هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ اليهود . وكيف تكونون أفضل من اليهود ، وأنتم لا تتبعون الناموس والوصايا ؟ » . وفي موضع آخر يقول المسيح ، وهو ينبه إلى أهمية الكلام وخطر اللسان ، فيقول : « أقول لكم : إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساب ا يوم الدين ، لأنك بكلامك تتبرر ، وبكلامك تدان » ( متى13 :36-37 ) . والذين يعملون الصالحات هم فقط الذين ينجون يوم القيامة من الدينونة ، فيما يحمل الذين عملوا السيئات إلى الجحيم ، من غير أن يكون لهم خلاص بالمسيح أو غيره ، « تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخر الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة ، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة » ( يوحنا5 : 28-29 ) . وأكد المسيح على أهمية العمل الصالح والبر ، فقال للتلاميذ : « ليس كل من يقول لي : يا رب يا رب ، يدخل ملكوت السموات . بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب ، أليس باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ أصرّح لهم : إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم » ( متى7 :20-21 ) ، فهؤلاء الذين يصنعون المعجزات والقوات باسم المسيح ، سيتنكر لهم ويتخلى عنهم يوم القيامة ، لما ارتكبوه من الموبقات ، أي لمخالفتهم ناموس الله وشريعته . وأيضً ا ، فإن المسيح طلب من تلاميذه ـ بعد القيامة ـ أن يكرزوا ويدعوا الناس للتوبة من ذنوبهم ليحصلوا على غفران الخطايا ، فقد أمر كل واحد منهم « أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم » ( لوقا24 :47 ) ، ولو كان الخلاص متحققً ا بالإيمان لكانت الدعوة إلى التوبة ضربً ا من ضروب العبث وإضاعة الأوقات والتنكر للهبات .
عدد الصفحات ٢٢٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وقد ضرب المسيح لتلاميذه مثلاً ، بيّ ن فيه حال العامل بالناموس فقال لهم: « لماذا تدعونني : يا رب يا رب ، وأنتم لا تفعلون ما أقوله ؟ كل من يأتي إلي ، ويسمع كلامي ، ويعمل به ، أريكم من يشبه ؟ يشبه إنسان ا بنى بيت ا وحفر وعمق ، ووضع الأساس على الصخر ، فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت ، فلم يقدر أن يزعزعه ، لأنه كان مؤسس ا على الصخر . وأما الذي يسمع ولا يعمل ، فيشبه إنسان ا بنى بيته على الأرض ، ومن دون أساس، فصدمه النهر حالا ، وكان خراب ذلك البيت عظيم ا » ( لوقا 6 :46-49 ) . والمسيح لم يعلم شيئً ا عن رفع الشريعة ونسخها بدمه كما زعم بولس ، لذا نراه وعبر أقواله وأفعاله يؤكد على العمل بالناموس في مستقبل الأيام ، فها هو يحذر تلاميذه مما سيصيبهم حين ظهور رجسة الخراب التي أخبر عنها دانيال ، ويشفق عليهم أن تكون في سب ت أو شتاء ، حيث يصعب الهرب في الشتاء ، ويمتنع ديانة في السبت ، الذي كان يحترمه المسيح ، كما أمر بذلك ناموس موسى ، يقول : «فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ، ليفهم القارئ ، فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال .. وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت ، لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن» ( متى24 :15-21 ) . وكذا النسوة ال لاتي تبع ن جنازة المصلوب لم يعرفن شيئً ا عن رفع الشريعة ونسخها بموت المسيح ، فقد استرحن في السبت معظمات للوصية التوراتية « فرجعن وأعددن حنوط ا وأطياب ا ، وفي السبت استرحن حسب الوصية » ( لوقا23 :56 ) ، فما بال النصارى اليوم يعملون بالسبت ولا يحترمونه ، كما يصنع اليهود !
عدد الصفحات ٢٢٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لقد أدرك المسيح والنسوة أن العمل يوم السبت خرق للشريعة الأبدية التي أمر الله بها في التوراة ، فقد جاء فيها « أما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدّس للرب ، كل من صنع عملا في يوم السبت يقتل قتلا ، فيحفظ بنو إسرائيل السبت ، ليصنعوا السبت في أجيالهم عهد ا أبدي ا ، هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد » ( الخروج31 :15-17). وليس عهد السـبت العهـد الأبـدي الوحيـد الـذي هجـره النصـارى ممـا ألـزمتهم بـه شريعة الله ، بل الختان أيضً ا ، فقد جاء في سفر التكوين « يخـتن ختان ـا وليـد بيتـك والمبتـاع بفضتك ، فيكون عهدي في لحمكم عهد ا أبدي ا ، وأما الذكر الأغلف الذي لا يخـتن في لحـم غرلته ، فتقطع تلك النفس من شـعبها ، إنـه قـد نكـث عهـدي » ( التكـوين17 :13-14) ، ويشــاركهم في هــذه الشــ ـريعة النــازل في أرضــهم ، المشــارك في فصــحهم مــن الأمــم . ( انظر الخروج 12 :48 ) إن الذين لا يختتنـون مـن نصـارى اليـوم قـد نكثـوا عهـد ا الأبدي ، وتبطلوا عن شرعه وهديه . أما يخشى هؤلاء المتبطلون عن ناموسه أن تصيبهم لعنة من الله ، فإنه « ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ، ليعمل بها » ( التثنية27 :26 ) . ولو تأملنا الحوار الذي جرى قبل وأثناء مجمع أورشليم الأول الذي اجتمع فيه التلاميذ للمباحثة حول إسقاط شريعة الختان وغيرها من الشرائع اليهودية ، لو تأملنا ذلك لعرفنا بأن إبطال الشرائع الموسوية كان اجتهادً ا من المجمع لكسب الأمم إلى المسيحية ، ولم يكن بأمر المسيح ، فقد بقي قوم من المؤمنين يدعون إلى إقامة هذه الشرائع بعد رفع المسيح بزمن ، ولو كان قد بلغهم عنه إبطال الشريعة بدمه لاحتج به بعض المجتمعين في مجمع أورشليم ، الذي انعقد بسبب إصرار بعض التلاميذ على التزام الأممين بالشريعة الموسوية « وانحدر قوم من اليهودية ، وجعلوا يعلمون الإخوة أنه إن لم
عدد الصفحات ٢٢٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا .. ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين وقالوا : إنه ينبغي أن يختنوا ويوصَ وا بأن يحفظوا ناموس موسى ، فاجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر » ( أعمال15 :1-6 ) . وهنا وقفة لابد منها ، إذ النصارى يزعمون أن شرائع الناموس مرفوعة عنهم ، وأنها خاصة ببني إسرائيل ، فهذا ما يقوله بولس ومن تابعه في مجمع أورشليم ، إنهم بذلك يخالفون المسيح مرة أخرى ، حيث يقول في نص التثليث الشهير : « فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس ، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به » ( متى 28 : 18-20 ) ، فلئن كان المسيح أمرهم بتبشير الأمم وتنصيرهم ؛ فإنه أمرهم أن ينقلوا إليهم جميع الوصايا التي أوصى بها تلاميذه ، جميعها من غير أن يستثني منها وصية واحدة ، فبماذا أوصى تلاميذه ؟ لقد أوصاهم بحفظ الناموس والشريعة « على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه ؛ فاحفظوه وافعلوه » ( متى23 :1-3 ) ، لكنهم يثبتون مرة أخرى أنهم بولسيون وليسوا مسيحيين . ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء ، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب « ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد : إنّ له إيمان ا ، ولكن ليس له أعمال ، هل يقدر الإيمان أن يخلصه ؟ .. الإيمان أيض ا إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته .. الإيمان بدون أعمال ميت » ( يعقوب 2 :14-20 ) (1) . (1) انظر : المسيح في مصادر العقائد المسيحية ، أحمد عبد الوهاب ، ص (275 – 276.)
عدد الصفحات ٢٢٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويقــول : « كونــوا عــاملين بالكلمــة ، لا ســامعين فقــط ، خــادعين نفوســكم » ( يعقوب1 :22 ) ، ويقول : « الديانـة الطـاهرة النقيـة عنـد الله الآب هـي هـذه : افتقـاد اليتـــامى والأر امـــل في ضـــيقتهم ، وحفـــظ الإنســـان نفســـه بـــلا دنـــس مـــن العـــالم » ( يعقوب1 :27 ) . ويقول بطرس كبير الحواريين : « بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه . بل في كل أمة ، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » ( أعمال10 :34 ) . وأما يوحنا فيقول : « كل من يفعل الخطية يفعلالتعدي أيض ا ، والخطية هي التعدي، وتعلمون أن ذاك أُ ظهر لكي يرفع خطايانا ، وليس فيه خطية ، كل من يثبت فيه لا يخطئ ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه ، أيها الأولاد لا يضلّكم أحد ، من يفعل البر فهو بار ، كما أن ذاك بار ، من يفعل الخطية فهو من إبليس ، لأن إبليس من البدء يخطئ ، لأجل هذا أُ ظهر ابن الله ، لكي ينقض أعمال إبليس ، كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية ، لأن زرعه يثبت فيه ، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله ، بهذا أولاد الله ظاهرون ، وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البر فليس من الله .. » ( 1 يوحنا 3 :4-10 ) . ويقول : « لنا ثقـة مـن نحـو ا ، ومهمـا سـألنا ؛ ننـال منـه ، لأننـا نحفـظ وصـاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه ، وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنـه يسـوع المسـيح ، ونحب بعضنا بعضا ، كما أعطانا وصية ، ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه ، وهو فيه » ( 1 يوحنا 3 :21-42 ) ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين . والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال لتحقيق التبرير ، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان ، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى ، ويعتبره سبب الخلاص وباب الحياة الأبدية ، منها قوله : « إن الذي يزرعه الإنسان ، إياه يحصد أيض ا .. فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده
عدد الصفحات ٢٣٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ في وقته » ( غلاطية6 :7) . ويقول : « بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون » ( رومية2 :13 ) . وفي رســالتهإلــى تيموثـــاوس يقــول بــولس : « أوصـــ ي الأغنيــاء .. وأن يصـــنعوا صلاح ا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة ، وأن يكونـوا أسـخياء في العطـاء ، كرمـاء في التوزيع ، مدخرين لأنفسهم أساس ا حسن ا للمستقبل ، لكي يمسكوا بالحياة الأبديـة » ( 1 تيموثاوس 6 :17-19) . ويقول : « كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه » ( 1 كورنثوس 3 :8 ) . وأخيرًا ، فإن بولس بتنقصه السالف للناموس وإبطاله له مستحق للوعيد الشديد الذي جعله المسيح لمثل هذا الفعل وذلك في قوله : « لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمل ، فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس ، حتى يكون الكل ، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى ، وعلم الناس هكذا يدعى : أصغر في ملكوت السماوات » ( متى5 :17-19 ) ، فلئن كان ناقض إحدى الوصايا الصغرى يدعى أصغر في ملكوت الله ، فماذا عساه يدعى من نقض وأبطل كل الناموس ؟ ! وتتحدث النصوص المقدسة عند النصارى عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من النصارى وغيرهم ، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق النصرانية في الفداء ، وهو مبطل لما زعموه من نسخ الشريعة بصلب المسيح . فالنصارى يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح ، ففي يوحنا « وقد أعطاه السلطان لأن يدين ، لأنه ابن إنسان » ( يوحنا5 :27 ) .
عدد الصفحات ٢٣١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ كما تتحدث النصوص ـ المقدسة عندهم ـ أيضً ا عن وعيد في النار لبعض البشر ، فدل ذلك على أنهم غير ناجين خلافً ا لقول الكثيرين من البروتستانت « متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه ، فحينئذ يجلس على كرسي مجده .. ثم يقول أيض ا للذين عن اليسار : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته .. » ( متى25 :31-42 ) . ومثله قوله : « يرسل ابن الإنسان ملائكته ، فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر ، وفاعلي الإثم ، ويطرحونهم في أتون النار » ( متى13 :41-42 ) . ومثله أيضًا قول متى : « وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له ، لا في هذا العالم ولا في الآتي » ( متى12 :32 ) . ومثله تهديديوحنـا المعمـدان لبنـي إسـرائيل مـن الاتكـال علـى النسـب مـن غيـر توبـة وعمل صالح ، إذ يقول : « يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتـي ، فاصـنعوا أثمـــــار ا تليـــــق بالتوبـــــة ، ولا تفتكـــــروا أن تقولـــــوا في أنفســـــكم : لنـــــا إبـــــراهيم أب ـــــا » ( متى3 :7-9 ) . ويقول المسيح لهم : « أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم » ( متى23 :33 ) ، فلم يحدثهم عن الفداء البروتستنتي الذي سيخلصون به من الدينونة . بل توعدهم بجهنم فقال : « خير لك أن يهلك أحد أعضائك ، ولا يلقى جسدك كله في جهنم » ( متى5 :29 ) . ومثله ما جاء في سفر حزقيالمن وعيد الله للذين لا يتوبون من بني إسرائيل أو غيرهم فقال : « توبوا ، وارجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم .. لأن كل إنسان من بيت إسرائيل أو من الغرباء .. إذا ارتد عني .. أجعل وجهي ضد ذلك الإنسان ،
عدد الصفحات ٢٣٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وأجعله آية ومثلا واستأصله » ( حزقيال14 :6-8 ) . وقد خاطب المسيح تلاميذه : « فإني أقول لكم : إنكم إن لم يزد بِ ركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات ، قد سمعتم أنه قيل للقدماء : لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم ، وأما أنا فأقول لكم : إن كل من يغضب على أخيه باطلا ، يكون مستوجب الحكم (1) ، ومن قال لأخيه : رقا ، يكون مستوجب المجمع ، ومن قال : يا أحمق ، يكون مستوجب نار جهنم » ( متى5 :20-23 ) . وقال بولس متوعدًا الممتلئين من كل إثم وشرّ ، المشحونين حسدً ا وقتلاً : « الذين إذ عرفوا حكم الله ، إن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت » ( رومية1 : 32 ) ، إن القتل أو الرجم هو عقوبتهم التي استوجبوها بسبب ذنوبه م وشرورهم ، ولن يرفعها عنهم صلب المسيح . ويضيف بولس مبشرً ا هؤلاء العصاة بدينونة الله العادلة التي تتنظرهم جزاء فجورهم : « ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه ، أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه ، وأنت تفعلها ، أنك تنجو من دينونة الله » ( رومية2 :2-3 )،فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قال البروتستانت ، لما كان لهذه النصوص معنى. ثم إن كان الفداء عامً ا لكل البشر ولكل الخطايا ، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملؤون الأرض بالفساد ، وتكون عقيدة الفداء والخلاص س لمً ا للرذيلة ودعوة للتحلل والفساد باسم الدين . (1) أي نفس الحكم ؛ وهو القتل. انظر : الإنجيل بحسب القديس متى دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص (334.)
عدد الصفحات ٢٣٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثم القول بفداء الجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كالفراعنة والجبابرة وعتاة المجرمين ، بل ويشمل اليهود الذي تآمروا على المسيح ، ويهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن الذي كان حاله أفضل من حال كثيرين من الخطاة ـ اليوم ـ الذين يتوقعون الخلاص بدم المسيح رغم آثامهم وذنوبهم ، لقد مات يهوذا نادمً ا تائبً ا ، وعبَّر عن توبته بردِّ ثمن الخيانة ، وعن ندمه بقتل تلك النفس الخبيثة التي مارست الخطيئة . وهنا نتساءل لماذا لا يقول أحد بخلاص يهوذا بدم ا لمسيح المصلوب ، بل نعجب لماذا تركه المسيح ينتحر ؟ ولماذا لم يخبره بأن خلاصه قريب جدً ا ، وأن لا داعي للانتحار ، بل لماذا قال عنه : « كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد » ( مرقس 14 :12 ) أوليس له حظ في هذا الخلاص كغيره من المليارات المؤمنة بالمسيح ، والتي ما فت ئت ترتكب الموبقات ، لكنها واثقة من الخلاص « لأنه هكذا أحب الله العالم ، حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» ( يوحنا3 :16 ) .
عدد الصفحات ٢٣٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ في مجمع نيقية المنعقد في سنة 325م تقررت عقيدة الفداء والخلاص ، حين صدر عنه الأمانة التي يؤمن بها سائر النصارى ، وفيها : « الذي من أجلنا نحن البشر ، ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتألم ومات ، وقام أيضً ا في اليوم الثالث » ، فمن أين استقى المجتمعون هذه العقيدة المهمة من عقائد النصرانية ؟ لعلنــا لا نجــاوز الحقيقــة إذا قلنــا بــأن بــولس هــو الأب الحقيقــي لقصــة الفــداء والخلاص في النصرانية ، حيث تظهر بجلاء ووضوح في كلماته كما قـد بينـا بعضـه مـن قبل ، وأوضحها قوله : « ولكن الله بين محبته لنا ، لأنه ونحن بعد خطاة مـات المسـيح لأجلنا ، فبالأولى كثير ا ، ونحن متبررون الآن بدمه ، نخلص به مـن الغضـب ، لأنـه ـ وإن كنا ونحن أعداء ـ قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. من أجـل ذلـك كأنمـا بإنسـان واحـد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميـع النـاس إذ أخطأ الجميع .. لكن قد ملـك المـوت مـن آدم إلـى موسـى ، وذلـك علـى الـذين لـم يخطئوا على شبه تعدي آدم ، الذي هو مثـال الآتـي .. لأنـه إن كـان بخطيـة واحـد مـات الكثيــرون ، فبــالأولى كثيــر ا نعمــة الله ، والعطيــة بالنعمــة التــي بالإنســان الواحــد يســوع المسيح قد ازدادت للكثيرين .. » ( رومية5 :8-15 ) . وقد صرح بولس بأهمية فكرة الفداء عنده إذ قال : « لأني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوب ا » (1 كورنثوس 2 :2 ) . ويقول في ذلك الأب بولس إلياس الخوري : « مما ريب فيه أن الفكرة الأساسية التي ملكت على بولس مشاعره ، فعبر عنها في رسائله بأساليب مختلفة هي
عدد الصفحات ٢٣٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فكرة رفق الله بالبشر ، وهذا الرفق بهم هو ما حمله على إقالتهم من عثارهم ، فأرسل إليهم ابنه الوحيد ، ليفتديهم على الصليب .. وهذه الفكرة عينها هي التي هيمنت على إنجيل لوقا » . ويقول ارنست دي بوش في كتابه( الإسلام : أي النصرانية الحقة ) : إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه ، من الذين لم يروا المسيح ، لا من أصول النصرانية الأصلية » (1) . ففكرة الفداء والخلاص بدعة بولسية لم يقلها المسيح ، ولم يعرفها الحواريون، فنصوص الأناجيل التي تحدثت عن الفداء نصوص لا يفهم منها خالي الذهن تلك العقيدة التي فهمها النصارى . وعقيدة بهذ ه الأهمية ما كان المسيح ليضِ نّ على البشر ببيانها وتوضيحها ، إذ يزعمون أن مصير البشرية يتعلق بالإيمان بها ، فقد تعلق بها هلاك البشر ونجاتهم . ويحاول النصارى التأكيد على ورود هذا المعتقد على لسان المسيح وتلاميذه ، ويتعلقون ببعض نصوص الإنجيليين ، ومن هذه النصوص : قول متى : « فستلد ابنا ، وتدعو اسمه يسوع ، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم » ( متى1 :21 ) ، ومثله : « إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب » ( لوقا2 :11) ، ومثله « لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته ل جميع الشعوب » (لوقا2 :30 ) ، و « كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم ، بل ليَخدم ، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين » ( متى20 :28 ) ، و« هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا » (1) انظر : العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص 214) ، الفارق بي ن المخلوق والخالق ، عبد الرحمن باجي البغدادي ، ص (465-466 .)
عدد الصفحات ٢٣٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ (متى 26 :28 ) ، و « لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك » ( لوقا 19 :10 ) . ولعل أوضح نصوص الأناجيل ما كتبه يوحنا : « لأنه هكذا أحب الله العالم ، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية ، لأنه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص به العالم » ( يوحنا3 :16-17 ) . وأول ملاحظة نذكرها أن أغلب هذه النصوص هي من قول التلاميذ ، ولم ينسبوها إلى المسيح . ثم هذه النصوص جميعً ا قد كتبت بعد أن دوّ ن بولس رسائله ، فأول الإنجيليين تأليفً ا هو مرقس ، وقد دوّ ن إنجيله بعد وفاة بولس سنة 67م . ولا ريب أن في هذه النصوص ـ رغم عدم قطعية دلالتها على عقيدة النصارى ـ صدىً لما كان قد خطه بولس في رسائله . وهذه النصوص خلت من الحديث عن الخطيئة الأولى الموروثة وخطايا العالم اللاحقة والماضية ، وأين فيها الحديث عن الحرية المسلوبة ، والإرادة .. وعليه فإن خالي الذهن لا يمكن أن يتوصل إلى معتقد النصارى من خلال هذه النصوص . وقد مال إلى تبسيط معاني تلك النصوص ـ التي يحتج بها النصارى على الفداء والكفارة ـ منكرو معتقد الكفارة والفداء من النصارى أنفسهم ـ كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية ـ ، ومنهم الفرقة السوزينية ، والمؤرخ كوائليس تيسي ، وايبي لارد (1) . (1) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص 158-165) ، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (137 – 139 .)
عدد الصفحات ٢٣٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فمثلاً قول المسيح : « ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك » ( لوقا19 :10 ) لم يكن في سياق الحديث عن الخلاص بدم المسيح المصلوب ، بل جاء في سياق الحديث عن الخلاص بالعمل الصالح الذي أمر به المسيح ، فقد ورد هذا القول في سياق قصة التلميذ زكا الذي أعطى نصف أمواله للفقراء ، فنجا بسبب ذلك « فقال له يسوع : اليوم حصل خلاص لهذا البيت ، إذ هو أيض ا ابن إبراهيم ، لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك » ( لوقا19 :10 . ) وأما شـهادة المعمـدان بـأن المسـيح هـو« حمـل الله الـذي يرفـع خطيـة العـالم » ( يوحنا 1 :29 ) فهو قول مهم ، لكن لم يفهم منه قائله ( المعمدان ) ما تفهمه الكنيسة اليوم ، يقول القس سمعان كلهون : « ولعل يوحنا لم يفهم شهادته كما نقدر نحن الآن أن نفهمها بواسطة كل النور المندفع عليها من العهد الجديد ، وخصوصًا الرسالة على العبرانيين ولكنه رأى وأراد أن يرى الآخرون في المسيح الطريق المعينة من الله بحياتـه وموته للتكفير عن جميع معاصي كل تائب مؤمن » (1) . ولئن كانت الفكرة تائهة عند الإنجيلين فهي كذلك عند بقية تلاميذ المسيح وحوارييه الذين لا تجد لديهم بقصة الفداء خبرًا ، فلم ترد عنهم نصوص تبيين علمهم بهذه المسألة ، وهذا لا ريب دال على كونها من صنع بولس وتأليفه ، وأن المسيح لم يخبر بها ، ولم يعلمها أصلاً . وفي ذلك يقول البرفسـور شـارل جنيـبر : « إن مـوت عيسـى في نظـر اثنـي عشـر ليس بالتضحية التكفيرية » . والحواريون لم يعلموا أصلاً بأن المسيح سيصلب ، فضلاً عن أن يكونوا قد (1) انظر اتفاق البشيرين ، القس سمعان كلهون ، ص116 . )
عدد الصفحات ٢٣٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فهموا أنه سيصلب فداء لخطايا الناس ، وكما قال مرقس : « كان يعلم تلاميذه ، ويقول لهم : إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه ، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث ، وأما هم فلم يفهموا القول ، وخافوا أن يسألوه » ( مرقس9 :30-32 ). يقول الأب متى المسكين : « بالرغم من وضوح تنبؤ المسيح الدقيق عن كيفية موته .. والتلميح إلى محاكمة الأمم له ووصف جميعه آلامه ، ثم الصلب والموت والقيامة ، لكن لم يستطع التلاميذ على وجه الإطلاق أن يفهموا شيئً ا من كل ذلك ، لأن كل آمالهم كانت في ملكه السعيد الآتي وكيف سيجلسون معه في عرشه » (1) . ومن هؤلاء التلاميذ التلميذان المنطلقان إلى عمواس ، فقد جهلا مسألة الفداء والأبعاد التكفيرية لصلب المسيح ، وهذا بينه واضح لمن رأى جوابهما للمسيح الذي ظهر لهما متنكرً ا وسألهما : « ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين ، فأخبره التلميذان بأنهما حزينان على المسيح الذي أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه ، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل ، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك » ( لوقا24 :17-21 ) . لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح ، فهما يبحثان عن خلاص آخر ، وهو الخلاص الذي يأتي به النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل . يقول القس الخضري : « وكلمة يفدي ) هنا لا تعني ما نفهمه نحن حاليً ا : أي فداء الخاطئ من خطاياه ، بل تعني أن ينقذ أو يحرر » (2) . (1) الإنجيــل بحســـب القـــديس متـــى دراســة وتفســـير وشـــرح ) ، الأب متـــى المســـكين ، ص ( 496) ، وانظر مختصر تاريخ الكنيسة ، أندرو ملر ، ص (99.) (2) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري1/378 .)
عدد الصفحات ٢٣٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وأيضً ا جهلت الجموع التي شهدت الصلب أن ذلك الصلب يكفر الخطيئة ويرفعها ، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوبً ا « وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان ، رجعوا وهم يقرعون صدورهم ، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك » ( لوقا23 :48-49 ) . ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحً ا لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قرونً ا مديدة. كما ينبغي حمل النصوص المتحدثة عن المسيح المخل ص على المعاني التي أطلقها الكتاب ، لا المعاني التي يقررها بولس والكنيسة في مجامعها ، فقد تحدث الكتاب المقدس عن عدد من الفادين والمخلصين ، وليس في شيء منها المعنى الذي زعمه بولس وأضرابه . فقد سمت التوراة موسى فاديً ا ، وهو لم يمت كفارة لأحد ، « هذا موسى الذي أنكروه قائلين : من أقامك رئيس ا وقاضي ا ، هذا أرسله الله رئيس ا وفادي ا بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة ، هذا أخرجهم صانع ا عجائب وآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة » (أعمال7 :35) ، فالمقصود الخلاص الدنيوي من يد فرعون وجنوده . وهذا المعنى من معاني الفداء والخلاص معروف في الأسفار التوراتية التي تحدثت عن الفادي من أهوال الدنيا وشدائدها ، وهي تذكر نجاة بني إسرائيل من المصائب « أخرجكم الرب بيد شديدة ، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك
عدد الصفحات ٢٤٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ مصر » ( التثنية7 :8 ) ، ومثله في ( التثنية 13 :5 ) . ومثله في قوله : « اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب ، ولا تجعل دم بري في وسط شعبك إسرائيل ، فيغفر لهم » ( التثنية21 :8-9 ) . وكذا في سفر المزامير سمى الرب فاديً ا « الرب فادي نفوس عبيده ، وكل من اتكل عليه لا يعاقب » ( المزامير34 :22 ) . وفي نصآخر يؤكد إشعيا هذا المعنى للفداء والخـلاص ، فيقـول : « هكـذا قـال الــرب فــادي إســرائيل : قدوسُــ ه للمهــان الــنفس ، لمكــروه الأمــة ، لعبــد المتســلطين » ( إشعيا49 :7 ) ، فأطلق على الله لقـب الفـادي والمخلـص ، فالفـداء أو الخـلاص لـه معان أوسع من الذبيحة والمعاوضة التي يصر عليها بولس . ومن هذا النوع من الخلاص ما قام به النبي سليمان من خلاص أرضي دنيوي: «لسليمان، اللهم أعطي أحكامك للملك، وبرك لابن الملك .. يقضي لمساكين الشعب، يخلّص بني البائسين ، ويسحق الظالم .. يشفق على المسكين والبائس ، ويخلص أنفس الفقراء ، من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه » (المزمور72 :1-14)، فخلاصه لقومه إحقاقه للعدل، وسحق الظالمين، ومعونة الفقراء والمعدمين. ومثله المخلص أهود « وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب ، فأقام لهم الرب مخلّص ا أهود بن جيرا البنياميني » ( القضاة3 :15 ) . وتعرض الملك السامري يهوآ حاز إلى هزائم مريرة على يد الآراميين الذين كادوا أن يفنوهم، ثم «تضرع يهوآحازإلى وجه الرب، فسمع له الرب .. وأعطى الرب إسرائيل مخلص ا، فخرجوا من تحت يد الآ راميين » (2 ملوك13 :4-5)، فهذا المخلص أنقذهم من يد الآراميين.
عدد الصفحات ٢٤١