هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فهذه النصوص جميعً ا تتحدث عن فداء وخلاص أرضي ، وهذا الخلاص رحمة من الله وفضل ، ولا يحتاج لدم يسفكه الفادي . ومهمة الخلاص والفداء الذي سيقدمه المسيح لا تختلف عن هذا المعنى ، فقد حصر زكريا الكاهن مهمة الفداء المسيحي بالفداء والخلاص الأرضي ، فالمسيح القادم سيخلص شعبه من أعدائهم ، كما تتابع على البشارة بذلك الأنبياء ، ومثلهم زكريا الذي شكر الله على نعمة المسيّا المولود « قائ : مبارك الرب إله إسرائيل ، لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه ، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه ، كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ، خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا ، ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس ، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا ، أن يعطينا أننا بلا خوف مُ نقَ ذين من أيدي أعدائنا ، نعبده بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا » ( لوقا 1 :68-75 ) . يقول ا ب متى المسكين : « الخلاص الذي يتكلم عنه زكريا الكاهن ليس هو الخلاص الروحي ، بل الخلاص من الأ عداء الظاهرين المستولين على البلاد ، كذلك الفداء .. فتصور الخلاص الذي رآه زكريا بأنه على مستوى القرن الضارب هو تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب ، لذلك يبقى سر الخلاص إلى آخر لحظة في العهد القديم منحجبً ا .. فالخلاص هو خلاص سياسي بمعنى التحرر من عبودية الرومان والوقوع تحت ظلم حكومتهم وعدائهم ، وهذا هو الذي كان يقصده زكريا من قوله السابق » (1) . ومن قبله قال الأنبا ساويرس ابن المقفع: «فأما بنو إسرائيل فكانوا يظنون أنه يخلصهم من أعدائهم الفلسطينيين والكنعانيين .. ولم يكن عند هم علم ع ن إبليس (1) الإنجيل بحسب القديس لوقا دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص (114-115) ، وانظر قاموس الكتاب المقدس ، ص (344.)
عدد الصفحات ٢٤٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وجنده أنهم الأعداء الحقيقيون .. فلما تغلب الرومان على بني إسرائيل ظنوا أنهم أعداؤهم الذين إذا جاء المسيح يخلصهم منهم كما وعد الله »(1). ويقول جوش مكدويل «رأى اليهود في النبوءات القديمة مسيحًا منتصرًا، مسيحًا متألمًا، وكان تركيزهم ينصب على منقذ سياسي، لا روحي»(2). هكذا فزكريا يتنبأ عن المسيح الفادي الذي تكلم عنه الأنبياء القديسون منذ الدهر ، المسيح الذي يخلص شعبه من أعدائهم ، كما حلف الرب لإبراهيم ، ولم ينسب زكريا إلى الأنبياء معرفة الخلاص المسيحي ، فهم لا يعرفون عنه شيئً ا . وما قلناه في حق الأنبياء يقال أيضًا عن معاصري المسيح وتلاميذه، يقول الأنبا ساويرس ابن المقفع: «فأما الاثني عشر، الرسل فكانوا قد تحققوا أنه المسيح، وكانوا يظنون مثل ظن اليهود ، أنه يهلك الرومان، ويملِّكهم أرضهم ، ولم يكن عندهم علم عن إبليس وجنده »(3). وكذلك قال القس س معان كلهون عن معاصري المسيح من اليهود « فإنهم انتظروه مسيحًا ، لكنهم توقعوا منه خلاصًا زمنيًا فقط » (4) . وهنا يحسن أن نتوقف مع الأب المسكين الذي رفض تصور زكريا للفداء ولوظيفة المسيا القادم ، وأشار إلى ضعف هذا التصور وقصوره وخطئه وسذاجته حين قال : « تصويرقديم يناسب ما قبل الصليب » ، وكأني بالأب المسكين لم يتنبه إلى أن هذا المفهوم الذي فهمه زكريا ونسبه إلى الأنبياء ، إنما يستمده من كلام الروح القدس ووحيه ، فالنص في مقدمته صريح في ذلك « وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس ، (1 )الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص139 .) (2) انظر : حقيقة لاهوت يسوع المسيح، جوش مكدويل وبات لارسون، ص (72.) (3 )الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص141 .) (4) اتفاق البشيرين ، القس سمعان كلهون ، ص ( 92 . )
عدد الصفحات ٢٤٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وتنبأ قائلا : مبارك الرب إله إسرائيل .. » ( لوقا1 :67 ) ، فهل كان المعنى المسيحي للفداء والخلاص محجوبً ا عن الروح القدس كما هو محجوب عن الأنبياء؟ ثم شرع زكريا بالحديث عن ابنه المعمدان مبينً ا دوره في هداية قومه إلى طريق الخلاص ، فقال : « وأنت أيها الصبي ، نبيَّ العلي تدعى ، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعدّ طرقه ، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم ، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء ، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت ، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام » ( لوقا1 :76-79 ) ، فليس المقصود بالفداء والخلاص ما يذكره النصا رى عن الخلاص من الدينونة بدم المسيح ، بل الفداء والتطهير والخلاص من مكر الأعداء وتسلطهم ، ويكون بالتوبة والعمل الصالح . وعلى هذا النحو سمى التلميذان المسيح فاديً ا ، فقالا : « كيفأسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه . ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل » ( لوقا 24 :20-21 ) ، أي كنا نرجو أن يكون خلاص بني إسرائيل من أعدائهم على يديه ، لكنهم صلبوه وقتلوه . ومن هذا الباب قول لوقا : « لأن ابن الإنسان قد جاء ، لكي يطلب ، ويخلص ما قد هلك » ( لوقا19 :10 )وهو قول يتعلق به النصارى القائلون بأن ال مسيح جاء ليخلصنا بدمه المسفوح على خشبات الصليب، لكن النص يتحدث عن خلاص وقع لزكا رئيس العشارين في أريحا حين تاب وتعهد بدفع نصف أمواله للمساكين ورد المظالم إلى أهلها «فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت؛ إذ هو أيض ا ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء ، لكي ي طلب ، ويخلص ما قد هلك »، فالمسيح خلَّ ص زكا حين أرشده إلى التوبة والإيمان والعمل الصالح ، وهو خلاص جاء به أنبياء الله أجمعين ، ولا يشير النص ـ من قريب أو بعيد ـ إلى الخلاص الذي يتحدث عنه النصارى بدم المسيح المذبوح .
عدد الصفحات ٢٤٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ سؤال يطرح نفسه: من أين أتى بولس بهذه العقيدة ؟ هل هي من إبداعاته الذاتية أم أنه استقاها من مصادر قديمة ؟ وإن كان كذلك فما هي هذه المصادر ؟ وما مقدار استفادة بولس منها ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها سطرها الأستاذ محمد طاهر التنير في كتابه الماتع ( العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ) ، وعنه ننقل الكثير من صور التشابه التي نذكرها . مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة ، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها ، منها « صانع الإحسان لألوف ، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم ، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه » ( إرميا32 :18 ) . ومثله ما جاء في سفر التثنية : « لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر » ( التثنية23 :2 ) . وجاء في سفر العدد: « الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفـر الـذنب والسـيئة ، ولكنــه لا يبــرئ ، بــل يجعــل ذنــب الآبــاء علــى الأبنــاء إلــى الجيــل الثالــث والرابــع » ( العدد14 :18 - 19 ) . وفي سفر الخروج: « غافر الإثم والمعصية والخطيئة ، ولكنه لن يبرئ إبراء ، مفتقد إثم الآباء في الأبناء ، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع » (الخروج 34 :7 ) . ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال : « هأنذا بالإثم صورت ، وبالخطيئة حبلت بي
عدد الصفحات ٢٤٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أمي » (المزمور 51 :5 ) (1) . وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم ( انظر إرميا 16 :10- 13)، ثم جاء النبيحزقيال ، فاحتج بنو إسرائيل في زمانه قائلين: «الآباءأكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست » (حزقيال18 :2)، وهو مثل معناه: «أن الخراب الذي نحن فيه سببه خطايا آبائنا، فما ذنبنا نحن؟ إذ لم نخطئ مثلهم، وهذا الكلام فيه اتهام مباشر لله بأنه ظالم»(2)، فاستجاب الله لهم، وأتاهم التخفيف من الله: « يقول السيد الرب: لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل، ها كل النفوس هي لي ، نفس الأب كنفس الابن، كلاهما لي، النفس التي تخطئ هي تموت» (حزقيال18 :3-4)، وأكمل في الفقرة 20 :« النفس التي تخطئ تموت ، الابن يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن ، بر البار عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون » (حزقيال 18 :20.) إذا فقبل حزقيال استقرت في الفكر اليهودي عقيدة وراثة الذنب والتضامن في الخطيئة ، غير أن أحدً ا منها لم يكن يتحدث عن الخطيئة الأصلية لآدم ، والتي يتعلق النصارى بها ، لكن أصل الفكرة وارد في الفكر اليهودي الذي نشأ فيه بولس، ثم نقله للنصرانية وسطره في رسائله . فمن أين جاء اليهود بفكرة وراثة الذنب ؟ هل هو من صناعتهم ، أم أنه منقول (1) يعتبر بعض المعلمين المتأخرين من اليهود هذا النص دليلاً على أن داود – وحاشاه – كان ابن زنا ، كما نقلت ذلك دائرة المعارف الكتابية ، ولكن غيرهم رأى أن خطيئته أنه يسري فيه دم غير يهودي من جهة جداته كراعوث المؤابية. دائرة المعارف الكتابية (3/395.) (2 )تفسير سفر حزقيال، أنطونيوس فكري، ص71.)
عدد الصفحات ٢٤٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ عن غيرهم ؟ الصحيح : أن فكرة وراثة الذنب منقولة عن الأمم الوثنية التي جاورت اليهود وانتشر فيها هذا الفكر ، وهذا الذي عابه عليهم الكتاب المقدس « وصاروا باطلا وراء الأمم الذين حولهم ، والذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم .. فغضب الرب جد ا على إسرائيل ونحَّ اهم من أمامه » ( 2 ملوك 17 :9-18 ) . ومن أقدم القائلين بوراثة الذنب ، الهنود الوثنيون ، وقـد نقـل المـؤرخ هورينـور ولــيمس أن مــن تضـــرعاتهم : « إني مــذنب ، ومرتكــب الخطيئــة ، وطبيعتــي شــريرة ، وحملتني أمـي بـالإثم ، فخلصـني يـا ذا العـين الحندقوقيـة ، يـا مخلـص الخـاطئين ، يـا مزيل الآثام والذنوب » (1) . سرى في كثير من الوثنيات السابقة على المسيحية فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه ، وكانت الأمم البدائية القديمة تضحي بطفل محبوب ، لاسترضاء السماء ، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثوابً ا ملكية ، لكي يمثل بها ابن الملك ، ثم يجلد ويشنق . وعنــد اليهــود خصــص يــوم للكفــارة يضــع فيــه كــاهن اليهــود يــده علــى جــدي حــي ، ويعترف فوق رأسه بجميـع مـا ارتكـب بنـو إسـرائيل مـن مظـالم ، فـإذا حمـل الخطايـا أطلقـه في البرية . (1) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص31.)
عدد الصفحات ٢٤٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومعلوم أيضً ا ما يعطيه الفكر اليهودي للبكر من أهمية خاصة ، إذ تقول التوراة: « قدس لي كل بكر ، كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم إنه لي » ( الخروج13 :2) ، والمسيح هو بكر الخلائق ، وأليقها بأن يكون البكر المذبوح (1) . وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية يونانية ، حيث كان اليوناني ون يقولون بموت بعض الآلهة ، لكن اليونان كانوا يحتفظون بآلهة أخرى تسيّ ر دفة الكون ، بينما النصارى حين قالوا بموت الإله لم يحتفظوا بهذا البديل ، ولم يخبرنا أولئك الذين يعتقدون بأن الله هو المسيح من الذي كان يسير الكون ويرعى شئونه خلال الأيام التي مات فيها الإله . أي الأيام الثلاثة التي قضاها في القبر . والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضً ا موجودة في الوثنيات القديمة ، وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه ( صخرة الحق ) أسماء ستة عشر شخصً ا اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم . منهم : أوزوريس في مصر 1700 ق.م ، وبعل في بابل 1200ق.م ، وأنيس في فرجيا 1170 ق.م ، وناموس في سوريا 1160 ق.م ، وديوس فيوس في اليونان 1100 ق.م ، وكرشنا في الهند 1000 ق.م ، وأندرا في التبت 725 ق.م ، وبوذا في الصين 560 ق.م ، وبرومثيوس في اليونان 547 ق.م ، ومترا (متراس) في فارس 400 ق.م (2) . ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهًا كبيرً ا مع ما (1) انظر : براهين تحتاج إلى تأمـل في ألوهيـة المسـيح ، محمـد حسـن عبـد الـرحمن ، ص137-138) ، المسيح في القـرآن والتـوراة والإنجيـل ، عبـد الكـريم الخطيـب ، ص (357) ، حقيقـة التبشـير بـين الماضـي والحاضر ، أحمد عبد الوهاب ، ص (55 .) (2) انظر : العقائد المسيحية بين القرآن والعقل ، هاشم جودة ، ص219 .)
عدد الصفحات ٢٤٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يقوله النصارى في المسيح المخلص . فأما بوذا المخلص عند الهنود والصينيين فلعله أكثر الصور تطابقً ا مع مخلص النصارى ، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد محدودً ا . والبوذيون ـ كما نقل المؤرخون ـ يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد ، ومخلص العالم ، ويقولون : إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت ، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها . وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا « عانيت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للن اس ، وسامحت المسيئين إليك» . ويذكر مكس مولر في كتابه( تاريخ الآداب السنسكريتية ) أن « البوذيون يزعمون أن بوذا قال : دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ ، كي يخلص العالم » . ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه ، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي . وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهً ا ، ويقول المؤرخ بونويك في كتابه ( عقيدة المصريين ) : « يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس ، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادً ا ، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل » . ويوافقه العلامة دوان في كتابه ( خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من
عدد الصفحات ٢٤٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الديانات الأخرى ) (1) . كما تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت ، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة ، فإنهم يذكرون في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل ، فاحتال عليه أخوه وقتله ، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر ، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك ، وهي تملأ الدنيا نحيبً ا وبكاءً ، فانبعث نور إلى السماء ، والتحمت أوصال الجسد الميت ، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة (2) . وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي . يقول القس جورج كوكس : « يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتً ا ، لأنه قدم شخصه ذبيحة » ، ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد . ويقول المؤرخ دوان في كتابه ( خرافات التوراة والإنجيل ) : « يعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو ، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له ـ وفق رأيهم ـ تحرك حنوً ا كي يخلص الأرض من ثقل حملها ، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه » ، ومثله يقوله العلامة هوك . ويصف الهنود أشكالاً متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقً ا بشجرة س مِّ ر بها بحربة . وتصوره كتبهم مصلوبً ا ، وعلى رأسه إكليل من الذهب ، ويقول دوان : « إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جدًا (1) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص (34-35) ، حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص (39) ، معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير ، إبراهيم الجبهان ، ص (147) ، حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر ، أحمد عبد الوهاب ، ص70-71 .) (2) انظر : قراءات في الكتاب المقدس ، عبد الرحيم محمد (2/238 - 239 .)
عدد الصفحات ٢٥٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ عند الهنود والوثنيين . وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا ، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب ، وثقب بالمسامير ، كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه : ( الانكلو سكسنس ) (1) . وحتى نطيل نكتفي بهذه الصور التي اعتقـد أصـحابها بسـفك دم الآلهـة قربانًـا وفداء عن الخطايا ومثلها في الوثنيات القديمة كثير ، ونختم بنقل قول فيلسيان شـالي : « تتشابه المسيحية مع الأديان السابقة تشابها غريبًا .. ولد المسيح من عـذراء كمـا ولـد بيرسي من دانا ، وهو ينجو بأعجوبة من أعدائه مثـل ديـونيزوس وهـوروس ، ويمـوت ثم يبعث مثـل أوزوريـس أو آدونـيس أو ديـونيزوس زاغـروس ، وفي بدايـة الربيـع مثـل آتيس ومثـل تمـوز ، وتجـد بعـض تفاصـيل عذابـه صـورة لهـا في بـلاد بابـل ، فهـو يعبـد كمنقذ أو مخلص مثل مثرا .. ويمكـن أن تشـعر بعـض النفـوس المسـيحية بـالحرج إذا قــرأت هــذه المتشــابات وعرفتهــا ، وكانــت ضــيقة العقــل ، تمتلــئ زهــوً ا وغــرورً ا ؛ لأنها كانت تؤمن بأن لديانتها سمة فريدة ، وعلـى العكـس فـإن النفـوس الأوسـع قلوبًـا يمكنهـــا أن تســـعد بملاحظـــة أن دينهـــا أو إيمانهـــا هـــو حصـــيلة تـــأليف لمعطيـــات ماض بعيد جدً ا » (2) . وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات ، فقد تحدث أيضً ا عن دم المسيح المسفوح فقال : « يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه » ( رومية3 :25 ) ، ويقول : « ونحن الآن متبررونبدمه » ( رومية5 :9 ) ، ويواصل : (1) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص29 - 32 .) (2) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص263 .)
عدد الصفحات ٢٥١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ « أليست هي شركة دم المسيح » (1 كورنثوس 10 :16 ) . ويقول : « أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء ، بدمه غفران الخطايا » ( أفسس1 :7) . وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح الفادي « لأن فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لأجلنا » ( 1 كورنثوس 5 :7 ) . ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس ، وهي فكرة جِ د غريبة ، فإن المسيح لم يذبح ، فالأناجيل تتحـدث عـن مـوت المسـيح صـلبً ا ، لا ذبحًـ ا ، والمـوت صـلبً ا لا يريق الدماء ، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منـه الـدماء سـوى مـا قالـه يوحنـا ، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قـال : « وأما يسوع فلما جاءوا إليه لـم يكسـروا سـاقيه ، لأنهم رأوه قد مات ، لكن واحـد ا مـن العسـكر طعـن جنبـه بحربـة ، وللوقـت خـر دم وماء » ( يوحنا19 :23-24 ) ، وهو ليس ذبحً ا بكل حال . يقول المحقق ولز : « إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلبًا لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق ، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بعدً ا عن الدقة » (1) . والنظرة إلى الله بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل دم الكفارة أو الضحية نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم ، ففي التوراة تجد ذلك واضحً ا في مثل قولها: «بنى نوح مذبح ا لله .. وأصعد محرقات على المذبح ، فتنسم الرب رائحة الرضا ، وقال الرب في قلبه : لا أعود ألعن الأرض أيض ا من أجل الإنسان » ( التكوين 8 :20-21 ) . (1) انظر : مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص45 .)
عدد الصفحات ٢٥٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وكذا صنع داود « وبنى داود هناك مذبحا للرب ، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب ، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة » ( 1 أخبار 21 :26) . وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم ، وهي تصور الإله ساخطً ا لا يرضيه إلا الدم والمحرقات ، وحينها فقط يتنسم رائحة الرضا ، ويرضى عن عباده ، يقول آرثر ويجال : « نحن نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية ، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة ، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة » (1) . ويرى كامل سعفان أيضً ا « أن ادعاء إهراق دم ا لمسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل ، ويأخذون دمه ، فيتلطخ به الآثم ، ليولد من جديد ، بعد أن سال عليه دم العجل الفدية » (2) . وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما زعم النصارى أن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها وتخليصها من العذاب ، ففي أعمال الرسل يقول بطرس : « سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه ، ولم تترك نفسه في الهاوية (3) ، ولا رأى جسده فساد ا » ( أعمال2 :31 ) ، ويقول (1) انظرالمصدر السابق ص (45 .) (2) انظرالمصدر السابق ص (45 .) (3) النص اقتباس من بطرس لما ورد في سفر المزامير16/10) ، وهو تحريف لما ورد في الأصل العبراني ، وفيه : =
عدد الصفحات ٢٥٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بطرس في رسالته عن المسيح : « ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن » ( 1 بطرس 3 : 19 ) . وقد أضحت هذه الفكرة الغريبة معتقدً ا نصرانيً ا يقول عنه القديس يوحنا فم الذهب 347م : « لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر » . ويقول القديس أكليمندس السكندري : « قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم، كما بشر به وعلمه لأهل الأرض ، كي يؤمنوا به ويخلصوا » ، وبمثله قال أوريجانوس وغيره من علماء النصارى . وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا ، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن ، وقاله عابدو زرادشت وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم . ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى ، وجدوا فيها أديانً ا شتى ، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية ، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائرً ا تشبه شعائر المسيحية ، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص (1) . فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القدي مة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان ؟ يقول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة أكسفورد : « سر لاهوتي فوق عقول وتعريبه : (لن تترك نفسي للهاوية) ، أي للموت ، فيما الترجمة العربية للمزمور تفيد موت المسيح ، وأن الله لن يتركه في القبر ، كما أن للهاوية معان أخرى محتملة ، منها : جهنم (العدد 16/30) ، ومنها أيضًا الفتنة والفساد (انظر : الأمثال 12/13 .) (1) انظر : العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ، محمد طاهر التنير ، ص ( 102) ، وانظر تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/367-372 .)
عدد الصفحات ٢٥٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ البشر ، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر » (1) . وقد صدق الله تبارك وتعالى ، فأخبر أن ذلك الذي يقوله النصارى إنما هو مضاهاة لأقوال الأمم الوثنية وانتحال للساقط من أفكارهم ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة : 30 ] ، وهو ما حذرهم الله من الوقوع فيه ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَا بِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ [المائدة : 77 ] . (1) حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص41 .)
عدد الصفحات ٢٥٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وبعد : وصلنا في نهاية مطافنا إلى إجابة سؤالنا الرابع في سلسلتنا ، سلسلة الهدى والنور ، حيث أجبنا بموضوعية ومنهجية علمية محايدة عن سؤالنا في هذه الحلقة : هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لقد كشفت لنا الدراسة الموثقة عن جملة حقائق لا يسع الباحث عن الحقيقة إلا أن ينحني لها ، منها نجاة المسيح من الصلب بشهادة أسفار العهد القديم ، وكما وعد المسيح أتباعه في العهد الجديد ، ورأينا مكر الله يحيق بالتلميذ الخائن الذي خان سيده ، فانتشبت أرجله في الشبكة التي أخفاها ، ووقع في الحفرة التي حفرها . ورأينا ما يثبت صحة ما توصلنا إليه ، فقد سجلته الدلائل المت ناثرة في زوايا الكتاب ا لمقدس ، ورأينا ظلال ه في تاريخ النصرانية ، حيث تواصل إنكار النصارى لهذا الصلب المزعوم عبر تاريخ النصرانية القديم . كما ثبت لدينا عند دراسة فلسفة الفداء والكفارة أن البشر بريئون مما صنعه آدم في القديم ، وأن خطيئته لا تتجاوزه إلى غيره . ووضح لنا بالأدلة المتكاثرة أن ما يزعمه النصارى من توارث الخطيئة الأولى ولزوم الفداء بكائن إلهي ، إنما هو هراء تمجه العقول وتزدريه الفطر ، وهو ظلم يتنزه الله عنه ، وقد نقله بولس والمجتمعون بعده في مجمع نيقية من قصص الوثنيات السابقة للنصرانية . ولا يسعني وأنا أشكر القارئ على قراء ته لهذه السطور إلا أن أتوجه إليه بدعوة مخلصة لقراءة الحلقة التالية من حلقات سلسلة الهدى والنور ، وهي بعنوان : هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ؟
عدد الصفحات ٢٥٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ القرآن الكريم . الكتاب المقدس . طبعة : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة البروتستانتية) . الكتاب المقدس . طبعة : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة الأرثوذكسية الكاثوليكية) . الكتاب المقدس . طبعة : الرهبانية اليسوعية (نسخة كاثوليكية أصدرها الآباء اليسوعيون) . توزيع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق . بيروت . الترجمة العربية المشتركة ، (أصدرها علماء ولاهوتيون كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت) ، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ، (الطبعة الرابعة للعهد القديم ، الطبعة الثلاثون للعهد الجديد) . الكتاب المقدس . (الأسفار المقدسة العبرانية ، الأسفار المقدسة اليونانية) . ترجمة العالم الجديد . إنجيل برنابا . ترجمة سعادة . ط. دار الوثائق . الكويت ،1406هـ الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح ، الأب متى المسكين ، ط1 ، مطبعة دير القديس أنبا مقار ، 1991م . الإنجيل والصليب . عبد الأحد داود . القاهرة ، 1351هـ . براهين تحتاج إ تأمل في ألوهية المسيح . محمد حسن عبد الرحمن . ط1 . دار الكتاب الحديث ، 1409هـ . التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ، مجموعة من العلماء اللاهوتيين . خديعة الشيطان . أحمد ديدات . ترجمة : رياض أحمد باهبري . بيت الحكمة . ط2 .
عدد الصفحات ٢٥٧