المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجموع مقالات الدكتور فيصل بن علي المنصور في علوم العربية –

غير معروف

صفحة ٢ من ٦٥

17  مناسبة الأبيات كان معن قد تزوَّج بأخت صديقه، فاتّفق أن طلقها معن ، فهجرَه صديق ه وحلَف لا يكلمه أبدًا، فقال معن هذه الأبيات يعاتبه ويستعطفه.  شرح الأبيات 1- لعَمر كَ ما أدري – وإني لأوجَل - عـــــلى أيِّنـــــا تَعـــــدو المَنيّـــــة أوّل - التفسير(1): أ- اللفظ: لَعَم رك: العَم ر بفتح العي معناه الع مر، أي مدة الحياة. ولا ي ستعمَل في القسم إلا بالفتح. أوجَل: من الوجَل، وهو الخوف. ويجوز أن يكون في هذا البيت فعلاً مضارعًا، أي: وإني لأخاف . أو أفعلَ تفضيل، أي: وإني لأخ وَف منك. وحذفَ (منك)، وهو جائز. أو صفةً مشبَّهة، أي: وإني لخائف ، فيكون بمعنى (وج لن). وهو الراجح. ونظيره (أعمى) و(عمن)، غير أنهم لم يقولوا في مؤنثه: (وجلاء) كما قالوا: (عمياء). ب- التركيب: جملة (وإني لأوجل ) معترضة بيَ الفعل (أدري) ومفعول ه الذي هو جملة (على أيّنا تعدو المنية أوّل ). يقول: وحيات ك يا صاحبي لا أدري أيُّنا يفجؤه الموت قبل الآخر. وإني لخائف وج ل من كلا الاحتمالي. (1) المراد به بيان ظاهر المعنى بشرح د ئل منطوقه إفرادًا وتركيبًا، أي بيان معنى ما قاله الشاعر باللفظ.

عدد الصفحات ١٧

08 - التأويل(1): أراد أن يقول لصاحبه: اعلم يا صاحبي أن حالنا لا تخرج عن أحد أمرين: فإمّا أن أموت قبلك، وإما أن تموت قبلي، فإن متُّ قبلك لم تلبث أن تندم على صرمك لي وزهادتك في إخائي، وذلك أن الموت من ما ينز ع الب غضة ويقطع المنافسة ويوجب الشفقةَ ويدعو إلى التنويه بمآثر الميّت ويدلّ على حاقّ قدره وعلى مكانه الذي كان يسدّه ويملؤه. وقد ألمعَت الشعراء إلى هذا المعنى، فمنه قول تأبّط شرًّا: لتقـــرعنّ عـــلي السِّـــنَّ مـــن نـــدَمن إذا تـــذكّرتَ يومًـــا بعـــضَ أخلاقـــي وقول عَبيد بن الأبرص: لا أعرفنّـــك بعـــد المـــوت تنـــد بني وفي حيـــــاتيَ مـــــا زوّدتنـــــي زادي وإن متَّ قبلي كان افتراقنا عن ق لىً لا ودَّ بعده، وعن هجرن لا وصل يمحو أثرَه، وعن س خط لا مستعتَب منه، وكان آخر أمرنا بعد هذه العشرة الطويلة وهذا الإخاء الوثيق التدابرَ والشحناء، وإنما الأمور بخواتيمها. وإني لوجل مشفق من كلا الأمرين اللَّذَين لا أدري أيهُّما يقع أول . - النقد(2): أحسن الشاعر في استفتاحه القصي دةَ بهذا البيت، وذلك أنه (1) المراد به بيان باطن المعنى أو معنى المعنى أو ظلال المعنى، فهو تغلغل إلى تعرُّف ما يريد الشاعر أن يقوله من ما لم يصوِّره لفظه. وتأويل اللفظ في اللغة: تفسير ما يئول إليه معناه . (4) المر اد به ذكر محاسن البيت ومساويه، وغ رر ه وع رَر ه. وكذلك أصل معنى (النقد) في اللغة. ولفظَا (الغ رر) و(الع رر) في استعمال المتقدّمي قريبان من لفظَي (الإيجابيات) و(السلبيات) في كلام المحدَثي. وانظر «البيان والتبيي4 /44».

عدد الصفحات ١٨

19 ذكَّرَ صاحبه بفجاءة الموت ووش كان الرحيل وحَت م الافتراق، وأخَّرَ تعدادَ فضائله معه والتنويه بحسن بلائه وصدق إخائه إلى البيت الثاني، وذلك كي يستميل قلبه ويسكّن من نافر إقباله أوّلاً لأن للموت هيبةً ترتدع منها النفوس وتخشع لها القل وب. وعل مَ أن ذكره هذا للموت مستلزم للتذكير بسالف الإخاء، والتحذير من القطيعة والبغضاء. ولو ابتدأ الأبيات بعدِّ فضائله وشواهد أخوَّته لم يأمَن أن يهَيج ذلك صاحبَه فيغريَه بالمراء والمكابرة فيدافعَه عن بعض ما ادّعاه أو يوردَ عليه مثله أو أزيد منه. ومن محاسنه أيضًا ل طف الاعتراض بقوله: (وإني لأوجل )، إذ نبّه بذلك على أنه خائف من كلا الأمرين: أن يموت صاحب ه قبله، وأن يموتَ هو قبل صاحبه. واحترس بذلك من أن ي ظنّ أنه يودّ لو مات قبل صاحبه فيعرفَ قدرَه بعد موته ويندمَ على ما فرطَ منه في حقّه، أو ي ظنّ أنه يودّ ل و مات صاحب ه قبله استعجالاً لفراقه والتماسًا لنسيان ذ كَراته معه وتشفّيًا منه لسوء جزائه، بل هو خائف أن يموت صاحب ه قبله فيخسرَ مودته، وخائف أيضًا أن يموت قبل صاحبه فلا يعرف صاحبه قدرَه إلا بعد موته. والصُّلح أحبّ إليه، والتراضي آثر عنده. وفي هذا استرقا ق بالغ وتلطُّف بديع. ثم أحسن أيضًا الإحسان كلَّه بأن جعل هذه الجملة معترضة في جوف قوله: (ما أدري على أيّنا تعدو المنية أول ) ليعرِّف صاحبه من أول الكلام احتراسَه هذا ويبيِّ له إشفاقه من نزول الموت بأحدهما وينفيَ عنه ما قد يسب ق إلى قلبه من توهّم رغبته في مفارقة أحدهما الآخرَ بالموت.

عدد الصفحات ١٩

21 ومنه دقّة وصفه لمجيء الموت إذ جعله عدوانًا، وذلك قوله: (تعدو المنيّة)، فشبّهه في فجاءته وفي سرعة حلوله بالأسَد حي يعدو على فريسته وينقضّ في إثرها. ومعلوم لمن شاهد ذلك منه أنه يكون في غاية الفجاءة وسرعة الوثبة وعن تمام الاستخفاء وشدّة المخاتلة. ومن ذلك قول الف ند الزِّمّاني، في إحدى الروايتي: مشَــــــــينا م شــــــــية الليــــــــث عـــــــدا واللّيـــــــث غضـــــــبان وأنكرها المرزوقيّ، وآثر عليها رواية (غدا). وفي ذلك نظر. وقول عبد يغوث الحارثي: وقــد علمــت ع ــرك م ليكــة أننــي أنـــا الليـــث معـــد يًّا عليـــه وعاديـــا وإنما أراد الشاعر من وراء ذلك حثَّ صاحبه على تلافي الأمر وعلى المبادرة إلى الصلح محاذرةً من أن يث ب الموت عليهما مغترَّين فيخطَفَ أحدَهما. ور وي (تغدو المنيّة). والرواية الأولىَ أشعر وأجود خلافًا للنمَريّ. ومنه براعة الإيجاز، فإنه استطاع أن يطوي في هذا البيت كلا الاحتمالي اللذين ذكرت ، وذلك في قوله: (ما أدري على أيّنا تعدو المنية أول ). وقد أغنته هذه اللمحة المقتضَبة عن الإسهاب في بيانهما إذ أمكنه أن يدلّ عليهما باللزوم. وفي هذا من ح سن الخطاب وتمام الرِّفق ومن حسم دواعي المناز عة والمجاذبة ما لا يخفَى. 4- وإنيّ أخوكَ الـدّائم العهـد لم أَح ـل إنَ ابــزاكَ خصــم أو نَبــا بــكَ مَنــز ل

عدد الصفحات ٢٠

11 - التفس أ- اللفظ: لم أح ل : لم أتحوّل أو أتغيرّ، من (حال يُول حَولاً وح ئولاً). إنَ ابزَاكَ: أصله (إن أبزاك) فح ذفت همزة (أبزاك) ونق لت حركتها إلى النون الساكنة قبلها. وهي لغة بعض الحجازيي. وأبزاك: أثقلك وأعياكَ. والظاهر أنه مشتقّ من بز يَ الرجل يبزَى، فهو أبزَى: إذا تقدَّم صدر ه وتأخّر ظهره ودخلَ. وهو ضدُّ الأحدب، فكأن معنى (أبزاك) جعلكَ أبزَى بإثقال ظهرك بالتكاليف والمطالب، على تشب يهها بالمحسوس الذي يُ مل على الظهر. وهي قريبة من معنى (آده يئوده). وهذا أصحّ من تفسيره بـ(غلبك وقهرك). ومنه قول الفرزدق: إن كـــان أنف ـــكَ قـــد أبـــزاكَ محمل ـــه فاركــب أتانَــكَ ثــم اخط ــب إلى ز يــق نبا بك: إذا جعلك تنبو. والذي أراه أن الباء هنا بمعنى ا لتعدية، فهي بمعنى (أنباك) كما قالوا: (ذهب به وأذهبه). ونبوّ المرء عن منزله هو أن يمتنع عليه القرار والاطمئنان فيه لأذًى أو همّ. ب- التركيب: يقول: أنا صاحبك الذي تعرف، لم أتغيرّ عن ما عهدتَّني عليه من الغوث والنجدة متى ما أثقلك خصم أو أقلقك منزل. - التأويل: لما فرغ من تحذير صاحبه فجاءةَ الموت وتفريقَه بينهما، وبَعَثَه بالإيماء الرفيق على تذكُّر حسن صنيعه معه وصدق ولائه له رأى أن السبيل قد تمهَّدت له ليصرِّح بما أومأ إليه، فذكّر صاحبه بأنه أخوه الثابت الإخاء، الدائم المودّة، الحاضر النّجدة، وأنه لا يزال على ما عه ده عليه لم يتغيرَّ، وأنه إن احتاج

عدد الصفحات ٢١

22 إليه في أوقات الشدّة وجده سريعًا إلى معونته منحازًا إلى صفِّه قائماً بنصرته، وذلك إذا أعياه خصمه وثق ل عليه أو لم يطمئن به منزله من ما يجده فيه من الأذى والإهانة. ونظير ذلك قول لبيد في معلقته: تــــــرّاك أمكنــــــةن إذا لم أرضَــــــها أو يَعتلـــق بعـــضَ النفـــوس حم ام هـــا وقول امرئ القيس: وإذا أَذ يــــــت ببلــــــدةن فارقت هــــــا ولا أقــــــيم بغــــــير دار م قــــــام وقول عبد قيس البر جميّ: واتـــرك محـــلَّ السّـــوء لا تحل ـــل بـــه وإذا نبــــا بــــك منــــزل فتحــــوَّل - النقد: أحسن الشاعر في إيثاره التعريفَ حيث قال: (أخوك الدائم العهد)، ولم يقل: (أخ لك دائم العهد)، فكأنه يقول: إن يكن لك أخ دائم العهد معروف بذلك فأنا الأخ الدائم العهد. ولست أخًا منكورًا من جملة الإخوان وحسب . وأحسنَ أيضًا في تعبيره عن الوفاء بدوام العهد ثم في توكيد ه لذلك بقوله: (لم أح ل ) مع أن دوام العهد مقتضن له ومغنن عنه، إذ أراد ل يقول لصاحبه: إن ح لتَ أنت عن العهد فقطعتني وتغيرّت عليّ أو توهمّت أني تغيرّت فأنا لم أح ل ولم أتغيرّ. وهذا من التوكيد البليغ الموافق لموضعه. والرواية المعروفة (إنَ ابزاكَ خصم ). وروَ ى بعض العلماء (إنَ ابزاكَ خطب ). وأراها أصحّ وأسَدّ لأن الذي ي ثق ل ظهرَ المرء وي عييه هو الخطب ، أي المصيبة أو المشكلة، وليس الخصم، إذ الخصم إنما يوصف بالمحاربة أو الإيذاء. على أنّ الكريم يأنَف أن يقول له قائل: (إن غلبك خصمك أو أعياك فأنا

عدد الصفحات ٢٢

13 أنجدك)، ويأبَى أن ي نسب إلى ذلك أو يق رَّ به لأن هذه صفة الأذلّة المستضعفي. هذا مع أن في انتحال هذا القائل النجدةَ والمعونةَ وادعائه أنه هو المخلّص له والمفرّج عنه إنزالاً لنفسه منزلةَ القويّ وإنزالاً لصاحبه منزلةَ المستضعَف الذليل. وهذا خطَل من القول، ونقض للغرض من الأ بيات، فبعيد أن يكون هو ما قاله هذا الشاعر. 5- أحارب مَن حاربتَ من ذي عداوةن وَّأحـــب س مـــالي إن غَر مـــتَ فأَعق ـــل - التفسير: أ- اللفظ: مالي: المال هنا الإبل. وكذلك هو معناه إذا أ طلق في كلام العرب. غر متَ: الغ رم ما يلزم المرءَ سداد ه من دين ونحو ه في غير جناية. أعق ل: أدفع العَق ل عنك، وهو الغرامة. ب- التركيب: يقول لصاحبه: أحارب من تحاربه من أعدائك. وإذا أصابتك غرامة منعت إبلي أن تخرج للمرعى وقضيت بها غرامتك. - التأويل: لما بيّ في البيت السابق صدق إخائه لصاحبه وصحّةَ وفائه وقيامَه بنجدته في أوقات الشدّة فسرَّ ذلك في هذا البيت فذكَر أنه يبذل له أنفس ما ي بذَل، وهو النفس والمال، فأما نفس ه فإنه يجود بها للمناضلة عنه والقتال معه. وأما مال ه فإنه يه ون عليه أن يؤديَه عن صاحبه متى أثقله المغرَم وطول ب بالأداء. - النقد: أحسن الشاعر في قوله : (أحارب من حاربت) إذ جعل نفسه تابعًا لصاحبه وجعل إرادته منقادة لإرادته، وجعل صاحبه هو المبتدئ للحرب

عدد الصفحات ٢٣

24 المقتدحَ لزَندها، فهو له كما قال المتنخِّل الهذ إذا ســـــدتَّه ســـــدتَّ م طواعـــــةً ومهـــــما وكلـــــتَ إليـــــه كفـــــاه وهذا من ما يَزيدك شكًّا في الرواية الساب قة (إنَ ابزاك خصم) لأنها تصوِّره بصورة البطل القويّ المخلِّص وتصوِّر صاحبه رجلاً ضعيفًا مقهورًا. وقول ه: (من ذي عداوة) ليس بالجيّد لأنه إن يكن صاحبه لا يُ ار ب إلا ذا العداوة فهو حشو لا طائل منه. وإن كان قد يُارب غيرَ ذي العداوة فهو اشتراط غير مستحسَن لأن غاية النصرة في مذهب الشعراء ممالأة الصديق لصديقه وإنجاد ه والانضواء إلى صفّه من غير شرط ولا تردّد ولا سؤال. وعلى ذلك قول الحماكّ: لا يســـألون أخـــاهم حـــي يَنـــدبه م في النائبـــات عـــلى مـــا قـــال برهانـــا وقول الحماك الآخر: إذا اســت نجدوا لم يســألوا مــن دعــاهم : لأيّــــة حــــربن أم بــــأيّ مكــــان ؟ وهم يذكرون مثل ذلك في خ صال الكرم. ومنه قول الشاعر: لا ينكت ـــون الأرض عنـــد ســـؤالهم لتطلّــــــب الع ــــــلاّت بالع يــــــدان وأسلَم من بيت مع نن وأحسن إيجازًا قول الحماكّ الآخر: أخــوكَ أخــوكَ مــن يــدنو وترجــو إذا حاربــتَ حــاربَ مــن تعــادي مودّتَـــــه وإن د عـــــيَ اســـــتجابا وزاد ســـــلاح ه منـــــك اقترابـــــا إذ وضعَ (تعادي) موضع (تحارب) وبرَأ من التَّكرار والحشو. وقوله: (أحبس مالي) تخيرُّ بارع للّفظ، إذ كان يمكنه أن يقـول: (وأحـبس

عدد الصفحات ٢٤

15 المال) أو (مالاً)، ولكنه أضاف المال إلى نفسه ب ياء المتكلّم إمعانًا في الدلالة عـلى تمام الإيثار، فهو يؤثر التفريج عن صاحبه من ماله الخاصّ. ثـم لم يقـل: (مـالاً لي) أو (م ن مالي)، بل قال: (مـالي)، فهـو (مالـه) كلُّـه. وفي قولـه: (وأحـبس) تصوير بديع، إذ لم يقل: (وأدفع مالي عنـك) لأنـه أراد أن يكشـف عـن مقـدار تقديمه لحظّ صاحبه على حظّ نفسه، فهو يمنع إبله أن تخرج للمرعى مع مـا في هذا من فوات التمتّع بجمالهنّ وبهاء منظـرهن الـذي ذكـره الله تعـالى في قولـه: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ [1]، وم ـن مغالبــة المحبّة لهن والطمَع في نمائهن الذي جاء في قولـه: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴾ حتى قال: ﴿ﮮ﴾ [12]، وتسمح نفسه عوضًا من ذلـك بـأدائهن عن صاحبه ابتغاءَ التنفيس عن كربه والقضاء لذمامه 2- ســتَقطع في الــدُّنيا إذا مــا قطعتَنــي يمينَـــكَ، فـــانظر أيَّ كَـــفُ تَبَـــدَّل - التفسير: أ- اللفظ: تَبَـدَّل : مضـارع (تبَّـدلَ). وأصـله (تَتبـدَّل )، فح ـذفت إحـدى التاءين جوازًا. وذلك كثير في القرآن وفي كلام الفصحاء نحو قوله تعالى: ﴿ﯯ ﯰﯱ﴾ [12] أي: تتلظَّـــى، وقولـــه﴿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ [14] أي: تتبدّل. ولا ت ستعمَل في الفصحى المعاصرة، ولكنها مسـتعمَلة في العامّيّة ب- التركيب: يقول لصاحبه: إنك إن قطعتني في هذه الدنيا فكأنما

عدد الصفحات ٢٥

26 قطعت يمينك، فانظر هل تجد من كفُ تحلّ محلّها وتغني غَناءها - التأويل: لما صدّر أبياته بتذكير صاحبه بتفريـق المـوت بيـنهما واسـتفتح خطابه بالإيماء والكناية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى التصريح والإبانة فعَدَّ عليه آيات إخائه وعرّفه صدقَ مودّته في الماضي والمستقبَل تجـاسر قلـيلاً عـلى الإيغـال في التصريح بعد أن ألقَى إليه ما هو حقيق أن يستميل به قلبه وبعـد أن اطمـأنّ إلى نَفاق ذلك عليه وتأثّره به، فأدلّ عليه بعض الإدلال فحذّره عاقبة فراقه إيـاه في حياتُما كما حذَّره في الب يت الأول عاقبةَ فراقه بعد موت أحدهما. وقوله: (إذا ما قطعتَني) ي راد به (إن استمررتَ على قطيعتي) لأنه قد كـان قطعَـه، فهـو نظـير قولـــه تعـــالى: ﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [1]، يقـــول لصـــاحبه: إن استمررت على قطيعتي كنتَ كـما لـو قطعـت كفّـك اليمنـى، لأن الكـفّ أداة العمل ومحلّ التصرّف. وجعلَها اليمنى لأنها أشرف وأكثر نفعًا. ومن ذلك قول ابن الدمينة: أب ينـــي أفي ي منَـــى يـــديك جعلت نـــي فــــأفرحَ أم صــــيرّت ني في ش ــــمالك (1) فجعل اليمنى دليل الرفعة، والشِّمالَ دليل الضّعة وقول الآخر: فأنـــت امـــرؤ كلتـــا يـــديكَ مفيـــدة ش ـــما ل ك خـــير مـــن يمـــي س ـــواكا (1) (الشِّمال) للجهة المعروفة بك الشي. وفتح ها خطأ شائع. أما إذا أريد بها الرِّيح فإنها بالفتح (شَمال).

عدد الصفحات ٢٦

17 ثم سأله أن يفتِّش وينظر أيجد صديقًا يقوم مقامه ويغني عنه؟ وقد علم أنه لن يجد. - النقد: جمعَ الشاعر في هذا البيت إلى تحذير صاحبه الندمَ على صرمه بعد الموت تحذيرَه الندمَ على ذلك قبل الموت أيضًا، فسدّ عليه المخارجَ ولم يدع له متنفَّسًا يلوذ به ويخ لد إليه. وهذا بيان عالن. وقد اختار الشاعر لفظَ (قطعتني)، ولم يقل: (هجرتني) أو (صرمتني) ليستوفيَ تشبيه الهجر بقطع اليمي، فكأنه يقول: (قطعك لي هو قطع ليمينك)، فانظر كيف تأتّى له أن يجمع بي اللفظي مع أن القطع الأول بمعنى الهجر، والقطع الثاني بمعنى البتر الحسيِّ، ثم انظر كيف سخّر ذلك في إحكام التشبيه وعقد المشاكلة. ولو قال: (إذا ما هجرتنَي) لسقط شطر الحسن من هذا البيت. ومن محاسنه أيضًا اختياره لفظَ (يمي) دون (كفّ) لما ذكرت لك آنفًا من فضيلة اليمنَى وكثرة منافعها. ثم قال: (فانظر أيّ كفُ تبدّل) بصيغة الأمر فالاستفهام ، فأمر صاحبه أن ينظر: هل من كفُ يستطيع أن يتبدَّلها بيمينه؟ وقد أيقن أن صاحبه لن يستطيع ذلك، ولكنه أحبَّ أن يكون هو المجيب عن ذلك وبعد النظر والبحث ليكون ذلك أدعى لتسليمه وإذعانه، وأنفَى لمكابرته. 1- وفي النّاس إن رَّثّ ت ح بال كَ واصل وَّفي الأرض عـــن دار الق ـــلىَ م تحـــوَّل - التفسير: أ- اللفظ: رثَّت: قد مت فبل يت وضع فت. الق لى: البغض. ومنـه ﴿ﭸ ﭹ

عدد الصفحات ٢٧

28 ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾ [5]. م تحوَّل: اسم مكان من (تحوَّلَ)، أي مكان ي تحـوَّل وي نتقَل إليه. ب- التركيب: يقو ل: إن ضع ف وصلك أو انقطع ففي الناس أبدال منك. وإن ضاق عليّ الم قام بأرضك التي أجد فيها البغض والأذى انتقلت عنها إلى أرض غير ها. - التأويل: كأن الشاعر حي عرَّف صاحبَه مقدارَ ما سيلحقه من الخ سر بتفريطه في حقّه وتجافيه عن صلته توهّمَ أن صاحبه قد يقول في نفسه: (وأنت أيضًا يا معن سيلحق ك من ذلك ما يلحقني) فعطفَ عليه بهذا البيت فقال: أنت أشدُّنا خ سرًا لما جرّبتَه من موالاتي لك ومسارعتي إلى نصرتك. وأما أنا فإني وإن كرهت القطيعة وأحببت استئناف المودّة ومراجعة الصِّلة فلا تظنّنّ إن أبيتَ إلا قطيعتي أني لن أ جد أخًا أعتاضه منك أو أصيبَ أرضًا تحمل ني عنك. - النقد: قدَّم الشاعر في هذا البيت لفظَي (الناس) و(الأرض) ليوكّد معنى الاستغناء عن صاحبه إن أصرّ على الهجر والقطيعة. 1- إذا أنتَ لم ت نص ـف أخـاكَ وجدتَّـه على طَـرَف اله جـران إن كـانَ يَعق ـل (1) - التفس - التركيب: يقول: إن لم ينصف المرء أخاه من نفسه ولم يقض حقوقه عليه فإنه لن يلبث أن يراه مائلاً إلى هجره ومختارًا لمفارقته على صحبته إن كان له (1) (اله جران) بكسر الهاء. وضمُّها خطأ شائع

عدد الصفحات ٢٨

19 عقل يُجزه عن الإقامة على الذلّ والرّضا بالظلم - التأويل: بدأ الشاعر أبياته مترفّقًا بمخاطبة صاحبه حتى إذا ألقَى إليه ما تنهض به الحجّة عليه من تذكيره بأدلّة صدقه وآيات مودّته وتعريفه عظَمَ غَنائه لدَيه وشدّةَ حاجته إليه، هاجَه ذلك على الأنفة لنفسه أن تحمله المعاتبة والاستعطاف على إذلالها والإزراء بها فجنح إلى التعزُّز والتأبيّ وإظهار الاستغناء وإلى الإمعان في التحذير فأخبر صاحبه أنه إن أقام على جفائه له وقلّة إنصافه معه فسيجده م شفيًا على اله جران صائرًا إليه، وذكرَ له أن هذا هو مقتضََ العقل. وإنما قال: (على طرَف اله جران) ولم يقل: (على الهجران) أو (هاجرًا لك) ليبيِّ له أنه لا يزال مواصلاً له وأنه لمّا يهجره مع قلّة إنصافه له، وليدلَّه بذلك أيضًا على إمكان تدارك الأمر ومعاودة سالف الإخاء. - النقد: من محاسن هذا البيت أن الشاعر جعل الخطاب عامًّا فقال: (إذا أنت لم تنصف أخاك) ولم يقل: (إذا أنت لم تنصفني). و(أنت) هنا ليست خطابًا لمعيَّ في ما أرى، بل هي مثل (أنت) في مثل قول امرئ القيس في معلّقته، في إحدى الروايتي: وأنـــت إذا اســـتدبرتَه ســـدَّ فرجَـــه بضــافن ف ويــق الأرض لــيس بــأعزل يريد معنى (ومَن اسـتدبرَه). ومنـه أيضًـا قولـه تعـالى: ﴿ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [13]، أي (ومــن يــرى الشــمس حي إذن يراها تَزَاور ). وإنما اختار الشاعر هذا الأسلوب ليجعل القضـية عامّـة

عدد الصفحات ٢٩

01 والحكم شاملاً له ولغيره، وذلك كي يـبرّئ نفسـه مـن تُ مـة الجنَـف والتحيّـز وليكون أدعى للرضا والقبول. ثم ذيّله بقولـه: (إن كـان يعقـل) ليبـيِّ سـبب الإشراف على الهجران، وهو أن ذلك من ما يوجبه العقـل مـن لـزوم خصـال الأنفة ومنابذة دواعي المذلّة والمهانة. وفي ذكره لهذه العلّة حسن تتميم للعذر. 3- ويَركب حَدَّ السَّيف م ن أن تَضيمَه إذا لم يكن عن شَفرة السَّـيف مَزحَـل (1) - التفس أ- اللفظ: تَضيمه: تظلمه. مَزحَل: اسم مكان من (زحَل يزحَ ل) إذا تنحّى وتباعد. ويقال: (زحَل له عن موضعه) إذا فسحَ. م ن أن تضيمه: معنـى (م ـن) هنا البدل، أي (بدلَ أن تضيمه). ومنه قوله تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [57]. ب- التركيب: يقول: وإنّ المرء العاقل أيضًا ليحمله إباء الظلم وكراهية الإقامة عليه على أن يفرّ منه وإن أفضَ به ذلك إلى احتمال المشاقّ الممضّة التي في ركوبها من الإيلام والإضجار وامتناع الاطمئنان مثل ما في ركوب حدّ السيف إن هو لم يجد بدًّا من ذلك يَزحَل إليه. - التأويل: كأنّ الشاعر أجاب عن اعتراض خشّ أن يَُيك في صدر صاحبه، وهو أن يقول صاحب ه: ولكنك إن اعتضتَ منّي صاحبًا غيري ومن أرضي أرضًا أخرى فإنك واجد من مرارة فقدي مثلَ ما حذّرتَني من مرارة (1) تَضيمه: بفتح التاء من (ضامَه ضَيماً). ولا يجوز ضمّها

عدد الصفحات ٣٠

31 فقدك، فلستَ بأهوننا خسارة ولا أيسرنا ألمًا. فأجاب الشاعر عن ذلك بأن فصَل بي الأمرين، فبيََّ أنّ أمَرَّ من فقده هو لصاحبه بقاؤ ه محتملاً للضَّيم، وأنه متى تبدَّل به غيرَه استحالت هذه المرارة حلاوةً عنده لأنها نقلت ه من مرارةن أشدّ منها. وأما هو - أي صاحب ه – فليس أمره كذلك لأنه لم يَلحقه ظلم ولا ناله ضيم من جهته. - النقد: من محاسن هذا البيت أنه شبَّه ما يلقاه المـرء مـن احـتمال الظلـم براكبن حدَّ السيف، و ذلك أنه لا يطمئنّ البتةَ ولا يق ـرّ لـه قـرار ، فهـو لا يـزال يتأذّى ويتململ ويتجافَ. وهذا تشبيه بديع. ومنها أنه لما أعاد ذكر (الحدّ) عـبرّ عنه بـ(الشفرة) لأنهما وإن كانا مترادفـي ففـي كـلّ واحـد مـنهما مـن الظِّـلال والوح ي ما ليس في الآخر، ففي عرضهما على خاطر المخاط ب زيـادة في توكيـد المعنى ومعونة على استحضار صورة اللفظ. على أن في ذلك أيضًا تطرية للسمع ونفيًا للملالة وإتحافًا للمخاطَب. وذلك كثير في كلام الله تعالى وكلام العـرب، منه قوله تعالى: ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ﴾ [المؤمنون17]، و(جـاء بمعنى (أتى)، وقول ه: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ﴾ [34 ]و(الخرج) هو (الخراج). ومنه قول طرفة في معلقته: فـــما لي أراني وابـــنَ عمّـــيَ مالكًـــا متـــى أدن منـــه يـــن ءَ عنـــي ويبع ـــد و(النأي) هو (البعد). وقول عَديّ بن زيد، في إحدى الروايتي: وقــــــدّمت الأديــــــمَ لراهشَــــــيه وألفَـــــى قولهَـــــا كـــــذبًا ومَينـــــا

عدد الصفحات ٣١

02 و(الكذب) هو (المي 7- إذا انصرفت نفسي عن الش ـّيء لم تَكَد إليــــه بوجــــهن آخــــرَ الــــدّهر ت قب ــــل - التفسير: - التركيب: (إليه بوجهن آخر الدهر ت قبل). قوله: (بوجه) متعلّق بـ(ت قبل)، أي: تقبل إليه بوجهن آخرَ الدهر. يقول: إذا عافت نفسي الشّءَ وأدبرت عنه فإنها لا تكاد ت قبل إليه بوجهها أبدًا مرّة أخرى. - التأويل: انتهَى الشاعر في هذا البيت إلى الغاية في تخويف صاحبه عاقبةَ إجحافه به وهضيمت ه له وبخس ه لحقِّه. وكأنه أحسّ أن صاحبه قد يستهي بما ذكره آنفًا من تحذيره لأنه ربما توهَّم أنه وإن صار إلى ه جرانه ومباعدته فإنه لا ينشَب أن يرجع إليه ولو بعد حي، فسدّ على صاحبه هذا المنفذ وأغلق عليه باب التعلُّل به فقال له: ولا تتوهَّم أني إن هجرتك لسوء صنيعك معي فإني سأعاود وصلَك يومًا، فإن طباعي تأبَى ذلك. واعلم أني لست سريعًا إ لى القطيعة، ولكن متى اضط ررت إليها وحم لت عليها انصرفت نفسي عن الشّء وزهدت فيه، ومتى وقع ذلك منها فإنها لا ت قبل عليه بوجهها آخر الدهر ومنتهى أمد الحياة. - النقد: أجاد الشاعر في نسبته الانصرافَ إلى نفسه فقال: (إذا انصرفت نفسي) ولم يقل: (إذا انصرفت )، ك أن ذلك أمر خارج عن س لطان يده، فليس له

عدد الصفحات ٣٢