ولا النبوية أي تفصيل عن كيفية نجاة المسيح ، لذا فقد حاول المحققون المسلمون تلمس الحقيقة التي أخبر عنها القرآن في النقول التي نقلها إلينا مسلمة أهل الكتاب أو نقبوا بحثً ا عن الحقيقة في طيات أسفار أهل الكتاب ، بحثً ا عن هذه الكيفية التي نجى بها السيد المسيح من مؤامرة اليهود . ولقد أفاد القرآن الكريم وقوع الصلب ، ولكن على غير المسيح ، وبين القرآن جهل اليهود وغيرهم بحقيقة المصلوب واختلافهم في شخصه ، لما وقع من شبه المسيح عليه ، وذلك في قوله تعالى : ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِ نْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ [النساء : 157 ] . فالشك في الآية منصرف إلى شخصية المصلوب ، ولم يحدد القرآن شخص هذا المصلوب ، لكنه أكد على نجاة المسيح عليه الصلاة والسلام ورفعه للسماء ﴿ وَمَا
عدد الصفحات ١٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ ﴾ [النساء : 157-158 ] . إذًا القرآن ناطق بنجاة المسيح من مكر الماكرين ، ورفعه إلى السماء ، وأن أعداءه الذين أرادوا صلبه وقعوا في الشك وأخذوا غيره فصلبوه ، فرفع الله المسيح ، ولسوف يعود قبيل الساعة ، فيكون مجيئه علامة على قرب انقضاء الدنيا . يعتقد المسلمون أن الأنبياء كسائر البشر يموتون ، وقد يكون موتهم قِتل ة ، ويحكي القرآن عن بني إسرائيل بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ، وعليه فلا حرج عندنا في موت نبي بأي قتلة قتله بها سفهاء قومه ومجرموهم ، فالقتل لا يضير النبي المقتول ، بل هو من اصطفاء الله له ، إذ هو شهادة في سبيل الله ودينه . فلماذا ذكر القرآن نجاة المسيح ، وأصر على تكذيب النصارى في هذه المسالة؟ إن القرآن الكريم ذكر نجاة المسيح لمجرد إثبات الحقيقة ، وإثبات ضعف وعجز اليهود عن بلوغ مرامهم ، والمسلمون حين يتحدثون عن نجاة المسيح إنما يريدون إثبات هذه الحقيقة التي بشر بها كتابهم . وأيضً ا أدرك المس لمون الخطر التي تركته حادثة الصلب ، والتي تحولت من حدث تاريخي إلى عقيدة عظيمة الشأن عند النصارى ، فتقويضها يعني خواء النصرانية عن كل معنى ، لذا يؤكد العلامة ديدات أن النصران ية لا تستطيع أن تقدم للناس أي فضيلة ، سوى ما تزعمه من الخلاص بدم المسيح ، فهي مثلاً لا تستطيع أن تقدم لنا نحن المسلمين الكرم أو النظافة أو ... فإذا ما بطل صلب المسيح ، لم يبق للنصرانية مبرر للدعوة والوجود . وفي الآثار العقدية السلبية لفكرة الصلب ما يجعلها هدفً ا للمسلمين ينبغي التركيز عليه ، ومن هذه الآثار الاضطراب في نظرة المسيحية للإله .
عدد الصفحات ١١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فقد ظهر في القرن الثاني الميلادي تلميذ شهير لبولس ، اسمه مركيون (مرقيون)، وكان يعتقد بأن إله اليهود الذي أعطى الناموس لموسى ، وخالق العالم كان شريرً ا ، وأما إله المحبة فقد ظهر في المسيح ، وهو معارض تمامً ا لخالق العالم . ويتصور مركيون محاكمة من المسيح لخالق العالم ورب السماوات والأرض ، فيقول : « نزل يسوع إلى رب المخلوقات في هيئة لاهوته ، ودخل معه في قصاص بسبب موته على الصليب قتلاً .. قال له يسوع : إن الدينونة بيني وبينك ، لا تدع أي شخص آخر يكون قاضيً ا ، إنما شرائعك ذاتها تقضي لي .. ألم تكتب في ناموسك أن من قتل يقتل ؟ وعندئذٍ أجاب ( إله المخلوقات ) : لقد كتبت هذا .. قال له يسوع : سلم نفسك إذن ليدي .. قال خالق العالم : لأني قد ذبحتك ، فإني أعطيك عوضً ا ، كل أولئك الذين يؤمنون بك ، تستطيع أن تفعل بهم ما يرضيك . عندئذٍ تركه يسوع ، وحمل بولس بعيدً ا ، وأراه الثمن ، وأرسله ليكرز بأننا اشت رينا بهذا الثمن ، وأن كل من يؤمن بيسوع قد بيعوا عن طريق هذا الإله العادل إلى الإله الطيب » (1) . فهذا الشطط في المعتقد إفراز طبيعي متجدد . يسببه تناقض العدل والرحمة ، وأما القول بنجاة المسيح من القتل فيضع الأمور في ميزانها الصحيح ، فتعبد البشرية ربها ، وهي موقنة بأنها تعبد الرب العف وّ الرحيم الكريم . وقصة النصارى في الخطيئة والفداء والشريعة يشبهها الأستاذ محمد حسن عبد (1) المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص279-280) نقلاً عن أدولف هنكر في كتابه ( تاريخ العقيدة ) ، وانظر : ( الإنجيل الرابع ) هنري ديلافوس ، ص (30-36.)
عدد الصفحات ١٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الرحمن بقصة ملك تمرد عليه شع به ، فأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى الخير والرجوع لسلطانه والإذعان لقوانين العدل والسلام التي وضعها . لكن هؤلاء قتلوا رسله واستهزءوا بهم ، وزادوا عتوً ا ، فزاد غضب الملك عليهم ، ثم ما لبث الملك أن أصدر قرارً ا بأنه سيبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه كفارة عن معاصيهم ، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له . كما أصدر أمرً ا آخر بإلغاء كل قوانين العدل والرخاء السابقة . وأصدر أمرً ا باعتبار الرضا بالقرارات السابقة كافيً ا للحكم على الراضي بأنه مواطن صالح مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم . وقد كانت حيثيات هذا القرار : أن الملك عادل ، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته ، ولكنه حبً ا لهم ، وحتى لا يهلك كل من في المملكة رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء ، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه ، وأمر بأن يعذب ثم يصلب . فما رأي النصارى بهذا الملك ؟ ومثل هذا الملك لا يقال في حقه عادل أو ظالم ، وإنما الأليق به أن يقال عنه بأنه غبي سفيه معتوه . هذه كما يرى الأستاذ محمد حسن هي صورة الإله الذي تريد النصرانية المحرفة أن نعبده (1) . وعقيدة الصلب و الخطيئة والفداء وما تعلق بها سبب لنفور الناس من الدين وانتشار الإلحاد ، إذ لم يرض الناس بعبادة رب ظالم ، أو رب مصلوب كالذي تريد الكنيسة من الناس أن يعبدوه . (1) انظر : براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح ، محمد حسن عبد الرحمن ، ص (128-130.)
عدد الصفحات ١٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولعل من صور هذا الشطط ما نراه من انتشار الإلحاد الذي سببته عقيدة موت الإله بسبب الفداء كما قال نيتشه : « إن كان من شأن فكرة الله أن تسقط ضلال الخطيئة على براءة الأرض ، فإنه لابد للمؤمنين بالحس الأرضي أن يهووا بمعاولهم على تلك الفكرة » . ويقول : « طوبى لأتقياء القلب ، لأنهم لا يعاينون الله .. لقد صرنا بشرً ا ، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض ، إلى أين مضى الله ؟ سأقول لكم إلى أين مضى ؟ لقد قتلناه ، أنتم وأنا ، أجل ، نحن الذين قتلناه ، نحن جميعً ا قاتلوه ، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي ؟ إن الآلهة أيضً ا تتعفن ، لقد مات الله وسيظل ميتً ا » (1) . بل إنسذاجة فكرة الخطيئة والفداء وغرابتها جعلها محلاً للسخرية والهزء كما يقول ج .ر سنوت في كتابه ( المسيحية الأصلي ة ) : « ومن المدهش أن هذه القضية الخاصة بيسوع ابن الله ليس محبوبً ا في العصر الحاضر ، ويقال عن حمله خطايانا ، ورفعه قصاصها عنا : إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ، ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء » (2) . (1) مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص76.) (2) المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص372.)
عدد الصفحات ١٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تناقل النصارى روايات صلب المسيح جيلاً بعد جيل ، حتى إذا جاء القرن الميلادي السابع ، أعلن محمد بطلان وقوع الصلب على المسيح . ويتساءل النصارى كيف له أن يقول ذلك ، وأن يكذب الحواريين وشهود العيان الذين سجلوا لنا بشهاداتهم الخطية ما رأوه ؟ فالأناجيل التي كتبها الإنجيليون الأربعة هي برهان القوم لو سئلوا ، وقيل لهم : ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة : 111 ] ، فالكتاب المقدس وفي أكثر من ألف لغة إنسانية يتحدث عن صلب المسيح . وهذا هو البرهان . ويرى العلامة ديدات أنه يفرض علينا تفحص هذا البرهان ، والنظر في حال الشهود الأربعة الذين يشهدون بوقوع صلب المسيح . وهنا يسجل ديدات أول ملاحظات المسلمين على الشهود ، وهي أن اثنين من الشهود الأربعة لم يروا المسيح ، ولم يكونوا من تلاميذه ، فكيف يعتبرون شهودً ا ؟ ويقصد مرقس ولوقا . والملاحظة الثانية : أن شهود الإثبات جميعً ا لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها ، كما قال مرقس : « فتركه الجميع وهربوا » ( مرقس 14 :50 ) ، ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة لسارعت إلى رد شهادة هؤلاء الشهود في أقل من دقيقتين . ثم هذه الشهادة مسجلة على أكثر من خمسة آلاف مخطوط يتفاخر بكثرتها النصارى ، ولا يوجد منها مخطوطتان متطابقتان ، ثم لو تطابقت جميعها ، فإن أيً ا منها لم يسجَّل بخط مؤلفه ، وإن ن سب إليه (1) . (1) انظر : مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ، أحمد ديدات ، ص18-20.)
عدد الصفحات ١٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يقول اينوك باول في كتابه ( تطور الأناجيل ) : « قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل . وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة متى اليونانية ، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل ، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية » (1) . ومن التغيرات التي لاحظها علماء الغربفي مخطوطات الكتاب وهي تتحدث عن الصلب أنه قد تمت إضافة أجزاء للقصة حسب رؤية النساخ وتقديرهم ، فقد جاء في مرقس : « وفي اليوم الأول من الفطير ، حين كانوا يذبحون الفصح ، قال له تلاميذه : أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح ؟ فأرسل اثنين من تلاميذه ، وقال لهما : اذهبا إلى المدينة ، فيلاقيكما إنسان حامل جرة ماء اتبعاه .. » ( مرقس14 :12-16 ) . ويرى دنيس نينهام مفسر مرقس في تفسيره (ص : 376) أن أغلب المفسرين يعتقدون أن هذه الفقرات أضيفت فيما بعد لرواية مرقس . وأنهم قد استندوا لأمرين : أولهما : أنه وصف اليوم الذي قيلت فيه القصة بأسلوب لا يستخدمه يهودي معاصر للمسيح . والثاني : أن كاتب العدد 17 « ولما كان المساء جاء مع الإثن ي عشر .. » ( مرقس14 :17 )فهويتحدث عن جلوس المسيح مع تلاميذه الإثني عشر ، وهو لا يعلم شيئً ا عن رحلة اثنين منهم [ بطرس ويوحنا حسب لوقا22 :8 ] لإعداد الفصح ، فلو كان كاتب العدد 17 يعلم محتويات تلك الفقرة ، لكان عليه أن يتحث عن العشرة، وليس عن الاثني عشر، أي أن العدد 17 كان يجب أن يقرأ هكذا : ( ولما كان المساء جاء مع العشرة ) . ومن التلاعب الذي تعرضت له نسخ الأناجيل أيضً ا ؛ ما ذكره جورج كيرد شارح إنجيل لوقا ، فقد جاء في لوقا أن المسيح قال على الصليب : « يا أبتاه اغفرلهم، (1) مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص (139-144.)
عدد الصفحات ١٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون » ( لوقا23 :33 -34 ) ، ولم يذكرها غيره من الإنجيليين، كما أغفلتها بعض المخطوطات الهامة للوقا ، يقول كيرد (ص : 251) : «لقد قيل إن هذه الصلاة ربما تكون قد محيت من إحدى النسخ الأولى للإنجيل بواسطة أحد كتبة القرن الثاني ، الذي ظن أنه شيء لا يمكن تصديقه أن يغفر الله لليهود، وبملاحظة ما حدث من تدمير مزدوج لأورشليم في عامي 70م و135م صار من المؤكد أن الله لم يغفر لهم » (1) . وتتحدث الأناجيل الأربعة ـ وهي المصدر الأساس لقصة الصلب ـ عن تفاصيل كثيرة في رواية الصلب ، والمفروض لو كانت هذه الروايات وحيً ا كما يدعي النصارى، أن تتكامل روايات الإنجيليين الأربعة وتتطابق . ولكن عند تفحص هذه الروايات نجد كثيرً ا من التناقضات والاختلافات التي لا يمكن الجمع بينها ، ولا جواب عنها إلا التسليم بكذب بعض هذه الروايات ، أو تكذيب رواية متى في مسألة ، وتكذيب مرقس في أخرى .. هذه التناقضات جعلت الكاتب الوثني القديم بورمزي ؟؟؟ يندفع للقول: «لقد كان الإنجيليون ك تاب خيال، ولم يكونوا مراقبين أو شهود عيان على حياة المسيح، كل من الأربعة يتناقض في رواياته عن أحداث معاناته وصلبه»(2). من هذه التناقضات : (1) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص133-136 ،170.) (2 )الاقتباس الخاطئ عن يسوع، بارت إيرمان، ص249.)
عدد الصفحات ١٧