11 تغطية النساء وجوهَهنّ في الجاهلية(1) من الأبيات التي تدل على أن النساء في الجاهليةكن يغطي وجوههن عن الرجال قول الحماك: ونســوتكم في الــروع بــاد وجوههــا يخ لـــن إمـــاءًا والإمـــاء حرائـــر يريد أنه سقط الحجاب عن وجوههن من هول الخطب حتى يُسبهنّ من يراهنّ إماءًا. وقيل: إنهن فعلن ذلك تشبهًا بالإماء لأن لاّ ي سبي. وقول الحماك الآخر: قـــد كـــن يخ بـــأن الوجـــوه تســـترًّا فــــاليوم حــــي بــــدون للنظّــــار يريد أنهن ذهَلن عن ستر وجوههن من شدة الفاجعة بمقتل المرثيّ. وقول أبو د وَاد الإيادي: ويصــــنّ الوجـــــوه في الميسناني ــــــ ـــي كــما صــانَ قــرنَ شــمسن غــمام وقول عنترة: إن تغــــدفي دوني القنــــاع فــــإنني طـــبّ بأخـــذ الفـــارس المســـتلئ م وقول خ فاف بن ندبة: وأبــدى شــهور الحــج منهــا محاســنًا ووجهًا متى يُلل له الطيب ي شـ ـرق (1) في عادات القدماء ن شر في تويتر في 10 /11 /1255هـ.
عدد الصفحات ٨١82 رأي في ضبط بيت أبي تمام (فلينظرن المرء من غلمانه(1) يَظهر لي أنَّ الصوابَ في ر واية هذا البيت هو فَل يَن ظ ــــرَنَّ المــــرء مَــــن غ ل مان ــــه فهــــم خلائف ــــه عــــلىَ أخلاق ــــه يقول أبو تمَّامن: ليفتِّش المرء في حال غلمان ه، وليتفقَّد أخلاقَهم، فإنَّ صلاحَ أخلاق هم دَليل علىَ صلاح خ ل ق ه وفسادَ أخلاق هم دَليل علىَ فساد خل ق ه. ونظير هذا ما نقلَه أخونا صالح عن الجاحظ . ومن الأبيات المع روفة في ذلك قول الشاعر : ســـهل الف نـــاء إذا حللـــتَ بباب ـــه طَل ـــق اليـــدَين مـــؤدَّب الخ ـــدَّام و(مَن) في البيت استفهاميَّة ، وهي وما بعدَها في محلِّ نصبن مفعـول بـه لـ(ينظ ر). ونظير ه قـول الله تعـالىَ: ﴿ﭣﭤﭥﭦﭧ [1]، وقـول النبي عليه السلام: «المرء علىَ دين خ ليل ه، فلينظر أحد كم مَـن يخ الـل ». فقـايس (1) في رواية الشعر والأدب أصله تعليق على رأي الأستاذ صالح العمري أن ي قرأ بيت أبي تمام هكذا: فلي نظَـــــرنّ المـــــرء م ـــــن غلمان ـــــه فهـــــم خلائفـــــه عـــــلى أخلاقـــــه وتخطئت ه أن ي قرأ: (فليَنظَرنّ المرء مَن غلمان ه). وقد ن شر في ملتقى أهل اللغة في 7 - 10 /2 / 1254هـ
عدد الصفحات ٨٢13 بيتَ أبي تمامن بهذين الشاهدين ينجل لكَ معناه وبصددن من هذا المعنَى مدح هم الرجلَ إذا كانَ كلب ه ذا أنسن بالضَّيف واست دلاله م بهذا علىَ كرَم ربِّه وحسن ق راه ، قالَ ن صيب : وكلب ــــــك آنَــــــس بــــــالمعتفيَ مـــــن الأمِّ بابنت هــــــا الزائــــــرَه وهو بيت مستطرَف التشبيه وإن كان معناه معروفًا مطروقًا. وأمَّا ضبط بيت أبي تمام هكذا: فَل ي ن ظَــــرَنَّ المــــرء م ــــن غ ل مان ــــه فهـــم خلائف ـــه عـــلىَ أخلاق ـــه فبعيد في رأيي. وذلكَ أنَّ (ي نظَر) هنا م تعدِّية بنفس ها. ولذلكَ أ سن د مفعوله ا إلى الفعل لما ب ن ي للمجهول فارتفعَ. والمعروف في (نظَر) تعدِّيه بحرف جرُ. وبذلكَ نزلَ القرآ ن ونطقَت الفصحاء ، قالَ تعالىَ : {ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ} [42]،ثمَّ قالَ امرؤ القيس: نظــــرت إليهــــا والنجــــوم كأنهَّــــا مصــابيح رهبــانن ت شَــبُّ لق فَّــال وقلّما عدّوا (نظر) بنفسه وإن كان ذلك قد ورد في أبيات قليلة من الشعر. وعلىَ أنَّ في البيت إذا قرأناه بهذه الرِّواية شيئًا من الركاكة متى تأمَّلتَ في معنَى (ي نظَر) وموضع (م ن) ودلالتها ووازنتَها بقول ك مثلاً: (ي نظَر الإنسان م ن منطق ه) تريد أنَّ الإنسان يعرَف معد نه بمنطق ه أي: كلام ه. وهذا كما ترَى غاية في الع يِّ والرَّداءة.
عدد الصفحات ٨٣84 فقد انتهينا إذن إلى بيان فساد هذا الضبط فَل ي ن ظَــــرَنَّ المــــرء م ــــن غ ل مان ــــه فهـــم خلائف ـــه عـــلىَ أخلاق ـــه ووقفَ الأستاذ الكريم صالح عند هذا الضبط : فَل يَن ظ ــــرَنَّ المــــرء مَــــن غ ل مان ــــه فهـــم خلائف ـــه عـــلىَ أخلاق ـــه منك رًا له وطاعنًا عليه بأنَّه ضعيف الارتباط بما قبلَه غير متعلِّقن به في المعنَى. وإذ كانَ صواب الرِّواية دائرًا على هذين الاحتمالي فلا ب دَّ لأخينا الكريم أن يختارَ أحدَهما أو يأتيَنا باحتمالن آخَرَ غير هما بريءن من المطاعن التي ذكرَها. فأمّا أن نرضََ بالتفويض والتوقُّف وأن يكونَ حظُّنا من العلم الإنكارَ وحسب فأمر لا يَشفي سائلاً ولا يكش ف حقًّا ولا باطلاً. علىَ أني أعجَب من إنكار أخينا صالحن لارتباط هذا البيت بما قبلَه في المعنَى وهو البصير بالشِّعر المطَّل ع على تصرُّفات الشعراء ومذاهب هم. والحقُّ أني لم أغف ل عن النظر إلى البيت السابق لهذا البيت، ولكنِّي تركت الإشارةَ إليه والكلامَ عليه لاعتقاد ي أنَّه بيِّ التعلُّق بما بعده والا ستدعاء له. وذرني أشرح لك ذلك. لا ب دَّ أن نعر ف أول أنَّ هذين البيتي من أبياتن يعات ب بها أبو تمَّامن بعضَ أصحاب ه وكأنَّه آنَسَ من لقائه له جفوةً وف تورًا ووجدَ مثلَ ذلكَ من استقبال خدم ه له، فقول ه: حشَـــم الصـــديق عيـــونه م بحَّاثـــة لصـــديق ه عـــن صـــدق ه ون فاق ـــه
عدد الصفحات ٨٤15 تنبيه علىَ أنَّ للعيون لسانًا ناطقًا ولغةً م ب ينةً. وهذا كما قالَ الشاعر والعـــي تعـــر ف في عينَـــي محـــدِّث ها إن كان من حزبه ـا أو مـن أعاديهـا وقالَ الآخَر: أشــارت بطــرف العــي خيفــةَ أهل هــا فأيقنــت أن الطــرفَ قــد قــال: مرحبًــا إشـــــا رةَ مـــــذعورن ولم تـــــتكلَّم وأهــلاً وسَــهلاً بالحبيــب المتــيّم وقد أكثرت الشّعراء في ذلك. والمتمرِّس بالشِّعر يعلم أنَّه لم ير د قصرَ ذلكَ على العيون ، وإنما ذكرَ العيونَ م ثالاً وأرادَ جملةَ الأخلاق . وذلكَ أنَّ دلالةَ العيون دلالة خفيَّة غام ضة . وإذا عرَف المرء ما في سريرة صديق ه بعيون خدم ه فأجدَر أن لا يخطئَ معر فةَ سريرته بأوضحَ من ذلكَ من الأخلاق الظاهرة لنفس ه. وقد رأيتَ كيفَ أحسنَ أبو تمام الإبانةَ عن هذا المعنَى بأن جعلَ معرفةَ ما في نفس الصديق ق بَلَ صديق ه ومبلغَ إخلاص ه الودَّ ل ه معقودًا بأمرين بعيدَين ، أوَّلهما خدم ه. ثمَّ لم يكتف بذلكَ حتَّى ناطَ ذلكَ بعيونه م. وهو الأمر الثاني. وقد علمتَ أنَّ دلالةَ العيون وإن كانَت مفهومةً أحيانًا، فإنهَّا أدقُّ وأغمض من دلالة غير ها من الكلام أو الفعل . وهذا البيت يتضمَّن معانيَ ع دَّ ةً، منها أنَّ للعيون لغةً وإبانةً، ومنها أنَّ الصديقَ وإن جهَدَ أن يستر ما في نفس ه تج اهَ صديق ه فإنَّه لا يلبَث أن ينمَّ عليه ما لم يجر منه علىَ بالن، ومنها أنَّ الخدمَ صورة صادقة لسيِّد هم يَظهر عليهم ما ي ك نُّ في نفس ه. وكأنَّ أبا تمامن أعج بَ بهذا المعنَى الأخير واستحسنَه، فانسلَّ منه إلى ما
عدد الصفحات ٨٥86 بعدَه وآثَرَ أن ي عق بَه بحكمةن عامَّةن منسر بةن من هذا المعنَى ينب ذ ها إلى مخاطَب ه وتكون خ تامًا لأبياته هذه فقالَ: فَل يَن ظ ــــرَنَّ المــــرء مَــــن غ ل مان ــــه فهـــم خلائف ـــه عـــلىَ أخلاق ـــه يقول : إذا كانَ الغ لمان صورةً تخبر ك عن غيب سيِّد هم إذا كانَ صديقًا لكَ فاعلَم أنَّ الغ لمانَ أيضًا تبَع لسيِّد هم في سائر أخلاق ه، فلين هم دَليل علىَ لين ه وش دَّتُ م دليل علىَ ش دَّت ه وكرَم هم دليل علىَ كرم ه وبخل هم دَليل علىَ بخل ه. ولهذا الأمر مدحَ الشاعر ممدوحَه بأنه: (مؤدَّب الخ دَّام). وإذن فليتفقَّد المرء غ لمانَه، وليحرص علىَ أن تكونَ أخلاق هم حميدةً، فإنهَّم وَجه ه، وبه م ي ستدَلُّ على خ ل ق ه وي عرَف معد نه وهذا معنًى معروف ، فإنَّك إذا رأيتَ أبناءَ الرجل وأهلَه يُتف ونَ بكَ ويكر مونَك عل متَ أنهَّم عل موا محبةَ أبيهم لكَ فعاملوكَ بذلك. والضدُّ بالضدِّ. فقد رأيتَ علاقةَ هذا البيت بما قبلَه عَلاقةً واضحةً لا لبسَ فيها وأنَّ أبا تمَّامن لم ي فسد المعنَى ولم يخطئ فيه وأنَّه لا ينبغي أن يقرأ بيت ه بحروف ه إلا هكذا ما لم يكن محرَّفً ا. وهو ما لم نتبيَّنه حتى الآنَ. ولست أرَى حاجةً لطول التشكُّك في هذا البيت وقد ظهرَ أنه إن لا يكن ارتباطه بما قبلَه واضحًا كلَّ الوضوح فإنه ليس بمستنكَرن ولا مدفوعن. وفي كتاب الله تعالىَ من الآيات ما لا يَظهر ارتباط ها بما قبلَها إلا لبعض الراسخيَ في الع ل م. وكثير من الشِّعر علىَ هذا النحو. معَ أني أزع م أنَّ الارتباطَ بي البيتي
عدد الصفحات ٨٦17 واض ح كلَّ الوضوح ولعلَّ ما ذكرت ه يكش ف لكَ عن المعنَى الجامع لهذا البيت بالأبيات التي أوردها أبو عثمانَ وكيفَ ترج ع إلى بابن واحدن ومقدار ما بينَها من التآخي والائتلاف . │
عدد الصفحات ٨٧88 كلام النساء وخطّهنّ(1) 1 - قال أبو بكر بن السراج (ت511 هـ«أصوله»(وقال الأخفش: النُّدبة لا يعرفها كلُّ العرب، وإنما هي من كلام النساء). 4- قالَ أبو عليُ القالي (ت 511 هـ«أماليه« :»ما له سب دَ نحر ه، ووب د»أي: سب دَ من الوجد ع المال، والكسب، لا يج د شيئًا. وقد سب دَ الرجل ، ووب دَ: إذا لم يكن عنده شيء . وهو رجل سب د . قاله أبو صاعد. وقال أبو الغمراء: إنما نعرفه من دعاء النِّساء «ما لها سب د نحر ها » قلت قوله: (أبو الغمراء) كذا في مطبوعة «الأما»و«المزهر»للسيوطي (ت 511 هـ) نقلاً عن«الأما»أبو عَم ر. وكلاهما تصحيف . وليس أحد من العلماء، أو الرواة ي عرَف بهذا الاسم . والصواب: أبو الغَم ر. وهو وأبو صاعد أعرابيَّان فصيحان من بني كلابن قد مَا بغدادَ، وروَى عنهما أبو عَم رن الشيبانيّ (ت 415 هـ) ، وابن السكِّيت (ت 422 هـ). توفِّيَا بعد المئتي(2). (1) ن شر في ملتقى أهل اللغة14/4/1254 هـ وفي المجلة الثقافية44/4/1254هـ. (4) في مسنَد إسحاق بن راهويه (ت457 هـ)، ونقلَه عنه ابن الأثير (ت101 هـ) قالَ: (سألت أبا الغَم ر الأعرابيَّ - وهو ابن ابنة ذي الرمة - عن تفسير ذلكَ (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبيَ زور ، أم غير ه. فإن كان إياه، فقد أفادَنا هذا الخبر فائدةً نادرةً. وهي أنَّه س بط ذي الرمَّة . وهذا غير بعيدن، لأن ذا الرمة توفي عامَ =
عدد الصفحات ٨٨19 ويظهر أن أبا عليُ نقلَ هذا النصَّ من كتاب ثعلب (ت 451 هـ«الأيمان والدواهي»وهو مفقود. ولعلَّ ثعلبًا اقتبسَه من «نوادر»أبي عَم ر الشيبانيِّ، وقد كان تلقَّاها روايةً عنه من طريق ابن ه عَم رن (ت 451 هـ) ، أو اقتبسَه من كتا بن آخَرَ من كتبه المفقودة. 5- قالَ أبو الفرج النديم (ت 570 هـ«فهرسته»(وكان في خ زانة المأمون كتاب بخطِّ عبد المطلب بن هاشم في جلد أدَمن فيه: (ذ ك ر حقّ عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري من أهل وزل صنعاء، عليه ألف درهم فضة كيلاً بالحديدة. ومتى دعاه بها أجابه. شه د الله والملَكان). قالَ: وكان الخطُّ يشبه خطَّ النساء). قلت : قوله: (وزل) كذا في نشرة أيمن فؤاد سيد للكتاب. وهي مصحَّفة عن (زَو ل)، نصَّ علىَ ذلك ابن خالويه (ت 530 هـ) في تعليقه ع«العشرات غريب اللغة »لأبي عمر الزا هد (ت 521 هـ)، قالَ: (والزَّو ل: اسم مكان باليمن، و ج د بخط عبد المطلب بن هاشم، وأنهم وصلوا إلى زول صنعاء). (113 هـ). وإذا قدَّرنا ح سبةَ الأجيال أربعيَ عامًا كما يرى ابن خلدون، فإنَّ وفاةَ ابنته قد تكون عامَ 113 هـ، ووفاةَ ابنها قد يكون عامَ 153 هـ. وإذن فجائ ز أن يكونَ هو أبا الغمر الكلابيَّ الذي رَوى عنه أبو عَم ر الشيبانيُّ (ت 415 هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت457 هـ)، وابن السكيت (ت 422 هـ). وزد عليه م ابنَ الأعرابيِّ (ت 451 هـ
عدد الصفحات ٨٩01 2- قال أبو بكر الباقلاني (ت 205 هـ«إعجاز القرآن »بعق ب سياقت ه لبيت امرئ القيس: ويــومَ دخلــت الخ ــد رَ خ ــد رَ ع نيــزةن فقالت: لكَ الويلات ، إنك م ـرج لي قالَ: (وقول ه في المصراع الأخير من هذا البيت: «فقالت: لك الويلات، إنك مرجلي»كلام مؤنَّث من كلام النساء 1- قالَ أبو عبيدن (ت 442 هـ«أمثال ه»(يا عَبر َى م قب لةً، وسَه رَى م دب رةً وهو من أمثال النِّساء ، إلا أن أبا عبيدةَ حكَاه ). 1- و«أمثال»أبي عبيدن أيضًا: (لو قيل للشحم : أين تذهب؟ لقال أ سوّي العَوَج. يعني أنه يذهب بالعيوب ويُ سّنها. قال أبو عبيد: وهذا مثل مبتذَل. وأكثر من يتكلّم به النّساء). 3- قالَ أبو منصورن الأزهريُّ (ت 530 هـ«تُذيبه»(وم ن أمثاله م إلا حَظيَّ ة فلا أليَّة. وهي 7- وفي كلام العاّمة نظير لهذا، كنحو ما جاء في كتاب محمد العبودي (كلمات قضت): (الأ وال: الإياب بعد الغياب. أكثر ما تستعمَل في قول النساء للمرأة التي قد م قريب لها من غيبةن، سواء أكان زوجًا، أو ولدًا، أو قريبًا أ دنى: يا فلانة، هَنَاك الا وال... ولا يستعمل الرجال هذه الكل مة). وقد سألت عنها والدتي -حفظها الله -، فذكرت لي أن جدتُا كانت تقوله ا. و(الأ وال) أصلها من (آل يئول ): إذا رجَعَ.
عدد الصفحات ٩٠91 قلت هذه النصوص التي عرضت ها لك تنبئك أنَّ للنِّساء في الكلام ، والخطِّ مذاهبَ، وأنماطًا فارقَت بها الرِّجالَ. وهو أمر عرفَه العلماء المتقدِّمونَ، وفطنوا له، وما زالَ اليومَ قائ ماً مشاهدًا، فإنَّك تج د للنِّساء ضروبًا من الأدعية لا يقوله ا الرِّجال . وهنَّ بذلكَ أطلق لسانًا، وأكثر تصرُّفًا، ولا سيَّما العجائز منهنَّ. ومثل ذلكَ الخطُّ، فإنك لترَى الخطَّ لا تعر ف كاتبَه، فستَدلُّ بصورته علىَ أنه خطُّ امرأةن. وذلكَ أنهنَّ في الجملة أقلُّ تجويدًا لصور الحروف ، وحدود ها، وزواياها من الرِّجال ، لم َا ف ط رن عليه من الرِّقَّة، والتأوُّد، والخطُّ يَُتاج إلى يدن محكَمة القبضة ، متماس ك ة الأنام ل، مأمونة الاختلاج . ولذلك كانت النِّساء في الرسم أمهرَ منهنَّ في الخطِّ، إذ كانَ الرسم أقلَّ حدودًا، وزوايا، معَ ما ينطوي عليه من الحسِّ الحديد ، والخيال المحلِّق. وذلكَ من مَّا ر كِّبَ في طباعهنَّ، وسبق نَ به الرِّجالَ. كما أنَّ غلبةَ العاطف ة عليهنَّ جعلَتهنَّ عندَ المصيبة أسرعَ دموعًا، وأكثرَ ن دبةً، وعويلاً، حتى زعمَ أبو الحسن الأخفش أنَّ الندبةَ من كلام النِّساء. وهذا وإن كانَ مدفوعًا بالشواهد الصحيحة على صدور النُّدبة من الرجال ، فإنَّه دالٌّ على شيوع ها فيهنَّ. │
عدد الصفحات ٩١02 أصول النحو والصرف وعِللهما أصول النحو والصرف وع للهما
عدد الصفحات ٩٢93 علة رفض الاحتجاج بكبار الشعراء والكتاب الذين جاءوا بعد زمن الفصاحة(1) لمَ لا يجوز الاحتجاج في اللغة بكبار الشعراء والكتّاب الذين جاءوا بعد زمن الفصاحة كأبي تمام والمتنبي والجاحظ وأمثالهم؟ الجواب عن هذا أن الواحد من هألاء إمّا أن يكون قد أت ى باللفظ أو الأسلوب الذي ي راد الاحتجاج به من طريق النظر والمقايسة، وإما أن يكون قد جاء به من طريق السليقة غير الواعية. فإن كان الأول لم يجز الاحتجاج به لأنه ي عدّ رأيًا منه واجتهادًا مع ما يُتوشه من احتمال الاضطرار الشعري. وليس رأي العالم بحجة إلا بما معه من البرهان الصحيح والدليل المقن ع، فكيف بالشاعر أو الكاتب وإن كان الثاني فإن المحدَثي إنما لق نوا العربية بالدرس والتعلُّم لا بالتنشئة والسماع والمحاكاة للفصحاء، فقد يجوز أن يدركوا بطول الدُّربة والمراس وبمداومة الاشتغال بالكلام الفصيح ودرس ه بعضَ السلي قة لا كلَّها، لأن السليقة لا تستوي للمتكلِّم ولا تتمّ تمامَها ولا تؤتي أكلَها إلا إذا لبث المتكلِّم م لاوة من صدر صباه يتقلّب بي الفصحاء ويسمع كلامهم المرة بعد المرة في جميع شئون حياتُم ومختل ف أغراضهم ثم يج ريه على لسانه المرّة بعد المرة أيضًا من غير أن يدخل على سليقته ما يخلّ بها من الكلام الملحون. فأما (1) في السماع ن شر في فسبك وتويتر في 41 /1 /1221هـ
عدد الصفحات ٩٣04 الكبير الذي شبّ عن الطوق وانقادت له سليقة أخرى من كلام العامة الملحون فإنه لا يستطيع أن يدرك بمجرَّد القراءة للكلام الفصيح والحفظ له سليقةً قويّة تامّة في اللغة التي يرومها، وإنما غاية أمره أن يدرك سليقة في بعض أنظمة اللغة وقوانينها، فتجده مثلاً لا يخطئ في باب الفاعل ولا المجرور بحرف أو بإضافة وإن أغفل الحذر والتحفّظ. وربما استطاع بالسليقة أيضًا أن يصيب في جمع بعض الألفاظ أو تصغيرها. ولقد سمعت بعض الصبية يقول في جمع (جبَل): (ج بول) وسمعت آخر يقول في جمع (كنَب): (أكناب). وسمعت ثالثًا يسمي الكلمة: (القَرية) أي المقروءة، على صيغة اسم المرّة. فأصابوا إنفاذ القياس من غير سماع سالف. ولكن من يجيد أمثال هذا بالسليقة قد لا يكون محك ماً باب النسب وباب التصغير وباب الاستثناء ونصب المضارع وجزمه مثلاً بجميع تفاصيلها و مسائلها لأنه لم ينل من طول المراس والتجريب ولا من كثرة الاستماع ما يناله من خالط الفصحاء في أول صباه، فإذا استهدى بسليقته في هذه الأبواب خانته وأسلمته إلى الخطأ المحض. ونحن إذا سوغنا الاحتجاج بكلام المحدَث فقد أجزنا لأنفسنا أن نحتجّ بكل كلمة وردت في شعره أ و نثره مع أنا لا ندري ما مقدار قوة سليقته ومضائها في هذه الكلمة التي قالها ولا مبلغَ إجادته للحكم المتعلِّق بها، فقد يجوز أن يكون ارتكب ذلك عن إجادة منه واقتدار، وقد يجوز أن يكون ذلك عن وهَن فيه واختلالن دخل عليه من قلّة ممارسته لبابها. على أنه ليست بنا ح اجة أصلاً إلى أن نحتجّ بكلام المحدَثي البتةَ لأن
عدد الصفحات ٩٤95 المحدَث لا يسعه أن يستعمل في كلامه لفظًا أو أسلوبًا مرتجَلاً لا ي درك بالقياس، وإنما غايته أن ي ولِّد بعض الألفاظ أو الأساليب بما عندَه من إدراكن سليقيّ بالأقيسة حازه من خلال استقرائه لكلام العرب القديم وط ول نظره فيه. وجميع ما استقراه من كلامهم حاضر عندنا ومطروح بي أيدينا ومدوَّن في الكتب التي وصلت إلينا لم يُ تجَن منه شيء ولم يفت منه فائت، فنحن قادرون على أن ندرك بالاستقراء الفعلي الواعي له ما أدركه هو بالسليقة غير الواعية مع أمننا من عوارض الضرورة والوهم ومغامز الضعف والوهن. │
عدد الصفحات ٩٥06 نبذة في نشأة علم أصول النحو(1) أوّل من رام أن يصنّف في علم (أصول النحو) هو ابن جني (ت 554هـ في «الخصائص»، فقد ذكر أن من ما حمله على تأليفه أنه لم ير (أحدًا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه)، ولكنه لم يخلّصه للأصول ولم يستقص مسائله ولم يجوّد ترتيبه. ثم جاء من بعده أبو البركات الأنباري (ت 133هـ) فألّف كتابَيه «لم َع الأدلة في أصول النحو»و«الإعراب»في جدل النحو، وزعم أنه هو واضع العلمي: علم أصول النحو، وعلم الجدل في النحو. وقد جعل أدلّة النحو ثلاثة: نقل (سماع)، وقياس، واستصحاب حال. ولم يَعر ض في النقل للكلام على القراءات ولا الحديث، ولم يشر إلى «خصائص»ابن جني ولا نقل عنه. ونصّ على أنه ألّفه على حدّ أصول الفقه وهو كذلك حتى إنه لا يكاد يكون له في الكتاب من فضلن إلا تغيير الأمثلة. ثم خلَفَه السيوطي (ت511هـ) فألّف كتابه«الاقتراح»وذكر أنه لم ي سبق إلى ترتيبه وتُذيبه، ونصّ أيضًا على أنه رتّبه على ترتيب أصول الفقه، وزعم أنه لم يرَ كتابيَ الأنباري إلا بعد فراغه من كتابه، وأنه أخذ لبابهما بعد وأدخله في خلل كتابه. وقد جعل أد لة النحو أربعة، وهي الثلاثة التي ذكرها الأنباري، (1) ن شر في تويتر وفسبك40 /1 /1221هـ
عدد الصفحات ٩٦