المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دين الموتى عبدالله بن صالح.1

غير معروف

صفحة ٣ من ١٣

37 بيــن المحصــن وغيــر المحصــن ولذلــك قــال عمــر ألا تــرى أنّ الشــيخ إذا زنــى ولــم يحصــن جلــد، وأنّ الشــاب إذا زنــا وقــد أحصــن رجــم. فــدلّ أنهــم كانــوا يتصرّفــون فــي القــرآن بآرائهــم. وفــي الســنن الأربعــة عــن عائشــة قالــت: لقــد نزلــت آيــة الرجــم والرضاعــة، فكانتــا فــي صحيفــة تحــت ســريري، فلمــا مــات رســول اللــه صلّــى اللــه عليــه وســلّم تشــاغلنا بموتــه فدخــل داجــن فأكلهــا؟ قــال ابــن حــزم فــي المحلــى: وهــذا حديــث صحيــح. وروى البخــاري قالــت عائشــة: كان فيمــا أنــزل عشــر مرضعــات معلومــات فنســخن بخمــس معلومــات. فتوفــي رســول اللــه صلّــى اللــه عليــه وســلّم وهــنّ ممــا يقــرأ فــي القــرآن. فقولهــا وهــنّ ممــا يقــرأ مــن القــرآن، يــدلّ علــى بقــاء توفــي وبعــض النــاس يقرؤهــا. ﷺالتــلاوة وأنّ النبــي وآيــة فــي الجهــاد أســقطت وروى أبوعبيــد بســنده إلــى عمــر أنــه قــال لعبــد الرحمــن بــن عــوف: ألــم تجــد فيمــا أنــزل علينــا أنْ جاهــدوا كمــا جاهدتــم أوّل مــرّة فإنّــا لا نجدهــا. قــال: أســقطت فيمــا أســقط مــن القــرآن. و ذكــر الســيوطي أن ســورتين - تعرفــان اليــوم بدعــاء القنــوت - مــن جملــة القــرآن وأنّ كلّ ســورة منهمــا ببســملة

عدد الصفحات ٣٧

38 وفواصــل، إحداهمــا تســمّى ســورة الخلــع والأخــرى ســورة الحفــد، وروي أنهمــا كانتــا فــي مصاحــف ابــن عبــاس وابــن مســعود وأبــي بــن كعــب، وأن أبــا موســى الأشــعري كان يقرأهمــا، وعمــر كان يقنــت بهمــا. وترتيبهمــا فــي مصحــف أُبــي بعــد ســورة العصــر. وهما على التوالي: (اللهــم إنــا نســتعينك ونســتغفرك ونثنــي عليــك ولا نكفــرك، ونخلــع ونتــرك مــن يفجــرك) (اللهــم إيــاك نعبــد ولــك نصلّــي ونســجد وإليــك نســعى ونحفد، نرجــو رحمتــك ونخشــى عذابــك إنّ عذابــك بالكفــار ملحق) وأخــرج الطبرانــي فــي الدعــاء عــن عبــد اللــه بــن زريــر الغافقــي قــال: قــال لــي عبــد الملــك بــن مــروان: لقــد علمــت مــا حملــك علــى حــب أبــي تــراب (أي علــيّ) إلا إنــك أعرابــي جــاف، فقلــت: واللــه لقــد جمعــت القــرآن مــن قبــل أنْ يجتمــع أبــواك، ولقــد علّمنــي منــه علــيّ بــن أبــي طالــب ســورتين علّمهمــا إيــاه رســول اللــه صلّــى اللــه عليــه وســلّم مــا علمتهما أنــت ولا أبــوك، وذكــر الآيتيــن. وأخــرج البيهقــي مــن طريــق ســفيان الثــوري أنّ عمــر بــن الخطــاب قنــت بعــد الركــوع فقــال:

عدد الصفحات ٣٨

39 بســم اللــه الرحمــن الرحيــم، اللهــم إنــا نســتدعيك ونســتغفرك ونثنــي عليــك ولا نكفــرك ونخلــع ونتــرك مــن يفجــرك، اللهــم إيــاك نعبــد ولــك نصلّــي ونســجد وإليــك نســعى ونحفــد، نرجو رحمتــك ونخشــى نقمتــك، إنّ عذابــك بالكافريــن ملحــق. ثــم قــال ابــن جريــج معلقًــا: حكمــة البســملة أنهمــا ســورتان فــي مصحــف بعــض الصحابــة. وأخــرج محمــد بــن نصــر المــروزي فــي كتــاب الصــلاة عــن أبــي بــن كعــب أنــه كان يقنــت بالســورتين فذكرهمــا، وأنــه كان يكتبهمــا فــي مصحفــه. وأخــرج الطبرانــي بســند صحيــح عــن أبــي إســحاق، قــال: أمّنــا أميّــة بــن عبــد اللــه بــن خالــد بــن أســيد بخراســان، فقــرأ بهاتيــن الســورتين: إنــا نســتعينك ونســتغفرك (يقصــد ســورة الخلــع والحفــد). وتذكــر الروايــات أن فــي مصحــف ابــن مســعود مائــة واثنتــا ســورة، ) 114( ســورة بدل مائة وأربع عشــرة )112(عشــرة إذ لــم يعتــد بالمعوذتيــن بينمــا فــي مصحــف أبــيّ بــن كعــب اثبــت فاتحــة الكتــاب والمعوذتيــن وســورة الخلــع والحفــد، وتركهــنّ ابــن مســعود وكتــب عثمــان منهــم فــي المصحــف الإمــام فاتحــة الكتــاب والمعوذتيــن وتــرك ســورتي القنــوت.

عدد الصفحات ٣٩

41 رد الشبهات والروايات إشكالية الحفظ الإلهي والخوف الإنساني والثقة بالرقاع ومــن هنــا نتطــرّق إلــى صحّــة مجموعــة مــن الروايــات، التــي قــد تكــون صادمــة للبعــض تتنــاول بتنوّعهــا أنواعًــا مــن الشــكوك والشــبهات بحــالات مختلفــة كمــوت الصحابــي الــذي يحفــظ الآيــة دون غيــره، أو لتلــفٍ لَحِــق ببعــض الصحــف التــي كتــب عليهــا بعــض القــرآن، أو لأنّ القــارئ لــم يــأت بشــاهد علــى قراءتــه أو حفظــه.

عدد الصفحات ٤١

42 مــن هــذه الروايــات أنّ الصحابــة كانــوا يشــعرون بخــوف كبيــر مــن تحريــف القــرآن وتبديلــه، كمــا جــاء علــى لســان كثيــر منهــم ومــن ذلــك قــول حذيفــة بــن اليمــان لعثمــان، أدرك الأمــة قبــل أن يختلفــوا (فــي القــرآن) اختــلاف اليهــود والنصــارى. وهــذا يضعنــا أمــام حقيقــة تــكاد تشــكك بنظريــة حفــظ اللــه للقــرآن (إنــا نزلنــا الذكــر)، وهــذا يقودنــا إلــى أن نســأل أيضًــا: إذا كان الصحابــة أنفســهم لا ينزّهــون أنفســهم عــن الوقــوع فــي التقــوّل والتهمــة، بدليــل اشــتراطهم الشــهود علــى القــرّاء، فــإنّ مــن جــاء بعدهــم مــن فقهــاء ومحدثيــن قــد أسّســوا لعقيــدة دخيلــة فــي الإســلام لا يقوم لها دليــل معقول أو مــروي، مفادهــا أنّ الصحابــي لا يطعــن فــي عدالتــه وصدقه، ولا يتّهــم فــي دينــه وأمانتــه. هــل تتفــق هــذه الأقــوال عــن عدالــة الصحابــة التــي أسســت لهــا الروايــات، مــع الوقائــع التاريخيــة التــي تقــول إنّ الصحابــة، بــل المجتمــع الصحابــي بأســره (إن صــحّ التعبيــر) وقعــوا فــي إشــكالات - فــي حيــاة وبعــده - فــي أتــون الصراعــات المحمومــة علــى ﷺالنبــي الســلطة والزعامــة الدينيــة والسياســية بيــن المهاجريــن والأنصــار، وبيــن بنــي هاشــم وبنــي أميّــة وغيــر ذلــك مــن الوقائــع التــي تدحــض فكــرة عدالــة الصحابــة وخلوّهــم مــن الهــوى والمؤثــرات النفســية التــي تعتــري البشــر مهمــا بلغــت درجتهــم أو علــت مرتبتهــم.

عدد الصفحات ٤٢

43 الإعجاز اللفظي والبلاغي يُعــد الإعجــاز اللفظــي والبلاغــي مــن دعائــم الاحتجــاج علــى صحّــة نســبة القــرآن إلــى اللــه، ويعتبــر مــن أعظــم دلائــل النبــوّة، المتمثلــة فــي تقبــل القلــوب لــه وترديــده بالقــراءة والتــلاوة بــلا ملــل، وفــي مــا تضمنــه مــن إخبــار عــن غيبيــات حدثــت فــي الماضــي أو أحــداث مســتقبلية، وفــي مــا جــاء فيــه مــن ســنن كونيــة ونواميــس و أدلــة عقليــة علــى الوجــود الإلهــي وقــد تحــدّى اللــه ســبحانه العــرب المكذبيــن بالدعــوة المحمديــة بالإتيــان بســورة أو آيــة مــن مثلــه وأنهــم لــم يســتطيعوا. فــإنّ خــوف الصحابــة مــن أن يدخــل علــى القــرآن مــا ليــس فيــه، إضافــة إلــى اشــتراطهم الشــهود علــى القــرّاء، يطعــن فــي صحــة هــذه النظريــة خاصــة إذا علمنــا أنّ الكثيــر مــن الآيــات التــي أتــى بهــا بعــض الصحابــة، لــم تقبــل منهــم لأنهــم لــم يأتــوا بشــاهدين علــى صحتهــا، وليــس للإعجــاز مــن عدمــه محــلّ فيهــا، كآيــة الرجــم وســورتي القنــوت التــي أتــى بهــا بعــض كبــار الصحابــة ورُدّت عليهــم. كمــا أنّ المفــروض حســب نظريــة الإعجــاز اللفظــي أنّ النــصّ القرآنــي الــذي هــو كلام اللــه تأليــف معجــز، ونظــم معــروف، وخــرق للعــادة، وينبغــي أن يتميّــز بوضــوح لا يرقــى لــه شــك عــن غيــره مــن النصــوص البشــرية، وإلا فــلا معنــى للإعجــاز ولا للتحــدّي!

عدد الصفحات ٤٣

44 التواتر ومــن جهــة أخــرى فــإنّ العلمــاء المســلمين يحتجّــون علــى بأنــه وصلنــا ﷺصحّــة ثبــوت نســبة القــرآن، إلــى النبــي عــن طريــق التواتــر ويعرّفــون التواتــر بأنــه مــا رواه الجمــع الكثيــر عــن الجمــع الكثيــر، وبالتالــي هــو الاتفــاق الجمعــي بيــن المســلمين، بــدءًا مــن وفــاة الرســول إلــى اليــوم، وأن هــذا الــذي بيــن أيدينــا الموجــود بيــن دفتــي المصحــف هــو ، ﷺكلام اللّــه وكتابــه الــذي نزلــه علــى خاتــم رســله محمــد مــن مبتــداه إلــى منتهــاه تحيــل العــادة تواطئهــم علــى الكــذب. ونحــن إنْ ســلّمنا جــدلاً بســلامة هــذا التعريــف مــن الجهــة الإســتدلالية والثبوتيــة، فــإنّ القــرآن لا تنطبــق عليــه التواتريــة مــن جهــة مبتــداه، فبحســب الروايــات، فــإنّ الذيــن جمعــوا القــرآن كانــوا أقليّــة مــن الصحابــة لا تنطبــق عليهــم صفــة الجمــع الغفيــر الــذي يثبــت بــه التواتــر، ولذلــك كان الصحابــة أنفســهم علــى توافــر النــاس وقــرب العهــد، يشــترطون شــاهدين لقبــول مــا يأتيهــم بــه النــاس مــن القــرآن علمًــا بــأنّ الأكثريــة مــن الصحابــة كانــوا يحفظــون أجــزاءًا مــن القــرآن، والأقلّــون هــم مــن كان يحفظــه كامــلاً، بــل يذهــب أنــس بــن مالــك حيــن ســأله قتــادة عمّــن جمــع القــرآن فــي عهــد النبــي ، قــال أربعــة كلّهــم مــن الأنصــار: أبــيّ بــن كعــب، ومعاذ ﷺ بــن جبــل، وزيــد بــن ثابــت، وأبــو زيــد. قلــت: مــن أبــو زيــد؟

عدد الصفحات ٤٤

45 قــال: أحــد عمومتــي. هــذه صيغــة البخــاري وفــي روايــة لثابــت عــن أنــس جــاءت بصيغــة الحصــر قــال: مــات النبــي صلــى اللــه عليــه وســلم ولــم يجمــع القــرآن غيــر أربعــة أبــو الــدرداء، ومعــاذ بــن جبــل، وزيــد بــن ثابــت، وأبــو زيــد. روايات قلقة مــن عــادة كثيــر مــن العلمــاء حشــر كثيــر مــن هــذه الروايــات فــي بــاب الناســخ والمنســوخ معتمديــن علــى محــض آرائهــم، وخالــص أهوائهــم، غيــر أن علمــاء آخريــن أنكــروا أن يكــون مــا ســقط مــن القــرآن مــن النســخ، إذ مــن غيــر الجائــز نســخ كمــا قــرره القاضــي ﷺشــيء مــن القــرآن بعــد وفــاة النبــي أبــو بكــر فــي الانتصــار، وقالــوا إن مــا ذكــر مــن الزيــادة والنقصــان فــي القــرآن يرجــع إلــى خبــر الآحــاد والقــرآن لا يثبــت بهــا وإنمــا يثبــت بالتواتــر. وســنعرض بعــض هــذه الروايــات: إذا كان القــرآن يقــرر ومــن ورائــه علمــاء المســلمين أنّ معجزتــه التــي أفحمــت العــرب وألجمتهــم، وجعلتهــم يذعنــون لمــا جــاء بــه ويؤمنــون بنبيــه هــي خرقــه العــادة فــي أســلوبه وبلاغتــه، وقــد كانــوا أفصــح الفصحــاء و الخطبــاء، وأنــه تحدّاهــم علــى أن يأتــوا بمثلــه وأمهلهــم طــول الســنين، فلــم يقــدروا كمــا قــال،

عدد الصفحات ٤٥

46 ﴾تُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ۡ فَلۡيَأ﴿34سُورَةُ الطُّورِ ثم تحدّاهم بعشر سور منه في قوله، تُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ ۡ مۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأ َ أ﴿ 13سُورَةُ هُودٍ ﴾مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَِّ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ثم تحدّاهم بسورة في قوله، ﴾تُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ ۡ مۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأ َ أ﴿٣٨ سُورَةُ يُونُسَ ثم كرر في قوله، ﴾تُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ ۡ وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأ ﴿ 23سُورَةُ البَقَرَةِ وأنــه لــم يقــدر أحــد علــى معارضتــه بعــد تحدّيهــم بذلــك وأنــه نــادى عليهــم بإظهــار العجــز وإعجــاز القــرآن، تُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ ۡ ن يَأ َ قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أ ﴿ ﴾تُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ۡ لَا يَأ 88سُورَةُ الإِسۡرَاءِ وأنهــم لــو كان فــي مقدورهــم معارضتــه لعدلــوا إلــى ذلــك قطعًــا للحجــة. فــإن اختــلاف الصحابــة فــي إثبــات ورفــض بعــض الآيــات التــي أوردنــا بعضهــا أعــلاه يطــرح إشــكالاً علــى مســتوى الإعجــاز الــذي هــو منــاط الإيمــان والتصديــق، إذ أنهــم اشــترطوا لقبــول القطعــة مــن القــرآن الشــهود وكان الأولــى اشــتراط الإعجــاز الــذي عليــه مــدار الإيمــان بــه، والــذي لــولاه لمــا آمــن العــرب.

عدد الصفحات ٤٦

47 هــذا مــن جهــة ومــن جهــة أخــرى فإنــك إذا اعتبــرت ســورتي الخلــع والحفــد مثــلاً اللتيــن كان يعدّهمــا بعــض الصحابــة مــن القــرآن، وبالتالــي يحمــلان معنــى الإعجــاز الخــارق للعــادة، وهمــا عنــد عامــة المســلمين اليــوم دعــاء كباقــي الأدعيــة المأثــورة، فإننــا نتســاءل مــاذا لــو أنّ عثمــان أثبتهمــا فــي المصحــف الإمــام؟ هــل كان للمفســرون والمؤلفــون فــي أوجــه إعجــاز القــرآن، كالخطابــي والرمانــي، والزملكانــي، والــرازي، وابــن ســراقة والقاضــي أبــو بكــر الباقلانــي، وبديــع الزمــان النورســي وغيرهــم كثيــر، أقــول هــل كان لهــم أن يتوانــوا - بــكل مــا أتقنــوه مــن صناعــة الــكلام وفنــون الاســتنباط ووجــوه البلاغــة- عــن أن يثبتــوا للنــاس أنهمــا معجزتــان خارقتــان للعــادة وأن المنكــر لهمــا إنمــا هــو منكــر بلســانه لا بقلبــه، وأنــه معانــد ملحــد فــي آيــات اللــه. لقــد مضــى علــى نــزول القــرآن أكثــر مــن أربعــة عشــر قرنا، ولــم يتحــرّر بعــد محــل تاريــخ جمــع القــرآن وتدوينــه، فمــن قائــل إنــه دُوّن فــي عهــد رســول اللــه، وعلــى يــد رســول اللــه. وقائــل إنــه لــم يتــمّ جمعــه وتدوينــه فــي حياتــه، وإنمــا جمــع القــرآن ودوّن بعــد وفاتــه. الــرأي الأول، قائلــوه قليلــون، والــرأي الآخــر هــو الســائد، وقائلــوه لا يحصــون!

عدد الصفحات ٤٧

إن الأخبــار والمرويــات لا يحكــم لهــا، ولا عليهــا، بكثــرة القائليــن، أو قلّتهــم، وإنمــا يحكــم لهــا، أو عليهــا بحكــم الأدلّــة العلميــة التــي تتســم بالرصانــة، وتتميز بالثقل العلمي، فلننظر أي القولين أرجح دليلا، وأقوى ثبوتا.

عدد الصفحات ٤٨

49 هل قضى النبي ﷺ دون أن يدوّن القرآن؟ هــل فــارق رســول اللــه أصحابــه، وغــادر الدنيــا، ولــم يجمــع القــرآن، ولــم يدونــه، ولــم يرتبــه، ولــم يحصّنــه، ولــم يحكــم الأســوار حولــه، ولــم يطمئــن إلــى حفظــه، وصيانتــه مــن الضيــاع؟ هــل توانــى رســول اللــه عــن جمــع القــرآن؟ وهــو الــذي كان علــى علــم وبصيــرة بمــا أصيبــت بــه الأمــم الســالفة بعــد رســلهم، حيــث ضيّعــوا مــا جــاءت بــه رســلهم، وتلاعبــوا بــه، وأحدثــوا فيــه مــا أملــت عليهــم أهواؤهــم، مــن تحريــف وتبديــل! هــل أغفــل رســول اللــه جمــع القــرآن وهــو علــى علــم بــأن القــرآن خاتــم الكتــب؟ وهــو خاتــم الأنبيــاء، وأنّ أيّ تفريــط فــي حفظــه، وتدوينــه، أو حصــول تقديــم أو تأخيــر، أو تبديــل أو تحريــف فهــو خــزي الأبــد، حيــث لا يأتــي بعــده كتــاب يهــدي النــاس إلــى الرشــد، ويصلــح مــا فســد مــن أمرهــم، ويذكّرهــم بمــا نســوا مــن كتــاب ربهــم.

عدد الصفحات ٤٩

50 إن لــم يســتطع الرســول أن يجمــع القــرآن، ويرتبــه بيــن الدفتيــن، فــي حياتــه، فمــا الــذي منعــه مــن الوصيــة فــي جمعــه، وترتيبــه بعــد وفاتــه؟. وهــل أوصــى المســلمين فــي خطبــة الــوداع بالتمســك بكتــاب اللــه، ولــم يــوصِ بجمعــه وترتيبــه، و حتــى تدوينــه؟ إنْ كان القــرآن لــم يــدوّن بعــد، ورأى أبــو بكــر وعمــر ضــرورة تدوينــه، فهــل يُعقــل أن يُســند هــذا الأمــر الخطيــر العظيــم إلــى شــخص واحــد هــو زيــد بــن ثابــت الأنصــاري فلــم يجمــع لــه المســلمين كلّهــم، ومــن ثــم تشــكل لجنــة تضــمّ ناسًــا يكونــون موضــع ثقــة وتقديــر عنــد الجميــع. ثــم مــاذا قصــدت الروايــة عــن زيــد بــن ثابــت إذ يقــول: "فواللــه لــو كلفنــي نقــل جبــل مــن الجبــال مــا كان أثقــل علــيّ ممــا أمرنــي بــه مــن جمــع القــرآن"؟ ومــاذا كان عملــه؟ وكيف كانــت خطتــه فــي جمــع القــرآن؟ وأيــن ذهبــت تلــك الصحــف التــي كان يكتبهــا كتّــاب الوحــي، كلّمــا كان يأتــي الوحــي، وهــو منهــم؟ فإننــا لا نســمع لهــا صــدًى فــي عمــل جمــع القــرآن؟ ومــا كان المقصــود بقولــه: "فتتبعــت القــرآن أجمعــه مــن الرقــاع والأكتــاف والعســب وصــدور الرجــال"؟ هــل كان يُكتــب القــرآن فــي أيــام الوحــي علــى الرقــاع والأكتــاف والعســب، واللخــاف؟ وهــل اســتُخدمت تلــك الأشــياء لكتابــة

عدد الصفحات ٥٠

51 القــرآن فقــط، أم اســتخدمت لكتابــة أشــياء أخرى غيــر القرآن؟ هــل كتبــت المعلقــات العشــر، أو قصائــد فحــول الشــعراء علــى العســب واللخــاف؟ هــل كانــت العهــود والمواثيــق بيــن القبائــل، وبيــن المســلمين واليهــود، وبيــن المســلمين والقــرى، كلهــا كانــت تكتــب علــى الرقــاع والأكتــاف؟ أي شــيء كان يكتــب علــى الرقــاع والأكتــاف، وعلــى العســب واللخــاف حتــى يكتــب عليهــا القرآن؟ لــو صدقنــا هــذه الروايــات فإلــى كــم مــن الأحجــار أو أجــزاء النخيــل أو العســب أو الأكتــاف نحتــاج لكتابــة هــذه الآيــات؟ خاصــة لــو علمنــا أن القــرآن الــذي نــزل فــي مكــة يشــكل نحــو ثلثــي المصحــف – إنــه يحتــاج إلــى ً عشــرين بعيــر ليحملــه. ولــم نعلــم مــن أنبــاء الهجــرة أن قافلــة كتلــك، قبــل ، هاجــرت ومعهــا هــذا الحمــل ﷺ أو مــع النبــي ﷺالنبــي الغريــب.

عدد الصفحات ٥١

52 إن القــرآن أرشــد المؤمنيــن إلــى أحســن شــيء يكتبــون عليــه القــرآن، حينمــا قــال: ﴾وَٱلطُّورِ ﴿١سُورَةُ الطُّورِ ﴾وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ﴿٢سُورَةُ الطُّورِ ﴾ٖ مَّنشُورٖ �﴿3سُورَةُ الطُّورِ والــرقّ كان عندهــم متوفــرًا، وهــو جلــد رقيــق يكتــب فيــه، وكان أســهل فــي الكتابــة، وأســهل فــي القــراءة، وأســهل فــي الترتيــب، وأســهل فــي المراجعــة، وأســهل فــي الحمــل والنقــل، فمــا الــذي صــرف المســلمين عــن الــرقّ إلــى غيــره؟

عدد الصفحات ٥٢

53 والعــرب كانــوا يســتعملونه عــادة، وكانــوا يذكرونــه فــي شــعرهم، كمــا قــال الأخنــس بــن شــهاب التغلبــي: لاِبْنَةِ حِطَّانَ بنِ عَوْفٍ مَنازِلٌ كما رَقَّشَ العُنْوانَ في الرّقّ كاتِبُ )36/1(المفضليات وقال طرفة بن العبد: كسطور الرقّ رقشه بالضحى مرقش بشمه )250/2الأمالي في لغة العرب( وقال آخر: يَحوكُهما ذَهبٌ في لُجَيْنٍ كمَشْقِك في الرَّقِّ خَطًّا دَقِيقَا )111/1الشمشاطي، الأنوار ومحاسن الأشعار(

عدد الصفحات ٥٣