21 التواتر اللفظي مــا إذا اتّحــدت ألفــاظ المخبريــن فــي خبرهم، وبعبــارة أخرى: التواتــر اللفظــي هــو اتفــاق الناقليــن الذيــن يمتنــع اجتماعهــم علــى الكــذب عــادة فــي نقــل ألفــاظ الخبــر وعباراتــه، كتواتــر نقلهــم (إنمــا الأعمــال بالنيّــات) أو قولــه (صلّوا كمــا رأيتموني أصلي). التواتر المعنوي وهــو اتفاقهــم علــى نقــل مضمــون واحــد وإن اختلفــوا فــي نقــل الألفــاظ، ســواء كانــت دلالــة ألفاظهــم علــى المضمــون بالمطابقــة أو بالتضمــن أو بالالتــزام. والتواتــر المعنــوي هــو أكثــر الأنــواع المتواتــر قياسًــا بالتواتر اللفظــي وإنّ غالــب المعــارف الدينيــة وجــزاء العبــادات قــد نقلــت لنــا مــن خــلال هــذا النــوع مــن التواتــر كعــدد الركعــات ومبطــلات الصيــام. وأركان الحــج والــزكاة و...
عدد الصفحات ٢١22 الكتابة قــال فــي اللســان: (كتــب الشــيء كتْبًــا وكتابًــا وكتابــة وكتبــه خَطَّــه فكتابــة الشــيء خطّــه). التدوين قــال فــي اللســان: (والديــوان مجتمــع الصحــف). (ودوّنــه تدوينًــا جمعَــه، وعليــه فالتدويــن هــو جمــع الصحــف المشــتتة فــي ديــوان ليحفظهــا). التصنيف قــال فــي اللســان: والتصنيــف تمييــز الأشــياء بعضهــا مــن بعــض، وصنّــف الشــيء ميّــز بعضــه مــن بعــض، وتصنيــف الشــيء جعلــه أصنافًــا. وعليــه فالتصنيــف تمييــز الجزئيــات، كأن يميــز المصنّــف الصــواب مــن الخطــأ والأهــم مــن المهم. وهــذا تعريــف موجــز للكتابــة والتدويــن والتصنيــف يتضــح منــه الفــرق بيــن كلٍّ منهــا. بنــاءًا علــى مــا تقــدم، فالقــول إن الســنّة دُوّنــت فــي نهايــة القــرن الأول، لا يســتفاد منــه أنهــا لــم تُكــن مكتوبــة فيمــا ســبق، بــل يفيــد أنهــا كانــت مكتوبــة لكنهــا لــم تصــل إلــى درجــة التدويــن.
عدد الصفحات ٢٢23 مظاهر وإشكالات الروايات في كتابة وجمع القرآن إنّ الروايــات الكثيــرة التــي خــاض فيهــا الســلف وقدّمــوا أجوبتهــم عنهــا فــي حــدود المــوروث القديــم، والمرتبــط بزمانهــم الثقافــي والاجتماعــي والحضــاري العــام، يقع خارج نطــاق زماننــا المطبــوع بــروح التجريد فــي البحــث، والتحفظ والشــك فــي المواطــن التــي وجــدوا فيهــا ثقــة واطمئنانــا. والحقيقــة أنّ مــا ترويــه كتبهــم حــول مســألة جمــع القــرآن ﷺيطــرح عــدّة إشــكالات، ليــس فقــط حــول رحيــل النبــي دون جمــع كتابــه و حــول مســألة حفــظ القــرآن وصيانتــه، وإنمــا أيضًــا علــى مســتوى عقيــدة الإعجــاز اللفظــي والبلاغــي للقــرآن، وعدالــة الصحابــة والتابعيــن، والمحدثيــن والمفســرين، ممــا خلّــف تراثًــا متورمًــا اختلــط فيــه حابــل الروايــات بنابــل العنعنــة و القيــل والقــال، ولــم يســلم، حتــى القــرآن الــذي بيــن أيدينــا - الــذي نؤمــن بأنه كلام اللــه الموحى
عدد الصفحات ٢٣24 بــه للنبــي - لــم يســلم مــن تنــازع تلــك الروايــات ولا حتــى ســلم ممــا نســبته لــه. وســوف نعــرض فيمــا يلــي ﷺالنبــي لتلــك الروايــات والنصــوص التــي أوردهــا المفســرون وأهــل الحديــث وغيرهــم حــول مســألة جمــع القــرآن ونعقــب عليهــا بمــا تســتحق. إشكالات الجمع الأول تعــدّد الروايــات، تــكاد تجمــع الروايــات والعنعنــات فــي هــذا كان إذا نزلــت عليــه الآيــة أو ﷺالشــأن علــى أنّ النبــي الآيــات مــن القــرآن، يقرأهــا علــى مــن حضــر مــن أصحابــه فيحفظونهــا ويُقرِؤونهــا غيرهــم ممــن غابــوا. ثــم يعمــدون إلــى كتابتهــا علــى المــواد والأدوات المتوافــرة فــي ذلــك العصــر: كالرقــاع، واللخــاف، والعســب، وقطــع الأديــم، وعظــام الأكتــاف والضلــوع وغيرهــا... ولمّــا قبــض النبــي لــم يكــن القــرآن قــد جمــع فــي موضــع واحــد، ولــم ﷺ يكــن مرتــب الســور كمــا هــو اليــوم، وإنمــا بقــي مفرقًــا فــي الصحــف والرقــاع وصــدور الصحابــة. وتــكاد تتطابــق معظــم تلــك الروايــات علــى أنّ أوّل مــن جمــع القــرآن الخليفــة الأول أبوبكــر بطلــب مــن الخليفــة الثانــي عمــر، وذلــك اســتنادًا إلــى مــا رواه البخــاري فــي صحيحــه - بــاب جمــع القــرآن- تقــول الروايــة التــي يرويهــا زيــد بــن
عدد الصفحات ٢٤25 ثابــت أبــرز كتــاب الوحــي، إنّ أبــا بكــر بعــث إليــه عقــب وقعــة اليمامــة التــي مــات فيهــا كثيــر مــن القــراء وطلــب إليــه أن يتتبــع القــرآن ويجمعــه، مخافــة أن يضيــع منــه الشــيء الكثيــر. يقــول زيــد: "فتتبعــت القــرآن أجمعــه مــن العســب واللخــاف وصــدور الرجــال حتــى وجــدت آخــر ســورة التوبــة مــع أبــي خزيمــة الأنصــاري لــم أجدهــا مــع أحــد غيــره. ثــم قــال، فكانــت الصحــف عنــد أبــي بكــر حتــى توفــاه اللــه، ثــم عنــد عمــر، ثــم عنــد حفصــة بنــت عمــر. كمــا أنّ هنــاك بعــض الروايــات تشــير إلــى أنّ عليًــا كان أوّل مــن تصــدّى لهــذا الأمــر، وممــا يســتدلّ بــه علــى ذلــك مــا أخرجــه ابــن أبــي داوود فــي المصاحــف مــن طريــق ابــن ســيرين، قــال: قــال علــيّ: "لمّــا مــات رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وســلم آليــت أن لا آخــذ علَــيّ ردائــي إلا لصــلاة جمعــة حتــى أجمــع القــرآن فجمعتــه". وتشــير روايــات أخــرى إلــى أنّ عمــر كان أوّل مــن بــادر بنفســه إلــى ذلــك. كمــا فــي روايــة أبــي داوود أنّ عمــر ســأل عــن آيــة مــن كتــاب اللــه، فقيــل: كانــت مــع فــلان قتــل يــوم اليمامــة. فقــال: إنــا للــه، وأمــر بجمــع القــرآن، فــكان أوّل مــن جمعــه فــي المصحــف.
عدد الصفحات ٢٥26 وفــي روايــة يذكرهــا الســيوطي فــي الإتقــان عــن ابــن بريــدة أنــه قــال: أوّل مــن جمــع القــرآن فــي مصحــف، ســالم مولــى أبــي حذيفــة. كمــا تذكــر بعــض تلــك الروايــات أنهــم كانــوا يشــترطون أثنــاء عمليــة الجمــع، علــى مــن يأتــي بشــيء مــن القــرآن أن يشــهد معــه شــاهدان علــى أنــه مــن القــرآن.
عدد الصفحات ٢٦27 إشكالات الجمع الثاني فــي ســرد البخــاري لوقائــع الجمــع الثانــي للقــرآن زمــن عثمــان، "أنّ حذيفــة بــن اليمــان قــدم علــى عثمــان وكان يشــارك فــي غــزو أهــل الشــام فــي فتــح أرمينيــة وأذربيجــان مــع أهــل العــراق، فأفــزع حذيفــة اختلافهــم فــي القــراءة، فقــال لعثمــان: أدرك الأمــة قبــل أن يختلفــوا (فــي القــرآن) اختــلاف اليهــود والنصــارى، فأرســل إلــى حفصــة يطلــب منهــا إرســال الصحــف التــي جمعــت أيــام أبــي بكــر لنســخها فــي المصاحــف، فأرســلت بهــا إليــه، فأمــر زيــد بــن ثابــت وعبــد اللــه بــن الزبيــر وســعيد بــن العــاص وعبــد الرحمــن بــن الحــارث بــن هشــام فنســخوها فــي المصاحــف". وتضيــف الروايــة أنهــم عندمــا فرغــوا مــن نســخ الصحــف فــي المصاحــف رد عثمــان الصحــف إلــى حفصــة، وأرســل إلــى كل أفــق بمصحــف ممــا نســخوا، وأمــر بمــا ســواه مــن القــرآن فــي كل صحيفــة أو مصحــف أن يحــرق. وقــد ســمّي المصحــف آنــذاك بالمصحــف الإمــام. قــال زيــد ففقــدت آيــة مــن الأحــزاب حيــن نســخنا المصحــف قــد كنت أســمع رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وســلّم يقــرأ بهــا، فالتمســناها فوجدناهــا مــع خزيمــة بــن ثابــت الأنصــاري ﴾صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللََّ عَلَيۡهِۖ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ ﴿ 23حۡزَابِ َ سُورَةُ الأ فألحقناها في سورتها في المصحف.
عدد الصفحات ٢٧28 وتقــول روايــات أخــرى، إنّ القــرآن لــم ينــزل كتابًــا مكتوبًــا وإنمــا أنــزل مفرقًــا ومنجمًــا (وقرآنــا فرقنــاه لتقــرأه علــى النــاس علــى لــم ﷺمكــث ونزلنــاه تنزيــلا) وإنّ النبــي يأمــر بجمعــه فــي مصحــف جامــع، كمــا يــدلّ عليــه قــول أبــي بكــر حيــن طلــب إليــه عمــر جمعــه فقــال كيــف أفعــل أمــرًا لــم يفعلــه ، فلــم يــزل بــه عمــر حتــى أقنعــه ﷺالرســول بضــرورة جمعــه خوفًــا مــن وقــوع التحريــف.
عدد الصفحات ٢٨29 إشكالات فروقات المصاحف ذكــر السجســتانى فــي كتابــه المصاحــف (دار الكتــب العلميــة ) أنّ الخليفــة الثالــث عثمــان 1985- بيــروت – لبنــان- عــام بــن عفــان أحــرق العديــد مــن المصاحــف التــي كتبهــا بعــض أصحــاب النبــي، لأنــه أصــرّ علــى أنْ يكــون (مصحفــه) هــو النســخة (الوحيــدة – المُـوحـّـــدة) وهــذا يدل على تدخل البشــر فــي كتابــة آيــات القــرآن، ورغــم ذلــك اكتشــف الآثاريــون عــدة مصاحــف مــن بيــن المصاحــف التــي اعتــرض عثمــان عليهــا ومــن بينهــا: ﷺمصحف حفصة زوج النبي مصحف عبيد بن عمير الليثي مصحف عطاء بن أبي رباح مصحف عكرمة مصحف سعيد بن جبير
عدد الصفحات ٢٩30 مصحف حفصة ﷺزوج النبي عــن ســالم بــن عبــد اللــه أنّ حفصــة أمــرتْ مولــى لهــا أنْ يكتــب لهــا مصحفـًــا وقالــت: إذا بلغــتَ هــذه الآيــة ﴾ حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىىٰ ﴿ 238سُورَةُ البَقَرَةِ فأذني فلما بلغ قالت اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) مصحف عبيد بن عمير الليثي عــن عمــرو بــن دينــار قــال: ســمعتُ عبيــد بــن عميــر يقــول: 1. وعــن الآيــة رقــمعۡلَــىٰ َ سُــورَةُ الأ أول مــا نــزل مــن القــرآن منهــا 2والآيــة رقــم ﴾ ٱلَّذِي خَلَقَ١عۡلَى َ سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأ ﴿ بينما هي في مصحف عبيد بن عمير ﴾عۡلَى ٱلَّذِي خَلَقَك َ سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأ ﴿ وهنا يجب ملاحظة الفرق بين النصيْن.
عدد الصفحات ٣٠31 مصحف عطاء بن أبي رباح ذكــر ابــن حجــر فــي كتابــه (تهذيــب التهذيــب) بعــض التفاصيــل عــن أبــى نخــراء عــن فــلان عــن طلحــة أنّ عطــاء كان يقــرأ (يُخوّفكــم أوليــاءه) بينمــا هــي في المصحــف الحالي ﴾يُخَوِّفُ ﴿ 175آل عمران .﴾يُخَوِّفُكم ﴿وليس مصحف عكرمة وعن عمران بن حديرأنّ عكرمة كان يقرأ بينما هي في المصحف الحالي ﴾وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِوّقُونَهُۥ ﴿ ﴾ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ ﴿ 184سُورَةُ البَقَرَةِ أي أنّ عكرمــة غيّــر فــي كلمــة (يُطيقونــه) فقرأهــا (يُطوّقونه) وطبعًــا الفــرق واضــح بيــن الكلمتيْــن فــي المعنــى. وهــذه الآية يتحاشــى الأصوليــون التعــرّض لها.
عدد الصفحات ٣١32 مصحف سعيد بن جبير عن فلان عن فلان أنّ سعيد بن جبير كان يقرأ ﴾وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِوّقُونَهُۥ ﴿بينما هي في مصحف عثمان ﴾ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ ﴿184سُورَةُ البَقَرَةِ أضــف إلــى كل هــذا - وحســب الروايــات أيضًــا - مقتــل ســبعين مــن الصحابــة القــرّاء، الذيــن كان مــع كلّ منهــم مقــدار مــن القــرآن فــي غــزوة بئــر معونــة، ومثــل هــذا العــدد قضــوا يــوم اليمامــة.
عدد الصفحات ٣٢33 شبهات نقص القرآن سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة مــن ذلــك مــا رواه الســيوطي فــي الإتقــان وغيــره عــن عائشــة قالــت: كانــت ســورة الأحــزاب تقــرأ فــي زمــن النبــي صلــى اللــه عليــه وســلم مائتــي آيــة، فلمــا كتــب عثمــان المصاحــف آيــة). 73لــم نقــدر منهــا إلا مــا هــو الآن و عــن زر بــن حبيــش: قــال لــي أبــيّ بن كعــب: كم تعدّ ســورة الأحــزاب؟ قلــت: اثنتيــن وســبعين آيــة أو ثلاثــة وســبعين آيــة، ، وإنْ كنّــا لنقــرأ فيهــا آيــة سُــورَةُ البَقَــرَةِ قــال: إن كانــت لتعــدل الرجــم. قلــت: ومــا آيــة الرجــم قــال: إذا زنــا الشــيخ والشــيخة فارجموهمــا البتــة نــكالاً مــن اللــه واللــه عزيــز حكيــم. وقــد صحّحــه ابــن حــزم فــي المحلــى.
عدد الصفحات ٣٣34 وعــن حميــدة بنــت أبــي يونــس قالــت: قــرأ علــيَّ أبــي وهــو ابــن ثمانيــن ســنة فــي مصحــف عائشــة: إنّ اللــه وملائكتــه يصلّــون علــى النبــي، يــا أيّهــا الذيــن آمنــوا صلّــوا عليــه وســلّموا تســليما، وعلــى الذيــن يصلّــون الصفــوف الأولــى. قالــت: قبــل أن يغيــر عثمــان المصاحــف. وأخــرج الحاكــم فــي المســتدرك عــن أبــيّ بــن كعــب قــال: قــال لــي رســول اللــه صلّــى اللــه عليــه وســلّم إنّ اللــه أمرنــي أنْ أقــرأ عليــك القــرآن، فقــرأ (لــم يكــن الذيــن كفــروا مــن أهــل الكتــاب والمشــركين ومــن بقيتهــا: لــو أنّ ابــن آدم ســأل واديًــا مــن مــال فأعطيــه ســأل ثانيــاً، وإنْ ســأل ثانيًــا فأعطيــه وســأل ثالثًــا فأعطيــه، ولا يمــأ جــوف ابــن آدم إلا التــراب، ويتــوب اللــه علــى مــن تــاب). وعــن أبــي موســى الأشــعري قــال: نزلــت ســورة نحــو بــراءة ثــم رفعــت وحفــظ منهــا: (إنّ اللــه ســيؤيد هــذا الديــن بأقــوام لا خــلاق لهــم، ولــو أنّ لابــن آدم وادييــن مــن مــال لتمنّــى واديًــا ثالثًــا، ولا يمــأ جــوف ابــن آدم إلا التــراب، ويتــوب اللــه علــى مــن تــاب). وأخــرج ابــن أبــي حاتــم عــن أبــي موســى الأشــعري قــال: كنا نقــرأ ســورة نشــبهها بإحــدى المســبحات مــا نســيناها، غيــر أنــي حفظــت منهــا: (يــا أيهــا الذيــن آمنــوا لا تقولــوا مــا لا
عدد الصفحات ٣٤35 تفعلــون: فتكتــب شــهادة فــي أعناقكــم فتســألون عنهــا يــوم القيامــة). عــن عــديّ بــن عــديّ قــال: قــال عمــر: كنــا نقــرأ: (لا ترغبــوا عــن آبائكــم فإنــه كفــر بكــم.) ثــم قــال لزيــد بــن ثابــت: أكذلــك؟ قــال: نعم. وروي أنّ مســلمة بــن مخلــد الأنصــاري قــال لهــم ذات يــوم: أخبرونــي بآيتيــن فــي القــرآن لــم يكتبــا فــي المصحــف، فلــم يخبــروه وعندهــم أبــو الكنــود ســعد بــن مالــك، فقــال ابــن مســلمة: (إنّ الذيــن آمنــوا وهاجــروا وجاهــدوا فــي ســبيل اللــه بأموالهــم وأنفســهم ألا أبشــروا أنتــم المفلحــون). والثانيــة: (والذيــن آووهــم ونصروهــم وجادلــوا عنهــم القــوم الذيــن غضــب اللــه عليهــم أولئــك لا تعلــم نفــس مــا أخفــي لهــم مــن قــرّة أعيــن جــزاء بمــا كانــوا يعملــون.) وروي مــن طــرق كثيــرة ذكــر بعضهــا ابــن حــزم فــي المحلــى: أنّ عمــر بــن الخطــاب قــال إياكــم أنّ تهلكــوا عــن آيــة الرجــم. والــذي نفســي بيــده لــولا أنْ يقــول النــاس: زاد عمــر فــي كتــاب اللــه لكتبتهــا وهــي: الشــيخ والشــيخة إذا زنيــا فارجموهمــا البتــة نــكالاً مــن اللــه واللــه عزيــز حكيــم. فإنّــا قــد قرآناهــا.
عدد الصفحات ٣٥36 وأخــرج ابــن الضريــس فــي فضــل القــرآن عــن يعلــى بــن حكيــم عــن زيــد أن عمــر خطــب النــاس فقــال: لا تشــكّوا فــي الرجــم فإنــه حــق، ولقــد هممــت أن أكتبــه فــي المصحــف، فســألت أبــيّ بــن كعــب فقــال: أليــس أتيتنــي وأنــا اســتقرئها رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وســلّم؟ فدفعــت فــي صــدري وقلــت: تســتقرئه آيــة الرجــم وهــم يتســافدون تســافد الحمــر. وقــال صاحــب البرهــان فــي قــول عمــر: لــولا أن تقــوّل الناس زاد عمــر فــي كتــاب اللــه لكتبتهــا: يعنــي آيــة الرجــم. ظاهــرة أن كتابتهــا جائــزة، وإنمــا منعــه قــول النــاس. والجائــز فــي نفســه قــد يقــوم مــن خــارج مــا يمنعــه، فــإذا كانــت جائــزة لــزم أن تكــون ثابتــة لأن هــذا شــأن المكتــوب. ويظهــر لنــا كيــف أنّ عمــر تــرك كتابــة هــذه الآيــة فــي المصحــف مخافــة اتهامــه بالزيــادة، والمفــروض وقــد ثبــت لديــه أنهــا مــن المصحــف أن يبــادر لكتابتهــا، ولا يعــرج علــى مقالــة النــاس لأن مقالــة النــاس لا تصلــح مانعًــا، وهــو الــذي تــروى عنــه الكثيــر فــي الصــدع بالحــق فكيــف بآيــة مــن كتــاب اللــه. كمــا أن قولــه: "تســتقرئه آيــة الرجــم وهــم يتســافدون تســافد الحمــر". فيــه مــا يــدلّ علــى اســتعمالهم الــرأي فيمــا أثبتــوه أو أســقطوه مــن القــرآن ولقــد فطــن عمــر أنّ الآيــة تأمــر برجــم الشــيخ والشــيخة البتــة ســواء أحصنــوا أو لــم يحصنــوا خلافًــا لحكــم الشــاب والشــابة الــذي يفــرق
عدد الصفحات ٣٦