المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ بن محمود السقار

صفحة ١١ من ١٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وأما مسألة وراثة الذنب فهي مرفوضة عند المسلمين نقلاً وعقلاً ، والقرآن بصراحة ووضوح يبين بطلان هذا المبدأ الظالم الذي تتابعت الرسالات السابقة على إنكاره والتأكيد على ضده ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِي مَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلِْْنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَْوْفَى ﴾ [النجم : 36-41 ] . وقد أعلم الله موسى في توراته التي أنزلها عليه بهذا المبدأ العادل ، فقال : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُْولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [ الأعلى : 16-19] . وأخيرًا : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيرا ﴾ [النساء : 123] . وهذه النصوصالقرآنية قبس من آيات عظيمة في كتاب الله تكاثرت على ذكر هذه المعاني بجلاء ووضوح ، ذكرناها كمدخل لنقض عقيدة الفداء ، والتي لن نحتج في إبطالها بهذه النصوص الكريمة من كلام الله ، وذلك مضيً ا على النهج الذي انتهجناه في هذه السلسلة ، وهو نقض مسائل النصرانية من خلال العقل والنظر الصحيح إضافة إلى النصوص المقدسة عند النصارى .

عدد الصفحات ١٦٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟

عدد الصفحات ١٦٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تعتبر عقيدة الفداء والخلاص مفتاح جميع العقائد النصرانية ، فهي أهم ما يبشر به النصارى ، ولتحقيقها وضع النصارى المسيح ـ الذي أنجاه الله ـ على الصليب . وليتحقق الفداء على صورة ترضي الإله العظيم جعلوا المصلوب إلهً ا ، حتى يساوي الفادي المثمن العظيم ، وهو نجاة البشرية وخلاصها من الخطيئة والدينونة ، وهو ما عبر عنه العهد الجديد على لسان بطرس بقوله : « عالمين أنكم افتديتم بأشياء تفنى : بفضة أو ذهب ، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما من حَمَلٍ بِلاَ عيْب ، ولا دنس ، دم المسيح » (1 بطرس 1 :18-19) ، يقول البابا شنودة: «الفداء يت طلب كفارة غير محدودة تكفي لمغفرة خطايا غير محدودة ، لجميع الناس في جميع العصور، ولم يكن هناك حل سوى تجسد الله الكلمة، ليجعل بلاهوته الكفارة غير محدودة» (1). وقبل أن نلج لنقض هذا المعتقد نتعرف على النصوص المقدسة عند النصارى التي قررت معتقدات الفرق النصرانية المختلفة في هذه القضية الهامة ، لنعرف مقصدهم في الخلاص ، ولمن يبذلونه ، وعمن يمنعونه ، إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه القضية ، والتي يتوقف على إثباتها مصير آلاف الملايين من البشر في عصرنا وسائر العصور . وأول ما نلحظه اختلاف النصوص الكتابية في تحديد ما ي غفر بدم المسيح ، فبعضها يتحدث عن ذنب آدم فقط ، وبعضها يشمل جميع الذنوب التي سبقت صلب المسيح؟ بل يمتد بعضها ليعمم الخلاص على جميع الذنوب التي يرتكبها العبد (1 )طبيعة المسيح، البابا شنودة، ص19)، وانظر: لاهوت المسيح، شنودة، ص83-84.)

عدد الصفحات ١٦٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ حاضرً ا ومستقبلاً . لتوضيح هذا التخبط نعرض نماذج لهذه النصـوص ، يقـول الكاتـب المجهـول لرسالة العبرانيين عن المسيح : « هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوونـ إذ صار مـــوت لفـــداء التعـــديات التـــي في العهـــد الأول ـ ينـــالون وعـــد الميـــراث الأبـــدي » ( عبرانيين9 :15 ) ، فجعل الكاتب الخلاص بالمسيح متعلقً ا بذنب آدم فقط . ولكن بولس يجعل الخلاص أوسع من ذلك ، فيقـول : « المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه ، لإظهار بره مـن أجـل الصـفح عـن الخطايـا السـالفة بإمهـال الله ، لإظهــار بــره في الــزمن الحاضــر ليكــون بــار ا ، ويبــرر مــن هــو مــن الإيمــان بيســوع » ( روميــ ة 3 :24-25 ) ، فقــد جعــل الخــلاص خاصًــ ا بالخطايــا التــي ســبقت المســيح ، وشرطه بالإيمان بالمسيح . ومثلــه مــا جــاء في مــرقس : « مــن آمــن واعتمــد خلــص ، ومــن لــم يــؤمن يــدن » ( مرقس16 :16 .) لكن النصوص ـ وفي مواضع أخرى ـ تخبر بهلاك بعض النصارى الذين تمكنوا من صنع المعجزات باسم المسيح ، الذي يتبرأ منهم ويقول : « ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب ، يدخل ملكوت السموات . بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم : يا رب يا رب ، أليس باسمك تنبأنا ، وباسمك أخرجنا شياطين ، وباسمك صنعنا قوات كثيرة ، فحينئذ أصرّح لهم : إني لم أعرفكم قط . اذهبوا عني يا فاعلي الإثم » ( متى7 :20-21 ) . وفي م وضع آخر يجعل بولس الخلاص للجميع ، لجميع البشر ، فيقول عن المسيح : « بذله لأجلنا أجمعين » ( رومية8 :32 ) ، ويوضحه قول يوحنا : « يسوع

عدد الصفحات ١٦٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ المسيح البار ، وهو كفارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط ، بل لخطايا كل العالم أيض ا » (1 يوحنا 2 :2 ) ، ويؤكده قوله : « نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلص ا للعالم » ( يوحنا 4 :14 ) ، فجعل الخلاص عامً ا لكل الخطايا ، ولكل البشر ، مخالفً ا قول بطرس : «كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا » ( أعمال 10 :43 ) ، إذ بطرس قيد الخلاص بالمؤمنين بالمسيح . وفي موضع آخر جعل بولس الخلاص على درجات يتفاوت فيها حتى المؤمنون به، يقول : « قوة الله للخلاص لكل من يؤمن ، لليهودي أولا ، ثم لليوناني » ( رومية1 :16). ويشترط بولس للخلاص الإيمان بأبوة الله للمسيح ، ويضيف شرطً ا آخر هو الاعتراف القلبي بقيامة المسيح من الأموات فيقول : « إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت » ( رومية10 :9 ) . وهذا الاختلاف الذي رأيناه في النصوص الكتابية انعكس على الفرق النصرانية، فاختلفت في حدود الخلاص الذي حصل بدم المسيح ، فمنهم من جعله عامً ا لكل البشر ، ومنهم من خصه بالمؤمنين بقيامة المسيح ، أو بالمؤمنين بأن المسيح ابن الله ؟

عدد الصفحات ١٦٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ يعتقد الكاثوليك(1) والأرثوذكس أن الخلاص خاص بالمؤمنين المتعمدين فحسب، فقد كان الآباء (أغناطيوس، إيريناوس، أكليمندس السكندري، أغسطين) يصرخون: (لا خلاص خارج الكنيسة) ، و لا يشمل الخلاص بالمسيح جميع الذنوب ، إنما ي خص الخطيئة الأصلية وكذلك خطايا ما قبل التعميد ، وكما يقول القديس أوغسطينوس في كتابه ( The Enchiridion ) : بعد الفداء عادت للبشرية حريتها وإرادتها التي سلبتها بذنب آدم ، فإذا ما أتى المتعمِّ د ذنبً ا بعد معموديته ، فسيعود مستحقً ا للعذاب الدائم إن كان الذنب كبيرً ا، وي حله منها التوبة والاعتراف الكنسي . أما إن كان الذنب صغيرً ا فإن الكاثوليك يحكمون بعذاب صاحبه في ( المطْ ه ر ) الذي يعذب به المؤمنون ردحً ا من الزمن حتى يخلصوا من القصاصات التي عليهم(2). يشرح كتاب التعليم المسيحي لطلبة المدارس الصادر عن المرسلين اليسوعيين عذاب المطهر ، فيقول : « المطهر هومحل عذاب تتمم فيه نفوس الأبرار فرض الإيفاء عن خطاياها قبل الدخول إلى السماء .. الذين يذهبون إلى المطهر هم (1 )بدأت الكنيسة الكاثوليكية بالتخلي عن هذا في مجمع الفاتيكان الثاني الذي عقد عام 1964م،فقد ورد في وثيقة المؤتمر في الفصل السادس، في البند 16 ما يلي «فالذين يجهلون بلا ذنب إنجيل المسيح وكنيسته، ويبحثون عن الله بقلب سليم، ويسعون بأعمالهم، تحت تأثير النعمة، إلى إتمام مشيئته الظاهرة لهم، فيما يمليه عليهم ضميرهم، يستطيعون أن يصلوا إلى الخلاص الأبدي ». (2) انظر : ما هي النصرانية ، محمد تقي العثماني ، ص 87-88) ، وقد أقر التطهير بالمطهر مجمع فلورنس عام 1439 ، والمجمع التريدنتيني المنعقد بين عامي 1545-1563م. انظر علم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس ، ص (647 .)

عدد الصفحات ١٦٧

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ الذين يموتون بحال النعمة ، إلا أنهم لا يخلون من الخطيئة العرضية ، أو هم الذين لم يوفوا بالتمام للعدل الإلهي .. إن عذاب المطهر لأشد من كل عذاب في هذه الدنيا .. إن النفوس تبقى في المطهر إلى أن ت وفي بالتمام للعدل الإلهي » (1) . ودليل الكاثوليك في تقرير هذه العقيدة ما جاء في مرقس : « كل واحد يملح بالنار ، وكل ذبيحة تملح بالملح » ( مرقس9 :49 )فهو عذاب يشمل كل مؤمن عليه قصاصات . وأيضً ا استدلوا بقول بولس : « فعمل كل واحد سيصير ظاهرا ، لأن اليوم سيبيّنه ، لأنه بنار يستعلن ، وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو ، إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة ، إن احترق عمل أحد فسيخسر ، وأما هو فسيخلص ، ولكن كما بنار » (1 كورنثوس 3 :13-15) . إذًا فالفداء عند الكاثوليك والأرثوذكس يتلخص بقول هنري أبو خاطر : « هو تجسد الإله لتخليص البشرية من شوائب الخطيئة الأولى » . ولولا فداء المسيحللجنس الإنساني لهلك الجميع كما هلك السابقون للمسيح الذين سبقوا مجيء الفادي ، وفي مقدمة الهالكين ـ وفق الفكر النصراني ـ الأنبياء ، الذين يقول عنهم بولس سلامة في كتابه ( مع المسيح ) : « كانوا في أليمبسـ أي جهنم ـ مقر لأرواح الصالحين الأبرار الذين أوصدت في وجههم أبواب السماء ، بسبب خطيئة آدم الأولى ، فلبثوا حتى مجيء آدم الثاني ، أي : المسيح » . ويقول عوض سمعان عن موسى : « ومهما كانت عظمة موسى ، فإنه لولا (1 )التعليم المسي حي لطلبة المدارس، المرسلون اليسوعيون بمصادقة القاصد الرسولي في سورية ، ص (53-54) ، وانظر مثله في مختصر التعليم المسيحي الذي أصدرته الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية

عدد الصفحات ١٦٨

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ نعمة المسيح له ، لكان قد هلك واستحق عقابً ا أبديً ا على خطيئته » (1) . فهؤلاء الأنبياء الأطهارـ بحسب معتقد القديس بولس ـ مستحقون للعذاب ، لا بسبب تعديات شخصية لهم ، بل بسبب وراثتهم لذنب أبيهم آدم « قد ملك الموت من آدم إلى موسى ، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم .. كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة .. بمعصية الإ نسان الواحد جعل الكثيرون خطاة » ( رومية5 :14-18 ) . وكوسيلة للخلاص من عذاب المطهر ظهر عند الكاثوليك مبدأ الاعتراف الكنسي بين يدي الكاهن والتبرير بصكوك الغفران التي أقرت في المجمع الثاني عشر المنعقد في روما سنة 1215م ، وقرر فيه المجتمعون أن « الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء » . وقد استندت الكنيسة في هذا المع تقد إلى عدد من النصوص التي رأوها تمنحهم هذا السلطان ، منها أن المسيح خاطب بطرس قائلاً : « أنت بطرس ، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوط ا في السماوات ، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات » ( متى16 :18-19) ، ولما كانت الكنيسة تعتبر نفسها وارثة لبطرس ورثت أيضً ا هذا السلطان عنه . وأيضً ا يقول يوحنا بأن المسيح قال لتلاميذه : « من غفرتم للناس خطاياه تغفر له، (1) انظر : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة الشاهين ، ص135 ،146) ، وعلم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس ، ص (647 .)

عدد الصفحات ١٦٩

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ومن أمسكتم خطاياه أمسكت » ( يوحنا20 :23 ) . فقد ورثت الكنيسة ورجالها دور المسيح الوسيط الذي وصفه بولس : « يوجد إله واحد ، ووسيط واحد بين الله والناس : الإنسان يسوع المسيح » (1 تيموثاوس 2 :5 ). وقد ووجه قرار المجمع باحتجاجات طويلة من الذين رفضوا أن يكون قرار الغفران بيد رجال الكهنة الخاطئين . كيف لهؤلاء أن يمنحوا الخلاص والغفران ؟ وفي عام 1869م صدر قرار يفيد عصمة البابا خروجً ا من هذه الاحتجاجات وغيرها ، وقد ظهر بعد انتشار صكوك الغفران ما أسمته الكنيسة بالتعويض السري ، ويشرحه ( معجم اللاهوت الكاثوليكي ) فيقول : « الإنسان يخضع لهذه المراحل التطهيرية، إذ يموت مبررً ا بالنعمة ، بمقدار ما تكون حالة العقاب ( المستحق ) لا تزال موجودة فيه ، ولم تزل بزوال الخطايا بالغفران يوم التبرير ، وبمقدار ما بالإمكان أن تزيل هذه الحالة عقوبات تعويضية .. فإذا لم نتم التعويض السري بعد أن نكون قد أكدنا إرادتنا كليً ا للتعويض يظل الس ر صحيحً ا ، إنما يجب أن نقوم بذلك التعويض محتملين نتائج الحقيقة الأليمة » . ويجدر أن ننبه إلى أن بدعة الاعتراف الكنسي ومهزلة صكوك الغفران التي بقيت الكنائس تصدرها ردحً ا طويلاً من الزمن كوسيلة لتحصيل الخلاص كانتا أهم أسباب وجود فرقة البروتستانت وانشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية . وهما في الحقيقة نوع وصورة من صور وثنية النصارى ، فالغفران الذي يمنحه القسيس للمعترف أو لدافع رسوم صكوك الغفران فتح لأبواب الجنة وتحديد لمصير البشر ، وعليه فإن هؤلاء الذين يملكونها غدوا في الحقيقة آلهة أخرى تضاف إلى التثليث الذي يقولون به .

عدد الصفحات ١٧٠

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وحين ي تأمل العقل المجرد في صورتي الحصول على الغفران التي اعتمدتها الكنيسة فإنه يستقبحها و يمجها ، حيث يجلس التائب أو التائبة في خلوة بين يدي رجال الكهنوت المتبتلين والممنوعين من الزواج ، فتقص الفاجرة قصة فجورها بين يديه ، طالبة منه الغفران والصفح ، ولا يخفى ما يسبب ه هذا الاعتراف من الفتنة والفساد والبغاء . وأما الصيغة الأخرى للحصول على الغفران والمتمثلة بدفع المال لرجال الكهنوت فهي نوع من الامبريالية في الدين ، إذ الذي لا يجد من المال ما يشتري به صك غفران ، فليس عليه إلا أن يهيئ نفسه لدخول النار ، وبئس القرار ، لأن الجنة ـ بمقتضى هذا المنطق المعكوس ، والفهم المنكوس ـ ستكون مخصصة للأغنياء فقط. وقد كان لهذه الصكوك أثر سلبي في نشر الرذيلة، فقد كان المذنبون يجأرون بالقول: «لست أبالي كم أرتكب من الذنوب أمام الله، لأن من السهل علي أن أتخلص من كل ذنوبي ومما ي ترتب عليها من العقاب، بالمغفرة، وصكوك الغفران الت ي يمنحنى إياها البابا .. نظير أربعة بنسات أو ست ، كأني أكسبها في لعبة تنس مع من يمنحنى الغفران »، ويمضي ولديورانت ليصف بعض فصول هذه المأساة ، حيث إن بائعي الصكوك كانوا يبيعون المغفرة « نظير بنسين تارة، وجرعة من الخمر تارة .. بل إنهم يعطونها نظير استئجار عاهر، أو نظير الحب الدنس»(1). (1 )قصة الحضارة، وليام ديورانت22/50.)

عدد الصفحات ١٧١

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ أما البروتستانت فإنهم يترددون بين شرط الإيمان للخلاص ، وبين إسقاط هذا الشرط، ففي حين حين يشترطه المحافظون منهم ؛ فإن الليبراليين منهم يشملون بالخلاص بدم المسيح كل الخطايا ، وكل الناس ، مؤمنهم وكافرهم، ويستدلون بقول بطرس: «بل كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » (أعمال10 :35) . يقولالدكتور جورج فورد في كتابه ( نور العالم ) : « هو صادق بقوله: «أنا هو نور العالم » ..يتحتم أن يكون نور المسلمين أيضق وهذا القول حيوي لعلاقته بخلاصهم الأبدي، لأن العاقل يعلم أن شروط الخلاص والهلاك أجل وأعدل من أن تكون مذهبية ، أو تتنوع باختلاف الشعوب والنحل»(1). ويقول أنيس شروش في مناظرته لديدات : « يسوع الناصري ، هو الذي حقق هذه النبوءة ، وذلك بالموت نيابة عن الخطاة ، كل الخطاة ، وليس فقط آدم وحواء »،ويقول أيضً ا : « الخلاص ليس للمسلمين ، ولا لليهود ، ولا للآخرين ، إنه لنا جميعً ا ، إن الله يحبنا، لقد أصبح الله ابنً ا ، وأصبح الابن إنسانً ا ، وهكذا أصبحنا نحن كبشر أبناء الله » . ويقول العالم البروتستانتي ترثون : نحن نجتاز نحو مبدأ الكفـارة ، تلـك هـي أن المسيح قد أصبح إلى حد ما بمعنى الفداء عن الخطيئة ، ومن ثم فقـد صـالح الله الأب الإنســان الخــاطئ ، « لأنــه إن كنــا ونحــن أعــداء ، فقــد صــولحنا مــع الله بمــوت ابنــه » ( رومية5 :10 ) (2) . (1 )نور العالم، جورج فورد (نسخة إلكترونية منشورة في موقع الكلمة ). (2) انظر : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام ، أميمة شاهين ، ص 149) ، الغفران بين الإسلام والمسيحية ، إبراهيم خليل أحمد ، ص (114) ، علم اللاهوت النظامي ، جيمس أنِس ، ص645 .)

عدد الصفحات ١٧٢

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ تبدأ قصة الخطيئة ثم الخلاص والفداء عندما خلق الله آدم في جنته ، ونهاه عن الأكل من أحد أشجارها ، فأغواه إبليس ، فوقع الأبوان في شراك كيده ، وأكلا من الشجرة المحرمة ، فعاقبهما الله بما يستحقا ، وأنزلهما إلى الأرض . فمدخل عقيدة الخلاص والفداء هي تلكم القصة التي حصلت في فجر البشرية، فلنر ماذا يقول الكتاب المقدس عن تلك القصة ، ولنبدأ باستعراض قصة ذنب آدم كما جاءت في سفر التكوين . يقول سفر التكوين : « وأخذ الرب الإله آدم ، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ، وأوصى الرب الإله آدم قائلا : من جميع شجر الجنة ت أكل أكلا . وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل أكلا . وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موت ا تموت .. وكانت الحية أحيَ ل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله ؟ ، فقالت للمرأة : أحق ا قال الله : لا تأكلا من كل شجر الجنة ؟ فقالت المرأة للحية : من ثمر شجر الجنة نأكل ، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله : لا تأكلا منه ، ولا تمساه لئلا تموتا . فقالت الحية للمرأة : لن تموتا ، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل ، وأنها بهجة للعيون ، وأن الشجرة شهية للنظر ، فأخذت من ثمرها ، وأكلت ، وأعطت رجلها أيض ا معها ، فأكل فانفتحت أعينهما ، وعلما أنهما عريانان . فخاطا أوراق تين ، وصنعا لأنفسهما مآزر .

عدد الصفحات ١٧٣

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ وسمعا صوت الرب الإله ماشي ا في الجنة عند هبوب ريح ال نهار ، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة . فنادى الرب الإله آدم ، وقال له : أين أنت ؟ فقال : سمعت صوتك في الجنة ، فخشيت لأني عريان ، فاختبأت . فقال : من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت . فقال الرب الإله للمرأة : ما هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة : الحية غرّتني فأكلتُ . فقال الرب الإله للحية : لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم . ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين ، وتراب ا تأكلين كل أيام حياتك ، وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ، هو يسحق رأسك ، وأنت تسحقين عقبه . وقال للمرأة : تكثير ا أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولاد ا ، وإلى رجلك يكون اشتياقك ، وهو يسود عليك . وقال لآدم : لأنك سمعت لقول امرأتك ، وأكلت من الشجرة التي أوص يتك قائلا : لا تأكل منها . ملعونة الأرض بسببك ، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك ، وشوك ا وحسك ا تنبت لك ، وتأكل عشب الحقل ، بعرق وجهك تأكل خبز ا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ، لأنك تراب ، وإلى تراب تعود .. وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارف ـا الخيـر والشـر ، والآن لعله يمـد يـده ، ويأخـذ مـن شـجرة الحيـاة أيض ـ ا ، ويأكـل ويحيـا إلـى الأبـد ، فأخرجـه الــرب الإلــه مــن جنــة عــدن ليعمــل الأرض التــي أخــذ منهــا ، فطــرد الإنســان ، وأقــام شــرقي جنــة عــدن الكــروبيم ، ولهيــب ســيف متقلــب لحراســة طريــق شــجرة الحيــاة » ( التكوين 2 :15-3 :24) .

عدد الصفحات ١٧٤

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إن التأمل في القصة التوراتية يثير عددً ا كبيرً ا من الأسئلة ، ويشكك في مصداقية الرواية التي بنى عليها النصارى أحد أكبر أوهامهم . وأول ما ن لاحظه أن الرواية التوراتية تتحدث عن الذات الإلهية بما لا يليق وشمولية علم الله وتنزهه عن النقائص ، ومنه نسبة الجهل إليه جل وعلا ، إذ يقول السفر : « وسمعا صوت الرب الإله ماشي ا في الجنة عند هبوب النهار ، فاختبأ آدم وامرأته في وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة ، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له : أين أنت؟ » ، فسؤاله ليس سؤالاً تقريريً ا ، وليس تأنيبيً ا ، بل هو استفهامي ، صدر عن عاجز عن الوصول إلى من توارى عنه حين سمع وقع أقدامه . كما نسبت الرواية التوراتية الإغواء إلى الحية ، فلئن كانت الحية حقيقية كما يذهب إليه مفسرو أهل الكتاب ، فالسؤال : هل الحيوان يكلف ويعاقب ، وهل أرسل له رسل من جنسه ، وأين أشار العهد القديم إلى مثل هذا التكليف الغريب ؟ ورغم تفسير الكتاب للحية بأنها رمز للشيطان ( انظر الرؤيا 20 :2 ) ، فإن سفر التكوين كان يتحدث عن حية حقيقية ، وليس عن معنى رمزي ، فقد وصف الحية بأنها من البهائم « الحية أحيل جميع حيوانات البرية » ، وقال عنها : « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية ، على بطنك تسعين » ، فالحديث عن حية حقيقية نراها إلى يومنا هذا وهي تسعى على بطنها ، عقوبة للعصيان ، كما جاء في السفر التوراتي . كما يجعل السفر التوراتي سبب إخراج آدم من الجنة الخوف من تسلط آدم على شجرة الحياة « والآن لعله يمد يده ، ويأخذ من شجرة الحياة ، ويأكل ويحيا إلى الأبد ، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن » . هذه الإشكالات المنطقية في القصة جعلت بعض المسيحيين يتهرب من

عدد الصفحات ١٧٥

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ إقرارها كواقع تاريخي، ويستجرها إلى فناء الرمزية الذي يريحه من تلكم الأسئ لة، يقول القس وهيب جورجي: «هذا الاتجاه في التفسير هو الذي دفع بالبعض إلى القول بأن حادثة شجرة معرفة الخير والشر الواردة في الكتاب المقدس لم تكن غير أسطورة قديمة سجلها كاتب سفر التكوين ضمن مجموعة من الأساطير ... الله جل جلاله أرفع وأكبر من أن يربط مصائر الب شر بشجرة مادية أو أكلة تافهة، وهذا بدوره أدى بأكثر من واحد من رجال الكنيسة إلى القول برمزية شجرة المعرفة، دون ان تكون هنالك شجرة مادية حقيقية»(1). ويبدو أن هذا التفسير قد تعزز في الكنيسة، ولم يعد مجرد رؤية شاذة لبعض القسس، فهذا ما قرره الاب الكاثوليكي عزير الحلاق بقوله: «من المتفق عليه اليوم أن قصة آدم وحواء هي قصة رمزية، أي أنها لا تشير إلى حقيقة تاريخية .. آدم وحواء ليسا حقيقة مجردة بعيدة عنا، إنهما موجودان في كل منا»(2). ويبقى السؤال الأهم : ما هي معصية آدم ؟ وتأتي الإجابة التوراتية واضحة ، لقد أكل من الشجرة المحرمة ، شجرة معرفة الخير والشر ، لقد عرف الخير والشر . فماذا ترتب على هذه المعرفة من ثمرة مشينة ؟ لا يذكر النص التوراتي لهذه الفعلة أثرً ا سوى أن آدم وحواء عرفا بأنهما عريانان ، إذ انكشفت لهما الأمور بمعرفتهما للخير والشر . لكن المعرفة سلم للوصول إل ى الحقيقة ، ولم تحرم إلا في زمن الطغاة والمستبدين ، فهل كان بحث آدم عنها وتشوقه إليها جريمة ! أليس ذلك تحقيقً ا للمشيئة الإلهية في إقامة الجنس البشري . (1 )مقدمات العهد القديم، وهيب جورجي، ص34.) (2) الخطيئة الأصلية، كيف نفهمها اليوم؟ الأب عزير الحلاق، ص (25) .

عدد الصفحات ١٧٦

هل افتدانا المسيح على الصليب ؟ ثم من الظلم أن يعاقب آدم ـ حسب النص ـ على ذنب ما كان له أن يدرك قبحه ، إذ لم يعرف بعد الخير من الشر ، بل ونتساءل : كيف وقع آدم في الإثم وهو غير ميال للشر والخطيئة التي دخلت للإنسان بعده كما يزعم النصارى . أما الإسلام فيعترف بالجبلة البشرية التي خلق الله الإنسان عليها فهو مستعد للخير والشر ، مدرك لهما ، ولذا فهو مكلف بفعل الخير وبالامتناع عن الشر ، ومحاسب على ذلك . وثمة مسألة أخرى هامة من الذي يتحمل وزر الذنب آدم أم حواء ؟ يذكر النص التوارتي ما يفهم منه براءة آدم من غواية الحية وإدانة حواء بها ، ففيه أن حواء التي أغوتها الحية فأكلت « وأعطت رجلها أيضا معها ، فأكل » . ولما سئل عن فعلته قال آدم : « المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة، فأكلت » ، وبراءة آدم من غواية إبليس صرح به بولس ، فقال : « وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت ، فحصلت في التعدي » (1 تيموثاوس 2 :14 ) ، لأنه « كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم » ( رومية5 :12 ) . وريب أن لهذا كبير علاقة مع النظرة اليهودية للمرأة حيث تزري بها شرائع اليهودية ، وهي في هذا النص تعتبرها سببً ا للخطيئة ، وقد قال ابن سيراخ في سفره : « من المرأة نشأت الخطيئة ، وبسببها نموت أجمعون » ( ابن سيراخ25 :24 ) . والقرآن الكريم عندما تحدث عن خطيئة آدم حمّل آدم ـ وهو الرجل ، رب الأسرة وصاحب القرار الأول فيها ـ المسئولية الأولى ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه : 121 ] . كما تحدث النصالتوراتي عن عقوبات ثلاث، طالت آدم وحواء والحية .

عدد الصفحات ١٧٧