33 إلا الطاعة والاتّباع. وهذا على حدّ قولهم: (لا تطاوعني نفسي). ومثل ه بيت اللاميّة المنسوبة إلى الشنفرَى: ولكــــنّ نفسًــــا ح ــــرّةً لا تقــــيم بي عــــلى الضّــــيم إلا ريــــثما أتحــــوَّل فنسب إباء الضيم إلى نفسه. ثم قال: ( عن الشّء) ولم يقل: (عنك) ليكون أبعدَ من التحيّز وأحظى بالقَبول إذ لم يخصُّه بهذا الأمر ولا قصرَه عليه، بل هو عامٌّ فيه وفي غيره، وليكون أيضًا أدلّ على اللزوم والثبات لجريانه في الجميع، فهو بمنزلة العادة الماضية والطبع الراسخ الذي لا يتغيرّ ولا يزول. بغة الأبيات: جمع الشاعر في هذه الأبيات المعدودة ألوانًا شتى من الخطاب، وتصرَّف في معانيها بوجوهن من التصرُّف، فقد بدأها بالإيماء الليِّ الموادع، ولم يزل يتدرّج حتى ختمها بالتصريح الجريء الصادع، وجمع فيها بي الإيجاز والإطناب، وبي الترهيب والترغيب، وبي الإطماع والإيئاس، وبي التعميم والتخصيص، ووفََّ المعنى حقّه، وقرَن إلى كل شيءن ل فقه، فخوّف صاحبَه عاقبة الهجر بعد موت أحدهما، وعاقبةَ الهجر في حياتُما، وعرَّف صاحبه حاجته إليه، ثم أحسن التنصُّل من لزوم حاجته إلى صاحبه، وأحكم عَقد الحجج، وسدّ مخارج الاعتذار، وفرَّق بي المختلفات، وأنزلَ التصوير في موضعه، واستعان بالتقديم والتأخير في محلّه، وتقلّبَ بي الإخبار والأمر والاستفهام للتوصل إلى غرضه،
عدد الصفحات ٣٣04 وألطفَ التفهُّم أيضًا لما قد يعتلج في صدر صاحبه، ثم أجاب عن هذا كلِّه بأوضح عبارة وأعذب بيان. │
عدد الصفحات ٣٤35 مواضع من معلقة امرئ القيس يكثر خطأ الناس فيها(1) 1- (بسقط اللّوى بي الدَّخول فحومل). (الدَّخول بفتح الدال لا بضمها. وهو موضع. 4- (وإن شفائي عبرة م هَراقة ). (م هَراقة) بفتح الهاء هنا وجوبًا لأن لاّ يختلّ الوزن. وإسكانها في غير هذا الموضع لغة. 5- (حتى بلّ دمعيَ مح مَ ). (مح ملي) بكسر الميم. على بناء اسم الآلة. 2- (فجئت وقد نضَت لنومن ثيابهَا). (نضَت) بتخفيف الضاد بتشديدها، أي: خلَعت وألقَت. وهي الثابتة عن المتقدمي الثقات. وذكر أبو العلاء في «رسالة الغفران » أن من المعلمي من ينشدها بالتشديد، ولكنه ينسبه إلى عالم، وضعّفَه. 1- (وما إن أرى عنك الغَواية تنجلي). (الغَواية) بفتح الغي 1- (ومن يُترث حرثي وحرثكَ يه زَل). (يه زَل) بضم الياء وفتح الزاي على صيغة المبني للمجهول. والصحيح أن هذا البيت والثلاثة التي قبله لتأبط شرًّا. 3- (كما زلّت الصفواء بالمتنزِّل). (المتن زِّل) بكسر الزاي المشددة. وهو (1) في رواية الشعر والأدب ن شر في تويتر في 7 /11 /1255هـ وملتقى أهل اللغة5 /11 /1255هـ.
عدد الصفحات ٣٥06 مضبوط في كثير من الكتب بفتحها. ولم أجد له وجهًا من السماع أو القياس 7- (دراكًا ولم يَنض ح بماء في غسَل). (يَنضَ ح ) بفتح الياء لا بضمها، أي: يعرق، ذكر هذا ابن قتيبة في «المعاني الكب » مرويًّا عن شيخه أبي حاتم عن الأصمعي. ويجوز في الضاد الكسر والفتح، نصّ على ذلك أبو بكر البطليوك في «شرح الأشعار الستة». ولم أر من احتجّ بهذا النقل الصريح 5- (وأيسر ه على السِّتَار فيذب ل). (السِّتَار) بتخفيف التاء لا بالتشديد 10- (من السيل والغ ثاء فَل كة مغزَل). (فَل كة) بفتح الفاء. ويجوز ا لكسر. ولا ت ضَمّ. │
عدد الصفحات ٣٦37 تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة(1) كنت قرأت المقالي اللذين صَدَّر بهما الشيخ أحمد شاكر كتاب «الشعر والشعراء »لابن قتيبةَ . وهما مقالان كتبَه السيد صقر ينتقد بهما تحقيقَه . فرأيت ه أنكرَ بعضَ الرِّوايات الصحيحة الثابتة، فأحببت أن أبي ما عرفت ه منها في هذه المقالة دالاًّ على مواضعها من كتب العلماء. 1- قال السيد صقر1 /10:) (وقال الآخر أرأيت إن بكـرت بليـلن هـامتي وخرجـــت منهـــا باليًـــا أثـــوابي ... وهو خطأ، والصواب: وخرجـــت منهـــا عاريًـــا أثـــوابي ... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب، بل يخرج منها عاريًا). قلت : هذا ليس خطئًا كما ذكرَ، فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي (ت 511 ) (1) في رواية الشعر والأدب ن شر أصله في المجلة الثقافية في 5 /3 /1250هـ و 11 /3 /1250هـ. ون شر ملحقه في بعض المنتديات.
عدد الصفحات ٣٧08 في«أماليه» (4 /435) . ويمكن أن يخرَّج على وجهي ذكرَهما أبو عبيد البكريُّ (ت 273 في )«ال4 /544»: أحد هما: أن الأكفانَ لا تكون إلا من ما بلي َ عادةً الآخر: أن يكون هذا مجـازًا مرسَـلاً عَلاقت ـه المسـتقبليَّة ، أرادَ أنَّ مصـيرَها للب لى كما قالَ تعالى: ﴿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ﴾ [51] وكما يقال: قتلت القتيلَ و يشهد لهذه الرواية قول النابغة الجعدي: أرأيت إن صرخت بليلن هامتي وخرجــت منهــا باليًــا أوصــالي وهو شاهد للسماع لأنه اهتدمَ هذا البيتَ لم يغيرِّ فيه إلا الكلمة الأخيرة، وشاهد للقياس لأن المرء لا تبلىَ أوصال ه حالَ خروجه من الدنيا، وإنما تبلىَ بعد ذلك. 4- قالَ السيد صقر 1 /15:) (كقول العباس بن مرداس السلمي: ومـــا كـــان بـــدر ولا حـــابس يفوقــــان مــــرداسَ في مجمــــع وكذلك وردَ مرةً أخرَى ...، وهو خطأ. والصواب: (وما كان حصن ولا حابس قلت : ما خطَّأه ليس بخطأ، فقد رواه كذلكَ ابن سعدن (ت 450 في )«طبقات ه2 /434 »ومسلم (ت 411في ) «صحيحه، رقم 1010 . »وهو«العقد
عدد الصفحات ٣٨39 الفريد1 /513» لابن عبد ربه (ت547) عن أبي حاتمن السجستانيّ وله وجه من النظر ، فإن عيينةَ هو ابن حصن بن حذيفة بن بدرن، فـ(بدر ) جدُّه وإن كنت أرى أن الأرجحَ رواية (حصن) حتى يقاب لَ (حابسًا) و(مرداسًا) لأ نهما أبوان وليسا جدَّين ، ولكن لا يجوز أن ت قدَّم رواية نسخةن على أخرَى إذا كانت الأولىَ أوثقَ عند المحقِّق وكانت الرِّواية التي فيها محتملةً مقبولةً. وللمحقِّق أن يعلِّق في الحاشية بما يشاء . 5- قال السيد صقر1 /12:) (وقـــدَّمت الأديـــمَ لراهشَـــيه وألفــــى قولهــــا كــــذبًا ومينــــا هكذا جاء في الطبعتي: (وقدَّمت الأديمَ). وهو خطأ، والصواب: (وقدَّدت ) ). قلت : هذه الرّواية ليست خطئًا، فهي رواية أبي زكرياءَ الفراء (ت 403في ) «معاني القرآن 1 /53» وأبي عبيدةَ معمر بن المثنَّى (ت 410 في )«الديباج 114» وابن س من الجمَحيِّ (ت 451 في )«طبقات فحول الشعراء1 /31» . ونقلَ كلامَه أبو عبيد الله المرزبانيُّ (ت 572 في )«الموشح111» بهذه الرواية وهي أيضًا رواية أبي بكرن الأنباريِّ (ت 547 في )«الزاهر في معاني كلام الناس 1 /113» وقدامةَ بن جعفر (ت 553في ) «نقد الشعر 174» والجوهري (ت555في ) «الصحاح 3 /10» والشريف المرتضَ (ت 251في ) «أماليه 4 /
عدد الصفحات ٣٩41 417» والزمخشريِّ (ت 157في ) «المستق في أمثال العرب 1 /425» وغير هم وهذا البيت لعَديِّ بن زيد الع باديِّ يص ف فيه خبرَ جَذيمةَ الأبرش مع الزبَّاء عندما دعته إليها وأوهمت ه أنها ستتزوج ه وتَدين له، فلما جاءَ غدرت به وقدَّمت الأديمَ (وهو الجلد المدبوغ) فجعلته تحت ذراعيه حتى لا يسيلَ الدم ثم قطعت راهشَي ه (وهما عرقان في باطن الذراع تراهما ظاهرين ) حتى ماتَ. بل إنَّ ر واية (قدَّمت) أبلغ من (قدَّدت)، فهي تصوِّر جَذيمةَ وهو قاد م إلى الزبَّاء يطمع أن تقدِّم له نفسَها وم لكَها كما وعدته، فـإذا هـي تقـدِّم لـه الأديـمَ لتقتلَه . وهذه مفارقة بلاغيَّة بديعيَّة تعمل على إبراز مفاصل الحـدث ومواضـع العجَب منه بأجلىَ صورةن، ألا ترى أن ذلـك أدلّ عـلى مقـ دار الخيبـة والخ ســ ر اللذين م ن ي بهما. ونظير هذا اللون من البلاغة قولـه تعـالى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [104] وقوله ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [11]. 2- قال السيد صقر1 /43:) (ودكي هو القائل: ... وإن هو لم ي ضر ع عن اللـؤم نفسـه فلـــيس إلى حســـن الثنـــاء ســـبيل قال الشيخ في شرحه: (أصل الضرََّع – بفتح الراء – الذل والتخشع، يقال: ضرع له وإليه: استكان وخشعَ، فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم
عدد الصفحات ٤٠11 ويغلبها) قلت نفسَه. جاء في «اللسان ... الضرح: التنحية. وقد ضرحَه: أي نحَّاه ودفعَه ».) قلت : بل الصواب ما ذكرَه الشيخ شاكر. وأما ما ذكرَه السيد صقر فمردود من ثلاثة أوجهن: الأول: أنَّ لفظَ (الضرَّ ح ) لا يصلح في هذا الموضع لأن معناه عندَ التحقيق ليس التنحية كما نقلَ إذ التنحية إبعاد الأشياء الكبيرة الج رم برفقن، وإنما الضرَّ ح إبعاد الأشياء الصغيرة الج رم بعنفن، فاللفظان يشتركان كما ترى في جنس الإبعاد، ولكنهما يفترقان في ما وراءَه، يشهد لهذا قول الشاعر : فلـــما أن أتـــي عـــلى أ ضـــاخن ضرح ـــنَ حصـــاه أشـــتاتًا ع ز ينـــا وقول الفرزدق: كـــأنَّ نَجـــاء أرجل هـــنَّ لمَّـــا ضرح ــنَ المــروَ يقتــدح الشَّــ ـرارا وقول صاحب «العي» – وقد أبانَ -: (والضرَّ ح: الرمي بالشّء )، فهو إذن بمعنى الرمي أو الطرح وليس بمعنى التنحية والدفع . والذي في «اللسان» منقول عن «الصحاح» وقد تجوّز صاحب «الصحاح» في تفسير هذا المعنى ومتى ثبتَ هذا أوجب لنا العلمَ بأنه لا يقال: (ضرح الإ نسان نفسَه عن اللؤم) كما لا يقال: (رمَى الإنسان نفسَه عن اللؤم) لا من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز.
عدد الصفحات ٤١42 الثاني: أنَّا لو صححنا رواية (يضرَح) كما رأى السيد صقر لكان المعنى: إذا المرء لم يجانب اللؤمَ لم يستطع أن ينال ثناء الناس عليه. وهذا معنًى قريب ساذج. وإنما أرادَ الشاعر أنه إذا لم يه ن المرء نفسَه ويذلهَّا ويصبرِّها عن مقارفة أسباب اللؤم لم يج د له مثنيًا. وهذا معنًى معروف عندَ العرب ، منه قول الخنساء: نهــي النفــوسَ وهــون النفــو س يـــومَ الكريهـــة أبقـــى لهـــا وقول الآخر : أهي لهم نفسـ ـي لأكرمَهـا بهـم ولن تكـرم الـنفس التـي لا تُينهـا وقد أخذ دكي بيتَه من قول عبد الملك الحارثي: وإن هو لم يُمل على النفس ضـيمها فلـــيس إلى حســـن الثنـــاء ســـبيل وضيم النفس وإهانتها متقاربان. وفي هذا مرجِّح لرواية (ي ضر ع). الثالث: أنَّ أبا بكر الدي نوريّ (ت 555) روى هذا البيتَ في «المجالسة وجواهر العلم 2 /511» برواية (ي ضر ع) . ويظاهر ه أي ضًا ما رواه ابن قتيبة نفس ه في «عيون الأخبار5 /155»، فإنها فيه (يصرع)، فلعله وقعَ في الحرف تصحيف من الن سَّاخ . وإنما كان ظهيرًا للرواية التي صححناها لأنه دال على أن الحرف الأخير لا يخرج عن أن يكون عينًا أو غينًا ولا سيَّما أن التقارب الذي بينَهما أدنى من التقارب بينهما وبي الحاء، على أنه لم يرو هذا اللفظَ بالحاء أحد من العلماء في ما أعلم ، وإنما هو اجتهاد من السيد صقر رحمه الله.
عدد الصفحات ٤٢13 وتفسير الشيخ شاكر لـ(أضرع) ليس مستقيماً كلَّ الاست قامة، فإنه ذكر أن (الضرَّع) الاستكانة والخشوع ثم عدل عن هذا في التفسير فقال: (فالمراد هنا إن لم يمنع نفسَه عن اللؤم ويغلبها). والصواب: إن لم ي ذ لَّ نفسَه عن اللؤم، أي مباعدًا لها عن اللؤم، كما تقدَّم. ويصدِّق ذلك قول العرب في المثل: (الحمَّى أضرعتني لك) أي أذلّتني لك. 1- قال السيِّد صقر1 /41:) (من شعر هشام أخي ذي الرمة حتى إذا أمعروا صفقَي مبـاءتُم يـــــــــــــــــــــــــــــــم وجــرَّد الخ ط ــب أثبــاجَ الجــراثيم ... شرحَ الأستاذ الصفقتان: الناحيتان. المباءة: منزل القوم حيث يتبوءون. الخ ط ب: جمع أخطَب، وهو الحمار تعلوه خضرة الحميرَ، وإنما أراد النوق التي كانت ترعَى...). قلت : تكلف الأستاذان تفسير معنى (الخ طب) فلم يصنعا شيئًا لأن هذه الكلمة مصحَّفة عن (الحَط ب) بالحاء المهملة، مصدَر (حطَبَ)، فصواب البيت: وجــرَّد الحَط ــب أثبــاجَ الجــراثيم والأثباج هنا: الأعالي. والجراثيم: جمع جرثومة، وهي التراب يكون أصلاً للشجرة ويكون
عدد الصفحات ٤٣44 مرتفعًا عن ما حولَه يريد أنهم لما أكلوا ما ق بَلَهم من النبات ورعَوا ما حولهَم من المرعَى وجرَّد الاحتطاب أصولَ الشج ر من الشجر على حي إدبار من الربيع وإقبال من الصيف ردُّوا الجمالَ فانصرفوا إلى أعداد هم ومياههم التي كانوا عليها وقد سم نت جماله م كما قال في بيت بعده: عركركن مهجـر الضـؤبان أوَّمَـه روض الق ــذاف ربيعًــا أيَّ تــأويم و(أوَّمَه): سمَّنه. وكما قال الشماخ: تربــعَ أكنــافَ القَنــان فصــارةن فــماوانَ حتــى قــاظَ وهــو زهــوم أي: سمي. ويصحِّح بيتَ هشام المتقدِّمَ قول ذي الرمَّة أخيه: بــه عرصــات الحــيِّ قــوَّبن متنَــه وجــرَّد أثبــاجَ الجــراثيم حاطب ــه وهو ثابت على الصواب في «العباب»و«التكملة»و«تاج العروس » ومعدول ع نه في «التهذيب»و«اللسان». وفي هذه القصيدة أخطاء كثيرة من التصحيف والتحريف ورداءة الشرح تركت التعرُّض لها لأنها ليست داخلة في حدِّ ما ذكرت. فهذه بعض التعقيبات على بعض نقَدات السيد صقر كرهت أن أطويهَا، يدفع ني إلى ذلك ما قاله السيد صقر: (وإني على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتابن نشرت أدعو الن قَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها وتبيي ما دقَّ عن
عدد الصفحات ٤٤15 فهمي من معانيها أو ندَّ عن نظري من مبانيها وفاءًا بحقِّ العلم عليهم وأداءًا لحقّ النصيحة فيه). م لحق في تفصيل بعض هذه التعقيبات 1- هل رواية«باليًا أثوا» خطأ؟ قال السيد صقر (1 /10:) (وقال الآخر أرأيت إن بكـرت بليـلن هـامتي وخرجــت منهــا باليًــا أثــوابي ... وهو خطأ، والصواب: وخرجــت منهــا عاريًــا أثــوابي ... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب، بل يخرج منها عاريًا). فقلت في أصل الموضوع: هذا ليس خطئً ا كما ذكرَ، فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي (ت 511 في ) «أماليه4 /435» . ويمكن أن يخرَّج على وجهي ذكرَ ا أبو عبيد البكريُّ (ت273 في )«ال4 /544»: أحد هما: أن الأكفانَ لا تكون إلا من ما بلي َ عادةً الآخر: أن يكون هذا مجـازًا مرسَـلاً عَلاقت ـه المسـتقب ليَّة ، أرادَ أنَّ مصـيرَها للب لى كما قالَ تعالى: ﴿ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ﴾ [51] وكما يقال: قتلت القتيلَ
عدد الصفحات ٤٥46 و يشهد لهذه الرواية قول النابغة الجعدي أرأيت إن صرخت بليلن هـامتي وخرجــت منهــا باليًــا أوصــالي وهو شاهد للسماع لأنه اهتدمَ هذا البيتَ لم يغيرِّ فيه إلا الكلمة الأخيرة، وشاهد للقياس لأن المرء لا تبلىَ أوصال ه حالَ خروجه من الدنيا، وإنما تبلىَ بعد ذلك. ولمزيد من البيان أقول: ليس يجوز أن تخ طّأ رواية ما لافتقارها إلى بعض التأويل أو لاشتمالها على قدر من الغموض. ولو فعلنا ذلك لكان لنا أن نبطلَ كثيرًا من رو ايات الشعر . ولو جازَ هذا وأشباه ه لكانَ لي أن أقول مثلاً: إن الصوابَ هو رواية (باليًا أثوابي) . وأما رواية (عاريًا أثوابي) فمغيرَّة منها. ودليل ذلك أربعة أمور: الأول: أنهَّا رواية أبي عليّ القالي خاتمة الحفَّاظ، بل رواية شيخ ه أبي بكرن الأنباريِّ الحا فظ الكبير في «الزاهر1 /211 .»هذا غير ورود ها «الشعر والشعراء». الثاني: أنَّ الرّوايةَ الأخرَى روايةَ (عاريًا أثوابي) أول مَن رواها – في ما أعلم – أبو تمَّام في «الوحشيات 411»، ومعلوم عن أبي تمامن تغيير ه للرِّواية الثالث: أنَّ الأصلَ في الرِّواي ة وفي كثير من الأشياء أن يُ مَل الغريب منها على المعروف والمغمور على المشهور والخفيُّ على الواضح. و(باليًا أثوابي) أدنَى
عدد الصفحات ٤٦17 أن تكونَ هي الأصلَ لخروج ها عن الظاهر ثمَّ غ يرِّت إلى (عاريًا أثوابي) وليس العكس. الرابع: أنَّ هذا البيتَ إنما هو اهت دام لبيت النابغ ة الجعديّ: أرأيت إن صرخت بليلن هـامتي وخرجــت منهــا باليًــا أوصــالي حيث نسخَه ولم يغيرِّ فيه إلا الكلمةَ الأخيرةَ. وليس لبيت النابغة إلا هذه الرّواية . وهب نا غيرَّنا (باليًا أثوابي) فماذا نصنع بهذا البيت؟ أوليست أوصال المرء لا تبلىَ إلا بعد مدَّة من دفن ه؟ فهل نبطل ه ونخرجه من ع داد الشِّعر؟ وبعد ، فهذا كلام أردتّ أن أبيِّ به أنا لو أسلمنا تراثَنا إلى أذواق المحقِّقي واستحساناتُ م لوجدنا من يخطِّئ ما صحَّحَه السيد صقر ويصحِّح ما خطَّأه. وبذلك يصبح التراث نهبًا للأيدي لأنّ العقولَ تختل ف والأذواقَ تتبايَن ، وكل إنسان بعقل ه واثق وبذوق ه راضن معجَب . 4- تحقيق مادة (الضرح ذهب ابن فارس إلى أن هذه المادة أصلان . والذي يظهر لي أنها ثلاثة أصولن هذا بيانه ا: الأصل الأول: إبعاد الأشياء الصغيرة الج رم بع نف (أي بشّء من الجهد). وإن شئتَ تعريفَها بمرادفها قلتَ: (هي بمعنى الرمي أو الطرح).
عدد الصفحات ٤٧48 ومن صور استعمالها حقيقةً 1- ضر ح الحصىَ كما قالَ الشاعر فلـــما أن أتـــي عـــلى أ ضـــاخن ضرََح ــنَ حصــاه أشــتاتًا ع ز ينــا 4- ضر ح السَّهم كما قالوا: (قوس ضرَوح) إذا كانت شديدةَ الرمي للسهم. 5- ضر ح القذَى كما قال أبو تمام شوق ضرحت قذاتَه عن مشرب ـي وهوًى أطرت لح اءَه عـن ع ـودي ومن صور استعمالها مجازًا: 1- ضر ح الرج ل كما قالوا: (اضطرحوا فلانًا) إذا رمَوه في ناحية، وتكون كأنك شبهتَه بالأشياء التي ترمَى كالحصىَ ونحوها. وهذه استعارة مكنيَّة. وفيها من البلاغة وحسن التصوير ما لا يخفَى. وفي «اللسان» ط بولاق وصادر في هذا الموضع تصحيف ، قال: (وجائز أن يكون اطَّرحوه افتعالاً من الطرح)، والصواب (الضرح) كما في «التهذيب» وكما يدل عليه تمام الكلام ومنه ضرح النيَّة لصاحب ها كما قالوا: (نيَّة ضرَح). 4- ضر ح الشَّهادة كما قالو ا: (ضرحت شهادة فلان) إذا رميتَها ولم تعتدَّ بها. وهي استعارة مكنيَّة أيضًا. 5- ضر ح العار ونحو ه من المعاني غير الحسيَّة كما قال ابن الرومي سلاحي ل سـان لا ي فَـلّ وج نَّتـي أديم صحيح يضرَح العارَ أملـس
عدد الصفحات ٤٨