مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 199 القرينة الرابعة: ليس كل اختلاف في الموقوفات اضطراب يقول الطريفي : «ينبغي أن لا تعامل مرويات التفسير المترددة بين الوقف ع صحابي والقطع على تابعي من أصحابه، كما تعامل المرويات الأخرى المترددة بين الرفع والوقف للفرق في ذلك، فكثير ا ما تتداخل مرويات التفسير بين ابن عباس وأصحابه، فيظن بعض من لا عناية له أن هذا علة اضطراب، تارة يوقف وتارة يقطع(1)، وهذا غير صواب ؛ فالمفسرون من التابعين كثير ا ما يقولون بقول شيوخهم من الصح ابة ولا يرفعون إليهم (2)، بل قد ينسب تابع التابعي الرواية للتابعي ولا ينسبها للصحابة، وإنما يفعلون ذلك لأغراض منها: 1) ظهور المعنى وجلاؤه ، وكون المعنى المحكي محل تسليم عند السامع فيستثقلون إسناده إليهم(3). 2) خشية الخطأ في حكاية تفسير الصحا؛ ومن ذلك مثلا ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبا زرعة عن حديث رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الثوري، عن نسير بن ذعلوق، عن كردوس: ﴿ﭐﱁﱂ ﱃﱄﱅ ﱆ﴾ [الأنعام٢٨] ؟ قال: بشرك؛ قال أبو زرعة: إنما هو عن كردوس، عن حذيفة؛ وابن أبي زائدة قصرَّ به »(4). ومراده أنه وقف الحديث على التابعي ولم ينسبه للصحابي(5) . ولا شك أن الاختلاف بين الوقف والقطع لا يكون كله بحسب ما تقدم من استثقال نسبة ما هو معلوم للصحابي أو من احتياط التابعي في نسبته شيئ ا للصحابي (1) التقرير في أسانيد التفسير (ص53). (2) التقرير في أسانيد التفسير (ص39). (3) ينظر: التقرير في أسانيد التفسير (ص45،67). (4) علل الحديث لابن أبي حاتم4/592). (5) ينظر في بيان معنى القصر عند المح دثين بحث بعنوان «الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول»د. علي بن عبد الله الصياح ومن العجيب أن أمثال تلك العلل تغفل عنها كثير من الدراسات المعاصرة، وتصم من لا ينسب الكلام لقائله بالسرقة العلمية !!!
عدد الصفحات ٦٦منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 200 = بل يدخل الخطأ في ذلك أيضا، ولا يتيسر تمييز ذلك بعضه من بعض إلا لمن سبر الروايات والمرويات وكانت لديه الخبرة والملكة التي بها يميز بين ذلك. فهذا أبو زرعة يحكم بخطأ نسبة أثر لغير قائله مرة ببيان خطأ نسبته لصحابي، ومرة ببيان خطأ نسبته لتابعي؛ فقد ذكر رواية «وكيع عن حماد بن زيد، عن عمرو ابن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله - عز وجل-: ﴿ﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﴾ [العاديات6]، قال: لكفور»، ثم قال «هذا وهم؛ وهم فيه وكيع، إنما هو: عن أبي الجوزاء فقط »وذكر نفس الأثر وأَ عَ لَّ نسبته لتابعي ، وصحح نسبته لتابعي آخر ؛ فقد ذكر أثر ا رواه ابن نمير، عن يحيى بن يمان، عن سفيان ، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﴾ [العاديات6]؛ قال لكفور»،ثم قال: هذا خطأ؛ إنما هو منصور عن مجاهد»(1). وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن التفسير لم يختلف من رواية إلى رواية؛ بل ورد بنفس اللفظة المفسرة، وهو أيض ا تفسير لغوي ؛ ورغم هذا حكم أبو زرعة بخطأ نسبته لابن عباس، وبخطأ نسبته لإبراهيم كذلك ؛ لأن نسبة القول لقائل تستلزم ثبوته عنه. بل الأعجب من هذا قول ابن أبي حاتم : «وسألت أبا زرعة عن حديث رواه موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ﭐﲡ ﲢ ﴾ [العاديات١] قال: الخيل. ورواه زياد البكائي عن ليث عن عطاء عن ابن عباس ؛ فقلت لأبي زرعة: أيهما أصح؟ فقال: موسى بن أعين أحفظ»(2). وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن كلا الطريقين ينسب التفسير لابن عباس، (1) علل الحديث4/593،594). (2) علل الحديث4/593).
عدد الصفحات ٦٧مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 201 وكلاها من رواية تلاميذه وأخصائه المعروفين بالسماع منه = عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، لكن هذا لم يمنع ابن أبي حاتم من السؤال عن الأثر، ولم يمنع أبا زرعة من البيان ؛ لأن المدار هنا على إصابة الراوي في حكاية الإسناد أو خطأه ، فحيث ثبت خطؤه فلا سبيل إلى اعتباره؛ بل هو مسقط ملغى إذ المنكر أبد ا منكر. القرينة الخامسة: كون الرواية من نسخة معروفة: لقد كان التفسير من أوائل العلوم التي حظيت بالكتابة والتدوين ؛ فقد كانت كتابته في وقت مبكر جد ا، بخلاف بعض العلوم التي تأخر تدوينها، فعن ابن أبي مليكة قال: «رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب . قال: حتى سأله عن التفسير كله»(1) .وهي كتابة آل أمره ا وأمر غيرها من كتابات التفسير إلى أن تكون صحف ا معتبرة تتداول وتروى، وإن المتتبع لمرويات التفسير سيجد مدار معظمها على تلك الصحف ؛ فقد أملى مجاهد تفسيره على القاسم بن أبي بزة ولم يسمعه منه أحد غيره، قال ابن عيينة: «لم يسمعه أحد من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة أملاه عليه، وأخذ كتابه: الحكم، وليث، وابن أبي نجيح »(2)،ولك أن تعتبر بأن المروي عن مجاهد وحده في التفسير من خلال تفسير الطبري أكثر من ثلاثة آلاف رواية بعد حذف المكرر (3)، ولك أن تعتبر كذلك بكون بعض تفسيره يوافق ما روي عن ابن عباس ؛ لكونه أكثر من أخذ التفسير عن ابن عباس وأقلهم رواية عنه، وهناك نسخ أخرى غير نسخة مجاهد نقلت لنا آثار السلف في التفسير؛ كتفسير عطية العوفي عن ابن عباس، وتفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وتفسير السدي عن بعض أشياخه، وتفسير قتادة من (1) تفسير الطبري1/85.) (2) المعرفة والتاريخ2/154 .) (3 )ينظر: تفسير التابع1/252.)
عدد الصفحات ٦٨منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 202 رواية سعيد بن أبي عروبة، وليس هذا موضع التطويل بذكر تلك النسخ(1)؛ وإنما المقصود وفرة تلك النسخ وكثرتها فيما نقل من آثار التفسير، وهذه النسخ «شرط تحملها وروايتها عدم اتهام الراوي بالكذب، وطالما كان الناسخ ثقة؛ فإنه يتساهل في نَقَلَة النسخة عنه، ولو شددنا فيهم لم يكد يصح لنا شيء كثير من دواوين السنة، فضلا عن غيرها»(2). وهذه النسخ التفسيرية يصدق على كثير منها أنها وجادات، والعلماء فر قوا بين الحكم باتصالها أو انقطاعها وبين العمل بها عند حصول الثقة بها ومعرفة الواسطة؛ فبعد أن بين ابن الصلاح تفاوت مراتب الوجادات من حيث الاتصال والانقطاع قال: «هذا كله كلامكيفية النقل بطريق الوجادة؛ وأما جواز العمل اعتماد ا على ما يوثق به منها، فقد روينا عن بعض المالكية: أن معظم المحدثين والفقهاء من المالكيين وغيرهم لا يرون العمل بذلك، وحكي عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جواز العمل به. قلتُ : قطع بعض المحققين من أصحابه في أصول الفقه بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال: «لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبَو ه»، وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة؛ فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها»(3). يقول الشريف حاتم: «والبخاري أخرج وجادات في صحيحة، ومسلم كذلك، فهناك أحاديث لم ترو إلا وجادة؛ بل أجمعت الأمة على قبول بعض الوجادات مثل صحيفة عمرو بن حزم ، فقد أجمع فقهاء الأمصار كلهم على الاحتجاج بهذه (1) ينظر: كتاب نسخ أسانيد التفسير فقد فصل القول في تلك النسخ (2) التقرير في أسانيد التفسير بتصرف (ص27،28). (3) معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح (ص181).
عدد الصفحات ٦٩مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 203 النسخ، وهي وجادة لم تؤخذ عن عمرو بن حزم بالإسناد المتصل الصحيح أبدا ، وأجمع فقهاء الأمة على روايتها»(1). والمقصود من ذلك أن النسخ التفسيرية وإن كان بعضها منقطع ا؛ إلا أن نظر المفسرين لمضمونها ومعانيها، وأن نمط التعامل معها ليس كنمط التعامل مع المرويات المسندة . القرينة السادسة: معرفة ما بين الرواة عن المفسر من اتفاق أو اختلاف: قال الطريفي: «ينبغي مع معرفة الذين يدور عليهم التفسير من الصحابة معرفة أصحابهم وتباين بلدانهم وتنوع اختصاصهم؛ فقد يروى التفسير عن صحابي بسند ضعيف، يتقوى بإطباق أصحابه على معنى تفسيره ، وهذا من القرائن المعتبرة في تقوية بعض الطرق؛ إذ يستحيل أن يطبق التلاميذ على مخالفة تفسير الصحابي الذي أخذوا عنه التفسير، كما أن معرفة مراتب تلاميذ المفسر واختصاصهم به له أثر في الترجيح بين روايتين متعارضتين عن الصحابي نفسه، وهذا كما أنه في تلاميذ الصحابة كذلك في تلاميذ المفسر من التابعين(2). هذه أبرز القرائن (3) المرتبطة بالتف سير؛ التي يكون إطلاق الأحكام على الآثار التفسيرية دون استصحابها ومعرفة مراتبها ومواضع استخدامها وكيفياته تجرء ا على تراث الأمة وعبث به. (1) محاضرة أسانيد التفسير للشريف حاتم (2) التقرير في أسانيد التفسير (ص39). (3) ذكر الشيخ عبد العزيز الطريفي عدد ا آخر من القرائن في كتابه «التقرير في أسانيد التفس » يمكن مراجعتها لفائدتها (ص: 74،75،79).
عدد الصفحات ٧٠منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 204 المبحث الثالث تطبيقات المنهج عند المفسرين المحررين كان المفسرون من أهل التحرير والنظر على استحضار كامل لكل ما سبقت الإشارة إليه ولما هو أكثر منه، وجمعت نظرتهم بين تكاملية المنهج الحديثي وبين موضوع التفسير وغرضه وغايته ؛ بل حكموا معاييره في بعض النطاقات الخاصة بعلم التفسير . وإن المطالع لكتب هؤلاء المفسرين الجامعين بين المعرفة بالتفسير والحدي ث، سيجد أنهم لم يخرجوا عن الإطار العام والأسس الكلية الكبرى لمنهج المحدثين في نقد الأخبار والآثار المروية، وما سنذكره هنا إنما هو الظاهر من منهجهم؛ وأما ما خفي ودق فيبصره أهل الصبر على تلك المصنفات الراغبين في استكشاف مناهج أئمتها، وقد سبقت الإشارة إلى بعض معالمه الكلية في هذا البحث، وقد تتبعت صنيع الطبري وابن عطية وابن كثير خاصة؛ فظهر لي أن منهجهم في نقد مرويات التفسير يدور حول ما يلي : 1) اشتراط ثبوت التفسير المروي عن رسول ا × عند إرادة الاحتجاج بكونه تفسير ا نبوي ا؛ إ ذ التفسير النبوي حجة على ما عداه، فإن لم يثبت وكان تفسير الآية بمقتضاه صحيح ا لم يكن ذلك مانع ا من تفسير الآية به ، لكن لا على كونه تفسير ا نبوي ا؛ بل على كونه معنى صحيح ا في الآية، فقد يكون الحديث ضعيف ا لكن معناه مفسر للآية وصادق عليها ومناسب لها، وقد نص الزركشي على ضرورة التثبت من ص حة المروي عن رسول الله × في التفس فقال: «واعلم أن القرآن قسمان: أحدها ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره ، وقسم لم يرد، والأول ثلاثة أنواع: إما أن يرد التفسير عن النبي ×،أو عن الصحابة، أو عن رؤوس التابعين؛ فالأول يبحث فيه عن صحة السند ...»(1). (1 ) البرهان2/172 .)
عدد الصفحات ٧١مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 205 وقد كان المحررون من المفسرين ساعة اختلاف الأقوال واستناد أحدها إلى تفسير نبوي ؛ يحكمون بصواب القول المستند للتفسير النبوي إذا ثبتت صحته ويجعلون ما عارضه خطأ، أو يجعلون القطع بالمعنى الذي تضمنه التفسير النبوي متوقفا على ثبوت صحته. ومن أمثلة ذلك: ما ورد عن السلف في معنى الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم في قوله تعا: ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [124]؛ فقد حكى المفسرون فيها عن السلف أقوالا ، حكاها الطبري وغيره ، وقال الطبري بعد حكايته لها: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ا أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن ... وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل الكلمات، وجائز أن تكون بعضه ... وغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئ ا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول × ، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي × في نظير معنى ذلك خبران، لو ثبتا، أو أحدها ؛ كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. ثم ذكر الخبرين أحدها عن سهل بن معاذ عن أبيه والآخر عن أبي أمامة ثم قال: فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيح ا سنده كان بيَّن ا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن، وهو قوله كلما أصبح وأمسى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ [17- 18] أو كان خبر أبي أمامة عدو نقلته؛ كان معلوم ا أن الكلمات التي أوحين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن أن يصلي كل يوم أربع ركعات، غير أنهما خبران في أسانيدها نظر»(1). (1) تفسير الطبري1/527 :528 .)
عدد الصفحات ٧٢منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 206 وقد زاد ابن كثير إيضاح ا؛ فقال بعد ذكر الحديثين : «...ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه»(1). ومن أمثلته أيضًا: ما ورد في معنى العتيق في قوله تعالى : ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ [29 ]؛فقد ورد عن السلف في معنى العتيق عدة أقوال: القول الأول: أن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه ؛ فلذلك سمي عتيقا . ورد ذلك عن ابن الزبير وقتادة. القول الثاني: أن البيت أعتق من أن يملكه أحد فليس فيه لأحد شيء. عن مجاهد. القول الثالث: أنه سمي عتيق ا ل ق دَم ه ؛ فهو أول بيت وضع للناس. عن ابن زيد (2). قال الطبري بعد ذكره لهذه الأقوال « :ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عم ن ذكرناها عنه في قوله ﴿ ﯓ ﯔ ﴾ وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر، غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما حدثني به محمد بن سهل البخاري قال: ثنا عبدالله بن صالح قال: أخبرني الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري عن محمد بن عروة عن عبدالله بن الزبير قال: قال رسول الله × :«إنما سمي البيت العتيق ؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه قط» = صحيحا»(3). فها هو يترك المعنى الغالب على الكلمة لمعنى آخر تحتمله لدلالة الحديث على هذا المعنى الآخر؛ لكنه جعل رجحان هذا المعنى مشروط ا بصحة الحديث، فإن ثبتت عدم صحته فقول ابن زيد أرجح. (1) تفسير ابن كث1/167 .) (2) تنظر الأقوال الثلاثةتفسير الطبري (17/151.) (3) تفسير الطبري17/151 :152 .)
عدد الصفحات ٧٣مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 207 ومن أمثلته أيضًا: ما ورد عن السلف في قوله تعالى: ﴿ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﴾ [184]؛ حيث اختلفوا: هل الإفطار في السفر رخصة أو عزيمة؟ وقد حكى الطبري الخلاف عنهم في ذلك، ثم رجح القول بأنه رخصة، ثم رد على من استدل بحديث « الصائم في السفر كالمفطر في ا »(1) على أن الصوم في الس فر عزيمة فقال : «وغير جائز أن يضاف إلى النبي × قيل ذلك؛ لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله × واهية الأسانيد، لا يجوز الاحتجاج بها في الدين»(2). ومن أمثلته أيضًا: ما وقع من اختلاف في قوله تعالى: ﴿ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ [4]؛ حيث اختلفوا: هل إ مساك الصائد عن الأكل شرط في صحة التعليم أم لا؟ وقد عرض الطبري الخلاف ثم قال: «فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثنا به عمران بن بكار الكلاعي، قال حدثنا عبد العزيز بن موسى، قال حدثنا محمد بن دينار عن أبي إياس عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي عن النبي × قال«إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه؛ فليأكل ما بقي»؟(3) قيل: هذا خبر في إسناده نظر؛ فإن سعيد ا غير معلوم (1) أخرجه النسائي في سننه، ك: الصيام، باب: ذكر قوله الصائم في السفر كالمفطر في اضر، ح: 2287 ، (ص: 338)، موقوفا على عبد الرحمن بن عوف، وابن ماجه في سننه بنحوه مرفوع ا ، ك: الصيام ، باب: ما جاء في الإفطار في السفر ، ح : 1666، (1/532)، والبيهقي في سننه، ك: الصيام، باب: الرخصة الصوم في السفر، ح: 7955،4/244) وهو حديث ضعيف، ذكر الاختلاف في روايته أبو حاتم علل الحديث (2/28، برقم 694)، والدارقطني في العلل 4/281، برقم:564)، ورجحا أن الصحيح كونه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه موقوف ا، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه، ينظر: المراسيل (ص: 255، برقم: 475)، ( تهذيب التهذيب6/370). (2) تفسير الطبري2/155 .) (3 ) لمأقف عليه بهذا اللفظ، لكن ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه7/75 :76، برقم 19823) بسنده عن قتادة عن سعيد بن المسيب؛ قال: سألته عن الكلب يرسل على الصيد؟ فقال: كل، وإن أكل ثلثيه، فقلت : عَن مَن ؟ قال: عن سلمان ، وذكر البيهقي نحوه في السنن الكبرى موقوف ا على سلمان 9/238.
عدد الصفحات ٧٤منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 208 له سماع من سلمان، والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي ×، والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم؛ كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم»(1). 2) رواية الكذاب لا يسوغ الاعتماد عليها في التفسير أو في غيره؛ فالكذاب لا يصلح أن تتلقى رواياته وتوضع موضع القبول، وقد نص العلماء على كون رواية الكذاب متروكة مطرحة ؛ فقد قال ابن أبي حاتم في كلامه على طبقات الرواة ومنازلهم: «ومنهم من قد ألصق نفسه بـهم - يقصد بالرواة المقبولة روايتهم - ودلسها بينهم، ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب؛ فهذا يترك حديثه، ويطرح روايته، ويسقط ولا يشتغل به»(2)،وقال ابن المبارك: «من عقوبة الكذاب أن يرد عليه صدقه»(3). وقال البيهقي: «...وأما النوع الثاني من الأخبار؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: ضرب رواه من كان معروف ا بوضع الحديث والكذب فيه، فهذا الضرب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين... »(4). ومن أبرز المفسرين المتهمين بالكذب الكَ ل ب ي ، وقد صرح هو نفسه بذلك فقال: «ما حدثتم عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه»(5)،ولهذا سئل أحمد (1) تفسير الطبري6/97). وينظر أمثلة أخرى في: تفسير الطبري1/516)، (2/140)، تفسير ابن كث (2/245،246)، (3/53 ،529 .) (2) الجرح والتعديل1/7 .) (3) ذكره الخطيب بسنده عن ابن المبارك، ينظر الكفاية (1/358 .) (4) دلائل النبوة ومعرفة صاحب أحوالالشريعة (1/33.) (5 )تهذيب التهذيب4/117.)
عدد الصفحات ٧٥مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 209 عن تفسير الكلبي؛ فقال: «كذب . قيل : يحل النظر فيه؟ قال: لا»(1). وقد نص الطبري على أن رواية الكلبي لا يجوز الاحتجاج بها؛ فقال في حديثه عن الأحرف السبعة : «فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن السبعة(2) التي قد نزلت القراءةا فلا حاجة بنا إلى معرفتها؛ لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها، مع الأسباب التي قدمنا ذكرها. وقد قيل: إن خمسة منها لعجز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة. روي جميع ذلك عن ابن عباس ؛ وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله، وذلك أن الذي روى عنه : أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن = الكلبي عن أبي صالح، وأن الذي روى عنه: أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة = قتادة، وقتادة لم يلقه، ولم يسمع منه»(3). فقدنص الطبري على كون الكلبي غير محتج بروايته، ورغم كون تفسير الكلبي أطول التفاسير (4)،وتعرض الكلبي با لتفسير والرواية لمعظم آيات القرآن ؛ إلا أن الطبري لم يورد له إلا مواضع قليلة جد ا في تفسيره، وكان أغلبها من رأي الكلبي لا من روايته(5)،وإذا ذكر شيئ ا مما رواه فإما أن يبين ضعفه(6)،وإما أن يذكر روايته (1 ) المجروحين من المحدثين لابن حبان2/263)، ت : حمدي السلفي (2 )وقع في المطبوع"الألسن الستة"، وهو هكذا في تفسير الطبري تحقيق شاكر (1/66)، ولعل الصواب "الألسن السبعة"-كما ذكرت-فالسؤال الذي أورده الطبري وجوابه عنه صريح في أنها سبعة. والله أعلم. (3 ) تفسير الطبري1/29 .) (4) قال ابن عدي «وهو رجل معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول ولا أشبع منه »،الكامل (7/282.) (5 )ينظر على سبيل المثال: تفسير الطبري(1/100)،(7/232)،(9/97)، (10/62)،(12/70.) (6) ينظر تفسير الطبري (1/34،88،93).
عدد الصفحات ٧٦منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 210 تابعة لرواية غيره أو مقرونة بها(1). والمقصود أنه لم يعتمد على تفسيره، ولم يذكر آراءه إلا إذا وافقت رأي غيره من الثقات؛ وأما روايته فإما أن ينص على ضعفها، وإما أن يسوقها مقرونة برواية غيره فتزول الريبة من روايته. ويلحق بالكذب ما ثبت لدى الناقد خطؤه، فما ثبت خطؤه لا يمكن اعتباره إذ هو ساقط ملغى ؛ فلا يمكن الجزم بنسبة التفسير لقائله طالما ثبت خطأ الرواة في حكاية إسناد الرواية، وقد سبق بيان ذلك والتمثيل عليه من علل ابن أبي حاتم. 3) اشتراط ثبوت ما لا يقال مثله بالرأي؛ لأنه إذا ثبت يكون له حكم الرفع، ومما يدخل فيه الإخبار عن الأمور الغيبية، أو المقطوع بكونه من أسباب النزول، أو نحو ذلك . وقد نص الطبري على هذا؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ﴾ [30] :«وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع بن أنس(2)، وبالذي قاله ابن زيد(3) في تأويل ذلك؛ لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر، ويلزم سامعه به الحجة؛ والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئ ا يمتنع معه التشاغر والتواطؤ، ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو، وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد »(4). وعند قوله تعا: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴾ [127 ]ذكر الطبري الخلاف في قواعد البيت؛ هل كان آدمرفعها ثم انهدمتفأظهرها إبراهيم، (1) ينظر: تفسير الطبري(9/227 )،(10/49 )، (16/41 ،42 ،44). (2 ) وهو القول بأن الجن كانوا يسكنون الأرض قبل آدم (3) وهو القول بأن الملائكة قالت ذلك تعجبا من أن يخلق الله من يعصيه. (4) تفسير الطبري1/209 .)
عدد الصفحات ٧٧مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 211 أم أنها قواعد بيت أهبطه الله لآدم من السماء ؟ إلى غير ذلك ، ثم قال : «ولا علم عندنا بأي ذلك كان؛ لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله × بالنقل المستفيض ، ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم له، ولا هو مما يستدل عليه بالاستدلال والمقاييس فيمثل بغيره، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد»(1). ومن أمثلته ما أورده الطبري في قوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ [91] حيث قال: «واختلف أهل التأويل في المَعني بقوله: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴾ ؛ فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود... وقال آخرون: هذا خبر عن مشركي قريش أنهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء»(2). ثم قال: «...وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على ذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبر ا عن الم شركين من عبدة الأوثان وكان قوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﴾ موصولا بذلك غير مفصول منه = لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول؛ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل»(3). ومن أمثلته أيضً ا: قول ابن عطية : «وروي في أمر ﴿ ﮆﮇ﴾ [96]، ﴿ ﯨ ﯩ﴾ [94 ]أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح ، وروي أيض ا أن الذَّ كر منهم لا يموت حتى يولد له ألف، والأنثى لا تموت حتى تخرج من بطنها ألف ؛ فهم لذلك إذا بلغوا العدد ماتوا، (1) تفسالطبري (1/549) . (2) تفسير الطبري7/268) بتصرف يس (3) تفسير الطبري7/268 ،269.)
عدد الصفحات ٧٨منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 212 ويروى أنهم يتناكحون في الطرق كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرتها لضعف صحتها» (1) ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [لأعراف31]؛ قال: «وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس مرفوعا: "أنها نزلت في الصلاة في النعال". ولكن في صحته نظر»(2) . ومن أمثلته أيضًا: ما ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [النجم39] قال«وروي عن اب ن عباس أن قوله تعا : ﴿ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [21]، وهذا لا يصح عندي على ابن عباس؛ لأنه خبر لا ينسخ ... اللهم إلا أن يتجوز في لفظ النسخ ليفهم سائلا »(3). وتجدر الإشارة إلى أن السلف كانوا يطلقون النزول على كل ما تصدق عليه الآية من الأحداث والمعاني والقصص، سواء كان هذا الحدث أو هذا المعنى سابق ا على الآية، أو مقارن ا لها أو متأخر ا عنها، وسواء كان هو سبب النزول أم لا، وبناء عليه فالذي يجب بيان صحته أو ضعفه ما كان مراد ا به أنه سبب نزول الآية لا غير. كما تجدر الإشار ة إلى: أن الأخبار الغيبية لا تعامل كلها معاملة واحدة؛ بل ينبغي التفريق بين ما كان وارد ا عن بني إسرائيل وما لم يكن وارد ا عنهم، فالأول لا يمكن الحكم عليه بصحة أو ضعف بخلاف الثاني؛ إذ ضابط القبول والرد لأخبار (1 )المحرر الوجيز3/542.) (2 ) تفسير ابن كث2/211 .) (3) المحرر الوجيز5/206). وينظر أمثلة أخرى في : تفسير الطبري1/156 :157 ،227 ،293)، (6/276) ، 7/164)، ا لمحرر الوجيز ( 1/127،141،187،231،343،356) ، 2/311)، (3/199،482،522)،5/208،365)، تفسير ابن كث1/77 ،112.)
عدد الصفحات ٧٩مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 213 بني إسرائيل ليس هو الإسناد، إذ الإسناد خاصية منخصائص هذه الأمة، وإنما الضابط هو: موافقة الشرع أو عدم موافقته؛ فما كان موافق ا قمب لَ ، وما كان مخمَال ف ا رم د ، وما لم تظهر موافقته أو مخالفته تموق ف فيه وجازت حكايته. نعم قد يكون الحكم على السند الموصل للصحابي أو التابعي الذي نقل هذه الإسرائيلية بالصحة أو الضعف، وأما الرواية الإسرائيلية نفسها فضابط قبولها أو ردها موافقة الشرع أو لا. 4 )اشتراط ثبوت التفسير عن قائله إذا كان مخالفا لما ثبت عن رسول الله ×، أو مخالفته لما هو متقرر وثابت في الشرع ؛ فإذا روي عن مفسر من السلف قول بخلاف المتقرر في الشرع، أو بخلاف ما دل عليه الحديث النبوي؛ وجب التثبت من صحة ثبوته عنه قبل نسبته له. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره ابن عطية في قوله تعالى: ﴿ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ [41] قال: «روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كانت نكباء. وهذا عندي لا يصح عن علي ؛لأنه مردود بقوله× :«نصرت بالص بَا، وأهلكت عاد بالد بُور(1)»(2). ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما رواه عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾ [27]، قال : «كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني (1) الصبا: ريح؛ ومهبها المستوي أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور: ضد الصبا؛ أي أن مهبها من جهة مغرب الشمس، والنكباء: كل ريح هبت من بين جهتين. ينظر: مختار الصحاح (ص: 356) ، (فتح الباري2/521) (2) المحرر الوجيز(5/180)، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، ك: الاستسقاء، باب: قول النبي× (نصرت بالصبا) ،( ص :204، ح1035)، ومسلم في صحيحه، ك: صلاة الاستسقاء ، باب: في ريح الصبا والدبور، (2/42 :43، ح900).
عدد الصفحات ٨٠منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 214 آدم لصلبه؛ وإنما كان القمربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات »(1)، وقد رده الطبري(2) وابن عطية(3) وغيرها. قال الطبري عقب ذكره لقوله تعالى: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ [31]: «وهذا أيضا أحد الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو عن الحسن ؛ لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية لوكانا من بني إسرائيل ؛ لم يجهل القاتل دفن أخيه ومواراة سوأة أخيه ، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه »(4)،ثم ساق الطبري من مراسيل الحسن ما يفيد أنه كان يقول أنهما كانا ابني آدم لصلبه(5). وقال ابن كثير : «وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله × :«لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل»(6) .وهذا ظاهر جَلي ، ولكن قال ابن جرير: «حدثنا ابن وَك يع ، حدثنا سَه ل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن -هو البصري- قال: كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﴾ من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه؛ وإنما كان القربان من بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات» وهذا غريب جدا، وفي إسناده نظر» (7). ثم أيد ابن كثير هذه الغرابة والضعف بما ساقه من مراسيل الحسن التي تفيد أنه (1 ) تفسير الطبري6/189 .) (2) تفسير الطبري6/194 .) (3) المحرر الوجيز2/178.) (4) تفسير الطبري6/196 .) (5) تنظر هذه المراسيل في تفسير الطبري6/199)، وسيأتي ذكرها في كلام ابن كثير. (6 ) أخرجه البخاري في صحيحه، ك : أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، ح: 3335،(ص : 678)، ومسلم في صحيحه، ك: القسامة، باب: بيان إثم من سن القتل، ح : 1677،(3/159.) (7 )تفسير ابن كث2/46 .)
عدد الصفحات ٨١