المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في نقد أسانيد التفسير

محمد صالح محمد سليمان

صفحة ٤ من ٦

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 183 الحديث، ولم يبلغ ابن أبي حاتم من السهو والغفلة وهو الناقد الحاذق أن يذهل عن كونه باطلا وهو يورده في التفسير ؛ فقد تكرر هذا منه وإن تفاوتت صورته (1) مما يدل على أن له غرض ا في ذلك، لا أنه ذهل ونسي كما يحلو لبعض الباحثين الاسترواح برمي الأئمة بالغفلة بدلا من التفكير في استكشاف صنيعهم وأغراضهم! والطبري يورد خبر ا فيه ضعف ثم يبين علة إيراده بقوله: «فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب»(2). فللأئمة في التصنيف وفي تر تيب الأدلة والمسائل وعرض الأقوال أغراض ومقاصد؛ وهي جديرة أن تبحث وخاصة فيما ضعف من الأخبار وأغراضهم من إيرادها وكيفيات ذلك الإيراد. يقول ابن تيمية: «والأئمة كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يمعلَ م أنها كذب من المرفوع والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين؛ لأن ذلك يقوي بعضه بعض ا كما تمذكر المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف، فثَمَّ أمور تمذكر للاعتماد، وأمور تذكر للاعتضاد، وأمور تمذكر لأنها لم يمع لَم أنها من نوع الفساد»(3). (1 )ففي العلل أن أباه أخبره عن حديث سأله عنه بأنه منكر، ورغم هذا أورده بنفس السند في تفسيره وسمى فيه الراوي المبهم. ينظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (4/655) برقم1710)، تفسير ابن أبي حاتم (3/906) برقم5053) ، وينظر مثال آخر في العلل (4/714) برقم1760) مع تفسير ابن أبي حاتم (6/1956) برقم10459)، وإن كان قد ساقه بإسناد آخر بعد إيراد السند المعلل ولكن المقصود بيان الفكرة ونفي الذهول المزعوم. (2 )تفسير الطبري3/716). (3 )الصفدية1/287 .)

عدد الصفحات ٥٠

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 184 وقد رَدَّ ابن تيمية على إيراد البكري عليه ذكره لحديث من رواية ابن لهيعة وهو حديث: «إنه لا يستغاث بي؛ إنما يستغاث بالله»، فقال: «هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه؛ بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك وبآثار الصحابة والتابع ين؛ بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع ... ولو كان عبد الله بن لهيعة ذاكر ا لا آث ر ا ولم ينكره المسلمون عليه لكان في ذلك مستند لهذا الإطلاق ؛ فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء المفتين ونظير لليث بن سعد، والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من أهل الاجتهاد والفتيا مثل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وكان زمانهما متقارب ا؛ فإنه من أعيان الفقهاء المفتين وإن كان في حديثه ضعف، وكذلك شريك بن عبد الله وأبو حنيف ة ومحمد بن الحسن وغيرهم من المشهورين بالفتيا ؛ إذا تكلم في حديثهم لم يمنع هذا أن يكونوا من المجتهدين المفتين. إذا كان النزاع في إطلاق لفظ وقد أطلقه أحد هؤلاء العلماء إما آثر ا وإما ذاكر ا وسمعه الناس منه ونقلوه عنه ولم يعرف أن أحد ا أنكره = علم أن علماء المسلمين كانوا يتكلمون بمثل هذا اللفظ، وأن المتكلم به ليس خارق ا للإجماع ولا مبتدعا لفظ ا لم يسبق إليه»(1). (1) تلخيص كتاب الاستغاثة(1/308).

عدد الصفحات ٥١

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 185 وهو كلام في غاية النفاسة لبيان أهية فهم غرض العالم من إيراد ا الضعيف، وأن للعلماء في ذلك مقاصد ينبغي أن تمفقه وتمفهم ؛ وقد بين العلامة محمود محمد شاكر جانب ا من ذلك أثناء تعليقه على تفسير الطبري؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [30]: « تبين لي مما راجعته في كتاب الطبري؛ أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة؛ فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسناده ليدل على معنى الخليفة والخلافة ، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى الخليفة، وجعل استدلاله بهذه الآثار كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله، وهذا بين في الفقرة التالية للأثر رقم (605)؛ إذ ذكر ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، وما روى عن الحسن في بيان معنى الخليفة، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم، ومن أجل هذا الاستدلال لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر (465 )عن ابن مسعود وابن عباس ، فيما مضى ص : 353: «فإن كان ذلك صحيح ا، ولست أعلمه صحيح ا؛ إذ كنت بإسناده مرتاب ا ...»، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس -إن صح عنهما- أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال ، ومثله أيض ا ما يسوق في الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم ؛ بل يسوق الطويل الطويل لبيان معنى لفظ أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآي كتاب الله. فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهار ا للمعاني التي تدل على ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها؛ فهو إذن استدلال

عدد الصفحات ٥٢

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 186 يكاد يكون لغوي ا، ولما لم يكن مستنكر ا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صح ت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم، وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قار ئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر»(1). ومثل هذا واضح جد ا فيما نحن بصدده من كون غرض المصنفين من إيراد الأحاديث مختلف، وأنه من الجناية الحكم بخطئهم أو تجريد كتبهم بدعوى وجود الأحاديث الضعيفة فيها. تتمات مهمات: الأولى: من ضمن الأمور التي تؤثر تأثير ا قوي ا في الحكم بالثبوت وعدمه القرائن المحتف ة بالراوية أو الراوي، بحيث تستحق أن تفرد بمطلب خامس تكتمل به دائرة النظر للحكم بالثبوت وتتم به معطياته، ولكن لما كان البحث يريد بيان المنهج تجاه مرويات التفسير؛ فقد آثرت جمع القرائن المختصة بمرويات التفسير مع بعضها البعض سواء منها ما تعلق بالثبوت أو لا، فلينتبه لذلك. الثانية: تجريد الكتب من الآثار الضعيفة بدعوى التصحيح: إن تجريد التفسير من الآثار الضعيفة، ومحاولة إخراج ما يسمى بصحيح التفسير =من الأفكار التي تحتاج إلى إعادة نظر، وإلى المقارنة بينها وبين مناهج أئمة التفسير؛ فإن «الإسناد الصحيح يعطي إشارة إلى صحة القول المنقول بهذا الإسناد غالب ا، وليس بالضرورة أن يكون الإسناد الذي لم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن دليلا قاطع ا على عدم صحة القول المنقول بهذا الإسناد ، فعلى سبيل المثال : تكرر عند (1 )تفسير الطبري تحقيق شاكر1/453 :454) حاشية

عدد الصفحات ٥٣

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 187 أهل العلم قولهم: إن طاوس ا أعلم الناس بأحكام معاذ ، وسعيد بن المسيب أعلم الناس بقضاء عمر، وعلي بن أبي طلحة أعلم الناس بتفسير ابن عباس ؛ وهؤلاء التابعون لم يتحملوا عن أولئك الصحابة »(1) وليس بلائق أن نجرد الكتب من نقولهم عن هؤلاء الصحابة لضعف الإسناد. وسينصب الكلام هنا عن تجريد كتب التفسير من الآثار الضعيفة، ذلك أن أئمة التفسير وغيرهم لم يكونوا يمارسون لون ا من ألوان العبث وهم يدخلون في مؤلفاتهم وتفاسيرهم تلك الآثار الضعيفة، ولذا فإن من أراد تجريد كتب التفسير مثلا من الآثار الضعيفة لَ ز مَ هم قبل الإقدام على تلك الخطوة التنبه لما يلي : الأول : مراعاة أن صحة المعنى مقام، وثبوت الرواية مقام آخر، ولذا تجد أحيان ا الأثر الوارد بسند ضعيف مثلا أصح وأوفق بنظم الآية وسياقها من الأثر المروي بسند صحيح ؛ بل قد يكون هناك صعوبة في احتمال الآية للمعنى الوارد بالسند الصحيح، وبالتالي فتجريد التفسير من الضعيف في مثل هذه الحالة واعتماد الصحيح فيه إخلال بالمعنى المراد من الآية، وبعد بها عن مقصودها وعما تدل عليه ألفاظها؛ فمثلا قوله تعالى: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [ البقرة26 ]؛المتأمل في ظاهر الآية يجد أن قوله تعالى: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﴾ كأنه جواب عن اعتراض اعترضه الكفار، مفاده: أنه تعالى يستحيي من ضرب الأمثال، وقد صرح بكون الآية جواب ا عن اعتراض كثيرٌ من المفسرين (2)، (1 ) تفسير التابع2/918 .) (2) ينظر : الكشاف1/111) وعبارته: « سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروب ا بها المثل = ليس بموضع للاستنكار والاستغراب ..»، ومفاتيح الغيب (1/533) وعبارته: « ... أورد هنا شبهة أوردها الكفار قدح ا في ذلك وأجاب عنها »، وبدائع التفسير لابن القيم ( 1/298) وعبارته « :هذا جوب اعتراض اعترض به الكفار ...»، وفتح القدير1/146) وعبارته: «أنزل الله هذه الآية رد ا على الكفار لما أنكروا=

عدد الصفحات ٥٤

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 188 وأوردوا بعض الآثار الضعيفة عن السلف مفادها: أن الآية نزلت ؛ لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت(1)،وهو ما يشير إليه ظاهر الآية. وقد ثبت عن أبي العالية والربيع بن أنس (2) في هذه الآية أنه قال : «هذا مثل ضربه الله للدنيا: أن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن؛ إذا امتلأوا من الدنيا ري ا أخذهم الله عند ذلك» (3). وإذا تأملتَ كلام أبي العالية والربيع وجدت صعوبة كبيرة في كونه مراد ا بالآية ولذا قال ابن عطية: «وقال قوم: هذه الآية مثل للدنيا، وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى »(4). ورغم التوافق الظاهر بين ألفاظ الآية واعنى الوارد بأسانيد ضعيفة من جهة، والبعد الظاهر بين ألفاظها وبين قول أبي العالية والربيع الوارد بالسند الصحيح من جهة أخرى؛ إلا أني وجدت بعض الفضلاء ممن نهجوا نهج تجريد التفسير من الضعيف لم يذكر إلا قول أبي العالية والربيع، ولم يشر من قريب أو بعيد للمعنى الآخر؛ رغم وضوحه واتساقه مع الآية وإشارتها إليه، وكونه أصح في معنى الآية ونظمها من قول الربيع. =ما ضربه سبحانه من الأمثال»، وتيسير الكريم الرحمن (ص: 46) وعبارته: « وكأن في هذا جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على الله في ذلك فليس هذا محل اعتراض ». وينظر كذلك : تفسير أبي السعود(1/96)، و التحرير والتنوير (1/357.) (1) الطبري1/177)، ابن أبي حاتم1/68)، الدر المنثور1/88 .) (2 )أخرجه ابن أبي حاتم1/68) بإسناد حسن (3) الطبري (1/177)، ابن أبي حاتم1/68.) (4) المحرر الوجيز1/110 .)

عدد الصفحات ٥٥

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 189 إضافة إلى أن كثا من الآثار الضعيفة الواردة في التفسير تكون موافقة للمفهوم من ظاهر الكلام ؛ فيكون الأثر الضعيف في مثل هذا مؤكد ا للمعنى الذي دلت عليه ألفاظ الآية، ويكون توافقه مع دلالة الآية قرينة على صحة معناه وإن لم يثبت إسناده. وقد صرح الطوفي بهذا المعنى فقال: «فإن كان ما ورد في التفسير من الأحاديث الضعيفة والتواريخ موافق ا للمفهوم من ظاهر الكلام، أو فحواه، أو معقوله؛ حمل الكلام على ما فهم منه، وكان الخبر الضعيف ونحو ه مؤكد ا لما استفيد من اللفظ»(1). الثاني: أنه لو تم التسليم بصحة ذلك التجريد = للزم المتصدي له أن يتعرف أولا غرض العالم الذي يريد تجريد كتابه من إيراده كل أثر ، بحيث لا يحذف أثر ا إلا وقد علم غرض المصنف من إيراده وكيفية إيراده له، ثم ينظر كذلك في عاقبة حذفه للأثر إلى غير ذلك ، ولو حاول ذلك وعاناه لأبصر بعينيه حقيقة الجناية التي تقع على المصنفات وأصحابها بدعوى التصحيح. الثالث: أن فيه مجافاة وغفلة ظاهرة عن طبيعة مرويات التفسير وظروف نشأتها ودرجات الاهتمام بها ، الذي كان له انعكاس واضح على كيفية التعامل معها كما سلفت الإشارة إليه؛ فعلم التفسير يغلب على منقولاته الضعف، والضعف منصب على الرواية لا على المعنى، ومعظم هذه المعاني صحيحة في الجملة ؛ بل أحيان ا لا يمكن تفسير الآية بدونها، وكذا كثير منها وإن لم يثبت عن قائل بعينه فهو ثابت عن السلف، وكذا يستحيل أن ترتفع مروياته إلى درجات مرويات العقائد والأحكام، فتجريد التفسير من الأسانيد الضعيفة ذات المعاني الصحيحة إهدار لتلك المعاني، وهدم للتفسير، وعدم اعتبار للغالب عليه، وإلغاء لمقاييسه، واستبدال لها بمقاييس (1) الإكسير في قواعد التفسير (ص: 41) بتصرف يس.

عدد الصفحات ٥٦

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 190 أخرى، ومجافاة لطبيعته التي ينبغي أن يعامل على وفقها ووزانها، و يكن هذا الصنيع من مناهج الأئمة الذين كانت لهم دراية بأصول الحديث والتفسير، وهم المرجوع إليهم، والمعو ل عليهم في مثل هذا، وصنيعهم حجة على من جاء بعدهم، فلماذا لا يسعنا ما وسعهم ؟! الثالثة: التفريق بين رواية الراوي ورأيه؛ ينبغي التفريق بين رواية الراوي ورأيه، فهناك فرق بين أن يكون الراوي ناقلا للتفسير، وبين أن يكون مفسر ا؛ ففي حال النقل والرواية قد يؤثر ضعفه على روايته ونقله؛ لكنه في حال كونه مفسر ا لا يؤثر جرحه على رأيه في التفسير «فالتفريق بين الحالين هو الصواب، فتضعيف مفسر من جهة الرواية لا يعني تضعيفه من جهة الرأي والدراية؛ لذا يبقى لهم حكم المفسرين المعتبرين، ويحاكم قولهم من جهة المعنى،فإن كان فيه خطأ رمدَّ ، وإن كان صَ وَ اب ا قمب لَ. وإذا تأمَّلتَ هذه المسألة تأم لا عقلي ا؛ فإنَّه سيظهر لك أنَّ الرأي لا يوصف بالكذب إنما يوصف بالخطأ، فأنت تناقش قول فلان من جهة صحته وخطئه في المعنى، لا من جهة كونه كاذب ا أو صادق ا؛ لأن ذلك ليس مقامه، وهذا يعني أنَّك لا ترفضم هذه الآراء من جهة كون قائلها كذاب ا في الرواية، إنما من جهة خطئها في التأويل ... وغياب هذه القضية يوقع في أمرين: الأول: طرح آراء هؤلاء المفسرين، وهم من أعلام مفسري السلف. الثاني: الخطأ في الحكم على السند الذي يروى عنهم ؛ فيحكم عليه من خلال الحكم عليهم، وهم هنا ليسوا رواة فيجري عليهم الحكم، بل القول ينتهي إليهم، فأنت تبحث في توثيق من نقل عنهم»(1) لا في حالهم هم فكون الشخص ضعيف ا في الرواية لا يعني عدم قبول أقواله في التفسير؛ إذ ضعفه مختص بروايته لا برأيه. (1) مقالات في علوم القرآن (ص305 :306.)

عدد الصفحات ٥٧

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 191 الفصل الثاني مرويات التفسير؛ المحددات والقرائن وتطبيقات المحررين وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير تجري الروايات التفسيرية على سنن المنهج الحديثي في بيان ثبوتها عن قائلها أو عدم ثبوتها، فهي دائرة في فلك ما سبق تقريره، ولا ينبغي تعميم الحكم عليها بالتشدد مطلق ا أو التساهل مطلق ا كما هو الشائع ؛ وإنما ينبغي أن يكون الحكم منضبط ا بمجموعة من المحددات، التي تحدد حالات التشدد ودرجاته، وكذا حالات التساهل ودرجاته، وهذه المحددات الآتي ذكرها هي ذات المحددات التي سبق بيانها، التي على أساسها تختلف آليات التعامل ودرجات التشدد والتساهل مع معظم المرويات. المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير: أولاً : مضمون الخبر التفسيري: إذ هو أحد المحددات التي تبين آلية التعامل مع مرويات التفسير من حيث القبول والرد، أو التشدد و التساهل، وهذا يستدعي تصنيف مرويات التفسير بحسب مضامينها وموضوعاتها قبل إصدار الحكم عليها؛ فليس الأمر فيها كلها سواء، وليس هذا تقرير ا يفترضه البحث ؛ بل هو صريح ما نص الأئمة عليه، لما فرقوا بين ما يتعلق به حكم وما لا يتعلق، وبين ما كان في مسائل الحلال والحرام وما لم يكن . والناظر إلى مرويات التفسير سيجد مضامينها لا تخرج غالب ا عما يأتي:  ما له تعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته  ما له تعلق بأحكام الحلال والحرام.  ما له تعلق بالغيبيات، ولا يمكن أن يقال بالرأي.  ما كان تفسيره معتمد ا على لغة العرب.

عدد الصفحات ٥٨

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 192 فلا ينبغي التسوية بين كل هذه المضامين في التشدد أو التساهل؛ بل يتشدد فيما نص الأئمة على التشدد فيه ، ويتساهل فيما نص الأئمة على التساهل فيه بعد فهم التشدد والتساهل على وجههما. ويكفينا هنا الاستشهاد بكلام البيهقي السابق ذكره ؛ حيث ق ال في معرض تصنيفه للرواة: «وضرب لا يكون راويه متهما بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول؛ فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملا في الأحكام... وقد يستعمل في الدعوات والترغ يب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم». وهو كلام مفيد جد ا في تحرير محل التساهل في هذه العلوم، وأن التساهل لا يجري في جميع مروياتها بل يختص بما لم يكن له تعلق بحكم . فمرويات المغازي والتفسير وغيرها يتشدد فيها إذا تعلقت بحكم، ويتساهل فيها إذا لم تتعلق بحكم، وبه تعرف خطأ تعميم الحكم عليها بالتساهل أو التشدد مطلق ا. إذن فليس الإشكال في نقل نصوص العلماء في التساهل أو التشدد، وإنما هو في تكييفها وتنزيلها على محالها بعد تحرير مرادهم بالتشدد والتساهل وقد سبق بيانه. ثانيً ا: المفس ر: لمعرفة المفسر أث ر في تحديد آلية التعامل مع التفسير المروي عنه من حيث القبول والرد، أو التشدد و التساهل؛ ذلك أن التفسير المروي عن رسول الله × لا يستوي مع تفسير من دونه، لكون المروي عنه عند ثبوته ساا من الخطأ، ولكونه لا تجوز مناقضته ولا معارضته، بخلاف غيره، وإذا كان المحدثون يفرقون في درجة التشدد والتساهل في حديث رسول الله × نفسه؛ فإن التساهل في المروي عمن دونه من باب أولى، ولا يعني هذا أن الأصل التساهل في كل المروي عما عدا رسول الله ×، ولكنه أمر نسبي يتفاوت صعود ا ونزولا بحسب مجموعة من

عدد الصفحات ٥٩

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 193 المحددات والعوامل، إلا أن مراعاتهمع نسبيته عند التضلع بثبوت الخبر عن المفسر أو عدم ثبوته من الأهية بمكان. ثالثً ا: راوي الخبر التفسيري: من أهم المحددات المتحكمة في ثبوت الرواية التفسيرية راوي الخبر، ويرتبط بهذا المحدد عدة أمور:  طرح رواية الكذاب وعدم الاعتماد عليها مطلقً ا: قال البيهقي في معرض تصنيفه للرواة مقرر ا ذلك: «وضرب رواه من كان معروف ا بوضع الحديث والكذب فيه، فهذا الضرب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وجه الت ليين»(1).  تسويغ التخفف في الرواة فلا يشترط الأئمة في رواة التفسير فيما لا يتعلق به حكم ما يشترطون في ر واة الأحكام والعقائد ؛ بل يسوغون رواية مَن دون الثقات من رواة التفسير ممن لم ينزل حالهم إلى درجة الترك طالما سلمت الرواية من الخطأ.  مراعاة القرائن المحتفة بحال الراوي: للقرائن المحتفة بالراوي أثر كبير في نقد مروياته؛ ذلك أن إطلاقات الأئمة في الجرح والتعديل لا تتنزل دوم ا على كل مرويات الراوي ولا كل أحواله، وإنما يحصل التفاوت فيها بحسب قيام القرائن أو تخلفها، فقد يتوافر لبعض مرويات الراوي الضعيف من القرائن ما يقوي قبولها، ويدفع الخلل المتوقع من قبلها، كاختصاصه بعلم ما، أو ظهور موافقته لغيره من الرواة... إلخ من القرائن التي سيأتي بيانها.    (1) دلائل النبوة للبيهقي1/33 ).

عدد الصفحات ٦٠

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 194 المبحث الثاني: القرائن المختصة بمرويات التفسير وغثرها لما كانت الرواية نشاط ا إنساني ا لم يكن من الممكن إخضاعها لمقاييس مادية ومعادلات رياضية، ولذا فإن قواعدها العامة وأطرها الكلية هي الشي ء الثابت الوحيد الذي تنتظم كل الجزئيات في فلكه، وتدور في إطاره وتبقى هذه الجزئيات داخل هذا الفلك متفاوتة في صعودها ونزولها وشدتها وضعفها، كما سبق التأكيد على ذلك، وهذا التفاوت منشؤه وسببه القرائن المحتفة بالرواية والراوي، وهذه القرائن هي التي تكون دقة الحكم النقدي بالصحة أو الضعف مؤسسة عليها؛ فهي بمثابة ميزان الذهب البالغ أعلى درجات الدقة في وزن ذرات الذهب الصغيرة قبل أجزائه الكبيرة، ولذا من أغفل هذه القرائن ولم ينتبه إليها ولم يستعملها في محلها؛ فلن يفهم منهج النقاد فضلا عن أن يطبقه. وبعض ما يأتي من قرائن يؤثر في الحكم بالثبوت، أو يبين طريقة وآلية الحكم بالثبوت، أو يبين الثبوت عن مجموع السلف لا عن فرد منهم بعينه ، أو يبين كون الخطأ المخوف منه مندفع عن معنى الرواية ؛ فيثبت به صحة مضمونها وإن كنا لا نستطيع الحكم بثبوتها. وهذه القرائن في الجملة؛ منها ما يكون مشترك ا بين المرويات كافة، ومنها يختص بعلم دون علم أو برواية دون رواية أو براو دون راو ، وسيعرج البحث على بعض ما يتعلق بمرويات التفسير منها وإن كان بعضها قد يتعلق به وبغيره: القرينة الأولى: الاختصاص: والمقصود به اختصاص الشخص بعلم ما أو براو معين أو بمروي ات بلد معين ؛ وهذه سنة جارية في عموم الخلق بحكم العجز البشري عن بلوغ الغاية وتحصيل البراعة في كل الفنون والعلوم، فقد نقل الذهبي كلام النقاد في عاصم بن أبي النجود ثم قال: «كان عاصم ثبتا في القراءة، صدوق ا في الحديث، وقد وثقه: أبو زرعة، وجماعة، وقال أبو حاتم : محله الصدق، وقال الدارقطني: في حفظه شيء -يعني: للحديث لا للحروف- وما زال في كل وقت

عدد الصفحات ٦١

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 195 يكون العالم إماما في فن مقصر ا في فنون. وكذلك كان صاحبه حفص بن سليمان ثبت ا في القراءة، واهي ا في الحديث، وكان الأعمش بخلافه، كان ثبت ا في الحديث، لين ا في الحروف؛ فإن للأ عمش قراءة منقولة في كتاب (المنهج) وغيره، لا ترتقي إلى رتبة القراءات السبع، ولا إلى قراءة يعقوب وأبي جعفر»(1). وهو كلام محرر جمع فيه الذهبي بين أكثر من شخص بلغ من الثقة والقوة في فن وصار عمدة فيه ولم يبلغ تلك المنزلة في الفن الآخر. واختصاص الراوي بع ل م ما وكثرة اشتغاله به، أو بشيخ ما وكثرة ملازمته له= قرينة من أهم القرائن التي يسلط النقاد عليها أنظارهم ويبنون أحكامهم؛ ذلك أن اختصاص الراوي دافع للخطأ المظنون من ق بَله، ومسوغ لقبول روايته الحاصل فيها الاختصاص وتصحيحها بل للاحتجاج بها ؛ لأن الضعف المجروح من قبله الراوي إنما هو حكم عام على مروياته في الجملة، يستثنى منه المرويات التي قو ت القرائن المساندة لها صحتها وعدم تسلل ما عند الراوي من خلل لها. وهذه القرينة كما هو واضح لا تقتصر على الاختصاص بمرويات التفسير فحسب؛ بل تشملها وتشمل غيرها، وإنما ننبه على التف سير من ذلك خاصة لخصوصية البحث. وقد نص الخطيب البغدادي على أثر هذه القرينة في التفسير، فقال: «إلا أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير، فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه»(2). (1) سير أعلام النبلاء5/260). (2) الجامع لأخلاق الراوي2/194).

عدد الصفحات ٦٢

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 196 فقد بين الخطيب أن سوء الحفظ المجروح به الراوي لا ينسحبعلى كل مروياته ؛ بل يستثنى منها ما كثر اشتغال الراوي به وطال اختصاصه به، لكون طول الاختصاص وكثرة الاشتغال دافعة للخطأ المخوف من قبل سوء الحفظ غالب ا. قال الطريفي: «فينبغي على المتعلم لهذا الباب أن يعلم أن بعض الرواة في التفس لا يكون له عنايةٌ إلا بشخص واحد، فعليه المدار؛ سواء ممَّا لا ينسبه من التفسير، أو ما ينسبه لذلك الشخص؛ فالربيع بن أنس لم يرو في التفسير إلا عن أبي العالية فقط، ليس له رواية عن غيره، وليس له عناية بغيره، كذلك الس د ي ليس له رواية - على الإطلاق - في التفسير إلا عن عبد الله بن عباس، وعن ابن مسعود شيئ ا يسير ا، وإن لم ينسبه فهو عنهما في الأغلب؛ فإن نفسه هو نفس عبد الله بن عباس، وكذلك فإن جل تفسيره من طريق أسباط بن نصر»(1). القرينة الثانية: الخطأ في التفسير فيما كان سبيل بيانه لغة العرب نادر أو مأمون الجانب: إذا كان الخطأ هو الذي يحذر النقاد من تسلله للرواية؛ فمن الطبيعي أن لواقع الزمن أثر ا في نسبة وقوع هذا الخطأ ونوعه في الآثار المروية، ولما كان معظم المروي في التفسير سبيل بيانه لغة العرب باعتبارها هي المعتمد عليها في بيان معانيه، وكانت أزمنة الرواية لا تزال الفصاحة فيها فاشية واللحن فيها مستبشعا ظاهر ا ينكره العامة قبل الخاصة = كان الخطأ من هذه الناحية نادر ا أو مأمون الجانب؛ فإن وقع كان ظاهر ا بل مفضوح ا، لا يروج على العامة فضلا عم ن سواهم، فإن النقاد تساهلوا مع المرويات التفسيرية التي من هذا القبيل؛ لأن التشدد خفت دواعيه أو زالت بالأمن من الخطأ. قال البيهقي« :وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما (1) التقرير في أسانيد التفسير (ص71،72).

عدد الصفحات ٦٣

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 197 فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط»(1) . قال الطريفي: «تفسير الضعفاء موافق لوجوه اللغة في الغالب، وبالسبر لمرويات الضعفاء في التفسير؛ فإنها - في الغالب - لا تخالف وجه ا من وجوه العربية؛ فإن خالفت وجه ا فإنها تحم مَل على الوجه الآخر، الذي لا يخالف نص ا ولا حكما ولا أصلا »(2). القرينةالثالثة: تعدد المفسرين القائلين بالمعنى الواحد: وهذه القرينة تفيد في بيان ثبوت أصل المعنى عن السلف ، فلا بد لمن يعالج مرويات التفسير من النظر الشامل للروايات قبل الحكم بنفي ثبوت معنى من المعاني المروية عن السلف في التفسير؛ إذ لا يصح نفي ثبوت المعنى عن جملة السلف لمجرد أن أسانيد كل رواية ضعيفة عم ن نسبت إليه، إذ كثير ا ما تتعدد الأسانيد الواردة عن السلف في معنى آية، وهي على تعددها تأتي لمعنى واحد أو متقارب، وإن اختلفت الألفاظ المعبر بها عن هذا المعنى، فيمش ع ر تعدد الطرق أن لهذ ا المعنى أصلا عن السلف، فالناظر في الأسانيد الواردة عن السلف لا يسوغ له أن يصرح بعدم ثبوت معنى عن السلف لمجرد ضعف كل رواية على حدة، بل ينبغي عليه أن يجمع الطرق والأسانيد ثم ينظر في المعنى الذي دل عليه مجموع هذه الروايات ؛ فإن كان المعنى متحد ا أو متقارب ا - وهذا كثير - حكم بثبوت هذا المعنى عن السلف، إذ تعدد الطرق للمراسيل والمنقطعات التي هي الغالبة في التفسير، والنظر في الشواهد وما إلى ذلك مما يزيد في الطمأنينة إلى كثير من هذه الأخبار والنقولات. وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ومعلوم أن المنقول في التفسير (1) دلائل النبوة للبيهقي1/37 ). (2) التقرير في أسانيد التفسص: 24).

عدد الصفحات ٦٤

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 198 أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم ؛ ولهذا قال الإمام أحمد : «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي »، ويروى: ليس لها أصل ؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل... والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصد ا أو الاتفاق بغير قصد؛ كانت صحيحة قطع ا، فإن النقل إما أن يكون صدق ا مطابق ا للخبر، وإما أن يكون كذب ا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه؛ فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدق ا بلا ريب. فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المخبرين لم يتواطؤوا على اختلاقه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاق ا بلا قصد؛ علم أنه صحيح ... وبهذه الطريقة يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات؛ وإن لم يكن أحدها كافي ا؛ إما لإرساله، وإما لضعف ناقله، ولكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريقة، بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق ... وهذا الأصل ينبغي أن يعرف فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك »(1). فقد نب ه على أن تعدد الطرق وتوافقها على الإ خبار عن المعنى طريق للجزم بثبوت هذا المعنى وصحته؛ وإن كان كل طريق منها ضعيف ا باستقلاله، ومثل هذا التعدد لا تضبط به الألفاظ والدقائق فهذا شأنه شأن آخر، وأما ما كان النظر فيه للمعنى المنقول دون مجرد اللفظ كالتفسير؛ فإنَّ تعد دَ الطرق الضعيفة ضعف ا محتملا في مثله كاف لإثبات المعنى المنقول والجزم به عن السلف ؛ وإن لم يمكن الجزم بنسبته لآحادهم. (1 )مقدمة في أصول التفسير (ص48 :53) بتصرف

عدد الصفحات ٦٥