مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 151 بأن الرواة بَ شرٌَ تعتريهم مجموعة من العوامل والعوارض الزمانية والمكانية والعلمية وغيرها، التي تجعل رواياتهم تتفاوت صعود ا ونزولا ، قوة وضعف ا، ضبط ا ووه ا؛ فمنهم من يعتريه الخطأ لك برَ سن ه أو لمرض لحقه أو لاختلاط عقله أو لضياع كتبه أو لتميزه في حديث بلد دون بلد أو شيخ دون شيخ أو لروايته عن شيخ في وقت أو حال لم يقبل أهل العلم فيه رواية شيخه، أو لغير ذلك من العوامل والعوارض. ولما كان الحكم على الرواة يكتنفه جَ ان بَ ا العدالة والضبط؛ نظر النقاد إلى جانب العدالة فردوا أحاديث كل من سقطت عدالته؛ وكان على رأس هؤلاء : من عمر فَ بالكذب في روايته؛ فردوا روايته ولم يعتبروها في شيء من أمور الدين، قال البيهقي في معرض تصنيفه للرواة مقررا ذلك : «وَضرَ بٌ رواه من كان معروف ا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضر ب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وجه الت ليين»(1). المتمادي في غلطه الذي نَبَّ هَ هم الن قَّ اد على خطئه فلم يرجع؛ فقد «ق يلَ لشم عبة: من الذي يترك الرواية عنه؟ قال: «إذا أكثر عن المعروفين ما لم يعرف من المعروف من الرواية ، أو أكثر الغلط ، أو تمادى في غلط مجتمع عليه ؛ فلم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه ، أو يتهم بكذب . أما سوى من وصفت فأروي عنهم »(2) ، وقال حمزة بن يوسف السهمي في سؤالاته للدارقطني: «وسألته عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نب هوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط»(3) . ولما نظر النق اد إلى جانب الضبط قس موا الرواة إلى أصناف بحسب تفاوتهم في الضبط؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: «المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن؛ فهذا لا (1 )دلائل النبوة للبيهقي1/34 ). (2) الضعفاء للعقي1/13). (3) سؤالات حمزة للدارقطني (ص72).
عدد الصفحات ١٨منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 152 يختلف فيه، وآخر يوهم والغالب على حديثه الصحة؛ فهذا لا يترك حديثه، والآخر يوهم والغالب على حديثه الوهم؛ فهذا متروك الحديث»(1)،والنقاد وإن اعتمدوا ذلك التصنيف في جملته إلا أنهم لم يجعلوه تصنيف ا مطرد ا للرواة في كل رواية وفي كل حال؛ بل عرفوا أن هذا الإجمال يكتنز بداخله كثير ا من التفاصيل الدقيقة والأحوال الجزئية والقرائن الخفية التي تفتقر إليها عملية قبول الحديث أو رده، وذلك ما عبر عنه ابن رجب بعبارته الرائقة التي أصابت المحز« :ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه»(2)؛ ولذا ردَّ أهل العلم ونقاد الحديث بعض أحاديث الثقات وحكموا ببطلانها؛ لأنهم تيقنوا من وقوع الخطأ فيها من قبل الثقات؛ فمن ذلك ما رواه الخطيب بسنده عن محمد بن علي بن حمزة المروزي؛ أنه سأل ابن معين عن حديث رواه نعيم بن حماد، فقال ابن معين : «ليس له أصل قلتم : فنعيم ابن حماد؟ قال: نعيم ثقة! قلتم : كيف يحد ث ثقةٌ بباطل؟!قال: شمب ه له»(3)؛فتوثيق ابن معين لحماد لم يمنعه من تضعيف الخبر، وهو كاف وصريح فيما نحن بصدده والأمثلة على ذلك كثيرة(4). وكما ردَّ النقاد بعض أحاديث الثقات قبلوا بعض أحاديث الضعفاء لاعتبارات وقرائن قامت عندهم على صحتها؛ ولذا كان من أجوبة ابن حجر على من انتقدوا على البخاري روايته لبعض الضعفاء قوله: «وقد تقرر أن البخاري حيث يخرج لبعض مَ ن فيه مقال لا يخرج شيئ ا مما أنكر عليه»(5). (1) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص406). (2) شرح علل الترمذي2/582). (3) تاريخ بغداد13/309). (4) ينظر الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات (ص:82- 102) فقد حشد كثا من الأمثلة على ذلك. (5) مقدمة الفتح1/189).
عدد الصفحات ١٩مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 153 وقال ابن رشيد السَّبتي مخاطب ا الإمام مسلما « :وكذلك أيض ا حَ كَمَ أهل الصناعة فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا؛ فحملوا ذلك على أنه مما رموي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَل موا فيه عند التحديث »(1). ونقل ابن القيم اعتراض ا على مسلم كذلك في إخراجه لبعض الضعفاء في صحيحه، ثم أجاب بقوله: «وَلاَ عَي بَ عَلىَ مم س ل م في إ خ رَاج حَد يث ه ؛ لأ َنَّهم يَن تَق ي م ن أَحَاد يث هَذَا الضرَّ ب مَا يَع لَمم أَنَّهم حَف ظَهم، كَماَ يَط رَحم م ن أَحَاد يث الث قَة مَا يَع لَمم أَنَّهم غَل طَ ف يه »(2)؛وإذ ا «فليس الخوف الذي يعتري الناقد من ذات الراوي؛ بل هو فيما يمكن أن يكون الراوي فعله في الرواية فأفسدها، فإن غاية ما يمكن أن يصن عه الراوي المتروك أو الضعيف جد ا، بل والكذاب في الرواية، هو أن يقلب إسناد ا أو يركب متن ا، وهذا قد يقع فيه هين الضعف ، بل والثقة أحيان ا إذا ما أخطأ؛ فقد يدخل عليه حديث في حدي ث، وقد يقلب فيبدل كذاب ا كان في الإسناد، فيضع مكانه ثقة، خطأ لا عمد ا، وقد يأتي إلى حديث معروف بإسناد ضعيف، فيبدل إسناده بإسناد آخر صحيح، وقد يمسقط من الإسناد كذاب ا أو متروك ا كان فيه، ويم سو ي الحديث ثقة عن ثقة، وَ ه ا لا عمد ا؛ غاية ما هنالك، أن الثقة قل ما يقع منه ذلك، بخلاف الضعيف والمتروك ؛ فإنه كثير ا ما يقع منه ذلك، ولهذا ضعفوا الضعيف، ولم يضعفوا الثقة، وإن كانوا لم يترددوا في الحكم على هذا القليل الذي أخطأ فيه الثقة بالنكارة والبطلان»(3). المطلب الثالث: ارتباط أركان المنهج النق دي بإجراءات وآليات القبول والرد : وسينصب الحديث فيه على التساهل والتشدد اللذي ن يدوران في فلك منهج المحد ثين، ولا يصلح الادعاء بأن المنهج يقوم بأحدها دون الآخر، بوصف منهج (1) السنن الأبين (ص158). (2) زاد المعاد في هدي خير العباد1 /353). (3) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعاتص: 102،103) بتصرف
عدد الصفحات ٢٠منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 154 المحدثين بالتشدد، ووصف منهج المفسرين والمؤرخين بالتساهل ؛ بل منهج المحدثين جامع بين التشدد والتساهل، فما المقصود بهما وما علاقتهما بالقبول والرد؟ التساهل و التشدد وعلاقتهما بمعيار التصحيح و التضعيف ومحدداته: ظهر مما سبق أن ثمة علاقة وطيدة وارتباط ا قوي ا بين معيار القبول والرد من جهة وأركان المنهج النقدي من جهة ثانية ؛ بحيث يصبح فهم التشدد والتساهل خارج تلك العلاقة تخ رصات وظنون ، لا تستند إلى سياقات التشدد والت ساهل ومساقاتها في عبارات الأئمة. ومن العجيب في جم ل البحوث المعاصرة التي تناولت قضية مرويات التفسير والتاريخ أنها تكرر ذكر هذين المصطلحين، ويتبنى كل طرف من الأطراف موقف ا معين ا تجاه المرويات مدعي ا أن موقفه هو ا لتشدد أو موقفه هو التساهل دون بيان لمرادات الأئمة بالتشدد والتساهل، ولذا كان لزام ا ذكر بعض عبارات الأئمة التي ورد فيها التشدد والتساهل والتدقيق في دلالاتها وسياقاتها؛ لعله يظهر لنا مرادهم بجلاء من التشدد والتساهل. فمن ذلك: قول ابن مهدي : «إذا روينا في الثو اب والعقاب وفضائل الأعمال ؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال»(1). وقول سفيان الثوري: «لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعل م الذين يعرفون الزيادة والنقصان ، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ»(2). (1) ذكره الحاكم في المستدرك1/666 .) (2) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي1/134).
عدد الصفحات ٢١مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 155 وقوله: «خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل من المشيخة؛ فأما الحلال والحرام فلا تأخذوه إلا عم ن يعرف الزيادة فيه من النقص»(1). وقول ابن عيينة «لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره»(2). وقول الإمام أحمد : «إذا روينا عن رسول ا × في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي × في فضائل الأعمال وما يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد»(3). وقوله في محمد بن إسحاق «أما في المغ ازي وأشباهه فيمكتَب، وأما في الحلال والحرام فيمحتَاج إلى مثل هذا. ومدَّ يده وضمَّ أصابعه »(4). وقال ابن أبي حاتم بعد ذكره لأوصاف أهل العدالة من الرواة«هؤلاء أهل العدالة؛ فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجري أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرص ا، وأهل الكذب وه ا، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ ؛ فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إن كذب فكذب، وإن وهم فوهم، وان غلط فغلط ، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه»(5). (1) الجامع لأخلاق الراوي2/91). (2) الجرح والتعديل2/435) . (3) الكفاية للخطيب البغدادي (1/134.) (4) الجرح والتعديل7/193)، وبنحوه الدوري في تاريخ ابن معين (3/60 .) (5) الجرح والتعديل1/6 .)
عدد الصفحات ٢٢منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 156 وقال أيضا عند الكلام عن مراتب الرواة: «فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث ؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال. ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه ؛ فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه. ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيان ا وقد قَ ب لَ هم الجهابذة النقاد؛ فهذا يحتج بحديثه. ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو؛ فهذا يمك تَبم من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام. وخامس قد ألصق نفسه بهم ودل سها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأما نة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب؛ فهذا يترك حديثه ويطرح روايته»(1). وقال الخطيب البغدادي : «وينبغي للمحدث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط ، وأما الأ حاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ»(2). وقال ابن عبد ال«وَأَه لم ال ع ل م ب جَماَعَت ه م يَتَسَاهَلمونَ في ال فَضَائ ل فَيرَ ومونهََا عَن كمل ، وَإ نَّماَ يَتَشَدَّدمونَ في أَحَاد يث الأ َح كَام »(3). وقال أيض ا: «وَال فَضَائ لم تمر وَى عَن كمل أَحَد ، وَالح مجَّةم م ن ج هَة الإ س نَاد ؛ إ نَّماَ تمتَقَصََّّ في الأ َح كَام وَفي الح َلاَل وَالح َرَام »(4). وقال البيهقي : «وأما النوع الثاني من الأخبار ؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم (1) مقدمة الجرحوالتعديل (ص: 10). (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/90). (3) جامع بيان العلم وفضله1/103). (4) جامع بيان العلم وفضله1/152).
عدد الصفحات ٢٣مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 157 بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: (ضرب) رواه من كان معروف ا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضرب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التَّ ل يين...، وضرب لا يكون راويه متهما بالوضع، غير أنه عرف بسوء الحفظ وكثرة الغلط في رواياته، أو يكون مجهولا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول ؛ فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحك ام، وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يتعلق به حكم»(1). وقول يحيى بن سعيد «تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوث قونهم في الحديث، ثم ذكر ليثَ بن أبي سملَي م، وجموَي بر َ بن سعيد ، والضَّحَّاك، ومحمد بن السائب. وقال: هؤلاء لا يحم مَدم أَ م رمهم، ويكتب التفسيرم عنهم »(2). وبتأمل نصوص تلك النقول السابقة يظهر ما يلي 1) أن مدار العبارات الواردة عنهم في التشدد والتساهل على الألفاظ التالية: «خذوا هذه الرغائب عن- فيمكتَب - يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام - فيحتمل روايتها -فَيَل زَمم كَت بمهم وَيجَ بم ح ف ظمهم - يَتَسَاهَلمونَ في ال فَضَائ ل فَيرَ ومونهََا عَن كمل -وَال فَضَائ لم تمر وَى عَن كمل أَحَد - أَحَاد يثم ال فَضَائ ل تَسَامَحَ ال عملَماَءم قَد يما في ر وَايَت ه ا عَن كمل ». فأكثر العبارات الواردة عنهم اقترن التساهل فيها بألفاظ (الأخذ -الرواية- الكتابة -الحفظ)؛ وكلها ألفاظ صريحة في دلالتها على مجرد الرواية، وليس في رواية منها التصريح المطلق بقبول تلك الروايات وجعلها حجة؛ بل غاية ما هنالك تجويز (1) دلائل النبوة للبيهقي1 /34). (2 )دلائل النبوة للبيهقي (1/36 ).
عدد الصفحات ٢٤منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 158 روايتها وكتابتها بالقدر الذي أشارت إليه ألفاظ الأئمة. وقد بَ ين المعلمي اليماني ذلك بقوله: «معنى التساهل في عبارة الأئمة هو التساهل بالرو اية؛ كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح، أو قريب من الصحيح، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده؛ فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة، ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعيف وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة ع لى الصلوات في جماعة ونحو ذلك ؛ لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم»(1)، وزاد ذلك إيضاح ا فقال: «والذي أراه أن تشديد ابن مهدي هو أنه كان يتأمل الحديث الذي قد سمعه؛ فإن كان في العقائد والأحكام بدأ فنظر في إسناده ومتنه، فإذا تبين له أن الحديث شديد الضعف بحيث لا يصلح للحجة ولا للاعتبار لم يروه أصلا ، فإن اضطر لروايته بين ضعفه، وإن كان الحديث في غير العقائد والأحكام؛ رواه ما لم يَ ع لَ م أنه موضوع، فإذا علم أنه موضوع لم يروه أصلا ؛ فإن اضطر إلى روايته بين وضعه. فهذا الصنيع هو الذي ينطبق على م ا نجده في الكتب عن ابن مهدي والإمام أحمد وأكثر الأئمة»(2)، وتجد ذلك جلي ا في مثل ما ذكره ابن حجر عن صنيع البخاري في صحيحه مع مرويات فليح بن سليمان بقوله: «ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده»(3). 2) أن التشدد والتساهل في عباراتهم مقيد بقيدين متلازم الأول: مضمون الخبر: ذلك أن المرويات تتفاوت بحسب موضوعاتها (1) الأنوار الكاشفة (ص87،88). (2) أحكام الحديث الضعيف للمعلمي اليماني ضمن مجموع الرسائل الحديثية (ص172،173.) (3) فتح الباري1/142.)
عدد الصفحات ٢٥مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 159 ومضامينها؛ فيعتمد التشدد في الأحكام العلمية والعملية (العقائد والحلال والحرام)، ويعتمد التساهل في الأبواب المتعلقة بالترغيب والتره يب والفضائل والمواعظ والآداب. الثاني: مرتبة الرواة في الجرح: فيجوزون رواية وكتابة ما كان من قبيل الترغيب والترهيب والفضائل والآداب والمواعظ عن الرواة الذين هم دون الثقات وفوق المتروكين والكذ ابين؛ وهم الرواة الذين وصفهم بعض الأئمة ب ـ«المشايخ»، ومَن تتبع ا لنص المتقدم عن ابن أبي حاتم تمييز الرواة ومراتبهم سيظهر له أن ابن أبي حاتم جعل مآل الرواة إلى ثلاثة أحوال : أ ) مَ ن يحتج بحديثه غالب ا. ب ) مَ ن يمكتَبم حديثمه. ج) مَ ن يمترك حديثه جملة. والتساهل يكون مع أهل الطبقة الثانية الذين لم تتحقق فيهم شروط الاحتجاج، ولم يصلوا إلى درجة الترك؛ فالراوي من هذه الطبقة كما قال ابن أبي حاتم: «يمكتَبم من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام»،وهذا التلازم الظاهر في عبارات الأئمة بين مضمون الروايات ومراتب الرواة يعني أن التساهل لا يحصل بمجرد كون الرواية متعلقة بأبواب الترغيب والترهيب والفضائل، ولا بمجرد وجود الرواة المتساهل معهم ؛ بل التساهل متخلق من المزواجة بينهما. 3) أن تجويز رواية وكتابة هذه الطبقة من الرواة فيما سوى العقائد والأحكام يكون للنظر والاعتبار، بحيث يجري نظر الناقد في مروياتهم تلك وما احتف بها من أمارات وقرائن تقوي قبولها أو رفضها؛ ومن تلك القرائن: تخصص الراوي في فن ما وطول اشتغاله به، أو جودة مروياته عن شيخ ما، أو موافقة مروياته لأصل من
عدد الصفحات ٢٦منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 160 الأصول المعتبرة ...إلخ، وقد صرح ببعض هذه القرائن بعض الأئمة ؛ منهم الخطيب البغدادي بقوله: «إأن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام؛ وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه»(1). فتصريحه بالاحتجاج بهم مقيد بقرينتين واضحتين في كلامه: الأولى: أن هؤلاء الرواة من أصحاب الضعف المحتمل وقد مثَّل لهم بعاصم بن أبي النجود. الثانية: أن لهم اشتغالا بالتفسير وتخص ص ا فيه؛ دفع عن مروياتهم الخطأ المخوف من قبل سوء حفظهم. وقد أشار البيهقي إلى قرينة أخرى في تعليله لكلام يحيى القطان عن تساهل المحد ثين مع بعض رواة التفسير؛ فقال: «وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به = ألفاظم ه تشهد لهم به لغات العرب ؛ وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط»(2)، فلما وجدت قرينة موافقة مروياتهم لما شهدت به اللغة تساهل النقاد في روايتها. 4) التساهل لا يكون مع الرواة المعروفين بالكذب؛ بل هؤلاء يطرح حديثهم على كل حال ، ونصوص الأئمة السابقة ظاهرة في ذلك من مثل: «فهذا يترك حديثه ويطرح روايته»، ومثل«فهذا الضرب لا يكون مستعم في شيء من أمور الدين إلا على وجه الت ليين»(3). (1 )الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/194. ) (2) دلائل النبوة للبيهقي1/37 ). (3) دلائل النبوة للبيهقي (1/33 ).
عدد الصفحات ٢٧مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 161 5) أن التساهل لا يكون فيما ثبت خطؤه ولو كان من رواية أكابر الثقات، وقد سبق تقرير ذلك؛ «والمنكر أبدا منكر»(1). ويستفاد مما سبق أن التساهل عندهم هو مجرد تجويز الرواية أو الأخذ أو الكتابة أو الحفظ لأنواع من الأخبار معينة محددة عمن لم يبلغ حديثهم درجة الاحتجاج به ولا درجة الترك له، ثم يكون بعد ذلك نظر النقاد في تلك المرويات واعتبارها للتثبت من كون ما فيهم من قدح لم ينسحب على المرويات في تلك الأنواع في ضوء القرائن المحتفة بمروياتهم؛ فإن خلت من القوادح وتثبتوا من صحتها اعتمدوها. فإن قال قائل : إن مجرد الرواية أو ال كتابة أو الحفظ جائز حتى في أحاديث الكذابين؟! فالجواب أن مجرد الرواية عن الكذ ابين ليس جائز ا بإطلاق؛ بل ذلك بقيد معرفة حديثهم وتمييزه حتى لا يختلط بالسقيم، ولهذا جرح النقاد بعض الرواة بأنهم لا تحل الرواية عنهم أو لا يحل كتابة حديثهم، ولهذا قال سفيان الثوري: «إني لأكتب الحديث على ثلاثة وجوه: فمنه ما أتدين به، ومنه ما أعتبر به، ومنه ما أكتبه لأعرفه»(2)؛فما يتدين به أحاديث من يحتج بهم، وما يعتبر به أحاديث من دونهم ممن لم يبلغوا درجة الترك، وما يكتبه ليعرفه أحاديث المتروكين والكذابين. وقصة إنكار أحمد بن حنبل على يحيى بن معين كتابة صحيفة معمر عن أبان عن أنس معروفة ، وفيها قول أحمد منك ر ا: «تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: إنك تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟! فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله؛ أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابت ا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك، فأقول: «له (1) العلل للمروزي ص:(287). (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/193 .)
عدد الصفحات ٢٨منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 162 كذبت؛ إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت»(1). وها هو محمد بن رافع يقول «رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هار ون ومعه كتاب زهير عن جابر، وهو يكتبه؛ قلت: يا أبا عبد الله؛ أنت تنهانا عن جابر وتكتبه؟ قال: نعرفه»(2) .وغير ذلك من الأخبار الدالة على هذا المسلك؛ فنخلص من ذلك، وفي ضوء عبارات النقاد السابقة إلى أن محددات التساهل هي : أ ) التسامح في رواية أو كتابة ما ليس من أصول الدين وأصول أحكامه عن رواة مجروحين في ضبطهم بما ينزل بمروياتهم عن درجة الاحتجاج، ولا ينزل بها إلى درجة الترك. ب) النظر في تلك المرويات واختبارها في ضوء أحوال الرواة وموضوع الروايات والقرائن المحتفة بكليهما. ج ) قبول ما أصاب الراوي فيه من تلك المرويات ؛ بتجويز تفرده فيما يحتمل تفرد مثله، أو قبول رواياته فيما عرف تخصصه به ... إلخ، بحسب ما تسمح به القرائن من مساحات ومعطيات. المطلب الرابع: الإسناد وطبيعة علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه: المتصدي لنقد الأخبار وفق منهج المحدثين بالإضافة لما سبق تقريره في الجانب الأول؛ ينبغي أن يكون على بصر كذلك قبل إصدار الحكم النقدي على الخبر بالثبوت وعدمه بكثير من المسائل المرتبطة بالإسناد، التي تكون الغفلة عنها موقعة في مخالفة منهج المحدثين في نقد الأخبار، وسيأتي بيان ذلك في مدخل وثلاثة فروع(3): (1) السابق2/192). (2) السابق (3) فضل الإسناد وكلام أئمة السلف ونقاد الحديث عنه لا يخفى على القارئ الكريم ؛ ولذا آثر البحث التخفف من ذكر الكلام عن فضله وأهيته لذيوع ذلك واشتهاره بحيث لا ينازع فيه إلا جاحد أو معاند.
عدد الصفحات ٢٩مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 163 مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد: إن مراعاة الأنساق التاريخية والزمانية التي كان لها تأثير قوي في تطور العلم، وتطوير أدواته، واستحداث مستجداته = أمر لا ينفك في أهيته عن مسائل العلم ذاته، بل هو أوجب وأهم؛ إذ لا يتم تصور كثير من مسائل الفن الواحد على وجهها، ولا يحصل تمام فهمها إلا بمعرف ة المؤثرات التي ساهت في تخليقها والأسس التي قامت عليها والتطورات التي لحقتها، وإن كثير ا من الانفصام الحاصل بين صورة العلم في زمان ما وصورته في زمان آخر سببها الحقيقي عدم استحضار الأحوال التاريخية التي صاحبت كل مرحلة من مراحل الفن . ومن هنا أراد البحث عند تناول الكلام عن مرويات التفسير الإلماح إلى أن لكل زمن أحداثه ووقائعه التي تلقي بظلالها على جم ل ما فيه فتطبعه بطابعها، أو تمسه بريحها، أو تدفعه إلى مواكبتها ؛ لتحصل المعايشة بينها داخل هذا النطاق الزمني، وتلك سنة من سنن الله الجارية في خلقه في البلاد والأمم والأفراد والعلوم وغيرها. وإن الناظر من بوابة الزمن إلى المراحل التي مر ت بها المرويات الشرعية عموم ا وحديث رسول الله × منها خاصة سيجد تلك العلاقة وذلك التأثير والتأثر باديا؛ بل سيوقن عند النظر في الخلفيات والمآلات أن ذلك كان من أكبر الأسباب التي قدرها الله لحفظ دينه، إذ كان العلماء في كل زمن يستحدثون من الوسائل والآليات والأدوات ما تقتضيه حاجة ذلك الزم ن وما تفرضه أحداثه، وما تستلزمه مستجداته. وإنه لا ينبغي إتيان البيوت من ظهورها؛ بل ينبغي إتيانها من أبوابها، ذلك أن التعامل مع المرويات في العلوم والفن ون وإصدار الحكم على أسانيدها بالصحة والضعف والتسوية بينها في التعامل وادعاء أن ذلك منهج المحدثين = فيه إتيان للبيوت من ظهورها ؛ وإنما إتيانها من أبوابها يلزم كل طارق أن يعرف الواقع
عدد الصفحات ٣٠منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 164 التاريخي، ويستوعب الظرف الزماني للإسناد من جهتين رئيستين: أولها: من جهة نشأته واعتماده وسيلة لنقل المرويات. ثانيها: من جهة تفاوت درجات وزمان اعتماده في العلوم الشرعية وآثار ذلك عليها. الفرع الأول: نشأة الإسناد واعتماده: 1. الرواية في مراحلها الأولى لقد كان الصحابة في غاية الحرص ع سماع أحاديث النبي × وتلقيها، حتى وصل الحالببعضهم - في حياة النبي× - من شدة الحرص على الحديث إلى التناوب مع بعض إخوانه في تحمل أمور العيش؛ لتتاح الفرصة لكل منهم بشرف السماع ثم بالنقل لأخيه، واستمرت عادتهم تلك حتى بعد وفاة النبي ×، وكان الكذب على رسول ا× أو غيره حينها غير معهود لديهم، ولم يكن يتهم بعضهم بعض ا؛ فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: «ليس كلنا سمع حديث رسول ا×؛ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ»(1)، وروى كذلك عن أنس أنه قال«ليس كل ما نحدثكم عن رسول ا× سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضنا بعض ا»(2). ورغم كون الكذب على رسول ا× منتف عنهم؛ إلا أن ذلك لم يكن كافي ا لديهم بعد وفاة رسول الله × لاحتمال وقوع الخطأ غير المتعمد من بعضهم، ولذلك استحدثوا من وسائل التحري والاحتياط لحديث رسول الله × ما لم يكن موجود ا في حياته ×، وكانت فاجعة وفاته× هي الأساس في استحداث تلك الوسائل؛ وكان من وسائلهم: (1) الكفاية1/385). (2) المرجع السابق
عدد الصفحات ٣١مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 165 أالإشهاد على الرواية : فكتب الصحاح والسنن تروي عن أبي بكر (1) وعمر(2) اشتراطهما على الراوي الإشهاد على ما ينسبه لرسول ا×، حتى عدَّ الذهبي (3) أبا بكر أول من احتاط في قبول الأخبار؛ بل نقل الذهبي عن ابن أبي مليكة مرسلا «أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ؛ فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله × أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله × شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه » ثم علق الذهبي بقوله : «فهذا المرسل يدل ك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار، والتحري لا سَ د باب الرواية؛ ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة، فلما أخبره الثقة، ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج »(4)، ولم يكن ذلك منهم لتخوفهم من الكذب أو لاتهامهم أحد ا من الصحابة بالكذب ؛ بل لخوفهم من وقوع الخطأ في رواية حديث رسول الله ×. بالإقلال من الرواية: فقد كان بعض الصحابة يتوقى الإكثار من الحديث خوف ا من الوقوع في الغلط ؛ ومن أشهر ما روي في ذلك قول عبد الله بن الزبير: قلت للزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول الله × كما يحدث فلان وفلان! قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»(5)، وكان عمر «شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له (1) وذلك في ميراث الجدة، وطلبه من المغيرة شاهدا معه على قضاء رسول الله × لها بالسدس. ينظر: جامع الترمذي ( 4/419) وسنن أبي داود3/121.) (2) وذلك في حديث أبي موسى ا شعري في الاستئذان ثلاث ا؛ كما في صحيح البخاري ( 5/2305)، وصحيح مسلم (3/1694. ) (3) تذكرة الحفاظ1/9). (4) تذكرة الحفاظ1/9). (5) صحيح البخاري1/33.)
عدد الصفحات ٣٢منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 166 عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله × كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقل ون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئ ا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل»(1). 2. ظهور الكذب وأثره في نشأة الإسناد: مضى الزمان الأول وتغيرت كثير من الأحوال، ووقعت الفرقة وظهرت البدعة، ونبتت نابتة الكذب التي تبحث عن تأييد بدعها وتسويغ آرائها؛ فتبدل حال الرواية، ودخلت الريبة في القلوب، وقلَّ ت الثقة بالنقول ؛ وقد صوَّرت رواية مسلم عن ابن عباس شيئ ا من هذا التغير والتحول، فقد روى بسنده عن مجاهد قال: «جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول الله ×، قال رسول ا×، فجعل ابن عباس لا يأذن(2) لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس؛ مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ×، ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله × ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف »(3)،قال القسطلاني : «وقوله: مر ة؛ أي: وقت ا، ويعني به: قبل ظهور الكذب»(4)، وقد كان ظهور البدع واختلاق الكذب المسوغ لها حدث ا كبير ا استدعى إيجاد آلية جديدة تدفع شر هذا الخطر الناجم؛ فنشأت العناية بالإسناد واعتماده آلية ملزمة لنقل الأخبار. قال محمد بن سيرين: « كان في الزمنالأول لا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة سألوا (1) تأويل مختلف الحديث (ص89،90.) (2) لا يأذن؛ أي: لا يستمع، يقال: أذنت للشيء آذن له، إذا استمعت له، (تهذيب اللغة15/15). (3) مقدمة صحيح مسلم1/13). (4) إرشاد الساري9/73).
عدد الصفحات ٣٣