مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 135 الملخص مرويات التفسير من القضايا التي تباينت فيها آراء المعاصرين واختلفت أقوالهم تجاهها اختلاف ا يدعي بعض أطرافه أن رأيه يمثل منهج المحدثين في هذه القضية، ويدعي بعض أطرافه الآخرين أن للمفسرين طريقة تجاه التعامل مع مرويات التفسير تختلف تمام ا عن طريقة المحدثين. ويأتي هذا البحث كمحاولة لوضع الأطر المنهجية الضابطة للتعامل مع تلك المرويات؛ مدَّعي ا أن هذا الاختلاف المعاصر حول تلك القضية لم تكن له جذوره في الماضي، وأنه ليس ثم ة منهج للمفسرين يختلف عن منهج المحد ثين، وأن سبب الاختلاف عدم اكتمال جهات النظر للمرويات من جهاتها الثلاث أو الخلل في فهم المنهجية لكل جهة منها؛ ذلك أن النظرة المنهجية لمرويات التفسير وغيرها ينبغي أن تتكامل من ثلاث جهات رئيسة ؛ الأولى: جهة الثبوت، والثانية: جهة المعنى، والثالثة: جهة أغراض المصنفين. وقد تناول البحث بيانها في الفصل الأول. ثم عرض البحث للمحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير والقرائن المحتفَّ ة بها ؛ التي ينبغي على المتصدي لنقد الأخبار معرفتها واستصحابها حتى يكون مصيب ا في حكمه، وتطبيقات المفسرين المحررين في التعامل مع تلك المرويات. الكلمات المفتاحية: مرويات التفسير- أسانيد التفسير- منهج المحدثين- منهج المفسرين.
عدد الصفحات ٢منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 136 المقدّمة الحمد لله والصلاة على رسول الله × وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد : فَتَتَباين كثير من الآراء المعاصرة في قضية نقد مرويات التفسير والمغازي بين من يرى التساهل في التعامل معها ، ومن يرى التشدد في ذلك؛ ويحشد كل فريق لتقرير رأيه من آراء النقاد وتطبيقاتهم ما يقوي قوله، بلا تحرير في الغالب لمعنى التشدد أو التساهل، وبلا بيان في الغالب لدرجات ومناطات التشدد أو التساهل. بل وصل الأمر عند البعض إلى تصوير القضية بأن فيها منهجين متغايرين ؛ منهج يعتمد التشدد في التعامل مع المرويات وهو منهج المح د ثين بحسب تصورهم، ومنهج يعتمد التساهل مع المرويات وهو منهج المفسرين بحسب تصورهم، وتلا ذلك تطبيقات عملية منطلقة من المنهج الذي يعتقد كل فريق من المعاصرين صحته، من مثل تجريد كتب التفسير وغيرها من الآثار الضعيفة وإخراج صحيح التفسير، وتناول أسانيد كتب التف سير وغيرها بالحكم على كل إسناد من أسانيدها وبيان اتصاله أو انقطاعه، أو من دعوات معاكسة ترى ضرورة التساهل مع تلك المرويات وإغضاء الطرف عنها. والبحث إذ يشير لهذا التباين وذلك الاختلاف بين بعض المعاصرين = يقرر كذلك أن ليس ثمة اختلاف في تلك القضية، وأن بعض صور الاختلاف المدَّ عى فيها بين بعض المعاصرين لم يؤثر على ذات القضية، ولم يكن له واقع لا في تنظيرات السابقين ولا تطبيقاتهم، وأن منشأ الاختلاف الجديد فيها راجع إلى إشكالات متعددة؛ من أبرزها: عدم استحضار الصورة الكاملة لمنهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات، والاكتفاء بالنظر إلى بعض جزئياته دون بعض، وتعميم بعض إطلاقات الأئمة في بعض الرواة أو المرويات على كافتها، وتقزيم المنهج الممتد الأرجاء في الدراسة الظاهرية للإسناد، وقلة الخبرة بمسالك النقاد ونفوذ بصائرهم
عدد الصفحات ٣مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 137 إلى الدقائق والخفايا والبحث إذ يعالج تلك القضية؛ فمن الضروري بيانه أن بعض منطلقاته خارجة عن حدود ذلك الاختلاف، وأن محاكمة تلك المنطلقات لذلك الاختلاف المم ح دَ ث = خروج به عن مساره وعدول به عن هدفه. ذلك أن البحث وإن كان المقصود منه منذ البداية بيان منهجية التعامل مع مرويات التفسير، وبهذا التوجه بدأ؛ فإنه كشف عن أن منهج المحدثين في التعامل مع كافة المرويات منهج واحد لا تختلف كلياته الكبرى ومحاوره الكلية، ولكن تختلف آلياته وإجراءاته ومستويات تطبيقه وتنزيله من علم إلى علم ؛ وهذا الاختلاف في مستويات التطبيق والتنزيل هو أمارة دقة المنهج وتكامله، وإن الزعم بأنه منهج واحد حتى في مستويات التنزيل والتطبيق والآليات والإجراءات زعم باطل؛ إذ فيه عدول تام عن المنهج، وغفلة تامة عن تمام إدراكه، وقصور ضخم في تصوره بَ ل ه تطبيقه وإعماله، ولذا سيكون مثار تعجب البعض أثناء تناول قضية ثبوت الأخبار خاصة = أن مرويات التفسير لم يكن لها - من وجهة نظرهم - ذلك البروز الذي يتناسب مع كون البحث منعقد لأجلها، وأن البحث يغر د بعيد ا عنها، وحقيقة الأمر بخلاف ذلك ؛ وإنما مرد ذلك إلى أن فقه منهج ثبوت الأخبار هو الأصل والميزان الذي مَ ن ضَ بَ طَ هم ضبط كل ما تحته من قضايا ومسائل؛ ذلك أن من المشكلات البحثية الكبرى أن يسلط نظر البحث على جزئيات المسائل ويغفل بحث الكليات الكبرى والأطر المفصلية التي تقوم الجزئيات لخدمتها وتحقيقها. إن منهج المحد ثين منهج متكامل؛ وليس من الصواب ادعاء الانفصام بينه وبين المرويات المتعلقة بالتفسير والمغازي والفضائل وخروجها عن إطاره وشروطه، وليس من الصواب كذلك إجراؤه على نمط واحد مع كافة المرويات المرتبطة به والداخلة تحت نطاقه، وتعميم إطلاقات نم قَّ اده وأحكامهم على كافة المرويات دون
عدد الصفحات ٤منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 138 التنبهلمواطن تلك الإطلاقات وسياقاتها، ولا لكيفيات تنزيلها؛ ذلك أن حال الناقد البصير بالمنهج مع الرواية كحال الطبيب الحاذق الذي يختلف توصيفه للمرض الواحد باختلاف الأشخاص واختلاف البلدان واختلاف الأحوال، واختلاف درجة المرض قوة وضعف ا؛ بل ربما اختلاف التوصيف للشخص الواحد من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال ؛ وإنما الصواب في ذلك كله إعماله و فق منهجيته الدقيقة التي تنساب مع كل رواية بحسبها وتتعامل معها بميزان دقيق يناسبها . وقد تأملت تلك القضية فظهر لي أن معاقد الخطأ في تناولها راجعة إلى عدة أمور؛ أهمها: 1. عدم مراعاة منهج المحدثين بصورته الكاملة، التي كان من نتائجها: أ) تحويل القضية من سا حة المنهج المتكامل في التعامل مع المرويات إلى ساحة الدراسة الظاهرية للإسناد وحصر القضية فيها. ب) تصوير قضية منهج التعامل مع أسانيد التفسير بأن فيها منهج ا للمحد ثين يختلف تمام ا عن منهج المفسرين، وذلك عار تمام ا من الصواب؛ بل كبار المفسرين الذين صنفوا في التفسير -وعلى مصنفاتهم المعول في معظم مرويات التفسير كابن جرير وابن أبي حاتم -لم يخالفوا منهج المحدثين في أسسه وكلياته، وفي فهمه وتطبيقاته في مصنفاتهم التفسيرية. ج) عدم مراعاة الظروف المحتفة بنشأة الإسناد وأثرها في تفاوت درجات الإسناد بالنسبة للمرويات، وأثر ذلك التفاوت على التعامل معها . د) عدم مراعاة الانفكاك بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام مضمون الرواية . 2. عدم التنبه لغرض المصنفين من إيراد المرويات الضعيفة. ولذا فعلى المتصدي لنقد الأخبار أو تحقيق الكتب مراعاة تلك الأشياء مجتمعة،
عدد الصفحات ٥مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 139 والنظر إلى تلك الجوانب مكتملة حتى تتحقق له الفائدة المرجو ة من عمله . وبمقدار النقص في النظر لتلك الجوانب تكون صورة المنهج النقدي مشو شة وغير مكتملة وينعكس ما فيها من خداج على التطبيقات العملية. وقد أراد البحث تسليط النظر على تلك الجوانب مكتملة ؛ فجاءت خطته مقسم ة على مقدمة وفصلين: الفصل الأول: جهات النظر في التعامل مع الخبر. ويتضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: جهة الثبوت. المبحث الثاني: جهة المعنى. المبحث الثالث: جهة أغراض المصنفين . الفصل الثاني: مرويات التفسير: المحددات والقرائن وتطبيقات المحررين؛ وفيه ثلاثة مباحث : المبحث الأول: المحددات العامة للتعامل مع مرويات التفسير. المبحث الثاني: القرائن المختصة بمرويات التفسير وأثرها . المبحث الثالث: تطبيقات المنهج عند المفسرين المحررين.
عدد الصفحات ٦منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 140 الفصل الأول جهات النظر في التعامل مع الخبر ويتضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول : جهــة الثبــوت ويتضمن مدخلا تأسيسي ا وأربعة مطالب: المطلب الأول: المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار. المطلب الثاني: ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار. المطلب الثالث: ارتباط أركان المنهج النقدي بإجراءات وآليات القبول والرد. المطلب الرابع: الإسناد وماهية علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه ؛ ويتضمن مدخلا وثلاثة فروع: مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد. الفرع الأول: نشأة الإسناد واعتماده. الفرع الثاني: تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية. الفرع الثالث: المنقطع السند الذي له حكم المتصل الإسناد وشرط الصحة. مدخل تأسيسي: قضية ثبوت الخبر أو عدم ثبوته هي القضية التي عليها مدار المنهج النقدي لدى المحد ثين، ولذا سيتناول هذا المبحث الكلام عن ذلك المنهج وأركانه وآلياته المعتمدة لإصدار الحكم بثبوت الخبر أو عدم ثبوته؛ فالمنهج النقدي عند المحدثين له معالمه وكلياته الكبرى التي تضبط إطاره العام، وهذه المعالم والكليات استندت إلى كثير من الأسس في تكوينها وقيامها، وانتظمت بداخلها كثير ا من الجزئيات المكونة لصورتها، وارتبطت في علاقاتها وامتداداتها بمجموعة من الفنون المتنوعة والتطبيقات المتعددة، واعتمدت على كثير من الجزئيات والقرائن المختلفة باختلاف
عدد الصفحات ٧مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 141 المقامات والأحوال وغير ذلك مما كان له أكبر الأثر في استواء منهج نقد الأخبار لدى المحد ثين على سوقه، وإثبات ه قدرته التامة ودقته البالغة ومرونته الفائقة في التعامل مع كافة المرويات الدا خلة تحت نطاقه، وتحرير الصواب فيها من الخطأ ؛ لإخراج الروايات المقبولة من بين فرث ودم الروايات المردودة، فالحكم بالثبوت أو عدم الثبوت مرتبط في ذلك المنهج بشبكة متداخلة من الأركان والآليات والقرائن والامتدادات، لا بد للمتصدي لنقد الأخبار من الإمساك بخيوطها وجمع معاقدها. إن التكاملية في منهج التعامل مع المرويات والأخبار عند المحدثين لا ينبغي أن تظل دعوى تتردد أصداؤها دون فهم مضمونها، ولا معرفة أركانها، ولا إدراك منطلقاتها؛ بل ينبغي تصور الأسس الكبرى والمعاقد الكلية التي قامت عليها تكاملية المنهج. ومن هنا فإن انطلاق البحث عن منهجية المحدثين في التعامل مع مرويات التفسير أو المغازي أو الأحكام أو غيرها دون وضوح التصور لأسس المنهج ومعاقده ودون تقدير لاختلاف آلياته ودرجات تنزيله وتطبيقه = خطأ منهجي، يؤدي إلى الاضطراب والتناقض والتخبط في الطرح، وعدم التحرير في التناول . ومن هنا أراد البحث بيان المرتكزات الأساسية والمعاقد الكلية التي شكلت التكامل لمنهج المحد ثين في التعامل مع الأخبار قبولا ورد ا قبل بيان درجات تنزيله ومستويات تطبيقه مع مرويات التفسير ؛ لأنه لا يسلم تحرير الفرع قبل تحرير الأصل، ولا يستقيم فهم الجزء وعلاقته بالكل قبل فهم الكل . وإن أساس الأسس ومرتكز المرتكزات ومنطلق المنطلقات لفهم المنهج النقدي عند المحدثين وإدراك تكامله هو: 1. تحديد أركانه الكلية 2. تحرير هدفه وغايته
عدد الصفحات ٨منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 142 3. تحرير المعيار الضابط لتلك الغاية وما يرتبط بمجموع ذلك. فأما الأركان الكلية التي قام عليها منهج نقد الأخبار عند المحدثين؛ فهي ثلاثة، وهذه الثلاثة آخذة بمجامع أي خبر من أي جهة من جهاته، وممسكة بز مامه، وضابطة لآليات التعامل معه، وتلك الأركان الثلاثة هي أركان الخبر ذاته؛ إذ كل خبر من الأخبار ينحصر في أركان ثلاثة: الأول: مضمون الخبر ونصه. والثاني: قائل الخبر. والثالث: ناقل الخبر وراويه. فكل خبر منقول قوامه هذه الأركان الثلاثة ؛ وعلى هذه الأركان شي د المنهج النقدي، ورفعت معالمه ، وركبت أجزاؤه ، ووضعت معاييره في القبول والرد، وحددت درجاته في التعامل مع الأخبار تشدد ا وتساهلا ، وحمر رت طبقات الرواة وأوصافهم ... إلخ؛ مما قام على هذه الأركان دون إغفال أو تغليب لركن منها على حساب آخر، وهذه الأركان آخذ بعضها برقاب بعض، ومتداخل بعضها في بعض؛ بحيث لا يمكن اكتمال المنهج النقدي بركنين منها دون الثالث لشدة ما بينها من تلاحم وارتباط، ولشدة التأثير الساري بينها، وذلك هو أساس تكاملية المنهج لمن أراد فهمها دون الاكتفاء بترديدها أو نقل عبارات الأئمة لإثباتها دون فهم مرادهم بها، وسيأتي لاحق ا تفصيل الكلام عليها . وأما هدف المنهج وغايته التي يدور عليها منهج المحدثين في التعامل مع الأخبار والمرويات المتعددة؛ فهي بيان ثبوت هذه المرويات عم ن نم س بَ ت إليه أو بيان عدم ثبوتها عنه . وأما المعيار الضابط لتلك الغاية؛ فهو غلبة الظن بصواب الرواية أو خطئها، وفيما يأتي من مطالب بيان ذلك :
عدد الصفحات ٩مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 143 المطلب الأول: المعيارالذي عليه المدار في نقد الأخبار: الغاية التي يسعى منهج نقد المحدثين لتحقيقها مؤسَّ سة على معيار واحد عليه المدار في منهج النقد الحديثي ؛ وهو غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، فالمقبول ما غلب على الظن صوابه، والمردود ما غلب على الظن خطؤه. والتعبير بغلبة الظن صريح في أن مسألة القبول والرد في مجملها ومعظمها اجتهادية لا يقين فيها ولا قطع؛ يقول الدارمي في رده على بشر المريسي مقرر ا أن المدار على غلبة الظن وأنه ليس ثم قطعيات يقينية: «ويلك! إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحد منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي × قاله البتة، وعلى أضعفها: أن النبي × لم يقله البتة. ولكنهم كانوا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم»(1). وقال العراقي«فإن باب الر وايَة مَب ن يٌّ على غَلَبَة الظَّن »(2). وقال ابن حجر : «تعليلم الأئمَّة للأحاديث مَب ن يٌّ على غَلَبَة ال ظن ؛ فإ ذا قال وا: أخطأ فلانٌ في كَذا. لمَ ي تعينَّ خطَؤمهم في نَف س الأم ر ؛ بل هو راجح الا حت مال فيمع تَمَد، ولولا ذلك لمََا اش ترطوا ان ت فاء الشَّاذ ؛ وهو ما يخالف الث قَة فيه مَن هو أرجح منه في حَد الصَّح يح »(3). ويقول السيوطي : «إذا قيل هذا حديث صحيح؛ فالمراد بحسب الظاهر وما اقتضاه إسناده ، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر ؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وكذا إذا قيل حديث ضعيف ؛ فالمراد أنه لم يصح إسناده فحكم بضعفه، عملا بظـاهر الإسن ـاد لا أن ـه ك ـذب ف ـي نف ـس الأم ـر، لج ـواز صـدق الك ـاذب، وإصابة (1) نقض الدارمي على بشر المريسي (2/644،645). (2 )طرح التثريب في شرح التقريب2 /105). (3) فتح الباري لابن حجر1 /585)، وينظر: شرح النووي على مسلم1/128).
عدد الصفحات ١٠منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 144 من هو كثير الخطأ»(1). وهذا تقرير لحقيقة غابت عن كثير من التطبيقات المعاصرة ؛ وهي أن أبواب الإعلال ونقد الروايات - وإن كان لها أصول تجري عليها وأطر تضبطها - إلا أنها لا تجري على سَ نَ ن واحد؛ بل تتفاوت درجات إعمالها وآليات توظيفها تفاوت ا بَ ي ن ا بحسب كل رواية؛ لكو ن منهج نقد الأخبار متشعب المسالك مترامي الأطراف معقد التفاصيل بعيد الغور دقيق المسلك، إذ يبلغ من قمة الظهور أحيان ا ما يحسب معه الناظر أن ليس هناك خفاء، ويبلغ من قمة الوعورة والدقة والخفاء أحيان ا ما يظن معه أن ليس معه ظهور؛ وإنما مرد ذلك إلى كون النقاد يتعاملون مع كل رواية بحسبها وحسب قدرها وأثرها ومضمونها وما احتف بها، وقد عبر عن هذا المعنى عدد من العلماء ؛ فقد نقل الزركشي عن ابن دقيق العيد قوله : «...وأما أهل الحديث؛ فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه، أو قيام قرينة تؤثـر ف ـي أنفس ـهم غلب ــة الظن بغلطة ، ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث »(2)،وقال ابن تيمية : «ولكل حديث ذوق ، ويختص بنظر ليس للآخر»(3)،وقال ابن رجب:«ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه»(4). ومقصود هذه العبارات: أن المعيار الذي عليه مدار قبول الرواية أو ردها يجري على نسق واحد، ولا ينحصر في قالب بعينه، ولا يتشكل على هيئة واحدة ؛ ذلك أن هذا المعيار يتفاوت صعود ا ونزولا تشدد ا وتساهلا قبولا ورد ا بحسب كل (1) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر1/297). (2 )النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (1/105). (3) مجموع الفتاوى18 /47). (4) شرح علل الترمذي2/582).
عدد الصفحات ١١مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 145 حالة ورواية، وتكمن مهارة الناقد وحذقه ونفوذ بصره في قدرته على استخدام هذا المعيار مع كل رواية بحسبها ؛ فهو كالطبيب الحاذق يقلب جسد الرواية، ويستكشف أعراضها وينظر في مساراتها وارتباطاتها، وعلاقاتها ومسبباتها حتى يحسن تشخيص حال الرواية؛ بل حال كل أجزائها ومكوناتها، فيميز صحيحها من سقيمها، ويعرف مقدار تفاوتها في الصحة أو السقم، ويحدد حجم السقم ونوعه وأثره وسببه؛ فيعطي كل رواية ما تستحق، ويحكم على الراوي الواحد ساعة بقبول روايته، وساعة أخرى برد ها؛ لا عن هوى بل عن بصر وعلم، فليس ثَ مَّ - في الغالب - أمور قاطعة، أو قواعد صارمة، أو أحكام عامة شاملة يصلح إجراؤها على كافة الرواة والمرويات والفنون والمضامين، بحيث تصير أشبه بالمعادلات الرياضية التي لا بد أن تم ن ت جَ مقدماتهم ا نتائجَ ها، وهذا سر جلالة هذا المنهج ورقي ه، وسر عمقه وتشعبه. ولا يعني ما سبق أن هذا المعيار متروك في بحر الرواية يسبح به كل ناقد كيف شاء في أي اتجاه وفي أي طريق بلا ضابط ولا رابط، كلا؛ بل ذلك المعيار له محددات كبرى تضبط اتجاهه، وأطر كلية تؤطر حركته، ومعالم عامة توجه مساره، ومن رحم تلك المحددات تتولد غلبة الظن، وهذه المحددات هي أركان الخبر الثلاثة السابق ذكرها، وهذا يؤ كد ما سلف من إمساك المحدثين بمعاقد أركان الخبر وتأسيسهم منهجهم النقدي عليها، وذلك يستدعي منا إلماح ا إلى أركان الخبر، وبيان الارتباط الوثيق بينها وبين معيار القبول والرد، وما يتعلق به من إجراءات وآليات. المطلب الثاني: ارتباط أركان المنهج النقدي بمعيار نقد الأخبار: سَ لَ فَ القولم بأن معيار القبول والرد يتحرك في فضاء واسع، وأنه مع ذلك له محددات تضبط حركته وتوجه سيره ؛ وهذه المحددات هي ذاتها أركان الخبر، وسنبين تلك المحددات فيما يأتي :
عدد الصفحات ١٢منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 146 المحدد الأول: مضمون الخبر وقدْرُه وأثرُه: وهو أكبر أركان الخبر ؛ بل هو الخبر ذ اته، وهو المحدد الأكبر لمعيار القبول والرد، والركنان الآخران مرتبطان به ومترتبان عليه في كثير من تفاصيلهما. ذلك أن الأخبار تتفاوت مضامينها وموضوعاتها، ويختلف تبع ا لذلك -في الشريعة- قد رمها وأثرم ها؛ فالخبر الذي موضوعه أسماء الله وصفاته وما يختص به لا يساويه غيره، والخبر المتعلق بالغيب غير مضمون الخبر المتعلق بالشاهد، ومضمون الخبر المتعلق بالدماء غير مضمون الخبر المتعلق بالأموال، ومضمون الخبر المتعلق بالتشريع ليس كمضمون الخبر المتعلق بغير التشريع، ومضمون الخبر المتعلق بالتاريخ ليس كمضمون الخبر المتعلق بالتفسير أو الأنساب. ولما كان مقتضى الحكمة والعقل عدم التسوية بين كل هذه المضامين، واعتبار التفاوت القائم بينها، ومراعاة اختلاف الآثار والغايات المرتبطة بكل منها = جاء منهج نقد الأخبار لدى المحدثين مؤسس ا على مقتضى تلك الحكمة وذلك العقل، ولذا كان من أولويات هذا المنهج التي استند إليها في قبول الأخبار وردها مراعاة مضامين الأخبار وموضوعاتها، وعدم إجرائها على نسق واحد، ولا معاملتها بمقياس واحد؛ بل لكل مضمون من درجات التشدد أو التساهل في القبول أو الرد ما يناسبه، ويلائم قدره، ويوائم غايته وأثره . وهذا الاختلا ف في شروط القبول والرد بحسب المضامين يؤول في النهاية إلى تحقيق المعيار الذي عليه المدار في كل تلك الأخبار؛ وهو الوصول إلى غَ لَ بَ ة الظن المقتضية لقبولها أو ردها، والتي تتفاوت هي ذاتها في عسر حصولها لدى الناقد أو يسره بحسب اختلاف مضامينها، في ضوء إجراءات وآليات التعامل معها، فالاختلاف في الإجراءات والآليات والوسائل في كل تلك المضامين اختلاف وسائل لتحقيق الغاية. وهذا النظر العقلي الدقيق هو أحد الدعائم الكبرى التي تأسس عليها منهج
عدد الصفحات ١٣مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 147 المحدثين في نقد الأخبار المروية عن رسول ا× بَل هَ بقية الأخبار، وصوَّرَت ه بدقة عباراتهم المشهورة من نحو قول ابن مهدي في العبارة المشهورة : «إذا روينا الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام؛ تشدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال »(1)،ومن نحو ما نقله عبدة بن سليمان عن ابن المبارك لما قيل له - وقد روى عن رجل حديث ا -: هذا رجل ضعيف، فقال: «يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء» . قال أبو حاتم الرازي: قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال« في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا »(2)،ومن نحو قول سفيان: «لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ»(3)،وقوله «بما سوى ذلك»يعني بما سوى الحلال والحرام (4)،وقول الخطيب البغدادي: «وينبغي للمحد ث أن يتشدد في أحاديث الأحكام التي يفصل بها بين الحلال والحرام؛ فلا يرويها إلا عن أهل المعرفة والحفظ وذوي الإتقان والضبط، وأما الأحاديث التي تتعلق بفضائل الأعمال وما في معناها فيحتمل روايتها عن عامة الشيوخ»(5). فظاهر جد ا من هذه الن قول أن المدار على مضمون الخبر وموضوعه (الحلال والحرام، الأحكام ، فضائل الأعمال، موعظة ، أدب)؛ ولذا فالتفاوت الحاصل في معاملة المرويات تشدد ا وتساهلا ، وكذا التفاوت الحاصل في النظر للرواة بتمرير (1) رواه الحاكم في المستدرك1/666). (2) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم2/30،31). (3) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي1/134). (4) وهذا ظاهر جدا من عبارته، وأوضحته بجلاء روايات أخرى؛ منها ما أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصــل (ص: 406) بلفظ: «خذ الحلال والحرام من المشهورين في العلم ، وما سوى ذلك فمن المشيخة» (5 )الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع2/91.)
عدد الصفحات ١٤منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 148 روايات بعضهم في أحوال وردها في أحوال أخرى = من أعظ م أسبابه تفاوت مضمون الخبر ذاته. المحدد الثاني: معرفة قائل الخبر: من ضمن المحد دات التي يتجه إليها نظر الناقد لتكوين دائرة غلبة الظن عنده بقبول الخبر أورده = النظر لقائل الخبر نفسه ؛ إذ الأخبار الشرعية عامة لا يخلو قائلها من أحد وجهين : إما أن يكون معصوم ا من الخطأ، وإما أن يكون غير معصوم؛ فينظر النقاد إلى قائل الخبر من حيث عصمته من الخطأ أو عدم عصمته، ومن حيث كون الكلام الصادر عنه تشريع ا أو لا، وكذا من حيث طبقته مع مضمون روايته للحكم بكون خبره له حكم الرفع أو لا ؛ وإنما قصدت تعديد بعض أحوال القائل تنبيها على كون تلك الأحوال وما شابهها من ضمن المؤثرات في حكم الناقد على الخبر ، سواء من حيث قبوله ورده أو من حيث ارتفاع منزلة الخبر من موقوف إلى مرفوع ... إلخ؛ إذ تختلف بناء على اختلاف القائل أحوالم تعامل الناقد مع الرواية تشدد ا وتساهلا قبولا ورد ا، ولما كانت أجل الأقوال منزلة وأرفعها درجة وأعظمها مكانة أحاديث رسول الله ×؛حظيت من الاحتياط في قبولها، والتشديد في رواتها، والتدقيق في شروطها بما لم يحظ به غيرها ؛ لكون الخبر الصادر عنه × في مقام التشريع وحي ا معصوم ا من الخطأ، وهذا التشدد والاحتياط إنما كان حتى قبل ظهور الإسناد واعتماده؛ فقد كان الصحابة يحتاطون في رواية حديث رسول الله × ويشددون في ذلك جدا، ويصور ابن قتيبة شيئ ا من ذلك بقوله : «وكان عمر أيض ا شديد ا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جل ة الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله × كأبي بكر،
عدد الصفحات ١٥مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية العدد الحادي والعشرون (جمادى الآخرة 1437ﻫ) 149 والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئ ا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل»(1). وهذا التشدد والاحتياط التام ورثه نقاد الحديث، فأسسوا عليه طريقة تعاملهم مع ما يروى عن رسول الله ×؛بل اختلف تعاملهم حتى مع نفس المروي عن رسول الله × بحسب مضمونه كما سلف. ولا شك أن منطق الفطرة والعقل يقتضي أن يكون احتياطهم وتشددهم في المروي عن رسول الله × وما يجري مجراه مما له حكم الرفع أكثر وأشد مماسوى ذلك من الأخبار ؛ إذ الثابت عنه تشريع معصوم ، والمروي عن غيره رأي غير معصوم، وإذا كانت درجات التشدد والتساهل تختلف صعود ا ونزولا حتى في المروي عن رسول الله × فبالأحرى ستختلف درجاتها عمن سواه ، ولهذا كان تحصيل غلبة الظن بقبول الخبر عن غير رسول الله × أيمن تحصيلها فيما يروى عنه ×. ولذا نقل عن سعد بن إبراهيم قوله : «ليس يحدث عن رسول ا × إ الثقات»(2)،ونقل عن أحمد قوله في جويبر بن سعيد: «ما كَانَ عن الضحاك فهو على ذاك أيسر، وما كَانَ بسند عن النبي × فهو منكر»(3). وكذا تختلف قيمة الأخبار الثابتة عن الصح ابة وترتفع درجتها عن أخبار من بعدهم في بعض الأبواب والأحوال، و تختلف تبع ا لذلك درجات التشدد والتساهل المؤثرة في القبول والرد ... إلخ. المحدد الثالث: إصابة ناقل الخبر أو خطؤه: الحكم الذي يصدره الناقد بقبول الرواية أو ردها عبر هذا المحدد مداره على (1) تأويل مختلف الحديث (ص89،90.) (2 )الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2 /31). (3) تهذيب الكمال في أسماء الرجال5 /168).
عدد الصفحات ١٦منهج المحدِّثين في نقد مرويات التفسير د. محمد صالح محمد سليمان 150 إصابة الرا وي أو خطئه ؛ فالعلة التي يؤسس الناقد عليها حكمه بقبول الرواية أوردها هي وقوع الخطأ في الرواية أو عدم وقوعه، فالخطأ خطأ ولو رواه الثقة، والصواب صواب ولو رواه الضعيف، ولا ينقلب الخطأ صوابا برواية الثقة له، ولا ينقلب الصواب خطأ برواية الضعيف له(1)؛ لأنه ليس ثم توثيق مطلق أو تضعيف مطلق للرواة بحيث يكون القبول ملازم ا لكل مرويات مَ ن ومص ف بالثقة، أو الرد ملازما لكل مرويات من وصف بالضعف؛ ولذا فليس من الصواب اعتماد مجرد الأوصاف النقدية للأئمة في كل رواية دون تحقيق مناطات تلك الأوصاف وتمنقحيها والخبرة بكيفيات تطبيقها ! قال الخليلي : «وإذا أمسن دَ لك الحديث عن الزهري وعن غيره من الأئمة ف تحكم بصحته بمجرد الإسناد؛ فقد يخطئ الثقة» (2). وقال أبو الوليد الباجي : «وقد يكون الحديث يرويه الثقة عن الثقة ولا يكون صحيح ا؛ لعلة دخلته من جهة غلط الثقة فيه، وهذه الوجوه كلها لا يعرفها إلا من كان من أهل العلم بهذا الشأن وتتبع طرق الحديث واختلاف الرواة فيه، وعرف الأسماء والكنى»(3). فكلامهم ظاهر جدا في أن نظر الناقد متجه للخطأ من حيث تسربه للخبر أو انتفائه عنه لا لذات الثقة ولا لذات الضعيف؛ لكون الحكم النقدي لا بد أن يكون مؤسس ا على شيء ثابت؛ وهو الجزم بانتفاء الخطأ أو الجزم بوقوعه، وهذا لا يكفي فيه مجرد كون الراوي من حيث الأصل ثقة أو ضعيف ا لما يلي: أ ) أن التوثيق لا يعني العصمة من الخطأ، والتضعيف لا يمنع من إصابة الصواب. (1) وليس معنى ذلك قبول كل ما أصاب فيه الضعيف مطلقا؛ لكون إصابته في بعض الروايات مفتقرة إلى قرائن أخرى تؤهلها لاعتماد الناقد لها وقبولها. (2) الإرشاد للخلي1/201 .) (3) التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح (1 /297).
عدد الصفحات ١٧