هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أما الحية فكانت عقوبتها أنها « ملعونة أنت من جميع البهائم ، ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين ، وتراب ا تأكلين كل أيام حياتك ، وأضع عداوة بينك وبين المرأة ، وبين نسلك ونسلها ، هو يسحق رأسك ، وأنت تسحقين عقبه » . وأما عقوبة حواء « تكثيرا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولاد ا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك » . وأما عقوبة آدم « ملعونة الأرض بسببك ، وبالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوك ا وحسك ا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل ، بعرق وجهك تأكل خبز ا » . ولنا أن نتساءل : هل كانت الحية قبل مستوية القامة حسناء لا تأكل التراب ، بل تبلع الحيوان ، وهل تأكل الحيات اليوم التراب أم أن هذه العقوبة رفعت عنها بعد صلب المسيح ؟! وأما المرأة فعوقبت بأمرين : أحدهما : جسماني ، وهو أتعاب الحمل والولادة، وثانيهما : معنوي نفسي ، وهو دوام اشتياقها للرجل ، وأنه يسود عليها . وهذه العقوبات كافية في تحقيق الخلاص لها ولجنس النساء بعدها « المرأة أغويت ، فحصلت في التعدي ، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد ، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل » (1 تيموثاوس 2 :14) . ونلحظ أن هذه العقوبة وعقوبة آدم تختلفان عن العقوبة التي هدد فيها من يأكل من الشجرة « وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موت ا تموت » ، ولم يمت آدم وحواء يومذاك ، بل عاشا قرونً ا متطاولة . ولا يمكن أن يقال بأن الموت المقصود موت معنوي لأنه لا يفهم من السياق ، ولقول بولس : « كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ،
عدد الصفحات ١٧٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع » ( رومية5 :23 ) . ومما يصرف الموت عن المجاز إلى الحقيقة أن النص يقول : « لأنك يوم تأكل منها موت ا تموت » فكما الأكل حقيقي ، الموت حقيقي ، وأيضً ا التأكيد في قوله : « موتا تموت » يمنع المجاز . والحق أن آدم حين أكل من الشجرة ـ وفقً ا للنص ال توراتي ـ قد اكتسب حياة روحية سامية ، فقد حاز معرفة فريدة كمعرفة الله العليم الخبير « وتكونان كالله عارفين الخير والشر .. قال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارف ا الخير والشر » ( التكوين3 :5 ، 22 ) ، وإن عاقلاً في الدنيا لا ينكر أهمية هذه المعرفة للإنسانية التي ترتع بالشرور وقد عرفتها ، فكيف يكون حالها لو لم تعرفها ، ولم تميز بينها وبين الخير ؟ ومما يؤسف له أن النص التوراتي يجعل الحية أصدق مقالاً من الله ، لقد قال لآدم: « فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موت ا تموت » ، ولم يمت حين آكل منها ، فيما صدقت الحية حين قالت مكذبة الله : « لن تموتا ، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر » ،وكان كما أخبرت ، فهل يليق ورود مثل هذا في كتاب ينسب إلى الله العليم القدير ؟ !
عدد الصفحات ١٧٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ قرأنا النص التوراتي ورأينا في الملاحظات السابقة ما يجعل العاقل يجزم بركاكة القصة التي تحدثت عن خطيئة آدم ، لكنا نتجاوز ونغض الطرف عما ورد فيها من طوام، ليصل بنا الحديث إلى أبعاد خطيئة آدم على الجنس البشري ، فما هو معتقد النصارى في خطيئة آدم وعقوبتها وأبعادها ؟ يعتبر (القديس) أوغسطينوس (430م في كتابه ( The Enchiridion ) في مقدمة النصارى الذين قدمواتفسيرً ا متكاملاً لهذه المسألة ، ويعتبره العثماني في كتابه : (ما هي النصرانية ) الوحيد الذي استوعب قضية الكفارة . وخلاصة رأيه كما نقله العثماني : أن الله خلق الإنسان وترك فيه قوة الإرادة في حرية كاملة ، وأنعم عليه ، وحرم عليه تناول القمح . لكن آدم وضع قوته الإرادية في غير موضعها عندما تناول ما حرم عليه ، ولم يكن صعبً ا عليه تحاشي المعصية ، إذ لم يكن يعرف يومذاك عواطف الهوس والشهوة. ذنب آدم ذنب عظيم لأنه يتضمن ذنوبً ا عديدة : أولها : الكفر ، إذ اختار آدم أن يعيش محكومً ا بسلطته ، بدل أن يعيش في ظل الحكم الإلهي . وثانيها : كفر وإساءة أدب مع الله ، لأن الإنسان لم يتيقن في الله . وثالثها : قتل نفسه ، إذ جعل حكمها الموت . ورابعها : الزنا ال معنوي ، لأن إخلاص الروح الإنسانية قد ضاع من أجل
عدد الصفحات ١٨٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ التصديق بقول الحية المعسول . وخامسها : السرقة ، إذ نال ما لا يحل له . وسادسها : الطمع . وهكذا كانت هذه الخطيئة أم ا لكل الأخطاء البشرية « والحق أنك مهما أمعنت في حقيقة أي إثم ، فستجد له انعكاسً ا في هذه الخطيئة الواحدة » . جزاء هذه الخطيئة الشنيعة الموت الدائم ، أو العذاب الدائم « لأنك يوم تأكل منها موت ا تموت » ، كما سلب آدم بعدها الحرية الإرادية بعد أن هزمه الذنب ، فأصبح حرً ا في إتيان الإثم ، وغير حرٍ في صنع المعروف ، فالعقاب المعقول للذنب هو الذنب بعده ، بعد تخلي رحمة الله عنه ، وهكذا أصبحت الخطيئة مركبة من طبيعة الأبوين ، وانتقلت منهما وراثة إلى سائر أبنائهما (1) . ونلحظفي طرح أوغسطينوس التضخيم الكبير لمعصية آدم ، والغاية منه كما هو واضــح إغــلاق طريــق الرجعــة وســدّ بابــ ه بالتوبــة ، تمهيــدً ا لإشــاع ة عقيــدة المخلــص يســوع ، والــذي بآلامــه فقــط يمكــن الخــلاص مــن هــذه الموبقــات ، ومــا ذكــره أوغسطينوس في ذنب آدم من تهويل من الممكن أن نقوله عن سائر الذنوب ، فالحقيقة أن ذنب آدم كسائر الذنوب دون عفو الله ومغفرته . ولو توقف النصارى عند هذا الحد لكانت القضية شخصية متعلقة بآدم وزوجه فقط ، لكن أوغسطينوس وغيره من النصارى يصرون على أن هذا الذنب لابد له من عقوبة قاسية ، كما يرتبون على هذا الذنب مسألة خطيرة ، وهي وراثة البشرية جمعاء لذنب أبويهم واستحقاقهم لتلك العقوبة القاسية . (1) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (78-80 .)
عدد الصفحات ١٨١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويؤكد أوغسطينوس على وراثة البشرية لذنب الأبوين ، إذ أصبحت الخ طيئة كامنة في طبيعتهما ، وانتقلت وراثة إلى سائر الأبناء ، فيولد الطفل وهو مذنب ، لأن وباء الخطيئة كما يقول جان كالوين قد سرى إلى هذا الطفل وراثة ، ويصوره القديس والراهب الدومنيكي توماس الأكويني (1274مبالذنب تذنبه الروح ، لكنه ينتقل إلى أعضاء وجوارح الإنسان . وهكذا أصبح البشر جميعً ا خطاة ، وكما يقول عوض سمعان في كتابه ( فلسفة الغفران في المسيحية ) : وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعً ا كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها ، وأصبح خاطئً ا قبل أن ينجب نسلاً ، إذن كان أمرً ا بدهيً ا أن يولد أبناؤه جميعً ا خطاة بطبيعتهم نظيره ، لأننا مهما ج لنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلاً أو تحويلاً ، ولذلك قال الوحي : « بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم » ( رومية5 :12-21 ) (1) . ويشبه كالو( أحد علماء البروتستانت ) انتقال الخطيئة من آدم إلى بنيه بانتقال الوباء ، فيقول : « حينما يقال : إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم ، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء ، وقد حملنا ظلمً ا ذنب آدم .. الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط ، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على س بيل الإنصاف الكامل ، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقً ا للعقاب ، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو ، وليس من ذنب أحد غيره » (2) . وشعر علماء النصرانية بما تحويه عقيدة وراثة الخطيئة من ظلم للإنسانية ، (1 )فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص17)، وانظرما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني، ص (80-82) ، ودعوة الحق بين المسيحية والإسلام ، منصور حسين عبد العزيز ، ص295 .) (2) انظر الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص (140-141.)
عدد الصفحات ١٨٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ فعلموا على تبريرها وتحسين صورتها ، لتقبلها العقول وعقوبتها من دون اعتراض ولا إحساس بالظلم ، فيقول ندرة اليازجي : « آدم هو مثال الإنسان ، الإنسان الذي وجد في حالة النعمة وسقط ، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان ، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان ، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثً ا . إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ ، فأخطأ آدم الجميع إذن ، كل واحد قد أخطأ ، وذلك لأنه إنسان » (1) . وهذه التبريرات المتهافتة والتشبيهات المتكلفة ما كان لها أن تقنع أحدً ا ممن يرى في وراثة الذنب ظلمً ا يتنزه الله عنه . فتشبيههم لوراثة الذنب بعدوى المرض باطل ، لأن المرض شيء غير اختياري، فلا يقاس الذنب عليه ، كما أن المرض لا يعاقب عليه الإنسان . وفصل توماس الأ كويني بين الروح والجسد ، وقوله بأن الخطيئة تسري من الروح للجوارح خطأ ، لأن الخطأ عندما يقع فيه الإنسان ، فإنما يقع فيه بروحه وجسده، فالإنسان مركب منهما ، ويمارس حياته من خلالهما معً ا . أما آدم فهو غير مركب من آدم وأبنائه (2) . لذا نصر على اعتبار وراثة الذنب نوعً ا من الظلم لا يليق نسبته إلى الله . (1) انظر : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص141) ، المسيح القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (381 .) (2) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص89.)
عدد الصفحات ١٨٣هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وهذا المعتقد الممجوج عقلاً لا دليل عليه في التوراة ، بل ال دليل قام على خلافه ، إذ جاءت النصوص تنفي وراثة الذنب ، وتؤكد على مسئولية كل إنسان عن عمله ، ومنها : « النفس التي تخطيء هي تموت ، الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن ، بر البار عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون » ( حزقيال18 :20-21 ) . « لا يقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء ، كل إنسان بخطيئته يقتل » (التثنية 24 :16 ) . « بــل كــل واحــد يمــوت بذنبــه ، كــل إنســان يأكــل الحصــرم تضــرس أســنانه » ( إرمياء31 :30 ) . « الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم لتعطي كل واحد حسب طرقه ، وحسب ثمرة أعماله » ( إرميا 32 :19 ) . « لا تموت الآباء لأجل البنين ، ولا البنون يموتون لأجل الآباء ، بل كل واحد يموت لأجل خطيته » (2 أخبار 25 :4 ) . « فإنه يموت بإثم أبيه » ( حزقيال18 :17 ) . « أفتهلك البار مع الأثيم ، عسى أن يكون خمسون بار ا في المدينة ، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بار ا الذين فيه ، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر : أن تميت البار مع الأثيم ، فيكون البار كالأثيم . حاشا لك ، أديان كل الأرض لا يصنع عدلا » ( التكوين 18 :23-25) . كمانقض المسيح الخطيئة الأصلية بقوله : « لو لم آت وأكلمهم ، لم تكن لهم خطيئة ، وأما الآن فليس لهم حجة في خطيئتهم .. لو لم أعمل بينهم أعمالا لم
عدد الصفحات ١٨٤هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يعملها آخر ، لما كانت لهم خطيئة ، أما الآن فقد رأوا وأبغضوني » ( يوحنا15 :22- 24 ) ، فالمسيح لا علم له بالخطيئة الأصلية الموروثة ، لذا فهو يوبخهم على خطيئتهم تجاهه ، يقرّعهم على عدم الإيمان به ، مع تأكيده على أنهم « لم تكن لهم خطيئة » لو لم يأت إليهم بما آتاه الله من حجج وبراهين . تشهد الكتب المقدسة عند النصارى لكثيرين بالخيرية ، وتثني عليهم ، ولو كانوا مسربلين بالخطيئة الأصلية لما استحقوا هذا الثناء ، ومن هؤلاء الأطفال الذين قال فيهم المسيح في إحدى وصاياه : « الحق أقول لكم ، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات ، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد ، فهو الأعظم في ملكوت السماوات » ( متى18 :3-4 ) ، (وانظر مرقس 10 :13 :16 ) . وعندها نهر تلاميذه أطفالاً قال : « دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم ، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات » ( متى19 :13-14 ) فيفهم من هذين النصين طهرة الأطفال من الخطيئة الأصلية ، لذلك جعلهم مثلاً للأبرار الذين يدخلون الجنة . لكن القديس أوغسطينوس كان يحكم بالهلاك على جميع الأطفال غير المعمدين، وكان يفتي بأنهم يحرقون في نار جهنم ، ولن يتمتعوا برؤية ملكوت الرب (1). والأبرار أيضًا لم يحملوا هذه الخطيئة ، فهؤلاء الأبرار ذكرتهم نصوص التوراة وأثنت عليهم ولم تتحدث عن هلاكهم أو تأثرهم بالخطيئة الموروثة « كان كلام الرب إليّ قائلا : ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين : الآباء أكلوا الحصرم ، وأسنان الأبناء ضرست ، حي يقول السيد الرب .. الإنسان الذي كان بار ا (1) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص (86.)
عدد الصفحات ١٨٥هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وفعل حق ا وعدلا ، لم يأكل على الجبال ، ولم يرفع عينيه إلى أصنام بيت إسرائيل ، ولم ينجس امرأة قريبه ، ولم يقرب طامث ا ، ولم يظلم إنسان ا .. فهو بار ، حياة يحيا يقول السيد الرب » ( حزقيال18 :19-23) ، فكل من يعمل الصالحات يكون بارً ا ، ولا تؤثر فيه خطية آدم أو غيره . ومن هؤلاء الأبرار الذين لم تكبلهم الخطيئة ، وأثنت عليهم التوراة ، الأنبياء ، ولو كانوا حاملين للخطيئة لما كانوا أهلاً لهداية الناس ، فإن قيل عفي عنهم ، فلم تراه لم ي عف عن بقية العالمين ـ من غير دم ـ كما عفي عن الأنبياء الذين اختار الله منهم كليمً ا وخليلاً . ومن الأنبيـاء الـذين أثنـت علـيهم التـوراة أخنـوخ « وسـار أخنـوخ مـع الله ، ولـم يوجد لأن الله أخذه » ( التكوين 5 :24 ) ، وقد قال عنه بولس : « بالإيمان نقل أخنـوخ لكي لا يرى الموت ، ولم يوجد لأن الله نقله ، إذ قبل نقله شهد له بأنـه قـد أرضـى الله » ( عبرانيين11 :5 ) . وأيضًا نوح تقول عنه التوراة : « وكان نوح رج بار ا كاملا في أجياله ، وسار نوح مع الله » (التكوين 6 :9 ) . وأيضًا إبراهيم فقد قيل له : « لا تخف يا إبرام أنا ترس لك ، أجرك كثير جد ا » ( التكوين 15 :1) ، وقيل عنه : « بارك الرب إبراهيم في كل شيء » (التكوين 24 :1 ). ومن هؤلاء الأبرار أيوب ، وقد أخبر عن نفسه أنه بريء من كل ذنب وإثم ، وأنه كان بارً ا مطيعً ا لأقوال الله : « قد قلتَ في مسامعي ، وصوت أقوالك سمعتُ . قلت : أنا بريء بلا ذنب ، زكي أنا ولا إثم لي » ( أيوب33 :8-9 ) . ورغم هذه المزايا الفريدة لأيوب، فإن يوحنا المعمدان أعظم منـه، كمـا قـال المسـيح: «الحق أقول لكم : لم يقم بين المولودين من النساء أعظم مـن يوحنـا المعمـدان » ( متـى11 :
عدد الصفحات ١٨٦هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ 11 ) ، ويقول عنه لوقا : « لأنـه يكـون عظيم ـ ا أمـام الـرب ، وخمـر ا ومسـكر ا لا يشـرب » (لوقا1 :15) ، فهؤلاء جميعً ا لم يرثوا الخطيئة ، ولم تؤثر فيهم مع أنهم من ذرية آدم ، والكتاب يعلن صلاحهم وعدم احتياجهم إلى الخلاص بدم المسيح أو غيره .. كما أثنت التوراة على أشخاص من غير الأنبياء ووصفتهم بالصلاح والبر ، فدل ذلك على عدم حملهم للخطيئة الأصلية . منهم هابيل بن آدم الذي تقبل الله منه ذبيحته لصلاحه ، ولم يقبلها من أخيه ، فلم تمنعه خطيئة أبيه من أن يكون عند الله مقبولاً ( انظر التكوين 4 :4 ) ، وقد قال عنه الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين : « بايمان قدم هابيل للّه ذبيحة أفضل من قايين ، فبه شهد له أنه بار ، إذ شهد الله لقرابينه » ( عبرانيين11 :4 ) . وكذلك الناجون مع نوح كانوا جميعً ا أبرارً ا ، فأنجاهم الله مـن الطوفـان « ورأى الله الأرض ، فإذا هي فسدت ، إذ كان كل بشر قـد أفسـد طريقـه علـى الأرض فقـال الله لنــوح : نهايــة كــل بشـــر أتــت أمــامي .. وتبقــى نــوح والــذين معــه في الفلــك فقــط » ( التكوين 6 :12-7 :23 ) . ولو كانت الخطيئة موروثةلكان الجميع خاطئين ، ولمـا كان ثمة مبرر لهذا التفريق بين الناجين والمغرقين . ومن الأبرار أيضً ا لاوي بن يعقوب ، والذي اختص وسبطه بالكهانة ، حيث قال الله عنه : « عهدي معه للحياة والسلام ، وأعطيته إياهما للتقوى ، فاتقاني ، ومن اسمي ارتاع هو ، شريعة الحق كانت في فِ يه ، وإثم لم يوجد في شفتيه ، سلك معي في السلام والاستقامة ، وأرجع كثيرين عن الإثم ، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ، ومن فمه يطلبون الشريعة ، لأنه رسول رب الجنود » ( ملاخي2 :5-7 ) . كذا خاطب الرب أورشليم محدثً ا إياها عن البقية المؤمنة في بني إسرائيل ، فقال : « وأبقي في وسطكِ شعب ا بائس ا ومسكين ا ، فيتوكلون على اسم الرب ، بقيةُ
عدد الصفحات ١٨٧هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إسرائيل لا يفعلون إثم ا ، ولا يتكلمون بالكذب ، ولا يوجد في أفواههم لسان غش ، لأنهم يرعون ويربضون » ( صفنيا3 :12-13) ، فهؤلاء اليهود الباقون في أورشليم منزهون عن الإثم والخطية . وأيضً ا شهد المسيح بنجاة لعازر ، وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح « فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ، ومات الفت ى أيض ا ، ودفن ، فرفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ، فنادى وقال : يا أبي إبراهيم ، ارحمني ... » ( لوقا16 :21-24 ) ، فلعازر نجا وقد مات قبل الصلب المزعوم للمسيح . ويجزم المسيح بخلاص العشار زكا الذي أنفق نصف ماله في سبيل الله من غير أن يحتاج لدم يخلصه أو فادٍ يصلب عنه « فوقف زكا وقال للرب : ها أنا يا رب أعطي نصف أموالي للمساكين ، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف . فقال له يسوع : اليوم حصل خلاص لهذا البيت ، إذ هو أيض ا ابن إبراهيم » (لوقا19 :8-9 ) ، لقد نال الخلاص بالبر والعمل الصالح .
عدد الصفحات ١٨٨هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومما ي بطل نظرية وراثة الخطيئة الأصلية الإنكار الذي صدر عن النصارى قديمً ا وحديثً ا ، فعبروا عن رفضهم لهذا الظلم وعن تحمل تبعات خطيئة لم يرتكبوها ولم يستشاروا فيها ، بل ولم يشهدوها ، ومن ذلك : أن مخطوطات نجع حمادي المكتشفة بعد الحرب العالمية الثانية خلت من الحديث عن الخطيئة والغفران الذي يتحدث عنه آباء الكنيسة . كما أن ثمة منكرون لهذه العقيـدة في النصـارى، ومـنهم الراهبـان الإنجليزيـان في مطلع القرن الخـامس: بيلاجـوس(1) وصـديقه الراهـب سـليتوس وأصـحابهما، فقد أنكروا سريان الخطيئـة الأصـلية إلـى ذريـة آدم، واعتـبروه ممـا يمنـع السـعادة الأبدية، وقالوا بأن الإنسان موكول بأعماله، فالراهـب بيلاجيـوس يـؤمن «بحريـة الإرادة عند الإنسان في قضايا الخير والشر، وبأن ليست هناك ثمـة عوائـق تتـدخل في حريــة الاختيــار للبشــر، وعلــى هــذا فــإن في مقــدور الإنســان القــوي الإرادة أن يعيش حياة تصـل إلـى مرتبـة الكمـال.. الطبيعـة البشـرية لكـل مخلـوق فـرد تشـبه طبيعة آدم البكر النقية وقت الخلق ، أي قبـل السـقوط، وهـذا يعنـي أنهـا لـم تـرث أوزار الإثم الأول»(2). (1) انظر: موجز تاريخ الأديان، فيلسيان شالي، ص (250.) (2) انظر: هامش تاريخ البطاركة، ساويرس ابن المقفع (1/275.)
عدد الصفحات ١٨٩هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وهــذه الآراء الجريئــة لــم تــرق للكنيســة فحكمــت عليــه باللعنــة في مجمــع قرطاجنة السادس عشر المنعقد سنة 418م، والذي قرر في القانون الثـاني حرمـان من ينكر الخطيئة الاصلية: «من قال إنَّ الأطفـال المولـودين حـديثق لا يحتـاجون إلى المعمودية، وإنَّ هم يتعمَّ دون لمغفرة الخطايا ، ولكن ليس ه ناك خطيـة أصـلية موروثـة مــن آدم ت غســل في ج ـ رْ ن المعموديــة ، وإنَّ صــيغة العِ مـاد التــي تــن صّ علــى مغفــرة الخطايــا ت ســتعمل في حــالتهم بمعنــى وهمــي، لا بمعنــى حقيقــي، فلــيك ن محرومق»(1). ومن المنكرين أيضً ا لهذه العقيدة ال لاهوتي الشهير يوحنا فم الذهب (2) وكوائيليس شيس الذي نقلت عنه دائرة المعارف البريطانية أنه قال : « ذنب آدم لم يضر إلا آدم ، ولم يكن له أي تأثير على بني النوع البشري ، والأطفال الرضعاء حين تضعهم أمهاتهم يكونون كما كان آدم قبل الذنب » . ويقول الميجور جيمس بر اون عن فكرة وراثة الذنب الأول : « فكرة فاحشة مستقذرة ، لا توجد قبيلة اعتقدت سخافة كهذه » (3) . ويقول الدكتور نظمي لوقا حيث تحدث عن الآثار السلبية التي تتركها هذه (1) عقائدنا المسيحية الأرثوذكسية، بيشوب حلمي، ص202-203.) (2) انظر : مختصر تاريخ الكنيسة ، أندرو ملر ، ص(174 .) (3) انظر : مخطوطات البحر الميت ، أحمد عثمان ، ص154) ، ما هي النصرانية محمد تقي العثماني ، ص (88-90) ، المسيح إنسان أم إله ، محمد مجدي مرجان ، ص139) ، الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص (270 .)
عدد الصفحات ١٩٠هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ العقيدة فيقول : « الحق أنه يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال الفرد ، فيمضي حياته مضي المريب المتردد ، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث . إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها ، ورفعها عن كاهل الإنسان منّ ة عظمى ، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه ، بل هو ولادة جديدة حقً ا .. » . ويقول : « وإن أنسى لا أنسى ما ركبني صغيرً ا من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى ، وما سيقت فيه من سياق مروع يقترن بوصف جهنم .. جزاء وفاقً ا على خطيئة آدم بإيعاز من حواء .. وإن أن سى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري على ملايين البشر قبل المسيح أين هم ، وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة » (1) . وهكذا بطل ال قول بسريان الخطيئة إلى ذرية آدم ، من خلال النصوص الصريحة في الكتب المقدسة وبشهادة العقلاء من أبناء النصرانية . (1) محمد الرسالة والرسول ، نظمي لوقا ، ص (75-78 .)
عدد الصفحات ١٩١هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ويقول النصارى في محاولة لتبرير صلب المسيح وربطه بخطيئة آدم : إن الله أراد برحمته أن يخلص الأرض من اللعنة التي أصابتها بسبب معصية آدم ، لكن عدله يأبى إلا أن يعاقب أصحاب الذنب ، فكيف المخرج للتوفيق بين العدل والرحمة ؟ فلا يجدون إجابة إلا صلب المسيح البريء نيابة عن البشرية وارثة الخطيئة والأرض الملعونة بسبب آدم ! قال أوريجانوس : «اللّه عادل، والعادل لا يبرر الخطاة إلا إذا وفيت مطالب عدالته. وبما أنه لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة سواه، لأنه هو وحده الذي يعرف مطالب عدالته. لذلك رضي أن يحل في المسيح ليقوم بالمهمة المذكورة، حتى يبرر كل خاطئ يؤمن به إيمانق حقيقيق»(1) . ويلخص أوغسطينوس المسألة في كتابه : ( The Enchiridion ) بأن ا رحيم، ولا يريد أن يغير قوانين المحكمة ، وفيها أن الموت عقوبة عادلة لهذه الخطيئة الأصلية ، فاتخذ حيلة ينجي بها عباده ، فيموتون ثم يحيون من جديد ، فتعود إليهم حريتهم بعد حياتهم الجديدة . ولما كانت إماتة الناس جميعً ا تتعارض مع قانون الطبيعة وسنن الكون ، فكان لابد من شخص معصوم من الذنب الأصلي يعاقبه الله بموته ، ثم يبعثه ، فيكون موته بمثابة موت البشرية وعقوبتها ، وقد اختار الله ابنه لهذه المهمة . ويقول القس لبيب ميخائيل : « إن الله الرحيم هو أيضً ا إله عادل ، وإن الله المحب هو أيضً ا إله قدوس يكره الخطيئة ، وإذا تركزت هذه الصورة في أذهاننا .. (1) فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص177-178.)
عدد الصفحات ١٩٢هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ سندرك على الفور أن صفات الله الأدبية الكاملة لا يمكن أن تسمح بغفران الخطية دون أن تنال قصاصها .. فإن الصليب يبدو أمامنا ضرورة حتمية للتوفيق بين عدل الله ورحمته » . ويقول جوش مدويل«لم يكن ممكنًا أن يغفر الله لنا خطايانا ما لم ي دفع ثمنها كاملاً، وإلا لكان متواطئًا مع كل خرق وانتهاك لشريعته المقدسة وحاميًا لها، ولم يكن ممكنًا إيجاد كفارة كافية عن خطايا الجنس البشري إلا بأن يصير الله إنسانًا، وهذا ما فعله الله بالمسيح»(1). ويؤكد هذه المعاني عوض سمعان بقوله : « لو كان في الجائز أن تقل عدالة ا وقداسته عن رحمته ومحبته اللتين لا حد لهما ، فإن من مستلزمات الكمال الذي يتصف به ، أن لا يتساهل في شيء من مطالب عدالته وقداسته ، وبما أنه لا يستطيع سواه إيفاء مطالب هذه وتلك ، إذن لا سبيل للخلاص من الخطيئة ونتائجها إلا بقيامه بافتدائنا بنفسه »(2) . إذًا فالمسيح المتأنس غير مولود من الخطيئة ، ومسارٍ لقيمة جميع الناس ، فكان هو الفدية التي اصطلح فيها الله مع الإنسانية ، ووفق فيها بين عدله ورحمته . ويقول حبيب جرجس في كتابه ( خلاصة الأصول الإيمانية ) : « ولما فسد الجنس البشري ، وصار الناس مستعبدين للخطيئة ، وأبناء للمعصية والغضب لم يتركهم الله يهلكون ب انغماسهم فيها ، بل شاء بمجرد رحمته أن ينقذنا من الهلا ك بواسطة فادٍ يفدينا من حكم الموت ، وهذا الفادي ليس إنسانً ا ولا ملاكً ا ولا خليقة أخرى ، بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد ، ربنا يسوع المسيح الذي له المجد (1) انظر : حقيقة لاهوت يسوع المسيح، جوش مكدويل وبات لارسون، ص (71.) (2) فلسفة الغفران في المسيحية، عوض سمعان، ص97-98.)
عدد الصفحات ١٩٣