هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ( لوقا 24 :25 ) ، وقوله لبطرس : « اذهب عني يا شيطان » ( متى16 :23 ) . وكذا شتم الأنبياء وشبههم باللصوص في قوله : « قال لهم يسوعأيض ا : الحق الحق أقول لكم : إني أنا باب الخراف . جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص » ( يوحنا10 :7-8 ) . وهذا السباب وغيره يستحق فاعله ، بل فاعل ما هو أقل منه نار جهنم ، وذلك حسب العهد الجديد ، يقول متى : « ومن قال : يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم » ( متى5 :22 ) ، وقال بولس متوعدً ا الذين يشتمون والذين يشربون الخمر بالحرمان من دخول الجنة : « و سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله » ( 1 كورنثوس 6 :10 ) ، فمن استحق النار ـ وحاشاه عليه الصلاة والسلام ـ هل يصلح ليفدي البشرية كلها ؟! كما يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبنائه حاملي الإثم ووارث يه نوع من الظلم لا تقره الشرائع على اختلاف مصادرها ، ولو عرضت قضية المسيح على أي محكمة بشرية لصدر حكم ببراءته في دقيقتين فقط . فكيف قبِل النصارى أن ينسبوا إلى الله عز وجل الرضا عن مثل هذا الظلم ، هل يرضى الرب العادل أن يؤخذ البريء بذنب المذنب ، وهو ـ عز وج ل ـ قادر على العفو والمغفرة . ويجيب النصارى بأن ليس في الأمر ظلم ، وذلك أن المسيح تطوع بالقيام بهذه المهمة ، بل إن نزول لاهوته من السماء وتأنسه كان لتحقيق هذه المهمة العظيمة المتمثلة بخلاص الناس من الإثم والخطيئة . وثمة من يتجه اتجاهً ا آخر فيرى أن لا ظلم في صلب المسيح ، إذ أن المسيح بتجسده الإنساني قد أصبح خاطئً ا متقمصً ا شخصية الإنسان المجرم الخاطئ، وعليه فقد
عدد الصفحات ٢١٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ استحق قول التوراة : « النفس التي تخطئ هي تموت » ( حزقيال18 :4)(1). والقولبتبرع المسيح البريء بالصلب عن الخطاة مردود من وجوه عدة : منها، أن المسيح لا يحق له أن يرضى عن مثل هذا الصنيع ، فهذا من الانتحار لا الفداء . فقاطع يده أو قاتل نفسه مذنب ، مع أن ذلك برضاه ووفق إرادته . ومنها، أن المسيح صدرت منه تصرفات كثيرة تدل على هروبه من اليهود وكراهيته للموت على أيديهم ، ولو كان قد جاء لهذه المهمة ، فلم هرب منها مرارً ا ، وصدر عنه ما يشعر بجهله بهذه المهمة . فقــد هــرب المســيح مــن طالبيــه مــرارً ا ، وحــرص علــى النجــاة مــن مكائــدهم . ( انظر يوحنا 8 :59 ، 10 :39 ، 11 :53) . ولما رأى إصرارهم على قتله لم يسلم نفسه ، بل خرج من أورشليم ، وقـال : « بل ينبغي أن أسير اليوم وما يليه ، لأنـه لا يمكـن أن يهلـك بنـي خارج ـ ا عـن أورشـليم » ( لوقا13 :33 ) . لذا اختار الجليل ملاذًا له من مؤامرة اليهود « وكان يسوع يتردد بعد هذاالجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية ، لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه » ( يوحنا7 :1 ) . وصارالمسيح يتخفى حين تجبره الظروف على الظهور « فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه ، فلم يكن يسوع يمشي بين اليهود علانية » ( يوحنا 11 :54 ) . ولمـــا أحـــس بـــالمؤامرة أمـــر تلاميـــذهبشــــراء ســـيوف ليـــدفعوا بهـــا عنـــه . ( انظر لوقا 22 :36-38 ) . (1) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص141 .)
عدد الصفحات ٢١١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثم هرب إلى البستان ، وصلى طويلاً وحزن واكتئب وتصبب عرقه وهو يطلب من الله « إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس » ( متى26 :39 ) ، لقد طلب من الله أن يصرف عنه كأس الموت . ثم لما وضع على الصليب ـ كما زعموا ـ صرخ : « إيليإيلي ، لم شبقتني » ، أي: إلهي إلهي ، لماذا تركتني ؟ ( متى 27 :46 ) ، فلم يكن راضيً ا عن صلبه ، ولا عالمً ا بالمهمة التي زعموا أنه جاء لأجلها . وصراخ المصلوب اليـائس علـى الصـليب اعتبرتـه دراسـة صـموئيل ريمـاروس ( ت 1778م ) حجة أساس في نتائجه التي توصل إليها بعد دراسته الموسعة ، فـاعتبره دالاً على أن المسيح لم يخطر بباله أنه سيصلب ، خلافً ا لما تقوله الأناجيل (1) . ومنها : أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحدً ا من تلاميذه ، وأن أحدً ا منهم لم يعرف شيئً ا عن ذلك ، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته . ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض : « أنا مجدتك على الأرض ، العمل الذي أعطيتني لأعمل ، قد أكملته » ( يوحنا17 :5 ) ، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب ، فكيف يقال : إنه جاء ليصلب ، وقد أكمل عمله الذي لأجله جاء ، ولما يصلب بعد . وأخيرً ا : هل تقبل محكمة عادلة متحضرة أن تأخذ البريء المتطوع لحمل وزر الخطيئة بذنب المجرم الخاطئ ؟ إن أحدً ا من البشر لا يصنع مثل هذا الخ رق ، ومن باب أولى أن يتنزه الله الحكيم عنه . (1) انظر : منهجية جمع السنة و الأناجيل ، عزية طه ، ص259 – 260 .)
عدد الصفحات ٢١٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يحصر النصارى مهمة المسيح المتجسد بالصلب ليتحقق الحب الإلهي للبشر، والمتمثل بالفداء والخلاص من خطيئة أبينا آدم والخطية الموروثة لذريته ، كما قال يوحنا : « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية » ( يوحنا3 :16 ) . وهو« الذي لم يشفق على ابنه ، بل بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية8 :32 ) . ونص يوحنا قول مهم في بيان مهمة المسيح ، لكن أحدً ا لم يذكره غير كاتب يوحنا المجهول ، فإما أن يكون القول من عنده كذبً ا وزورً ا ، وإما أن نقول ب أن الإنجيليين الثلاثة فرطوا أيما تفريط في ذكر أهم مقتضيات إرسال المسيح . ويكذب هذا النص المهمات التي أطبقت على ذكرها الأناجيل ، فإن آدم والخطيئة الأصلية لم يردا على لسان المسيح أبدً ا ، فضلاً عن الزعم بأنه جاء من أجل تكفير هذه الخطيئة ، يقول فيلسيان شالي : « ومن الغريب أن هذه الفكرة لا توجد ، لا في أعمال الأنبياء ، ولا في الأناشيد ، ولا في الأناجيل ، ولا يشير إليها يسوع بأي إشارة، والقديس بولس هو الذي يؤكد أن الخطيئة قد دخلت العالم بسبب آدم ، ثم إن القديس أوغسطين هو الذي أعطى هذا التصور أهمية من الطراز الأول » (1) . ولقد قصر عيسى مهمته التي جاء من أجلها ب تذكير الناس بالقيامة والحساب وبعثة النبي الخاتم « قد تم الزمان واقترب ملكوت ا ، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل » ( مرقس1 :14 ) . واستمر في دعوته قائلاً : « إنه ينبغي لي أن أُبشر المدن الأخر أيض ا بملكوت الله، (1) موجز تاريخ الأديان ، فيلسيان شالي ، ص248 .)
عدد الصفحات ٢١٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لأني لهذا قد أُرسلت » ( لوقا4 :43 ) . ومن مهماته إتمام الناموس ، لذا تجده يقول : « لا تظنوا أني أتيت لأنقض الناموس ، أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمل » ( متى5 :17 ) . وأعظم مهماته الدعوة لتوحيد الله « وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته ، أنا مجدتك على الأرض ، العمل الذي أعطيتني لأعمل ، قد أكملته » (يوحنا 17 :3-4 ) . ونص يوحنا السالف ( يوحنا 3 :16 ) معارض أيضً ا بسؤال المسيح الله أن يجيز عنه كأس الصلب ، فلو كانت تلك مهمته لما جاز سؤاله بإجازة الكأس عنه . وأما قول بولس في ( رومية 8 :32 ) فهو يشعر برضا المسيح ، بل ناطق بظلم وقسوة لا يصح أن ينسبا إلى الله ، ويرِ د عليه ما يرِ د على نص يوحنا . وقد زعم يوحنا أن محبة الله للبشرية هي سبب صلب المسيح فداء عن العالمين. فماذا عن محبة الله للمسيح الذي لم يشفق عليه ، وأسلمه لأشنع قتلة وإهانة . فكان كما وصفه بولس : « لم يشفق على ابنه ، بل بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية8 :32 ) . أفما كان له نصيب في هذا الحب ؟ ولم يصر النصارى على الحب الممزوج بالدماء ؟ هل أرسل الله خالق الكون العظيم ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي في مجموعها كوكبً ا من الكواكب المتناهية في الصغر ، لكي يعاني موتً ا وحشيً ا قاسيً ا على أعواد الصليب ، لترضية النقمة الإلهية ـ المزعومة ـ على البشر ، ولكي يستطيع أن يغفر للبشرية ذنبها ، على شرط أن تعلن ال بشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي ؟ هل هذا ما يريد منا النصارى تصوره ! يقول ريتشارد هوكنز ( 1585م ) وهو يلاحظ ما يكتنف صلب البريء من
عدد الصفحات ٢١٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ القسوة والظلم ، فيقول : « فليحسبه البعض جهالة أو جنونًا أو ثورة غضب .. أو مهما كان فإنا نحسبه حكمة وتعزية » (1) . ثم إن كانخطأ آدم قد احتاج لتجسد إله وصلبه من أجل أن ي غفر ، فكم تحتاج معاصي بنيه من آلهة تصلب ؟ إن جريمة قتل المسيح التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم ، وأعظم منها ما نسبه القوم إلى أنبيائهم من القبائح التي لا تصدر إلا عن حثالة البشر . يقول فولتير : « إذاكانت المسيحية تعتبرنا خطاة حتى قبل أن نولد ، وتجعل من خطيئة آدم سجنً ا للبريء والمذنب . فما ذنب المسيح كي يصلب أو يقتل ؟ وكيف يتم الخلاص من خطيئة بارتكاب خطيئة أكبر ؟ » (2) . ولنا أن نتساءل : لم كان طريق الخلاص عبر إهلاك اليهود وتسليط الشيطان عليهم وإغراء العداوة بين اليهود والنصارى قرونً ا طويلة . إن الحكمة تفرض أن يكون الفداء بأن يطلب المسيح من تلاميذه أن يقتلوه ، ويجنب اليهود معثرة الشيطان ، ويقع الفداء . وهكذا أسئلة كثيرة تلح تبحث عن الإجابة ، وما من مجيب ! (1) انظر : المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (376) ، المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح ، علاء أبو بكر ، ص (138-139 .) (2) انظر : حوار صريح بين عبد الله وعبد المسيح ، عبد الودود شلبي ، ص23.)
عدد الصفحات ٢١٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حار المحققون في فهم نصوص الفداء المتناقضة ، كما حاروا في فهم ما يريده النصارى من الغفران ، هل الغفران خاص بالنصارى أم أنه عام لكل البشر ، وهل هو خاص بذنب آدم الموروث أم أنه عام في جميع الخطايا ؟ كما تبقى في ذمة النصارى أسئلة تحير الإجابة عنها ، إن كان من إجابة . منها : لماذا تأخر صلب المسيح طوال هذه القرون ؟ هل كان ثمة حيرة في البحث عن الحل فكان سببً ا في التأخير . لماذا لم يصلب المسيح بعد ذنب آدم مباشرة؟ أو لماذا لم يتأخر الصلب إلى نهاية الدنيا بعد أن يذنب جميع الناس ليكون الصلب تكفيرً ا لذنوب هؤلاء جميعً ا . ثم ما هو مصير أولئك الذين ماتوا قبل الصلب ، ماتوا وقد تسربلوا بالخطيئة ؟ أين كان مصيرهم إلى أن جاء المسيح فخلصهم ؟ لماذا تأخر خلاصهم ؟ والسؤال الأهم تحديد من الذين يشملهم الخلاص ؟ هل هو لكل الناس أم للمؤمنين فقط ؟ وهل هو خلاص من جميع الخطايا أم من خطيئة آدم فقط ؟ لعل الإ جابة عن هذين السؤالين من أصعب النقاط التي تواجه الفكر المسيحي، فالكنيسة تقول : « آمنوا بأن المسيح صلب لخلاصكم فتخلصون ، لأن صلبه فداء لكل خطايا البشر وتكفير لها » . ولنتأمل في إجابة النصارى عن هذه الأسئلة التي طرحناها . تشترط الكنائس التقليدية الإيمان كمدخ ل للخلاص، فلا استحقاق لغير المؤمنين، ويضيفون إليه التعميد « من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن » (مرقس16 :16)، وهكذا«في المعمودية ننال استحقاقات دم المسيح للمغفرة، فتغفر
عدد الصفحات ٢١٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لنا جميع الخطايا السابقة للمعمودية، سواء الخطية الأصلية الجدية أو الخطايا الفعلية السابقة للمعمودية. ومادامت الخطية الأصلية قد غفرت، فلا داعي لتكرار المعمودية إذن. أما الخطايا الفعلية التي يرتكب بعد المعمودية فتغفر بواسطة سر التوبة»(1). يقول أوغسطينوس بأن الإنسان وارث للخطيئة ، غير مفدي إلا إذا آمن بالمسيح، ودلالة الإيمان التعميد ، فمن عمد فدي ونجا ، ومن لم ي عمد لا ينجو ، ولو كان طفلاً ، فإن الأطفال الذين ماتوا قبل التعميد يقول عنهم توماس الأكويني في كتابه : (The Summa Theologica ) : « سوف يتمتعون برؤية ملكوت الرب » . ويقول الأنبا ساويرس ابن المقفع«بسبب خطيئة آدم يموت كل من يموت مـن جميع ذريته ، ينزل إلى الجحيم، حتى الأطفال الذين لم يخطئوا »(2). و ندري كيف يبرر أوغسطينوس والأكويني وسائر النصارى تعذيب هؤلاء الأطفال وحرمانهم من الملكوت ، لا بذنب أذنبوه ، بل بخطيئة أورثوها من غير حول لهم ولا قوة ، ثم قصر آباؤهم فلم يعمدوهم . وأما الذين ماتوا قبل المسيح فإن أوغسطينوس يرى في كتابه ( On Original Sin ) بأنهم أيضًا لا ينجون إلا بالإيمان بالمسيح (3) . ولم يبين أوغسطينوس كيف يتسنى لهؤلاء الإيمان بالمسيح وقد ماتوا ، ولعله أراد ما قاله بطرس عن أن المسيح « ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ، إذ عصت قديم ا ، حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح .. » (1 بطرس 3 :19 ) ، ومراده ما يقوله النصارى بدخول المسيح إلى الجحيم وإخراجه أرواح الناجين من ها، ومنهم (1 )قانون الإيمان، البابا شنودة، ص118-119 .) (2 )الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص51 .) (3) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص86-87.)
عدد الصفحات ٢١٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الأنبياء والبررة الماضون، يقول الأنبا ساويرس ابن المقفع: « ألقى الشيطان الآباء الصديقين الذين لم يطيعوا شهواته؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الصديقين والأنبياء في الجحيم، ألقاهم من أجل مخالفة آدم أبيهم، غير أن النار لم تكن تحرقهم كما أحرقت الكلدانيين »(1). إن المتأمل في سيرة المسيح وأقواله يرى بوضوح أن دعوة المسيح كانتلبني إسرائيل ، وأنه خلال سني دعوته نهى تلاميذه عن دعوة غيرهم ، وعليه فالخلاص أيضً ا يجب أن يكون خاصً ا بهم ، وهو ما نقرأه جليً ا في قصة المرأة الكنعانية التي قالت له: « ارحمني يا سيد يا ابن داود . ابنتي مجنونة جد ا ، فلم يجبها بكلمة واحدة ، فتقدم إليه تلاميذه ، وطلبوا إليه قائلين : اصرفها لأنها تصيح وراءنا ، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ، فأتت وسجدت له قائلة : يا سيد أعني ، فأجاب وقال : ليس حسن ا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب » ( متى15 :22-26) ، فالمسيح لم يبادر إلى شفاء ابنة المرأة الكنعانية ، وهو قادر عليه ، وعلل سبب توقفه عن شفاء الابنة المريضة ، بأنها ليست من خراف بيت إسرائيل التي أرسل لها ، فامتنع أول مرة عن شفائها ، لأنها ليست من شعبه ، فمن كان هذا فعله فكيف يقال بأنه قدم روحه بالفداء عن البشرية جمعاء ؟ ويوضح عبد الأحد داود ـ في كتابه الإنجيل والصليب ـ هذا المعنى بقوله : « فها أنذا أقول لهؤلاء المسيحيين الذين يبلغ عددهم الملايين ، وهم ليسوا من الإسرائيليين : انظروا ، إن مسيحكم لم يعرفكم قطعً ا ، ولم ينقل عنه أنه قال عنكم (1 )الدر الثمين في إيضاح الدين، ابن المقفع، ص193 .)
عدد الصفحات ٢١٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حرفً ا واحدً ا ، بل إنه سمى غير الإسرائيليين كلابً ا .. أتعلمون ماذا أنتم حسب شريعة موسى ؟ إن الذين لم يختتنوا إنما يعدون ملوثين ( نجسً ا ) » . ويقول أيضً ا في تعليقه على قصة المرأة الكنعانية : « المسيح لم يكن ليفدي أحدً ا بحياته ، بل لم يكن يسمح بتقديم قلامة من أظفاره هدية للعالم ، فضلاً عن أنه لم يتعهد للروس والإنجليز والأمريكيين بالنجاة ، لأنه لم يعرفهم .. » (1) . فكما كانت رسالته خاصة في بني إسرائيل ، فإن خلاصه خاص ببني إسرائيل ، بدليل اشتراطهم الإيمان به لحصول الخلاص ، وهو أمر لا دليل عليه ، حيث إن صلب المسيح وموته لا علاقة له بإيمان هؤلاء أو كفرهم ، فالصلب قد تم من أجل الخطايا برمتها ، كما ذكرت النصوص ذلك غير مرة . ( انظر يوحنا 3 :16-17 ، و1 يوحنا 2 :2). والإصرار على نجاة المؤمنين فقط يجعل تجسد الإله وصلبه نوعً ا من العبث ، فهو لم يؤد ما بعث من أجله ، إذ عدد المؤمنين بمسألة الفداء أقل بكثير من المنكرين له . ويرِ د هن ا سؤال يدل على ضبابية فكرة الخلاص وتأرجحها بين اليهود والأمميين : ما معنى قول بولس وهو يخاطب نصارى أهل كورنثوس فيقول : « إنه يتضايق لأجل خلاصهم » (2 كورنثوس 1 :6 ) ، فهل حرموا من النجاة لأنهم ليسوا يهودً ا ، وإذا كان الخلاص غير خاص باليهود فمم يخاف بولس ويحذر ، والمفروض أن أهل كورنثوس قد خلصوا ونجوا ، فمم يخاف بولس عليهم ؟ . (1) انظر : الإنجيل والصليب ، عبد الأحد داود ، ص80-81 .)
عدد الصفحات ٢١٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إن أبرز ما يلحظه الدارس لعقيدة الفداء اقترانها ببولس منذ نشأتها ، وقد أراد بولس منها أن تكون ذريعة لإلغاء وإبطال الشريعة والناموس ، حيث جعل الخلاص بالإيمان فحسب ، من غير حاجة للعمل الصالح ، فأضحى الفداء ليس مجرد خلاص من الذنوب ، بل هو خلاص حتى من العمل الصالح . وقد أكثر بولس (1) من التجريح للشريعة الموسوية التي كان المسيح يعظمها ويلتزم بأحكامها ، ومن ذلك قوله عن نظام الكهنوت التوراتي : « فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها ، إذ الناموس لم يكمل شيئ ا ، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله » ( عبرانيين7 :18-19 ) . ويواصل كاتب رسالة العبرانيين التجني على التوراة والناموس ، فيصف ناموس الكهنوت ـ الذي أتى عيسى لإكماله وغيره من شرائع التوراة ـ بالعتق والشيخوخة والتهافت ، فيقول : « وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال » ( عبرانيين8 :13 ) . ويقول عنه : « فإنه لو كان ذلك الأول ب عيب ، لما طُ لب موضعٌ لثانٍ » ( عبرانيين8 :7 ) . ويتجنى بولس على شريعة الله فيعتبرها سببًا للخطيئة ، فيقول : « لم أعرف خطيئة إلا بالناموس ، فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس : لا تشته .. لأن بدون الناموس الخطيئة ميتة .. لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة ، فمتُّ أنا » ( رومية7 :7-9 ) . (1) الحقيقة أن كاتب رسالة العبرانيين مجهول ، لكن الكثير من النصارى ينسبونها إلى بولس أو إلى واحد من تلاميذه ، وهو ما قد أميل إليه لما اكتنف هذه الرسالة من تحقير ناموس الله الذي أرسله للأنبياء ، وقد نقضه بولس كما يمر معنا ، واعتبره غير نافع للخلاص.
عدد الصفحات ٢٢٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويسمي بولس الشريعة الإلهية المنزلة على الأنبياء لعنة فيقول : « المسيح افتدانا من لعنة الناموس » ( غلاطية3 :13 ) . ويبرر تسميته أوامر الله وشريعته باللعنة ، بأنها سبب حلول اللعنة عند عدم الامتثال لأوامره تبارك وتعالى « لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة ، لأنه مكتوب : ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في الكتاب الناموس ليعمل به ، ولكن إن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله » ( غلاطية3 :10-11 ) . ويعلن عن عدم الحاجة إل ى هذا الناموس بعد صلب المسيح : « قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب » ( غلاطية3 :24-25 ) . ويؤكد إبطال الناموس فيقول : « سلامنا الذي جعل الاثنين واحد .. مبطلا بجسده ناموس الوصايا » ( أفسس2 :14-15 ) ، فقد بطل الناموس لأن « الإنسان يتبرر بأعمال الناموس ، بل بإيمان يسوع ، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما » ( غلاطية2 :16 ) . يقول الأب متى المسكين : « فبموته ألغى الناموس ، وبإلغاء الناموس أ لغيت الخطية ، وبإلغاء الخطية أ لغي الموت ، وبإلغاء الموت أ لغيت الهاوية .. فلم يعد بعد موته خطية » (1) . وأما أولئك الذين يصرون على العمل بالناموس والنجاة من خلال التزام أوامر الله ، فيرى بولس ـ الذي لم يتشرف برؤية المسيح ـ أنهم يسيئون للمسيح المخلص « قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس » ( غلاطية5 :4 ) ، لأنه « إن كان (1 )الإنجيل بحسب القديس متى دراسة وتفسير وشرح ) ، الأب متى المسكين ، ص (776.)
عدد الصفحات ٢٢١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بالناموس بر ، فالمسيح إذا مات بلا سبب » (غلاطية2 :21 ) ، « أبناموس الأعمال ، كلا ، بل بناموس الإيمان ، إذ ا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان ، بدون أعمال الناموس » ( رومية3 :27-28 ) . وينعي بولس علـى اليهـود الـذين يطلبـون الـبر عـن طريـق الإيمـان ، مـن غيـر أن يدركوه كما أدركته الأمم التي آمنت ولم تعمل بأحكام النـاموس « إن الأمـم الـذين لـم يسعوا في أثر البر أدركوا البر ، البر الذي بالإيمـان ، ولكـن إسـرائيل وهـو يسـعى في أثـر ناموس البر ، لم يدرك ناموس البر ، لأنـه فعـل ذلـك لـيس بالإيمـان ، بـل كأنـه بأعمـال الناموس ، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة » ( رومية9 :30-31 ) . ويقول أيضً ا : « الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة ، لا بمقتضى أعمالنا ، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع ، الذي أبطل الموت ، وأنار الحياة والخلود » (2 تيموثاوس 1 :9-10 ) . ويواصل : « ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه ، لا بأعمال في بر عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس » ( تيطس3 : 4-5 ) . ولذلك فإن بولس يرى أن لا حاجة إلى الشريعة والناموس ، ويعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفً ا التوراة وأحكامها ( انظر التثنية 14 :1-24) ، فيقول : « أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن شيء نجس في حد ذاته ، ولكنه يكون نجس ا لمن يعتبره نجس ا » ( رومية14 :14 ) ، ويقول : « كل شيء طاهر للأطهار ، وما من شيء طاهر للأنجاس » (تيطس1 : 15 ) ، « لأن كل خليقة الله جيدة ، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر » (1 تيموثاوس 4 :4 ) ، وكذا فالمسيح بدمه المسفوح « محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من
عدد الصفحات ٢٢٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ جهة عيد أو هلال أو سبت » ( كولوسي2 :14-16 ) . وهكذا وفي نصوص كثيرة أكد بولس أن فائدة من العمل الصالح والشريعة في تحصيل النجاة ، وأن البر إنما يتحقق بالإيمان وحده . وقد كان لهذه النصوص البولسية صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة . فيقول لوثر أحد مؤس سي المذهب البروتستانتي : « إن الإنجيل يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا ، بل بعكس ذلك ، إنه يرفض أعمالنا .. إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جدً ا ، وأن تكثر عددها » ، وهذا المعنى يستوحيه المصلح الإنجيلي الشهير من رسالة بولس إلى أهل رومية : « وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية ، ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جد ا » ( رومية5 :20 ) . ويقول في تعليقه على يوحنا 3 :16 : « أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقً ا وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلاً رقيقً ا .. فإذا ما سرت ف يه حاملاً أعدالاً مملوءة أعمالاً صالحة ، فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه ، وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق .. إن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف ، فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس . وأصحاب القديس يعقوب الرسول (أعني بهم : الذين يتمسكو ن برسالته الآمرة بضرورة الأعمال الصالحة) ، فمثل هؤلاء لا يدخلون أبدً ا » (1). ويقول : « إن السيد المسيح كي يعتق الإنسان من حفظ الشريعة الإلهية قد تممها هو بنفسه باسمه ، ولا يبقى على الإنسان بعد ذلك إلا أن يتخذ لنفسه ، وينسب إلى ذاته تتميم هذه الشريعة بواسطة الإيمان ، ونتيجة هذا التعليم هو أن لا لزوم لحفظ (1 )كشف التلاعب والتحريف، الأب يوسف فان هام، ص18.)
عدد الصفحات ٢٢٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الشريعة ، ولا للأعمال الصالحة » . ويقولالإصلاحي الشهير فيليب ملانكثون (ت 1560م في كتابه ( الأماكن اللاهوتية ) : « إن كنت سارقًا أو زانيً ا أو فاسقً ا لا تهتم بذلك ، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة ، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد» . ويقول القس لبيب ميخائيل : « الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطيئة تعتبر إهانة كبرى لذات الله ، إذ أنها دليل على اعتقاد من يقوم بها ، بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطيئ ة في قلب الله عن طريق عمل الصالحات .. وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان إلا بأعمال الإنسان ، وياله من فكر شرير ومهين » (1) . وهذاكله مستقى من بولس حين قال : « الإنسان يتبرر بأعمال الناموس .. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما .. لأنه إن كان الناموس بر ، فالمسيح إذ ا مات بلا سبب » ( غلاطية2 :16-21 ) . وهكذا كانت عقيدة الخلاص البولسية سبيلاً لإلغاء الشريعة والتحلل من التزاماتها . وإذا كان بولس ولوثر لا يريان للأعمال والناموس أثرً ا في تبرير الإنسان وفدائه ؛ فإن نصوصً ا كثيرة تشهد بغرابة هذه الفكرة عن المسيح وأتباعه ، إذ الأعمال حسب تعليمهم هي الطريق إلى ملكوت الله الأخروية . (1) المسيح بين الحقائق والأوهام ، محمد وصفي ، ص ( 67-68 ،153) ، مسيحية بلا مسيح ، كامل سعفان ، ص ( 49) ، وانظر كتاب ( المقارنة بين الدين الكاثوليكي والمذهب البرتستنتي ) للأنبا أغناطيوس.
عدد الصفحات ٢٢٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومن ذلك أن المسيح أمر بالتزام الشريعة « خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلا : على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون ، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا ، لأنهم يقولون ولا يفعلون » ( متى 23 :1-3 ) . وفي شــأن النــاموس وتعظيمــه قــال : « لا تظنــوا أني جئــت لأنقــض النــاموس أو الأنبياء ، ما جئت لأنقض ، بل لأكمّل ، فـإني الحـق أقـول لكـم : إلـى أن تـزول السـماء والأرض لا يــزول حــرف واحــد أو نقطــة واحــدة مــن النــاموس حتــى يكــون الكــل » ( متــى 5 : 17-18 ) ، فهــو مخــالف لبــولس الــذي زعــم أن المســيح أبطــل النــاموس بجسده المعلق على الصليب . هذا ولم يذكر المسيح في نصائحه لأتباعه شيئً ا عن الخلاص بغير عمل ، فقد جاءه رجل : « وقال له : أيها المعلم الصالح : أية صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له : لماذا تدعوني صالح ا ، ليس أحد صالح إلا واحد ، وهو الله ، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا . قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل . لا تزن. لا تسرق . لا تشهد بالزور .. » ( متى19 :16-20 ) ، فلم يطلب منه المسيح الإيمان فقط ، بل طالبه بالعمل بما جاء في وصايا موسى ( انظر الخروج 20 :1-7 ) . وفي مرة أخرى قال المسيح لتلاميذه : « فإني أقول لكم : إن لم يزد بِ ركم على الكتبة والفريس يين ، فلن تدخلوا ملكوت السماوات » ( متى 5 :20 ) ، فلئن كان بطرس ويوحنا محجوبين عن الملكوت إلا بعمل صالح يشفع لهما ، فماذا عن مصير أولئك الذين تبعوا بولس وأبطلوا الناموس . ويشرح العلامة ديدات النص ، فيقول : « أي جنة لكم حتى تكونوا أفضل من
عدد الصفحات ٢٢٥