@ A L B A Y D H A 16 ويظهر الخطر الأكبر عندما تُربط هذه الصور بالحالة «الروحانية» للإنسان ، حيث تعظُم هالته وتمتد وتتلون كلما ازدادت روحانيته . فنفرح -بسذاجة -عندما نرى هالة أحد دعاة الإسلام قد امتدت بعيداً.. ثم نعجب ونتردد إذا رأينا هالة كاهن بوذي أو هندوسي قد فاقت هالة صاحبنا بأبعاد ! قال الحسن رحمه الله : ( ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام )
عدد الصفحات ١٧@ A L B A Y D H A 17 ة مما يتفطّر له القلب أن نرى من الملحدين والكفار الغربيين من يُحارب الخرافة ويتصدى لها أكثر من بعض المسلمين . سُمع الهروي يقول : ( عُرضتُ على السيف خمس مرات ، لا يُقال لي : ارجع عن مذهبك ، لكن يقال : اسكت عمن خالفك ، فأقول : لا أسكت ! ) .
عدد الصفحات ١٨@ A L B A Y D H A 18 قد يتساءل بعضهم : ما هي الإشكالية الشرعية في ممارسات«الطاقة»؟ وما علاقتها بالاعتقاد ؟ والجواب على ذلك من وجهين : الأول : أنه لما تقرر أن الطاقة دعوى لاتثبت علمياً في الاختبارات المخبرية فإنها لا تعد من الأسباب الكونية، وهي ليست من الأسباب الشرعية بالاتفاق . والأسباب تنقسم إلى: أسباب كونية وأسباب شرعية ، وما عدا ذلك فمن الشرك في الأسباب .كما لو قال أحدهم: ( سأتداوى بحلقة أو خرزة ) لم يجز له ذل ك . وقد قال للذي رأى عليه حلقة من صُفر (نحاس) يتداوى بها من الواهنة أو يتحصن بها منها [ :انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ]. كما نص على أن التمائم من الشرك، وذلك أنها ليست من الأسباب الكونية - بل خرافة لا تأثير لها في الحقيقة ، وكذلك «الطاقة» الفلسفية . ولو افترضنا -جدلاً - أنه تم اكتشاف نوع من الطاقة العلاجية وثبت ذلك وفق المنهج العلمي الحديث ، وأصبح من النظريات العلمية المعتبرة
عدد الصفحات ١٩@ A L B A Y D H A 19 لما عُدَّ التداوي بها من الشرك ، لأنها باتت سبباً كونياً -شريطة تجريدها من كل المفاهيم الفلسفية وترسباتها . ولكن الواقع اليوم على خلاف ذلك . فـ «الطاقة»المقصودة مرتبطة بمصطلحات وفلسفات لا علاقة لها بالعلم ، وتلك الفلسلفات هي في نفسها مخلة بالاعتقاد . الوجه الثاني : من تعلق ممارسات الطاقة بالاعتق اد يكمن في أصولها الفلسفية .فـ«الطاقةالكونية»هي المقابل الغربي للـ كي والـ تشي الطاوية والـ برانا الهندوسية . وهي مفاهيم متعلقة بنظرتهم المنحرفة للكون والوجود. فالفلسفة الشرقية فلسفة واحدية تؤمن بوحدة الوجود، ولا تعتقد بإله مفارق له - بل إن من اعتقد منه م ظاهرياً بوجود إله جعله مبدأ كونياً يسري في جميع الموجودات . إن الوجود المطلق المحرك للكون والمدبر له في الفلسفة الشرقية هو «الطاقة»، وهذا المبدأ هو بديل الربوبية عند القوم .وفي الفلسفة الطاوية يُعتقد أن الكون نشأ من فراغ ، وكانت «الطاقة الكونية »تشي ) هي الوجود الأولي المتولد عنه ، ثم انفصلت وتمايزت إلى الين واليانغ ، ومن خلال تفاعلهما - ومن بعدهما الأخلاط الخمسة - ظهر الكون
عدد الصفحات ٢٠@ A L B A Y D H A 20 للوجود . فـ «الطاقة» هي أسمى صور الوجود عندهم ، وهي الوسيلة للوصول إلى «الإشراق»الطاوي والاتحاد بالكون . وانظر إلى ما يقوله بعض ممارسي الطاقة من بني جلدتنا تعليقاً على كلام أوشو : “ سترى نفسك بأنك المحيط لمجرد وصولك إلى مركزية الوجود ، وستشعر بأنك جزء لا ينفصل عن الوحدة الكونية ، ومن الطاقة الكامنة فيك المتجسدة في طاقة الخالق العظيم . وهنا أعود لأذكركم بالعلاج : روحه روحي وروحي روحه إن يشأ شئتُ وإن شئتُ يشأ وحينها ستصبح الناظر والمنظور ، والقارئ والمقروء وستصبح الوجه والمرآة ، وتصبح كأعظم الكلمات في كتب الأناشيد ( الحلقة الكاملة ) المتعبد مع الله واحد ، الطالب والمطلوب واحد ، السائل هو نفسه يصبح الجواب . “ فالخطر ليس مجرد عدم ثبوت «الطاقةالكونية»الفلسفية علمياً ، بل الخطر الأدهى تعلقها بعقائد باطنية قد تجر صاحبها للقول بوحدة الوجود !
عدد الصفحات ٢١@ A L B A Y D H A 21 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدة وحدة الوجود : ( إن تصور مذهب هؤلاء كافٍ في بيان فساده ، ولا يحتاج - مع حُسن تصور- إلى دليلٍ آخر وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم ، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة )
عدد الصفحات ٢٢@ A L B A Y D H A 22 لا يمكن لممارسي«الطاقة»والمعالجين بها أن يفصلوا بينها وبين جذورها الفلسفية مهما سعوا إلى ذلك. فتلك الفلسفة هي مصدرها الرئيس الذي لا ينكره أحد ، وكما أن العبادات والطقوس الدينية للطاوية والهندوسية ليست من الأمور المشتركة التي يصح للمؤمن الانتفاع بها ، فكذلك فلسفاتهم ومعتقداتهم التي لا تستند إلى دليل من العقل أو الشرع ، بل هذه - قطعاً - أشد . ورغم محاولات «اسلمة»المتكررة عند بعضعهم ، إلا أن لوثات المعتقدات الباطنية تتسرب إلى ممارساتهم بعلمٍ منهم أو على غفلة . فهذه عبارة سُطرت في إحدى دورات ( الريكي ) «المؤسلمة». “ .. وتعمق في البحث عن أسبابها الحقيقية ، وحتى تقدر نعمة الحياة ، وتتعاطف مع جميع الكائنات الحية ، حتى تجد مورد رزقك الصحيح ، وتكون أميناً في عملك ، وحتى ترى في داخلك طبيعة عقلك وجسمك المتغيرة ، وحتى تتحد بالعقل الكلي فيما "الريكي" تدفق داخلك “
عدد الصفحات ٢٣@ A L B A Y D H A 23 وما مثل هؤ لاء إلا كمثل من يحاول جاهداً أسلمة عقيدة التثليث ، أو التناسخ دون جدوى . فكما يقول الفقهاء : ( نجس العين لا يطهُر ) . عندما نختلف مع ممارسي «الطاقة»في ثبوتها حقيقة ، والحكم الشرعي في الاستشفاء والاعتقاد بها ، فإن منطلقنا هو الشرع والعلم . فإن من لديه قراءة - ولو سطحية - للفلسفة الشرقية يُدرك أمرين : عمق الضلال في تلك الفلسفة ، ومدى تأثر ممارسات الطاقة بها . ومن اطلع على المنهج العلمي التجريبي ، والخطوات المتبعة فيه للإثبات ، أدرك - يقيناً - أن جل ممارسات الطاقة لا ترتقي لأدنى درجاته . فما هو هذا «العلم»الذي لا يثبت بالشرع ، ولا بالحس والعقل ؟! وما الذي جعل المختصين ينتقونه من بين سائر العلوم للتحذير منه منذ عقد من الزمن رغم تعدد النظريات العلاجية التي تُطرح في كل وقت وحين ؟ تأمل بإنصاف - رعاكَ الله - ولا تغُرك كثرة المخالفين .
عدد الصفحات ٢٤@ A L B A Y D H A 24 (ومن سنة ا أنه إذا أراد إظهار دينه ، أقام من يعارضه ، فيحق الحق بكلماته ، ويقذف بالحق على الباطل ، فيدمغه فإذا هو زاهق ) ابن تيمية .
عدد الصفحات ٢٥@ A L B A Y D H A 25 عند استعراض عدد من الكتابات التي تتناول«علم الطاقة»، سنجد فيها الكثير من الانحرافات العقدية الخطيرة ذات التعلق بالفلسفة التي تفرع عنها . فمنهم : من يقول أنك إذا عرفت «ذاتك الحقيقة»وقفت وجهاً لوجه مع الإله ! “ عندما يدخل الإنسان في جو من السكينة والهدوء، وينفصل مؤقتاً عن المألوف، ويترك لوحده ليرى ذاته الحقيقية كما هو حقيقة ، فإنه يقف وجهاً لوجه مع الله سبحانه . “ ومنهم : من يجعل اعتماده وتوكله على «طاقة»( الريكي ) . “.. ويمكنك الاعتماد على الريكي في أي وقت ، إنه موجود لكي يساعدك على تحقيق كل ما في نفسك ببساطة ويسر . كلما زادت قدرتك على الاسترخاء والانفتاح والثقة بالريكي زادت فعالية وكفاءة أدائه معك “
عدد الصفحات ٢٦@ A L B A Y D H A 26 ومنهممن يسأل الطاقة الشفاء من الداء وكشف البلاء .. “ ذات صباح كنتُ أعاني من قنوط ويأس ، طلبتُ من الريكي أن يوجهني أكثر من أن يشفيني ، وأصبح كل شيء واضح. “ ومنهم : من يزعم أنه يحاكي بالطاقة آيات الأنبياء . “ وقد كانت باستطاعة ( استبياني ) توسيع نطاق نمو النبات ، حيث كانت تسقى بماء وضع مسبقاً بين يديه . وإنها قوة خارقة التي تمتع بها السيد المسيح ، وكان يرد بها العافية للمرضى المؤمنين . “ ومنهم : من يستغيث بالطاقة وأرواح «السادة » مشركينها مع ا . “ قف أمام الطالب ، اطلب المساعدة من ( الطاقة الكونية ، الله ، الملائكة ، أهل الغيب .. ) وخاطبهم بقولك أنك تقوم بعملية توازن درجة أولى أو ثانية أو ثالثة . “ والقائمة - للأسف - تطول .
عدد الصفحات ٢٧@ A L B A Y D H A 27 (القلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه، وأبغضها ، ولم يلتفت إليها . بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح ) ابن القيم .
عدد الصفحات ٢٨@ A L B A Y D H A 28 ة قد يُقال : الانحراف في التطبيق لا يعني بطلان العلم في ذاته ، وهذا صحيح ، ولكنه لا ينطبق على علوم «الطاقة»الباطنية . فالانحرافات في هذا «العلم»مرتبطة بأصوله الفلسفية ، وليست من ابتداع أفراد الممارسين ، بل لا يكاد يوجد من يتناوله دون الإشارة إلى أصله الشرقي . فلو سرق مسلم -مثلا- ما صحت إدانة دينه بفعله ، لأن الإسلام ينهى عن السرقة ، بخلاف لو سرق مَن مذهبه يجيز ذلك . فخطأ الأول من عند نفسه ، وخطأ الثاني مبني على انحراف مذهبه - والفرق بينهما ظاهر ، ولله الحمد . ( كل ذي مقالة فلا بد أن تكون في مقالته شبهة من الحق ، ولولا ذلك لما راجت واشتبهت ) شيخ الإسلام
عدد الصفحات ٢٩@ A L B A Y D H A 29 تنقسم مواقف الناس تجاه الفلسفة الفكرية الوافدة على العا الإسلامي - سواء الفلسفة اليونانية سابقاً أو الشرقية اليوم - إلى ثلاثة أقسام : قسم انبهر بها كلياً، وتقبلها كما هي بأسمائها ومسمياتها ، شكلاً ومضموناً . وهؤلاء أمرهم ظاهر ، ومواقفهم واضحة وصريحة . وقسم أعجب بالفلسفة مع عدم تخليه عن مبادئ الشرع في الظاهر أو الباطن ، فحاول الجمع بين الفلسفة والدين ، وخلط بينهما في الاصطلاحات والمفاهيم . وهؤلاء خطرهم على العوام أشد ، لسببين : أن سياقهم الآيات والأحاديث للاستدلال على المبادئ الفلسفية يلبّس على العامي حتى يعتقد أنها من الشرع . بالإضافة إلى إحداث البدع الاعتقادية والسلوكية في الدين ، وهي نتيجة استبدال الاصطلاحات الشرعية بالفلسفية والعكس ، ومحاولة الجمع بين المفاهيم . وقسم ثالث رفضوا قبول الفلسفات الفكرية- التي تتناول الغيبيات والإلهيات - بالجملة ، ومن هؤلاء من اكتفى بالتحذير العام دون الخوض في التفاصيل ، ومنهم من تناول الرد عليها بالتفصيل ، كما
عدد الصفحات ٣٠@ A L B A Y D H A 30 فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أئمة المسلمين . وما أشبه الليلة بالبارحة ، قال شيخ الإسلام : ( والفلاسفة هم الذين أفسدوا أهل الملل قبلنا ، مللهم ، وتواريخهم ) .
عدد الصفحات ٣١@ A L B A Y D H A 31 كنا قد أشرنا إلى أنه نتج عن محاولات الجمع بين ممارسات«الطاقة» والشرع عدد من البدع السلوكية والاعتقادية، كما حصل سابقاً عند محاولة الجمع بين الفلسفة والدين ، فكان من أبرز تلك البدع ما يُطلق عليه : التفسير الفلسفي للقرآن ، وهو تفسير الآيات القرآنية وفق المفاهيم الفلسفية الوافدة أياً كانت . ومن أمثلة ذلك : تفسير الـ ين يانغ الطاوية بالزوجية أو العكس . “ مبدأ الين واليانغ : مفهوم الذكر والأنثى تجده في القرآن الكريم ، بأن الله خلق من كل شيء زوجين اثنين ، ولا يوجد شيء على هذه الأرض مهما كان مفردا . الواحد فقط هو الله سبحانه . وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِنْ كُل ّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْن اثْنَيْن ۖ . “ أو تفسير قوله تعا{ سراجاً منيراً } بهالة الطاقة ، وغيرها من الآيات . “ الهالة النورانية في القرآن: يقول الله تعالى في سورة الأحزاب يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إ نَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إ لَى اللَّهِ بِإ ذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا فالن لم ير له ظل وقع على الأرض “
عدد الصفحات ٣٢