المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في نقد أسانيد التفسير

محمد صالح محمد سليمان

صفحة ٣ من ٦

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 167 عن اسناد لكى يأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا حديث أهل البدع»(1) ؛يصو ر محمد بن سيرين بعبارته هذه أثر الأحداث والمستجدات في استحداث آليات جديدة لصيانة السنة وحفظها من عبث العابثين، وذلك أن الزمن الأول كان زمن إيمان واجتماع فكان الكذب منتف عن جملة أهله، وكانت الروايات في مأمن؛ فلما تبدل الحال استدعى ذلك مزيد ا من الدقة والتحري لدفع شرر الكذب والاختلاق الناشئ، فسأل نقلة العلم وحملته عما لم يكونوا يسألون، ودققوا فيما لم يكونوا يدققون، ووجدوا في الإسناد بغيتهم، فاعتمدوه آلية في نقل الأخبار. ومما يبين جدة استعمال آلية الإسناد في زمانهم تلك الرواية التي ساقها الرامهرمزي بسنده عن الشعبي، عن الربيع بن خثيم قال: «من قال لا إله إلا ا وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فله كذا وكذا ، وسم ى من الخير »، قال الشعبي : فقلت: مَ ن حد ثك؟ قال: عمرو بن ميمون ، وقلت: من حدثك؟ فقال: أبو أيوب صاحب رسول الله ×،قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد(2). وبدأت آلية الإسناد في الدخول إلى ساحة المرويات ؛ لتؤدي مهمتها في حفظ السنة وصيانتها من عبث العابثين واختلاق المختلقين وانتحال المبطلين، ثم صارت آلية الإسناد أصلا معتمد ا في نقل كثير من مرويات الشريعة مما هو من أقوال الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم. وجدير بالذكر هنا في ختام الحديث عن تلك الجهة الإلماح إلى عدة أمور:  خلو واقع الرواية في الأزمنة الأولى من الكذب والبدع كان أحد المستندات التي سوغت للبعض قبول مراسيل كبار التابعين، وهذا مما يؤكد أهية الوعي بالواقع وأثره في الرواية. (1 )كتاب العلل الصغير للترمذي المطبوع بآخر جامعه6/234). (2) المحدث الفاصل1/208).

عدد الصفحات ٣٤

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 168  أن وظيفة الإسناد بيان«اتصال النسب العلمي بين راوي الشيء وصاحب الشيء المروي، حتى يثبت العلم بذلك المروي على وجه من الصحة»(1).  أن مدار الحكم بصحة الرواية وإن كان مرتبط ا بالإسناد إلا أنه ليس منحصر ا في الإسناد، ولا يستقل به الإسناد كما هو ظاهر كثير من التطبيقات المعاصرة؛ بل في حصره في الإسناد تقزيم لمنهج النقد الحديثي وتشويه لصورته، لأن النقاد كان نظرهم كما سبق إلى أركان الخبر الثلاثة متفرقة ومجتمعة، فينظرون إلى كل ركن منها على حدة ولا يتجاسرون بإصدار الحكم وفق النتائج الجزئية التي أفرزتها النظرة إلى كل ركن؛ بل يعيدون النظر إليها مرة أخرى مكتملة ويلمحون ما بينها من ارتباط وتأثر وتأثير وتنافر وتقار ب، فيعلون المتن بالسند ، ويعلون السند بالمتن... إلخ مما سبقت الإشارة إليه. الفرع الثاني: تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية : إن الإسناد وإن كان عاملا مشترك ا بين كثير من المنقولات في العلوم الشرعية واللغوية؛ إلا أن درجة الاعتماد عليه واعت باره وسيلة لنقد المنقولات تتفاوت بتفاوت العلوم والفنون، وكلام الأئمة في التشدد والتساهل في المرويات السابق ذكره هو تجسيد حقيقي لهذا التفاوت الحاصل في توظيف الأسانيد ودرجات الاعتماد عليها، كما أن هناك أنواع ا من المرويات كان الإسناد فيها مجرد زينة على حد عبارة الخطيب البغدادي الذي عقد بابا بعنوان: «ما لا يفتقر كتبه إلى الإسناد»؛ قال فيه: «وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء؛ فالأسانيد زينة لها، وليست شرط ا في تأديتها »(2)،ثم روى بإسناده أن رجلا خراساني ا كان «جالسا عند يزيد بن هارون يكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، (1 )تاريخ آداب العربية1/187.) (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي2/213 )، ت : د . محمود الطحان.

عدد الصفحات ٣٥

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 169 فقيل له: ما لك لا تكتب الإسناد؟! فقال: «أنا خانه خواهم نبازار»؛تفسيره قال: «أنا للبيت أريده لا للسوق»، قال الخطيب: «إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ؛ فلا بأس بما فعل، وإن كان ذلك من أحاديث الأحكام، وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط أسانيده ؛ لأنها هي الطريق إلى تبيينه، فكان يلزمه السؤال عن أمره، والبحث عن صحته »(1)، ولذا «فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذي ينقلون ب ه أحاديث النبي ×؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها، فإبرازه لم يكن دائما لأجل الاعتماد الكلي عليه في نقد ذلك المنقول»(2)،وقد أشار الرافعي إلى هذا الملمح، فبعد أن ذكر العناية بأسانيد الحديث النبوي وتشديد العلماء في قبولها وفي أحوال رواتها ونق لتها؛ قال مبينا الفارق بين حال الإسناد ووظيفته في نقل السنة وبين حاله ووظيفته في نقل الأدب: «ذلك شأن الإسناد في الحديث وعنايتهم بحفظه؛ أما الإسناد في الأدب فلا يراد منه إلا توثيق الرواية وإثبات صحتها، وضمان عهدتها، لا أن يطلب الراوية بذكر الإسناد حكاية ما يرويه على أنه معدل، وإثبات ما يسنده على أنه إلى مقنع؛ فإن اللغة ترجع إلى أقيسة معروفة، وإن ما شذ عن هذه الأقيسة موضوع قطع ا إلا أن يحمل عن الثقة، أو ينفرد به أهل الكفاية فيوردونه على أنه من الأفراد والنوادر؛ وإن الشعر والخبر قد فشا فيهما الكذب والتوليد منذ القرن الأول، ونشأ كثيرون من الرواة يشدون من العلوم الموضوعة، وينفقون من الأخبار المكذوبة، ويموهون بمزج هذه الأمور على الناس، ويخترعون الأشعار الكثرة عند مناقلة الكلام وموازنة الأمور؛ ومع ذلك فلم يعن بأمرهم أهل التفتيش والتحقيق من العلماء، إلا حيث يكون الخبر أو (1) الجامع لأخلاق الراوي2/214.) (2) الأخبار التاريخية للشريف حاتم ، مقال منشور بمكتبة موقع ملتقى أهل الحديث

عدد الصفحات ٣٦

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 170 الشعر مظنة الشاهد وموضع المثل، فهناك يضربون دونه الإسناد؛ مخافة أن يجري شيء من العلوم التي هي قوام الأصلين من الكتاب والسنة؛ فحيث وجدت المعنى الديني تجد التثبت والتحقيق الذي لا مساغ فيه إلى خطرات الظنون، فضلا عن فَرَطات الأوهام؛ ومتى انتفى هذا الم عنى عن شيء فأمره عندهم بحساب ما يدور عليه... والأسانيد في الأدب قصيرة؛ لأن الرواة ما زالوا يحملون عن العرب قرون ا بعد الإسلام ، ومن حمل شيئ ا فهو سنده؛ ثم إن الرواية قد درست بعد القرن الخامس على أبعد الظن، ولم يبق إلا بعض الأسانيد العلمية كما سيجيء؛ فكان عم م ر الإسناد ثلاثة قرون على الأكثر ، دع عنك ما كان من شأنهم في هذا الإسناد؛ فإن الصدور منهم يكتفون بالنسبة غالب ا -وهي بعض طرق الرواية كما ستعرفه - فيقولون: روينا عن فلان، وحمد ثنا عن فلان، ويكون بين الراوي والمروي عنه جيلان وأكثر. بيد أن كل ذلك لا يدفع الثقة بما يرويه أهل الضبط والتحصيل منهم، وهم قوم معدودون يعرفونهم بالعدالة؛ ثم لأنهم يأخذون عن الثقات، ولأن أكثر ما يروونه لا وجه للخلاف فيه، وإذا اختلفوا في شيء فلا يكون ذلك قادح ا فيهم؛ لأن مظنة الخلاف إنما تكون في ضعف الرواية أو الراوية»(1). إن دراسة حال ال ناس في الأزمنة الأولى من حيث علاقتهم بالفنون والعلوم وحصول بعضها سليقة وبعضها اكتساب ا... إلخ، وكذا دراسة واقع العلوم ومراتبها ومعرفة معاييرها في القبول والرد وإدراك التفاوت الحاصل في ذلك كله = له أثر بالغ في التعامل مع المرويات، وإهاله وإغفاله موقع في الخ طأ والخلل ؛ ذلك أن نشاط الرواة في حفظ الأسانيد وضبطها لم يكن على درجة واحدة في كل المرويات، بل تفاوت اهتمامهم باختلاف دوافعه ومنطلقاته ومؤثراته، والتي يمكن رصد (1) تاريخ آداب العرب للرافعي1/192).

عدد الصفحات ٣٧

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 171 أبرزها فيما ي أولها: قائل الخبر: تفاوت نشاط الرواة بحسب قائل الخبر وجلالته، ولذا كان معظم نش اطهم في ضبط الأسانيد وحفظها وروايتها متجه ا إلى تحقيق الغاية التي من أجلها كان الإسناد وهو ضبط المنقول عن رسول × خاصة، وتمييز الثابت من غير الثابت عنه ×؛ لأن عليه مدار الدين، وقيام مصالح العباد، وضبط أحكام المعاش والمعاد، بخلاف غيره، ولم يكن نشاطهم لحفظ المروي عن سواه كنشاطهم لحفظ المروي عنه ×، ولا يعني ذلك أن ما سواه ضاع كله فلم يحفظ؛ وإنما المراد أن كثير ا من الرواة صرفوا جل اهتمامهم إلى المرفوع خاصة، وقلَّ اهتمامهم بما دونه، ومن دلائل ذلك ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسنده عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري، ونحن نطلب العلم، فقلت: نكتب السنن؛ فكتبنا ما جاء عن النبي ×، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سنة، فقلت له: إنها ليس بسنة، فلا نكتبه، قال: فكتبه، ولم نكتبه؛ فأنجح، وضيعنا»(1). ثانيها مضمون الخبر: تفاوت اهتمام الرواة في نقل الأخبار وضبط أسانيدها ومتونها بحسب مضمونها ؛ فصرفوا جم ل اهتمامهم إلى حفظ وضبط ما به يحفظ الدين، وَ تَ ب ينم به معالمه ، وَ تم ض بَ طم أصوله، وَ تحم فظ به حدوده، وَ تم صان به حقوق المجتمعات والأسر والأفراد ؛ ولذا قال أبو الزناد: «كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع؛ فلما احتيج إليه علمتم أنه أعلم الناس»(2). ثالثها: مدى الحاجة إلى الخبر نشاط الرواة كان مبني ا على الاهتمام بما كثرت حاجتهم إليه؛ لا بما كان حاصلا عندهم ومتحقق ا ومشتهر ا. وإذا كانت الحاجة عموم ا هي الدافع للعمل والمحفز للنشاط والحركة ؛ فإن (1) تاريخ أبي زرعة (ص412). (2 )الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/188.)

عدد الصفحات ٣٨

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 172 العلم وحفظ ه وتفاوت الاهتمام بفروعه مرتبط بذلك الأمر الفطري، ولذا فقد حفظت الأمة في مجموعها ما تقوم به الشريعة في كافة فروع العلم المرتبطة بها؛ إلا أن هذا الحفظ تفاوت بسبب مقدار الحاجة إليه، ذلك أن كثير ا مما يحتاج إليه المتأخرون عن أزمنة الرواية ويرونه بالغ الأهية لم تكن حاجة الناس إليه ماسة في أزمنة الرواية الأولى ؛ بل كان بعضه حاصلا لديهم بالسليقة وبعضه حاصلا بالاشتهار في واقعهم وزمانهم لتلبسهم بشهوده ومشاهدته أو قربهم من زمان ومكان وقوعه، فأغناهم حصوله وشهرته عن المبالغة في طلبه وتتبعه، والتدقيق في حفظه وضبطه كم بالغتهم وتدقيقهم فيما تمس حاجتهم إليه ؛ بل حاجة عموم المكلفين في جميع الأزمنة إلى معرفته وتعلمه من أصول الدين وأصول الأحكام، فانصرفت كثير من الجهود في الأزمنة الأولى إلى حفظ ما مسَّت الحاجة إلى روايته ونقله، واشتغل جم ل الثقات وكبار الحفاظ بذلك، ولك أن تتأ مل هذا في أبواب السير والمغازي والتفسير مثلا ، وكيف أن كثير ا من كبار المحد ثين وأئمة الرواية انعدمت الرواية عنهم في هذه الأبواب أو قل ت مقارنة بمروياتهم الكثيرة في أبواب أخرى. فمن أمثلة ما أغنت شهرته وذيوعه عن التدقيق فيه والمبالغة في تمييز صوابه من خطأه: المغازي والس يرَ ؛ فهي مع ما تحمله من عوامل الذيوع والانتشار في ذاتها باعتبارها القصصي = فقد كانت موطن ا للفخر والاعتزاز ، ينقلها العالم للجاهل والصغير للكبير حتى بلغ الأمر أن قال علي بن الحسين: «كنا نعلم مغازي رسول الله × كما نعلم السورة من القرآن»(1). وقال إسماعيل بن محمد بن سعد: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول ا × وسراياه ويعدها علينا ؛ ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها »(2). وهو ما (1) المصدر السابق. (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/195.)

عدد الصفحات ٣٩

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 173 أدى إلى انشغال جمل العلماء والحفاظ والرواة بالتدقيق في غيرها لندرة الخطأ المتوقع من جانبها، وللقدرة على تمييزه بعد وقوعه لكثرة شيوعه واشتهاره. ومن أمثلة ما كان حاصلا عندهم بالسَّ ج ي ة والطبيعة فلم تكن الحاجة ماسة له ولم يكن الخطأ مخوف ا من قبله: تفسير القرآن فيما كان بيانه حاصلا بلغة العرب؛ لأن الأصل أن القرآن مفهوم لهم بمجرد سماعهم له إلا ما كان فيه بيان خاص من الشارع؛ وقد بَ ينََّ هذا البيهقي بقوله «وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط»(1)،فالخطأ الواقع هنا مأمون جانبه ؛ لأنه يظهر بطلانه وخطؤه للصغير والكبير والعالم والجاهل. وبناء على ذلك فمن تطلب في هذه الأبواب أعلى الأسانيد وأجودها، أو ابتغى أن يكون معظم رواتها من حذاق الحفاظ و كبار الثقات كما هو الحال في العقائد والأحكام = فلن يرجع من ذلك بشيء؛ لأن تطلب مثل ذلك سعي وراء سراب، وتسربل بالخيال، لا لشيء سوى أنه يجافي واقع العلوم وطبيعتها، ولا يراعي نشأتها ومنبتها، ولا ينتبه لتطورها وسيرها، ولا يقف على الدوافع التي نشَّطت حركة الضبط والرواية في بعضها، ولا الموانع التي منعت ذلك في بعضها، ولا يعترف بتعدد معايير القبول والرد وتباينها بين كل هذه العلوم. وأحسب أن عبارة الإمام أحمد المشهو رة: «ثلاثة ليس لها إسناد: التفس ، والملاحم، والمغازي»(2) بحاجة في ضوء ما تقدم إلى النظر إليها من زاوية مختلفة ؛ فقد غلب على كثير من الدراسات المعاصرة نقل الاختلاف فيها بين كونها مراد ا بها المرفوع أو مراد ا بها كتب مخصوصة، كما اعتمدها البعض تكأة لقبول كل ما يروى (1) دلائل النبوة للبيهقي1/37). (2) رواه ابن عدي في الكامل 1/119)، وعنه الخطيب البغدادي في الجامع 2/162) وفي رواية عنه «ثلاثة لا أصل لها».

عدد الصفحات ٤٠

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 174 في التفسير والمغازي والملاحم دون تدقيق ونظر باعتبار أن كل ما فيها ضعيف ؛ لكن البحث هنا يلفت النظر إلى أهية فقه الغاية المقصودة من تلك العبارة وعدم التوقف عند مجرد معناها. وأحسب أن الغاية من تلك العبارة هي الإخبار عن واقع هذه العلوم وطبيعتها، وأن لها نمط ا خاص ا في التعامل معها يباين بقية المرويات، وأنه لا يمكن انفكاكها عن هذا الواقع، ولا يمكن انفكاك التعامل معها تصحيح ا وتضعيف ا عن هذا الواقع، وتأيَّ د هذا عندي بالسياقات التي أورد ابن تيمية فيها تلك العبارة في مواطن مختلفة ؛ فمن ذلك قوله : «... فالمقص ود أن المنقولات الت ي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الامام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغاز ي. ويروى: ليس لها أصل ؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل ، مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعب ي والزهري وموسى بن عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم...» ثم تكلم عن المراسيل و حكمها وآليات قبولها(1). وقال أيض ا: «وأما أحاديث سبب النزول ؛ فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاث علوم لا إسناد لها - وفي لفظ: ليس لها أصل -: التفسير، والمغازي، والملاحم؛ يعني أن أحاديثها مرسلة، والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها...إلخ »(2). وقال أيض ا: «وقال الإمام أحمد: ثلاث علوم ليس لها أصول : المغازي، والملاحم، والتفسير. وفي لفظ: ليس لها أسانيد؛ ومعنى ذلك: أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة؛ فإذا كان الشيء مشهور ا عند أهل الفن قد تعددت طرقه فهذا مما (1) مجموع الفتاوى13/345- 346 .) (2) منهاج السنة7/435.)

عدد الصفحات ٤١

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 175 يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره »(1)؛وظاهر جد ا من السياقات المختلفة التي ساق ابن تيمية فيها تلك العبارة ربطه بينها وبين كون هذه العلوم أغلبها مراسيل؛ ولذا تكلم بعد إيرادها في كل المواطن عن المرسل وآليات قبوله، ثم بين أن هذه المرويات رغم انقطاعها إلا أنها اشتهرت عند المتخصصين وتعددت طرقها ، مما جعل أهل العلم يرجعون إليها ويدققون فيها. وجلي إذ ا أن فقه واقع الزمن الذي نشأت فيه الرواية، واشترطت في نقلها الأسانيد له أثر كبير في معرفة أسس التعامل مع المرويات وفهم منهج المحدثين في قبولها أو ردها؛ ذلك أن هذا المنهج انطلق أساس ا من هذا الواقع وراعى كل جزئياته وكان من الأسس التي قام عليها والتي لا يمكن إهالها مراعاة الواقع الزمني والواقع الإنساني وميوله واحتياجاته ورغباته، ولم يحدث أبد ا نوع تصادم بين منهج المحدثين وبين تلك المرويات في كافة فنون الشريعة. الفرع الثالث: الإسناد وشرط الصحة: لسنا هنا بحاجة إلى تكرير ما سبق ذكره والتأكيد عليه من كون الحكم بالصحة الحديثية لا ينحصر في الإسناد ولا ينفصل عن الإس ناد، وأن نظر الناقد يتجاوز اتصال الإسناد إلى التثبت من عدم تطرق الخطأ للرواية ؛ لأن المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، وإنما المقصود هنا التنبيه على ثلاثة أمور - وخاصة ثالثها - لها أهيتها البالغة في فهم منهج نقاد المحدثين في إصدار الأحكام على أسانيد المرويات. الأمر الأول: أن مصطلح الصحة يتنازعه مع المحدثين غيرهم كالفقهاء والأصوليين، ولكن مفهوم الصحة عند الفريقين مختلف؛ فالمتنازع عليه المفهوم لا المصطلح، وسيأتي بيان ذلك قريب ا. (1) تلخيص كتاب الاستغاثة1/76.)

عدد الصفحات ٤٢

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 176 الثاني الاتصال شرط الصحة: المقصود بالصحة هنا الحكم على الرواية بصحة ثبوتها عن قائلها، والمقصود بالاتصال اتصال الإسناد وخلوه من الانقطاع. وقد اشترط النقاد شروط ا عليها مدار الحكم بالصحة منها اتصال الإسناد، ولذا لا يطلق نقاد المحدثين وصف الصحة الإسنادية على الخبر الذي لم يتصل إسناده؛ لكون قيد «اتصال السند»أحد قيود الحكم بالصحة، فإذا اجتمعت شروط الصحة في الرواية من عدالة الرواة وضبطهم واتصل سند الرواية وخلت من الشذوذ والعلة حكم عليها بصحة ثبوتها عن قائلها. الثالث: المنقطع الذي له حكم المتصل: وهو المقصود أساس ا هنا من هذه الممهدات؛ ذلك أن من المنقطع ما له حكم المتصل، فإذا كان المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصحة الرواية أو غلبة الظن بخطئها = أنتج ذلك أن الخطأ المخوف من وقوعه في الرواية لا ينتفي دوم ا باتصال الإسناد، ولا يثبت دوم ا بانقطاعه، ولهذا فإن النقاد قد يحكمون بضعف ما اتصل سنده، ويجعلون ما انقطع سنده في حكم المتصل لاعتبارات وقرائن أوجبت عندهم ضعف المتصل وصحة المنقطع؛ لأن المدار في الحكم على تحقق صحة النقل عن قائله أو خطئه لا على اتصال سنده. فأما ما ردَّه أهل العلم مع اتصال سنده؛ فذلك مرجعه إلى عدم اكتمال شروط الصحة فيه، وهو أظهر من أن يمثَّ ل عليه دفع ا للإطالة. وأما ما جعل الأئمة له حكم المتصل مع انقطاع سنده فمرده إلى تثبت النقاد من انتفاء الخطأ عن الرواية المنقطعة الإسناد، وأنه رغم انقطاعها إلا أنها احتفت بها قرائن دفعت الخطأ المظنون من قبل انقطاع سندها كمعرفة الواسطة أو اختصاص الراوي... إلخ؛ فقد تخل ف عن الرواية المنقطعة وصفها بالصحة لتخلف شرط الاتصال، ففارقت الصحيح من هذه الجهة واشتركت معه في انتفاء الخطأ عنها، فجعل لها حكم المتصل من تلك الجهة.

عدد الصفحات ٤٣

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 177 قال أبو داود في رسالته «وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدل س، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مقسم»(1) .فقوله: «على معنى أنه متصل »صريح جد ا في كون بعض المنقطعات تمم نَح حكم المتصل. يقول د. إبراهيم اللاحم : «الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت جد ا، فإذا عرف هذا لم يكن مستغرب ا أن نجد في «الصحيح»ما صورته الانقطاع واحتف به ما يجعله في حكم المتصل»(2). وعلى هذا المسلك جرى النقاد في كثير من تطبيقاتهم مع المنقطعات التي يحتف بها من القرائن ما يدفع الريبة والخطأ المخوف من قبل انقطاعها؛ فمن ذلك مثلا : رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، قال ابن تيمية «ويقال إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد الله  فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنه لم يسمع من أبيه»(3). وقال ابن رجب : «قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها وأنه لم يأت فيها بحديث منكر»(4). وظاهر جدا من خلال كلامي ابن تيمية وابن رجب أثر القرائن المحتف ة بالخبر (1) رسالة أبي داود (ص30 .) (2) الاتصال والانقطاع (ص433 .) (3) مجموع الفتاوى6/404 .) (4) شرح علل الترمذي1/544.)

عدد الصفحات ٤٤

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 178 المنقطع في رفعه إلى أن يكون في حكم المتصل؛ من نحو اختصاص الراوي بحديث شيخ معين وإتقانه له، وشهرته بين تلاميذ الشيخ بإتقان روايته ...إلخ، بل بلغ الأمر بقوة القرائن أن قال ابن تيمية في النقل السابق: «فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل إنه لم يسمع من أبيه»(1). ومن ذلك أيض ا: رواية سعيد بن المسيب عن عمر (2)؛ فقد قال الشافعي : «وإذا اتصل الحديث عن رسول ا × وصح الإسناد به فهو سنة ، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، قال أبو محمد ابن أبي حاتم : يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به»(3). وقال ابن أبي حاتم : «سمعت أبي يقول: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل ، يدخل في المسند على المجاز»(4). وقال ابن عبد ال: «ورواية سعيد بن المسيب عن عمر ... تجري مجرى المتصل وجائز الاحتجاج بها عندهم»(5)،و من ذلك أيض ا: رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود(6) وغيرها.    (1) مجموع الفتاوى6/404 .) (2) ينظر مث: التمهيد لابن عبد البر (1/30)، جامع التحصيل1/184.) (3) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 6 .) (4) المراسيل لابن أبي حاتم (ص71 .) (5) التمهيد12/116). (6) ينظر مث : الكامل لابن عدي ( 4/104)، التمهيد لابن عبد ال 1/30)، شرح علل الترمذي (1/452.)

عدد الصفحات ٤٥

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 179 المبحث الثاني: جهة المعنى دائرة قبول الخبر أوسع من دائرة الصحة الثبوتية بمفهوم المحد ثين؛ فقد يقبل المفسرون والفقهاء والأصوليون وغيرهم ما لم يقبله المحدثون، ويحكمون بصحة ما ضعفه المحدثون، لكن مفهوم الصحة عندهم يباين مفهوم الصحة عند المحدثين؛ فصحة الخبر أو عدم صحته عند المحدثين دائرة على ثبوت الخبر عن قائله أو عدم ثبوته، وأما صحته عند غيرهم فلا تنحصر في دائرة الثبوت بل ترتبط به وبغيره من المعايير الأخرى بعد التثبت من صحة معنى الخبر وسلامة مضمونه. وبيان ذلك أن زاوية النظر في المنهج الحديثي على ثبوت الخبر عن قائله بغض النظر عن صواب قوله أو خطئه، فغاية ما يشتغل به الناقد بيان الثبوت أو عدم الثبوت، أما ز اوية النظر عند الفقهاء والمفسرين وغيرهم فلا تحصر القبول في الثبوت؛ بل تقبل الثابت وغيره مما صح معناه وتحكم بصحته ، بل وتحتج به بعد تحقق معايير القبول والاحتجاج فيه. واختلاط زاويتي الاشتغال عند الناظر يوقع في الإشكال واللبس فتختلط عليه الأمور، وقد كان الأئمة على وعي بذلك ولم يجدوا غضاضة في قبول ما صح معناه وإن كان في ثبوته نظر ؛ لتباين الجهتين عندهم ،جهة الثبوت، وجهة القبول والاحتجاج. فهذا الإمام الشافعي يقول : «فاستدللنا بما وصفت م ن نقل عامة أهل المغازي عن النبي × أن«لا وصية لوارث » على أن المواريث ناس خة للوصية للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع عن النبي، وإجماع العامة على القول به»(1). وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن دية الممعَاهَد؟ فقال: على النصف من دية المسلم، أذهبم إلى حديث عمرو بن شعيب. قيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب عن (1) الرسالة (ص137).

عدد الصفحات ٤٦

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 180 أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها روى هذا فقهاء أهل المدينة قديما ، ويمروى عن عثمان »(1). وذكر ابن رجب كلام العلماء في الاحتجاج بالمرسل، ثم قال «واعلم أنه تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب؛ فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا ، وهو ليس بصحيح على طريقتهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرائن. وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرها مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ»(2) . ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر حكمه على حديث بالصحة مع ظهور ضعف إسناده ثم علق بقوله: «حَكَمَ ابن عبد ال - مع ذلك - بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، فردَّه من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى»(3). وقد ذكر السيوطي عن طائفة من العلماء أنه«يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه العلماء بالقبول و إن لم يكن له سند صحيح»(4). يقول الشريف حاتم العو «كان المحدثون يفرقون بين شروط قبول الحديث النبوي وبين تحقق القبول سواء في الحديث النبوي أو في غيره من العلوم الشرعية. (1) أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والف رائض من كتاب الجامع للخلال ( 2/387) برقم (867). (2) شرح علل الترمذي لابن رجب1/543). (3) التلخيص الحب (1/8). (4) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر3/1280).

عدد الصفحات ٤٧

مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 181 ومن أمثلة ذلك أن الإمام الأوزاعي سئل عن المناولة - أن يناول الشيخ الطالب الكتاب - فقال: أتدين بها ولا أحدث بها. فانظر كيف فرَّق بين شروط القبول المطلوبة في الحديث وبين القبول. فقوله: «أتدين بها »؛يعني أنه يقبلها ويحتج بها وإن كان لا يستجيز أن يروي بما أخذه مناولة. وقريب من هذا ما ذكره ابن رجب في مسألة المرسل، ومحاولة الجمع بين مذهب الفقهاء والمحد ثين في هذه المسألة... ولذا لأن من شروط الصحة الاتصال، ولا يعني ذلك أن المحد ثين لا يحتجون بالحديث المرسل المعتضد لكنهم لا يصفونه بأنه صحيح بإطلاق اللفظ الاصطلاحي. إذن هناك فرق عند المحدثين بين الحجة والصحيح، فدلالة لفظ الحجة أوسع من دلالة لفظ صحيح؛ فدلالة لفظ صحيح لها شروط معينة غير دلالة حجة، ولذا فقد يحتجون بأحاديث مراسيل ولا يطلقون عليها لفظ الصحة»(1). فيتحرر من هذا أن لا تلازم في المروي عن غير رسول ا × بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام صحة المعنى التفسيري وصوابه، فقد تكون الرواية في أعلى درجات الثبوت والصحة إلا أن معناها خطأ لا يصح تفسير الآية به، وقد تكون الرواية ضعيفة إلا أن معناها يصح تفسير الآية به، وهذا المبحث وما بعده يفيد في تقييم ظاهرة ج ديدة طفت على الساحة العلمية في الحياة المعاصرة وهي تجريد الكتب من الآثار الضعيفة وإخراج ما يسمى بـ (صحيح التفسير)، (صحيح الفقه)، (صحيح السيرة)، وسيأتي الحديث عن ذلك ضمن تتمات هذا الفصل . (1) محاضرة أسانيد التفسير للشريف حاتم.

عدد الصفحات ٤٨

منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 182 ابحث الثالث: جهة غررا المصنفن من أهم ما ينبغي على الناظر في مرويا ت التفسير وغيرها وبخاصة المتصدي لنقدها = معرفة الغرض الذي من أجله ساق المصنف الخبر ، وكيفية إيراده له ، ومدى تحقيق إيراده لغرضه، وهذا مقام يفارق تمام ا ما سبق الكلام فيه من صحة المرويات أو ضعفها ؛ فليس ضعف الرواية مانع ا للمصنف من إيرادها واستعمالها لغرض يريد بيانه، وليس ضعف الراوي مانع ا من ذكر المصنف لبعض رواياته لغرض يرمي إليه، وليس هذا خاص ا بكتب التفسير بل هو عام في كل تصنيف، فها هو مسلم بن الحجاج لم ا بلغه إنكار أبي زرعة عليه إخراجه حديث أسباط بن نصر وقَطَن بن نمسير وأحمد بن عيسى في صحيحه كان جوابه: «إنما قلت صحيح؛ وإنما أدخلت من حديث أسباط وقَطَن وأحمد ما قد رواه الثقات عَن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول ؛ فاقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات»(1). وعود ا على مرويات التفسير نجد ابن أ حاتم يسأل أباه عن حديث فيجيبه بأنه باطل، ورغم هذا يورده بنفس السند في تفسيره ؛ فقد قال: «وسألت أبي عن حديث رواه معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ قال: سئل رسول الله × عن قول ا :﴿ﭐ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ﴾ [المائدة٥٤]؛ قال: هؤلاء من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب؟ فسمعت أبي يقول: هذا حديث باطل »(2) .وقال التفسير: «حدثنا أبي ثنا محمد بن المصفى، ثنا معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفا عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله؛ قال: سئل رسول الله × »...(3) وساق (1) تاريخ بغداد5/29). (2) علل الحديث لابن أبي حاتم5/25) برقم (1979). (3) تفسير ابن أبي حاتم4/1160.)

عدد الصفحات ٤٩