المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١٣ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إلى أبد الآبدين » (1) . ويؤكد القس جولد ساك على أهمية القصاص فيقول : « لابد أن يكون واضحًا وضوح ال شمس في ضحاها لأي إنسان بأن الله لا يمكنه أن ينقض ناموسه ، لأنه إذا فعل ذلك من الذي يدعوه عادلاً ومنصفً ا » (2) . إذًا لابد من العقوبة حتى تحصل المغفرة . وفي ذلك يقول مؤلف رسالة العبرانيين : « وكل شيء تقريب ا يتطهر حسب الناموس بالدم ، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة » ( عبرانيين9 :22 ) . ويقول بولس : « لأنكم قد اشتريتم بثمن ، فمجدوا الله في أجسادكم ، وفي أرواحكم التي هي لله » ( 1 كورنثوس 6 :20 ) ، ويقول : « أجرة الخطية هي موت » ( رومية6 :23 ) . ويقول : « لأنه وإن كنا ونحن أعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه » ( رومية5 :10 ). ويقول بطرس : « عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب ، ولا دنس دم : المسيح » (1 بطرس 1 :18-19) . ويعتبر النصارى فداء المسيح للبشرية العمل الحقيقي للمسيح والذي من أجله تجسد وتأنس ، يقول الأنبا أثناسيوس : « فالمسيح هو الله غير المنظور ، وقد صار (1) انظر : ما هي النصرانية محمد تقي العثما، ص (83 – 85 )، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (359 )، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (142 – 144 )، المسيحية ، أحمد شلبي ، ص (126 – 137.) (2) الغفران بين الإسلام والمسيحية ، إبراهيم خليل أحمد ، ص (111 .)

عدد الصفحات ١٩٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ منظورً ا ، ولماذا صار منظورً ا ، لينجز مهمة الفداء والخلاص ، التي ما كان يمكن لغير الله أن يقوم بها ، فالله قد تجسد في المسيح من أجل الفداء والخلاص ، فالفداء كان هو الغاية ، والتجسد كان هو الوسيلة » (1) . ويرىالمسلمون في هذا الفكر النصراني انحرافً ا وتجافيً ا عن المعقول والمنقول، فإن فيه إساءة أدب مع الله وكفرً ا به ، كان ينبغي أن ينزهه النصارى عنه ، إذ كيف يقبل عقلاً ودينً ا القول بتناقض العدل الإلهي مع الرحمة الإلهية قرونً ا متطاولة ، من غير أن يهتدي الرب ـ تعالى عن ذلك ـ إلى سبيل للتوفيق بين صفاته المتناقضة ، وأخيرً ا جاء الحل الدموي بصلب المسيح البريء رحمة من الرب بالعالمين . وت ظهر العقيدة النصرانية الله عاجزً ا عن ال عفو عن آدم وذنبه ، حائرً ا في الطريقة التي ينبغي أن يعاقبه بها بعد أن قرر عقوبته . ويظهر قرار العقوبة وكأنه قرار متسرع يبحث له عن مخرج ، وقد امتد البحث عن هذا المخرج قرونً ا عديدة ، ثم اهتدى إليه بعد ، فكان المخرج الوحيد هو ظلم المسيح وتعذيبه على الصليب كفارة عن ذنب لم يرتكبه . ويشبه النصارى إلههم وقتذاك بصورة مستقذرة ، بصورة المرابي وهو يريد عوضً ا على كل شيء ، ونسي هؤلاء أن الله حين يعاقب لا يعاقب للمعاوضة أو لإرضاء نفسه أو للانتقام ، بل لكبح الشر وتطهير النفس من درن الذنب . وقد فات الفكر النصراني وجود بد ائل كثيرة مقبولة ومتوافقة مع سنن الله الماضية في البشر ، وهي جميعً ا أولى من اللجوء إلى صلب المسيح تكفيرً ا للخطيئة (1) اللقاء بين الإسلام والنصرانية ، أحمد حجازي السقا ، ص135 .)

عدد الصفحات ١٩٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ووفاءً بسنتي الانتقام والعدل بالمفهوم النصراني . ومن هذه البدائل : التوبة ، والمغفرة والعفو ، ومنها العفو بصك غفران لا يزيد سعره على بضع دولارات ، ومنها الاكتفاء بعقوبة الأبوين على جريمتهما ، وكل ذلك ـ عدا المغفرة بالدولارات ـ من سنن الله التي يقرها الكتاب المقدس في مغفرة ذنوب الخاطئين . فلئن كان ثمة تنازع بين الرحمة والعدل ـ كما يزعم النصارى ـ فإن من أهم مخارج المسألة التوبة التي ذكر الله في القرآن أن آدم صنعها ، وهي باب عظيم من أبواب فضل الله ، جعله للخاطئين . والتوبة تغسل الذنب وتنقي القلب ، فيكون الخاطئ التائب حبيبً ا إلى الله ، فلم لا يقول النصارى بأن آدم تاب وقبلت توبته ، لم يصرون على القصاص ، ولم يصر الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين على أنه « بدون سفك دم تحصل مغفرة » (عبرانيين9 :22 ) . لقد تحدثت نصوص التوراة والإنجيل بإسهاب عن التوبة وقصصها قبول الله لها . فها هو المسيح يجلس مع العشارين والخطاة ، فيتذمر الفريسيون والكتبة لذلك قائلين : « هذا يقبل خطاة ويأكلمعهم » ( لوقا15 :2 ) فأراهم المسيح حرصه على التوبة وفرحة الله بالتائب « وكلمهم بهذا المثل قائ : أي إنسان منكم له مائة خروف وأضاع واحد ا منها ، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال ، حتى يجده ، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرح ا ويأتي إلى بيته ، ويدعو الأصدقاء والجيران قائلا لهم : افرحوا معي ، لأني وجدت خروفي الضال .

عدد الصفحات ١٩٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أقـــول لكـــم : إنـــه هكـــذا يكـــون فـــرح في الســـماء بخـــاطئ واحـــد يتـــوب .. » ( لوقا15 :3-7 ) ، وعليه فالتوبة مقبولة عند الله كوسـيلة للخـلاص مـن الـذنب ، ولا تتناقض مع قدر الله القاضي بالقصاص من العاصي . كما ضرب للتوبة وأهلها ومنزلتها مثلين آخرين ، فقد شبّه الفرح بالتائب بفرح الأب بعودة ابنه الضال وبعثور صاحب الدرهم الضائع على درهمه . ( انظر لوقا 15 :8-32 ) . ولقد وعد الله التائبين بالقبول ففي سفر حزقيال : « فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها ، وحفظ كل فرائضي ، وفعل حق ا وعدلا ، فحياة يحيا ، لا يموت ، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه ، بره الذي عمل يحيا ، هل مسرة أُ سرُّ بموت الشرير » (حزقيال18 :21-23 ) . وفي إشعيا يؤكد الوعد فيقول : « ليترك الشرير طريقه ، ورجل الإثم أفكاره ، وليتب إلى الرب فيرحمه ، وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران » ( إشعيا55 :7 ) ، فالرب الحليم الرحيم يعد عباده العاصين بالرحمة حال توبتهم ، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته ، إذ هو يفعل ما يريد . ويقول يوحنا المعمدان مخاطبً ا اليهود مذكرً ا إياهم بأهمية التوبة : « يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ، فاصنعوا أثمار ا تليق بالتوبة ، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أب ا » (متى3 :7-9) ، فالتوبة هي الطريق ، وليس النسب كما ليس الفداء . تقول التوراة : « فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم ، وصلّوا وطلبوا وجهي ، ورجعوا عن طرقهم الردية ، فإنني أسمع من السماء » (2 أخبار 7 :14 ) . ولكن ورغم هذا كله يقول عوض سمعان : « فالتوبة مهما كان شأنها ليست

عدد الصفحات ١٩٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بكافية للصفح عما مضى من خطايانا » (1) . إذًا لماذا أكدت النبوات عليها وعلى فضلها ومحبة الله لها ، ولم أغلق هذا الباب في وجه آدم ، وهو أولى الناس به لمعرفته بالله العظيم وجزائه ورحمته ، إضافة إلى شعوره بالذنب وأثره الجمّ عليه ، وهذا الذي ذكره الله عنه ﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه : 121-122 ] . لكن بولس يصر على أن« أجرة الخطية هي موت » ( رومية6 :23 ) ، وعليه فهذا الحكم لا نكول عنه ، لأن الله لا يكذب ، وهو يحب أن يرحم عباده ، فلا سبيل للجمع بين إرادتيه إلا بالكفارة ، لأن الله رحيم ، وهو أيضً ا لا يكذب في وعيده . وهذا المبدأ غريب في تصوره الضعيف والسقيم لله ، وحديثه عن الله المشوب باتهام الرب العظيم بقلة الحيلة أو الخوف على سمعته ومنزلته عند مخلوقاته ، وهو بكل حال متناقض مع النصوص التي أكدت أن أجرة الخطية موت ، وأن الله يرفعه بالتوبة ، من غير أن يتناقض عدله مع رحمته . إذ يقول سفر حزقيال : « وإذا قلت للشرير : موت ا تموت . فإن رجع عن خطيته وعمل بالعدل والحق ، إن رد الشرير الرهن ، وعوّض عن المغتصَ ب ، وسلك في فرائض الحياة بلا عمل إثم ، فإنه حياة يحيا . لا يموت . كل خطيته التي أخطأ بها لا تذكر عليه ، عمل بالعدل والحق ، فيحيا حياة » ( حزقيال33 :14-16) ، فالموت الذي هو جزاء الخطية يرفع بالتوبة والعمل الصالح من غير حاجة إلى سفك دم . وهو ما يعلمنا إياه التلميذ يعقوب بقوله : « صلاةالإيمان تشفي المريض ، (1) الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص140 .)

عدد الصفحات ١٩٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ والرب يقيمه ، وإن كان قد فعل خطية تغفر له » ( يعقوب5 :15 ) فالصلاة تغفر الخطايا ، ولا مبرر للدم والكفارة . ومثلها الصدقة على الفقراء والمساكين « الصدقة تنجي من الموت ، وهي تطهر من كل خطيئة ، الذين يتصدقون يشبعون من الحياة » ( طوبيا12 :9 ) . ثم إنه ثمة مخرج آخر للجمع بين سنة الله في عقاب الظالمين وعفوه عنهم ، ألا وهو سنته في العفو عنهم ، فهو لا يتناقض مع العدل ، إذ لن يسأل أحد ربه لماذا عفا عمن عفا عنه من المسيئين ؟ وقبل أن نتحدث عن العفو نلاحظ أن لمصطلح العدل عند النصارى مفهوم خاطئ ، فالعدل هو عدم نق ص شيء من أجر المحسنين ، وعدم الزيادة في عقاب المسيء عما يستحق ، فهو توفية الناس حقهم بلا نقص في الأجر ، ولا زيادة في العقاب . وعليه فإخلاف الوعيد لا يتعارض مع العدل ، بل هو كرم الله الذي قد يمنحه للمسيئين ، عفوً ا منه ومغفرة جل وعلا ، فهو العفو الرحيم . والعفو من الصفات الإلهية التي اتصف بها الرب ، وطلب من عبـاده أن يتصـفوا بها ، وهو أولى بها لما فيها من كمال وح سن ، وقد عفا عن بني إسرائيل من غيـر كفـارة ولا مصــلوب « رضــيت يــا رب علــى أرضــك ، أرجعــت ســبي يعقــوب ، غفــرت إثــم شعبك، سترت كل خطيتهم ، سلاه ، حجزت كل رجزك ، رجعت عن حمو غضبك » ( المزمور 85 :1-3 ) . ويقول بولس : « طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم ، طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية » ( رومية4 :7-8 ) ، فثمة أناس عفا الله عن خطاياهم وذنوبهم ،

عدد الصفحات ١٩٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وسترها عليهم ، من غير دم يسفك عنهم ، ولا تناقض بين عدل الله ورحمته بشأنهم . وقد علّ م المسيح تلاميذه خلق العفو ، وضرب لهم مثلاً قصة العبد المديون والمدين . ( انظر متى 18 :23-34 ) ،وكان بطرس قد سأل المسيح : « يا رب كم مرة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له ؟ هل إلى سبع مرات ؟ قال له يسوع : بل إلى سبعين مرة » ( متى18 :21-22 ) . ومرة أخرى قال لهم : « أما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات ، فإنه تشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويمطر على الأبرار والظالمين » ( متى5 :44-45 ) . فالعفو عن الخاطئين صفة مدح ، الله أولى بها من عباده ، وهو أقدر منهم وأغنى جل وعز . ولم لا يكون العفو بصك غفران يمنحه الله لآدم ، ويجنب المسيح ويلات الصلب وآلامه ، أو لم لا يجعل للمسيح فدية عن الصلب ، كما جعل لإبراهيم فدية فدى بها ابنه إسماعيل . وكذا فإن إصرار النصارى على أنه لا تكون مغفرة إلا بسفك دم ( انظر عبرانيين 9 :22 ) (1) ، ترده نصوص أخرى أخبرت أن الله قد يرفض الذبائح ولا يرتضيها وسيلة للخلاص ، منها ما جاء في متى : « إني أريد رحمة ذبيحة ، لأني لم آت لأدعو أبرار ا ، بل خطاة إلى التوبة » ( متى9 :13 ) . (1) يخالف الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين المصر على الدم ما جاء في العهد القديم ، فإنه يجيز المغفرة بدون سفك دم ، فيكفر خطيئة المذنب الفقير إذا قدم لترين ونصف من الدقيق « وإن لم تنل يده يمامتين أو فرخي حمام ، فيأتي بقربانه عما أخطأ به عُشر الإيفة من دقيق قربان خطية ، لا يضع عليه زيت ا ، ولا يجعل عليه لبان ا لأنه قربان خطية » ( انظر : اللاويين5/11-12.)

عدد الصفحات ٢٠٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وفي التوراة أن الله قال لبني إسرائيل : « بغضتُ ، كرهتُ أعيادكم ، ولست ألتذُّ باعتكافاتكم ، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي ، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها » ( عاموس5 :21-22 ) ، فالذي يريده الله منهم هو العمل الصالح ، لا الذبيحة فقط . وفي سفر المزامير « يا رب افتح شفتيّ ، فيخبر فمي بتسبيحك ، لأنك لا تسرّ بذبيحة ، وإلا فكنت أقدمها ، بمحرقة لا ترضى ، ذبائح الله هي روح منكسرة ، القلب المنكسر والمنسحق » ( المزمور51 :15-17 ) . ويؤكد الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين ه ذا المعنى الجديد للذبيحة المقبولة ، فيوصي بالتسبيح وفعل الخير : « فلنقدم به في كل حين للّه ذبيحة التسبيح ، أي ثمر شفاه معترفة باسمه ، ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع ، لأنه بذبائح مثل هذه يسرّ الله » ( عبرانيين13 :15-16 ) . وفي سفر إشعيا النبي يخاطب الرب بني إسرائيل : « اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم ، أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة ، لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب ، اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات ، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر .. اغتسلوا ، تنقوا ، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيّ ، كفوا عن فعل الشر ، تعلموا فعل الخير ، اطلبوا الحق ، أنصفوا المظلوم ، اقضوا لليتيم ، حاموا عن الأرملة ، هلم نتحاجج يقول الرب ، إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ، إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف » ( إشعيا1 :10-18 ) . وهكذافليست الذبيحة الوسيلة الأقرب لرضوان الله ، بل أفضل منها العمل الصالح ، والقلب المنكسر المتذلل لله العظيم .

عدد الصفحات ٢٠١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ لكن النصارى يمنعون أن يعفو الله عن آدم وأبنائه ، ويصرون أن لابد من العقوبة المستحقة لهم ، لكنهم قد نالوها بالفعل ، فما بال الخطيئة تتوارث وعقوبتها في أبنائهم ، أفليس تكرار العقوبة للعاصي صورة من صور الظلم الذي يتنزه عنه الله ! ذكر سفر التكوين أن الله توعد آدم بالموت إن هو أكل من الشجرة . لكنه بدلاً عن أن يموت وزوجه جزاء خطيئتهما وتنطفىء الفتنة والفساد والشر في المهد ، بدلاً من ذلك كثّ ر نسلهما ، فكان ذلك حيا ة لهما لا موتً ا ، وكان سببً ا في زيادة الشر والفساد على الأرض . ثم إضافة للموت الذي لم يتحقق عاقبه بقوله : « ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوك ا وحسك ا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك تأكل خبز ا ، حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ، لأنك تراب وإلى تراب تعود » ( التكوين3 :17-19) ، فطرد آدم من الجنة ليعيش في الأرض ويكد فيها، فتلك عقوبته . وكذلك فإن زوجه حواء عوقبت « تكثيرا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولاد ا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك » ( التكوين3 :16 ) . لقد عوقب آدم وحواء إذً ا ، ونلحظ في العقوبة شدة متمثلة في لعن الأرض كلها والأتعاب الطويلة للرجال والنساء ، ونلحظ أن ليس ثمة تناسبً ا بين الذنب والعقوبة ، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجنة . وقد بقيت هذه القصاصات من لدن آدم حتى جاء المسيح الفادي ، ثم ماذا ؟ هل رفعت هذه العقوبات بموت المسيح ؟ هل رفعت عن المؤمنين فقط أم أن شيئً ا لم يتغير ؟

عدد الصفحات ٢٠٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وهذا هو الصحيح ، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح ، يموت أبرارهم وفجارهم ، فلم يبطل حكم الموت فيهم ـ كما ذكر بولس ـ : « مخلصنا يسوع الذي أبطل الموت ، وأنار الحياة والخلود » (2 تيموثاوس 1 :10 ) ، وقوله : « بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع » ( رومية5 :12 ) . فالمسيح لم يبطل بصلبه و بدعوته أي موت ، لا الموت الحقيقي ولا الموت المجازي ، إذ مازال الناس في الخطيئة يتسربلون ، ثم بعد ذلك يموتون . وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء ، بل هو أمر قد كتب على بني آدم ، ب رهم وفاجرهم على السواء ، قبل المسيح وبعده ، وإلى قيام الساعة ، كما كتب الموت على الحيوان والنبات ، فما بالهم يموتون ؟ وهل موتهم لخطأ جدهم وأصلهم الأول أم ماذا ؟! ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلاً على موتهم ، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح ، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهما حيين كما في الأسفار المقدسة ( انظر التكوين 5 :24 ، و2 ملوك 2 :11 ، وعبرانيين 11 :5 ) . وعليهنستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم . وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة ، فما زال الرجال يكدون ويتعبون ، وما تزال النساء تتوجع في الولادة .. ويستوي في ذلك النصارى المفديون ـ حسب العهد الجديد ـ بدم المسيح وغيرهم . والعجب من إصرار النصارى بعد وقوع هذه العقوبات على أن الذنب ما زال مستمرً ا ، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات الشديدة التي نالها أصحابها .

عدد الصفحات ٢٠٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ولابد أن ننوه هنا إلى أن النص التوراتي يحمل القدر الكثير من معاني الظلم لآدم وحواء؛ إذ يجعل وقوعهما في المعصية وهما غير مؤهلين للتمييز بين ال خير والشر، فقد أ عطيا هذه القدرة بعد أكلهما من شجرة معرفة الخير من الشر ، فقد أذنبا وهما جاهلين حتى بعريهما «فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان ، فخاطا أوراق تين ، وصنعا لأنفسهما مآزر »، ومن جهل مثل هذا الأمر البسيط لا يمكنه – بالضرورة - التمييز فيما هو أكبر وأعمق، كمعرفة عاقبة إطاعة الحية التي غرَّته بقولها: «يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر». وفي هذا الصدد نسأل سؤالاً لا يجوز إغفاله أو الحيدة عن إجابته : كيف جهل الأنبياء ذلك المعتقد الهام ، فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكر ه المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده ، حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة ، فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين . ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضً ا النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله. وقد تعاق ب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل . ومنها ما جاء في التوراة « وكلم الرب موسى وهارون قائلا : افترزا من بين هذه الجماعة ، فإني أفنيهم في لحظة ، فخرّا على وجهيهما وقالا : اللهمّ إله أرواح جميع البشر ، هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة » ( العدد26 :23 ) ، واستجاب الله لهما فعذب بني قورح فقط دون بقية إسرائيل . وجاء في سفر المزامير : « الأخ لن يفدي الإنسان فداء ، ولا يعطي الله كفارة

عدد الصفحات ٢٠٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ عنه» (المزمور 49 :7 ) . وأيضًا في التوراة : « لا تموت الآباء لأجل البنين ، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته » (2 أخبار 25 :4 ) . وأيضًا يقول المسيح : « فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته ، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله » ( متى16 :27 ) . وهو عين كلام المسيح : « كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساب ا يوم الدين ، لأنك بكلامك تبرر ، وبكلامك تدان » ( متى12 :36 ) . والعجب أنه قد ورد إثبات مسئولية الإنسان عن عمله في كلام بولس الذي ابتدع معتقد وراثة الذنب ، ومنها قوله عن الله : « الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله » ( رومية2 :6 ) .

عدد الصفحات ٢٠٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء ، فيحييهما الله ويصلبهما ، أو يصلب بدلاً منهما شيطانً ا أو سوى ذلك ، فإن ذلك أعدل من صلب المسيح البريء . يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئً ا يعدل البشر جميعً ا ، من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة ، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره ، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة ، فكان أداة خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال يوحنا : « لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، كي لا يهلك كل من يؤمن ، بل تكون له الحياة الأبدية ، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص » ( يوحنا3 :16-17 ) (1) . فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهرًا من إصر الخطيئة ، ولم يصنعها طوال حياته ، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فاديً ا وأن يقبل به الفداء ، وكما يقول بطرس : « عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من ح م لٍ بِلا عيْب ولا دنس ، دم المسيح » ( 1 بطرس 1 : 18-19) ، ويقول مؤلف رسالة العبرانيين المجهول : « يسوع ابن الله فلنتمسكبالإقرار .. بل مجرب في كل شيء مثلنا ، بلا خطية » ( عبرانيين4 :14-15) . يقول الأب متى المسكين : « عملية الفداء تحتم أن المولود يكون قدوسًا بلا أدنى عيب أو خطية ، وإلا ي حسب موته عن استحقاق له ، وليس باستحقاق آخرين ، (1) انظر : كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي ، واين جردوم ، ص206 .)

عدد الصفحات ٢٠٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ كما يتطلبه معنى الفداء » (1) . لكن المسيح لا يمتازفي هذا الباب عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنبً ا ، « كل من يثبت فيه لا يخطئ ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه .. من يفعل الخطية فهو من إبليس .. كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية » ( 1 يوحنا 3 :6-9 ) فـ« كل من ولد من الله لا يخطئ ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه » ( 1 يوحنا 5 :18 ) . ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من ا « وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطان ا أن يصيروا : أولاد الله ، أي المؤمنين باسمه » ( يوحنا1 :12 ) . أما كان صلب أحد هؤلاء الأبرار كفارة عن خطايانا أولى من صلب الإله ؟ لكنا نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح، رغم أن الشرط وضع وفق مواصفات النصارى له ، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي ، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحدً ا منهم لا يقول بصلب الإله ، لكن بصلب الناسوت ، والتوراة تقول : « ليس إنسان لا يخطئ » ( 1 ملوك 8 :46 ) ، فالمصلوب هو الناسوت ، وليس من إنسان إلا ويخطئ . كما أن ناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضً ا حاملة للخطيئة ، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فاديً ا ! ولدفع هذا لم يجد الأرثوذكس و الكاثوليك ب دً ا من القول بعصمة والدة المسيح ، فقال الأرثوذكس بخلوص مريم من وصمة الخطيئة الأصلية بحلول الروح (1) الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح) ، الأب متى المسكين ، ص141.)

عدد الصفحات ٢٠٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ القدس عليها (1)، وأما الكنيسة الكاثوليكية فإنها تعتقد بأنه « ليس مريم وحدها التي حبلت بيسوع بطريقة معصومة من وصمة الخطية الأصلية ، بل هي ( مريم ) أيضً ا ح بل بها بنفس الطريقة ، ولقد أصبحت هذه العقيدة قاعدة من قواعد الإيمان الكاثوليكي بعد أن أصدر البابا بيوس التاسع في 8/ 12/ 1854 منشوره الخاص بالعصمة البابوية ، فهذا المنشور يقرر بأن مريم نجت من وصمة الخطية الأصلية عن طريق نعمة خاصة .. فيجب أن ت كون هي معصومة من الخطية الأصلية ومن اللعنة التي لحقت بآدم وبكل نسله ، وإلا لوصلت ليسوع عن طريق أمومتها نفس اللعنة ونفس الوصمة » (2) . وعلى كلٍ فالمصلوب ـ حسب معتقد الكاثوليك والبروتستانت القائلين بالطبيعتين ـ هو الطبيعة الإنسانية المتمثلة ب ابن الإنسان ، وليس ابن الله ، أي الناسوت لا اللاهوت، وقد قال القديس أغناطيوس (ت 108م: « نحن نؤمن أن المسيح مات عوضق عنا من جهة الناسوت، لكنه لم يمت من جهة اللاهوت، لأن اللاهوت غير قابل للموت » (3)، فالثمن دون الغرض الذي يدفع له ، كيف لإنسان أن يعدل البشرية كلها بدمه ؟ وأما الأرثوذكس المؤمنون بالطبيع الواحدة، فيؤكدون أن «موت الطبيعة البشرية وحدها لا يكفي للفداء، ولذلك نرى القديس بولس يقول: «لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد» (1 كو2 :8) .. لأن الذي صلب هو رب المجد، طبعق صلب (1) مائة سؤال وجواب في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، الأنبا بيشوي، ص22،74.) (2) تاريخ الفكر المسيحي ، الدكتور القس حنا جرجس الخضري ( 1/194-195)، وانظر: عقائدنا المسيحية الأرثوذكسية، بيشوي حلمي، ص (203) . (3 )فلسفة الغفران، عوض سمعان، ص177) .

عدد الصفحات ٢٠٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ بالجسد، ولكن الجسد كان متحدًا باللاهوت في طبيع ة واحدة، وهنا الأمر الأساسي اللازم للخلاص»(1). وقد صدق الأنبا غريغوريوس وهو ي رد على الكاثوليك وال بروتستانت : « إذا كان للسيد المسيح طبيعتان بعد الاتحاد ، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسد السيد المسيح ، لأنه هو الذي وقع عليه الصلب ، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري ، إذ يكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط » (2) . والمتأمل في نصوص العهد الجديد يراها تنسب إلى ا لمسيح ـ وحاشاه عليه الصلاة والسلام ـ العديد من الذنوب والآثام التي تجعله أحد الخاطئين ، فلا يصلح حينئذ لتحقيق الخلاص ، لحاجته هو إلى من يخلصه . فالأسفار الإنجيلية تنسب إلى المسيح العظيم العديد من الرزايا والبلايا ، إذ تذكر أنه كان حريصً ا على إضلال قومه ، محبً ا لهلاكهم ، كما تذكر أنه كان سبّابً ا وشريب خمر ، وهو بذلك مستوجب لدخول جهنم ، ومحروم من دخول الملكوت ، وحاشاه عليه الصلاة والسلام . فقد اتهمه متى بشرب الخمر « جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب . فيقولون : هوذا إنسان أكول وشريب خمر . محب للعشارين والخطاة » ( متى11 :19 ) . فيما نسبت إليه الأناجيل الكثير من السباب والشتائم لليهود والتلاميذ ، كما في قوله لتلميذيه : « أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء » (1 )طبيعة المسيح، البابا شنودة ، ص19) . (2) موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن) ، ص235 .)

عدد الصفحات ٢٠٩