المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ٩ من ٢١

وقد تأثَّر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشريَّة ، وترددت بينهم قالةٌ ، فراعى (ص) هذا الاعتراض ، وعمل على إزالة التوتُّر ، وبينَّ لهم الحكمة في تقسيم الغنائم ، وخاطب الأنصار خطاباً إيماني اً ، عقلي اً ، عاطفي اً ، وجداني اً ، ما يملك القارأى المسلم على مر الدُّهور ، وكر العصور ، وتوالي الزَّمان إلا البكاء عندما يمرُّ بهذا الحدث العظيم ، فعندما دخل سعد بن عبادة على رسول الله (ص) ، فقال: يا رسول الله! إن هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء؛ الذي أصبت ، قسمت في قومك؛ وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحي ِ من الأنصار منها شيءٌ. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟»قال: يا رسول الله! ما أنا إلا مِنْ قومي قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، قال: فجاء رجالٌ من المهاجرين ، فتركهم ، فدخلوا ، وجاء اخرون فردَّهم. فلمَّا اجتمعوا؛ أتى سعدٌ ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأ نصار ، فأتاهم رسول الله (ص) ، فحمِد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمَّ قال: «يا معشر الأنصار ، ما قالةٌ بلغتني عنكم ، وَجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم ، ألم اتكم ضلالاً ، فهداكم الله بي ، وعالةً ، فأغناكم الله بي ، وأعداءً ، فألف الله بين قلوبكم؟»قالوا ورسولُه أمنُّ ، وأفضل ، ثمَّ قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟»قالوا بماذا نجيبك يا رسول الله! لله ولرسوله المنُّ ، والفضل؟ قال: «أما والله لو شئتم؛ لقلتم ، فلصدقتم ، ولصُد ِقتم: أتيتنا مكذَّباً ، فصدَّقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فاويناك ، وعائلاً فاسيناك ، أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار! في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدُّنيا تألَّفت بها قوماً؛ ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب النَّاس بالشَّاء529]) الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمدٍ بيده! لما تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به ، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك النَّاس شِعباً ، ووادياً ، وسلكت الأنصار شِعْباً ، ووادياً؛ لسلكت شِعْبَ الأنصار ، وواديها ، الأنصارُ شِعَارٌ ، والنَّاس دثار 530])ر ، وأبناء أبناء الأنصار» قال: فبكى القوم حتََّّ أخضلوا لحاهم ، وقالوا: رضينا برسول الله (ص) قَسْماً وحظ اً، ثمَّ انصرف رسول الله (ص) وتفرَّقوا 3/76 77)، ومجمع الزوائد 10/32([])531])«إنَّكم ستلقون بعدي أثرةً ، فاصبروا حتََّّ تلقوني ع لى الحوض»[4330) ، ومسلم1061.]) وممَّا يجدر الإشارة إليه في هذا المقام: أنَّ هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كل ِهم ، وإنمَّا

عدد الصفحات ١٣٠

قالها حديثو الس ِن ِ منهم ، بدليل ما ورد في الصَّحيحين عن أنسِ بن مالك رضي الله عنه: أنَّ ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول الله (ص) يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل ، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشاً ، ويتركُنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟! قال أنس بن مالك: فحُد ِث رسول الله (ص) مِنْ قولهم ، فأرسل إلى الأنصار ، فجمعهم في قبَّةٍ من أَدَمٍ ، فلمَّا اجتمعوا؛ جاءهم رسول الله (ص) فقال: «ما حديثٌ بلغني عنكم؟ »فقال له فقهاء الأنصار: أمَّا ذوو رأينا يا رسول الله! فلم يقولوا شيئاً ، وأمَّا أُناسٌ منَّا حديثةٌ أسنانَُّم؛ قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشاً ، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فقال رسول الله (ص) : «فإني أعطي رجالاً حديثي عهدٍ بكفرٍ أتألَّفهم»[4331) ، ومسلم1059.]) ويرى الإمام ابن القي ِم استدلالاً بهذه الحادثة : أنَّه قد يتعينَّ على الإمام أن يتألَّف أعداءه لاستجلابهم إليه ، ودفع شر ِهم عن المسلمين ، فيقول: الإمام نائبٌ عن المسلمين ، يتصرَّف لمصالحهم وقيام الد ِين ، فإن تعينَّ ذلك أي: التَّأليف للدَّفع عن الإسلام ، والذَّب ِ عن حوزته ، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ، ليأمن المسلمون شرَّهم ، ساغ له ذلك ، بل تعينَّ عليه ، فإنَّه وإن كان في الحر مان مفسدةٌ ، فالمفسدة المتوقَّعة من فوات تأليف هذا العدو ِ أعظم ، ومبنى الشَّريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما ، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما ، بل بناء مصالح الدُّنيا ، والد ِين على هذين الأصل532.]) والتَّأليف لهذه الطَّائفة إنمَّا هو من قبيل الإغراء ، والتَّشجيع في أوَّل الأمر ، حتََّّ يخالط الإيمان بشاشة القلب ، ويتذوَّق حلاوته. ويوضح الشيخ محمَّد الغزالي رحمه الله حقيقة هذا الأمر في مثالٍ محسوسٍ ، فيقول: «إنَّ في الدُّنيا أقواماً كثيرين يُقادون إلى الحق من بطونَّم ، لا من عقولهم ، فكما تهُدى الدَّواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلُّ تمَُدُّ إليها فمها ، حتََّّ تدخل حظيرتها امنةً ، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتا إلى فنون الإغراء حتََّّ تستأنس بالإيمان ، وتهشَّ له [»533.]) إنَّ النَّبَّ (ص) ضرب للأنصار صورةً مؤث ِرةً: قومٌ يبشَّرونيمان يقابلهم قومٌ يبشَّرون بالجِمال ، وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشَّاء ، والبعير ، لقد أيقظتهم تلك الصُّور ، وأدركوا أنََّّم وقعوا في خطأٍ ما كان لأمثالهم أن يقعوا فيه ، فانطلقت حناجرهم بالبكاء ، وماقيهم بالدُّموع ، وألسنتهم بالر ِضا ، وبذلك طابت نفوسهم، واطمأنت قلوبهم

عدد الصفحات ١٣١

بفضل سياسية النَّب ِ (ص) الحكيمة في مخاطبة الأنصار534.]) د الصَّبر على جفاء الأعراب لقد ظهر من رسول الله (ص) الكثير من الصَّبر على جفاء الأعراب ، وطمعهم في الأموال ، وحرصهم على المكاسب ، فكان مثالاً للمربي ِ الَّذي يدرك أ حوالهم ، وما جبلتهم عليه بيئتُهم ، وطبيعةُ حياتهم من القساوة ، والفظاظة ، والرُّوح الفرديَّة ، فكان يبين ِ لهم خُلُقَه ، ويطمئنهم على مصالحهم ، ويعاملهم على قدر عقولهم ، فكان بهم رحيماً ، ولهم مرب ياً ، ومصلحاً ، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم؛ الَّ ذين كانوا ينحنون أمامهم ، أو يسجدون ، وكانوا دونَّم محجوبين ، وإذا خاطبوهم؛ التزموا بعبارات التَّعظيم ، والإجلال كما يفعل العبد مع رب ِه، أمَّا الرَّسول (ص) فكان كأحدِهم يخاطبونه ، ويعاتبونه ، ولا حلتجب عنهم قطُّ، وكان الصَّحابة رضوان الله عليهم يراعون ال تأدُّب بحضرته، ويخاطبونه بصوتٍ خفيضٍ، ويَكِنُّون له في أنفسهم المحبَّة العظيمة ، وأمَّا جفاة الأعراب؛ فقد عنفهم القران على سوء أدبهم ، وجفائهم ، وارتفاع أصواتهم ، وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول (ص535])لأعراب 1 الأعرابيُّ الذي رفض البُشْرَى قال أبو موسى الأشعري: كنت عند النَّب ِ (ص) وهو نازلٌ بالجِعْرَانَةِ بين مكَّة والمدينة ومعه بلالٌ ، فأتى النَّبَّ (ص) أعرابيٌّ فقال: ألا تنجزُ لي ما وعدتني؟ فقال له: «أَبْشِر »فقال: قد أكثرتَ عليَّ مِنْ (أبشر). فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان ، فقال: «رَدَّ البُشْرَى ، فاقبلا أنتما»قالا: قَبِلْنا ثمَّ دعا بقدح فيه ماءٌ ، فغسل يديه ، ووجهه فيه ، ومجَّ فيه ، ثم قال: «اشْرباَ منه ، وأفرغا على وجوهكما ، ونحوركما ، وأبشرا »فأخذا القدح ، ففعلا ، فنادت أم سلمة من وراء الس ِتر: أن أفضلا لأم ِكما. فأفضلا لها منه طائفةً4328) ، ومسلم2497.]) 2 مقولة الأعرابي ِ: (ما أريد بهذه القسمة وجه قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: «لَّما كان يومُ حنينٍ اثر رسولُ الله (ص) ناساً في القِسْمَة ، فأعطى الأقرعَ بن حابسٍ مِئَ ةً من الإبل ، وأعطى عُي َيْنةَ مِثْلَ ذلك ، وأعطى أناساً من أشراف العرب ، واثرهم يومئذ في القِسْمَة ، فقال رجلٌ: والله! إنَّ هذه القِسْمَة ما عُدِلَ فيها ، وما أُرِيدَ فيها وجهُ الله! قال: فقلتُ: والله لأخبرنَّ رسولَ الله (ص) ، ق ال: فأتيتُه ، فأخبرتُه بما قال ، قال: فتغيرَّ وجْهُهُ حتََّّ كان كالص ِرْفِ. ثمَّ قال: «فمْن يعدلُ إن لم يعدلِ اللهُ ورسولُه؟ »قال: ثمَّ قال

عدد الصفحات ١٣٢

«يرحم الله موسى! قد أُوذي بأكثرَ من هذا ، فَصَب َرَ »قال: قلت: لا جرمَ لا أرفعُ إليه بعدها حديثاً [4336) ، ومسلم1062.]) 3 تعامله مع هوازن لمَّا أسلمت جاء وفد هوازن لرسول الله (ص) بالجِعْرَانَ ةِ وقد أسلموا ، فقالوا: يا رسول الله! إناَّ أصلٌ وعشيرةٌ ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخفَ عليك ، فامنن علينا مَنَّ الله عليك ، وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صُرد ، فقال: يا رسول الله! إنمَّا في الحظائر من السَّبايا خالاتُك ، وحواضنُك اللاَّتي كن يكفلنك، ولو أناَّ مَلَحْنَا لابن أبي شمر أو النُّعمان بن المنذر 536]) عائدتهما ، وعطفهما ، وأنت رسول الله خير المكفولين ،أنشأ يقول: اُمنُنْ عَلَي ْنَا رسُولَ اللهِ في كرمٍ فإِنَّكَ المَرْءُ ن َرْجُوهُ وَن َن ْتَظِرُ 537]) إلى أن قال امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ ت َرْضَعُهَا إِذْ فوْكَ يمَْلَؤُهُ مِنْ محَْضِهَا دَرَرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ ت َرْضَعُهَا وإِذْ يَزِي ْنُكَ مَا تأَْتيِ وَمَا تَذَرُ فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم ، فعادت فواضله عليه السَّلام عليهم قديماً وحديثاً ، وخصوصاً ، وعموماً538.]) فلما سم ع رسول الله (ص) من الوف د قال لهم «نساؤكم ، وأبناؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟ »فقالوا رسول الله ! خيرَّتنا بين أحسابنا ، وأموالنا؟ بل أبناؤنا ، ونساؤنا أحبُّ إلينا ، فقال رسول الله (ص) : «أمَّا ما كان لي ، ولبني عبد المطلب، فهو لكم ، وإذا أنا صليت بالنَّاس فقوموا ، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله (ص) إلى المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول الله (ص) في أب نائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك ، وأسأل لكم »فلمَّا صلَّى رسول الله (ص) بالنَّاس الظُّهر ؛ قاموا ؛ فقالوا ما أمرهم به رسول (ص) ، فقال: «أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله (ص) . وقال الأقرع بن حابس: أمَّا أنا وبنو تميم ؛ فلا ، وقال عُي َيْنةُ: أمَّا أنا وبنو فزارة؛ فلا ، وقال العبَّاس بن مرداس السُّلَمِيُّ: أما أن ا، وبنو سليم ، فلا ، فقالت بنو سُليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله (ص) ، قال عبَّاس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله (ص) : «من أمسك منكم بحق ِه فله بكل ِ إنسان سِتُّ فرائض من أوَّل فيءٍ نصيب ه » فرد وا إلى النَّاس نساءهم ،

عدد الصفحات ١٣٣

وأبناءهم2/184) ، والطبراني في الكب5304) ، والطبري في تاريخه3/135) ، والبيهقي في الدلائل (5/194 195) ، ومجمع الزوائد6/187 188([])539.]) وفي روايةٍ: ... فخطب رسول الله (ص) في المؤمنين ، فقال«إنَّ إخوانكم هؤلاء جاؤونا تائبين ، وإني ِ أردت أن أردَّ إليهم سبيهم ، فَمن أحبَّ منكم أن يطي ِبَ ذلك؛ فليفعلْ ، ومن أحبَّ أن يكون على حظ ِه حتََّّ نعطيه إياَّه م ن أوَّل ما يفيء الله علينا ، فليفعلْ »فقال الناس: طي بْن ا يا رسول الله! لهم ، فق ال لهم: «إناَّ لا ندري من أَذِنَ منكم فيه ممَّن لم يأذن ، فارجعوا حتََّّ يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم »فرجع النَّاس فكلمهم عرفاؤهم ، ثمَّ رجعوا إلى النَّب ِ (ص) فأخبروه: أنََّّم طيَّبوا ، وأذنوا4318 و4319) ، والبيهقي في الدلائل5/192([])540.]) وقد سُرَّ الرَّسول (ص) بإسلام هوازن ، وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النَّصري ِ ، فأخبروه: أنَّه الطَّائف مع ثقيفٍ ، فوعدهم برد ِ أهله ، وأمواله عليه ، وإكرامه بمئةٍ من الإبل إن قدم عليه مسلماً ، فجاء مالكٌ مسلماً ، فأكرمه وأمَّره على قومه ، وبعض القبائل المجاورة ، ولقد تأثَّر مالك بن عوف ، وجادت قرحلته لمدح النَّب ِ (ص) فقال: مَا إِنْ رأَيْتُ ولاَ سمَِعْتُ بمِِثْلِهِ فيِ النَّاسِ كُل ِهِمِ بمِِثْلِ محَُمَّدِ أَوْفََ وأَعْطَى للْجَزِيْلِ إِذَا اجْتُدِي وَمَتَّ تَشَأْ يخُْبرِْكَ عَمَّا في غَدِ وإذا الكَتِي ْبَةُ عَرَّدَتْ541]) بالسَّمْهرِي ِ وَضَرْبِ كُل ِ مُهَنَّدِ فكأنَّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ وَسْطَ الهَبَاءَةِ542])543])544]) لقد كانت سياسته (ص) مع خصومه مرنةً إلى أبعد الحدود ، وبهذه الس ِياسة الحكيمة استطاع (ص) أن يكسب هوازن ، وحلفاءها إلى صف ِ الإسلام ، واتخَّذ من هذه القبيلة القويَّة رأس حربةٍ يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الَّذي قاتل ثقيفاً في الطَّ ائ ف حتََّّ ضيَّق عليهم ، وقد فكَّر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطَّائف من كل ِ مكان ، فلا تستطيع تحرُّكاً ، ولا تجارةً ، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام؛ مثل عروة بن مسعودٍ الثَّقفي ِ ، الَّذي سارع إلى اللَّحاق برسول الله (ص) وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين ، واعتمر من الجِعْرَانَةِ ، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة ، وأعلن

عدد الصفحات ١٣٤

إسلامه ، وعاد إلى الطَّائف ، وكان من زعماء ثقيف محبوباً عندهم ، فدعاهم إلى الإسلام ، وأذَّن أعلى منزله ، فرماه بعضُهم بسهامٍ، فأصابوه ، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطَّائف545.]) إنَّ الإنسان ليعجب من فقه النَّب ِ (ص) في معاملة النُّفوس ، وفي سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى ، لقد استطاع (ص) أن يزيل معالم الوثنيَّة ، وبيوتات العبادة الكفريَّة من مكَّة ، وما حولها ، ورتَّ ب (ص) الأمور التنظيمية للأراضي الَّتي أضيفت للدَّولة الإسلاميَّة ، فعينَّ عَتَّاب بن أَسِيد أميراً على مكَّة ، وجعل معاذ بن جبل مرشداً ، وموج ِهاً ومعل ِماً ، ومرب ِياً 546]) قائداً ، ومجاهداً ، ثمَّ اعتمر ، ورجع إلى المدينة (ص) . * * * المبحث الثَّالث دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد أولاً: تفسير الايات التي نزلت في غزوة حنين: قال تعا عَنْكُمْ شَي ْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بمَِا رَحُبَتْ ثمَُّ وَلَّي ْتُمْ مُدْبِرِينَ *ثمَُّ أَن ْزَلَ اللََُّّ سَكِين َتَهُ عَ لَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَن ْزَلَ جُنُودًا لمَْ ت َرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ *ثمَُّ ي َتُوبُ اللََُّّ مِنْ ب َ عْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [25 27.] في الايات السابقة تصويرٌ بيانيٌّ بديعٌ لحال المسلمين ، فيه تنقُّلٌ بالسَّامع من صورةٍ إلى صورة: من صورة المسلمين؛ وهم معجبون بكثرتهم ، مسرورون بها ، إلى صورة فشلهم ، وهزيمتهم مع هذه الكثرة ، فلم تنفعهم ، إلى صورة الخوف الَّذي أصابهم حتََّّ لم تعد الأرض تسعهم ، وأقفلت م نافذها في وجوههم إلى

عدد الصفحات ١٣٥

الصُّورة الحس ِيَّة لهذا الفشل في الفرار ، والنُّكوص ، وتولية الأدبار حتََّّ لم يبقَ حول النَّب (ص) إ القليل ، وبعد الخوف الشَّديد الَّذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين يجيء نصر الله؛ الَّذي عبرَّ عنه سبحانه ب قوله ت َرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ السَّكينة: الطُّمأنينة ، والرَّحمة ، والأمنة ، وهي من السُّكون ، وهو ثبوت الشَّ يء بعد التَّحرُّك ، أو من السَّكن ، وهو كل ما سكنَت إليه ، واطمأنت به من أهلٍ ، وغيرِهم 547.]) وقوله تعالى: قال القاسميُّ: أي ونصره ، وانَّزام الكفار ، واطمئنان قلوبهم ل لكر ِ بعد الفر ِ أي: الَّذين وإعادة الجار ِ للتنبيه على اختلاف حاليهما ، أو الَّذين ثبتوا مع رسول الله (ص) ولم يفر ِوا ، أو على الكل ِ؛ وهو الأنسب 548.]) وقوله تعالى: : قال الطَّبريُّ: هي الملائكة وقولهبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ أي: وعذَّب الذين كفروا بالقتل ، والسَّب ، والأسر ، وذلك هو جزاء الكافرين في الدُّنيا ما داموا يستحبُّون الكفر على الإيمان ، ويعادون أهله ، ويقاتلونَّم عليه549.]) ثمَّ قال تعا مِنْ ب َعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: ويتوب الله من بعد هذا التَّعذيب على من يشاء من المشركين بأن يوفقهم للدُّخول في الإسلام ، والله غفورٌ رحيمٌ لمن تاب ، وامن ، فرحمتُه وسعت كلَّ شيءٍ550.]) قال سي ِد قطب«فبابُ المغف رة دائماً مفتوحٌ لمن يخطأى ، ثمَّ يتوب ، إنَّ معركة حُنين الَّتي يذكرها الس ِياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله ، والاعتماد على قوَّةٍ غير قوَّته لَ تَكْشِفُ لنا حقيقةً أخرى ضمنيَّةً ، حقيقة القوى الَّتي تعتمد عليها كلُّ عقيدة. إنَّ الكثرة العدديَّة ليست بشيءٍ ، إنمَّا هي القلَّة العارفة ، المتَّصلة ، الثَّابتة ، المتجر ِدة للعقيدة ، ..... لقد قامت كلُّ عقيدةٍ بالصَّفوة المختارة ، لا بالزَّبد الَّذي يذهب جُفاءً ، ولا بالهشيم الَّذي تذروه الر ِياح[»551.]) إنَّ غزوة حنين سُج ِلت في القران الكريم؛ لكي تبقى درساً للأمَّة في كل ِ زمانٍ ، ومكان ، ولقد عُرِضَتْ في القران الكريم على منهجيَّة ربانيَّة كان من أهم معالمها ا552:])

عدد الصفحات ١٣٦

أ بينَّ القران الكريم ، أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم. قال تعا أَعْجَب َتْكُمْ كَث ْرَتُكُمْثم بينَّ القران أنَّ هذه الكثرة لا تفيد ب بينَّ القران الكريم: أنَّ المسلمين انَّزموا ، وهربوا ما عدا النَّب ِ (ص) ، ونفرٌ يسيرٌ من أصحابه. قال تعارِينَ بينَّ القران الكريم: أنَّ الله نصر رسوله (ص) في هذه المعركة ، وأكرمه بإنزال السَّكينة عليه ، وعلى المؤمنين. فقال تعا د بينَّ القران الكريم: أنَّ الله أمدَّ نبيَّ ه محمَّداً (ص) بالملائكة في حنين. قال تعا ت َرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وأكَّد سبحانه على أنَّه يقبل التَّوبة من عباده ، ويوف ِق مَنْ شاء إليها. قال تعا نْ ب َعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثانياً: أسباب الهزيمة ، وعوامل النَّصر في حُنين: أ أسباب الهزيمة: أسباب الهزيمة في الجولة الأولى عدَّة أسباب ، منها: 1 أنَّ شيئاً من العُجْبِ تسرب إلى قلوب المسلمين ، لمَّا رأوا عددهم ، فقد قال رجلٌ منهم: لن نُغلب اليوم من قلَّة ، فشقَّ ذلك على النَّب ِ (ص) ، فكانت الهزيمة. 2 خرو شبَّانٍ ليس لديهم سلاحٌ ، أو سلاحٌ كافٍ ، وإنمَّا عندهم حماسٌ وتسرُّعٌ 3 أنَّ عدد المشركين كان كثيراً ، بلغ أكثر من ضعفي عدد المسلم 4 أنَّ مالك بن عو ف سبق بجيشه إلى حُن َينْ ، فتهيَّأ هنالك ، ووضع الكمائن والرُّماة في مضايق الوادي ، وعلى جوانبه ، وفاجؤوا المسلمين برميهم بالن ِبال ، وبالهجوم المباغت. 5 كان العدو مهيَّأ، ومنظَّماً ، ومستعد اً للقتال حال مواجهته لجيش المسلمين ، فقد جاء المشركون بأحسن صفو فٍ رُئيت: صف ِ الخيل ، ثمَّ المقاتلة ، ثمَّ الن ِساء من وراء ذلك ، ثمَّ الغنم ، ثمَّ الن َّعَم. 6 وجود ضعاف الإيمان الَّذين أسلموا حديثاً في مكَّة ، ففرُّوا ، فانقلبت أولاهم على أخراهم ، فكان ذلك سبباً لوقوع الخلل ، وهزيمة غيرهم553.]) ب عوامل النَّصر كانت عوامل النَّصر في حنين عدَّة أسباب منها:

عدد الصفحات ١٣٧

1 ثبات الرَّسول (ص) في القتال ، وعدم تراجعه ، ممَّا جعل الجنود يثبتون ، ويستجيبون لنداء القائد الثَّابت. 2 شجاعة القائد: فالرَّسول القائد لم يثبت في مكانه فحسب؛ بل تقدَّم نحو عدوه راكباً بغلته ، فطفق ي َرْكُ ضُ ببغلته قِبَل الكفار ، والعبَّاس اخذٌ بلجام البغلة يكفُّها ألاَّ تسرع. 3 ثبات قلَّةٍ من المسلمين معه ، وحوله حتََّّ جاء الَّذين تولَّوا ، وأكملوا المسيرة ، مسيرة الثَّبات ، والبر ِ ، والقتال حتََّّ النَّصر. 4 سرعة استجابة الفار ِين ، والتحاقهم بالقتال. 5 وقوع الجيش المعادي في خطأٍ عسكري ٍ قاتل ، وهو عدم الاستمرار في مطاردة الجيش الإسلامي ِ بعد فراره ، ممَّا أعطى فرصةً ثمينةً للجيش الإسلامي ِ ليلتقط أنفاسه ، ويعود إلى ساحة القتال ، ويستأنف القتال من جديدٍ بقيادة القائد الثابت الشُّجاع رسول الله (ص) . 6 رَمْيَةُ الحصى: فقد أخذ النَّب (ص) حصياتٍ فرمى بهنَّ وجوه الكفار ثمَّ قال «انَّزموا ورب ِ محمد » [ 7 الاستعانة ، والاستغاثة بالله عز وجلَّ : فقد كان الرسول (ص) يلحُّ على الله في الدُّعاء بالنَّصر على الأعداء. 8 إنزال الملائكة في ال غزوة ، ومشاركتها فيها ، وقد سجَّل الله هذه المشاركة في كتابه الكريم في سورة التَّوبة554{ :]) ثالثاً: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين ، والطَّائف 1 نزول ا ية الكريمة [24] أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزو ِجات ، وقد فرَّق السَّب ب َي ْن َهُنَّ وبين أزواجهنَّ ، فأوضحت الاية جواز وطئهنَّ؛ إذا انقضت عدَّتهنَّ؛ لأنَّ الفرقة تقع بينه نَّ وبين أزواجهن الكفار بالسَّب ، وتنقضي العدَّة بالوضع للحامل ، وبالحيض لغير الحامل555.]) 2 منع المخنثين خلقة من الدُّخول على الن ِساء الأجنبيات: وكان ذلك مباحاً إذ لا حاجة للمخنَّث بالن ِساء ، وكان سبب المنع ما رواه البخاريُّ عن زينب بنت أبي سلمة عن أم ِها أم ِ سلمة: دخل عليَّ النبُّ (ص) وعندي مخنَّثٌ ، فسمعتُه يقول لعبد الله بن أبي أميَّة: يا عبد الله! أرأيت إن فتح الله عليكم

عدد الصفحات ١٣٨

الطَّائف غداً ، فعليك بابنة غيلان ، فإنََّّا تُقبل بأربعٍ وتُدْبِرُ بثمانٍ ، فقال النَّبُّ (ص «لا يدخلَن هؤلاء عليكم »[4324.]) وفي هذا المنع حرص النَّب ِ (ص) على سلامة أخلاق المجتمع الإسلامي ِ 3 النَّهي عن قصد قتل الن ِساء ، والأطفال ، والشُّيوخ ، وكذلك الأجراء ممَّن لا يشتركون في القتال ضدَّ المسلمين: وقد ذكر ابن كثيرٍ: أنَّ رسول الله (ص) مرَّ يوم حنين بامرأ ةٍ قتلها خالدُ بن الوليد؛ والنَّاس متقص ِفون556])«ما كانت هذه لتقاتل »وقال لأحدهم: «الحق خالداً ، فقل له: لا يقتلن ذريةً ، ولا عسيفاً»وفي روايةٍ: فقال له: إنَّ رسول الله (ص ينهاك أن تقتل وليداً ، او امرأة ، أو عسيفاًد (3/488) ، وأبو داود2669) ، وابن ماجه (2842) ، والنسائي في الكبرى8571 و8572 و8573) ، وابن حبان4791.]) 4 تشريع العمرة من الجِعْرَانَةِ أحرم النَّبُّ (ص) بعمرة من الجِعْرَانَةِ وكان داخلاً إلى مكَّة ، وهذه هي السُّنة لمن دخلها من طريق الطَّائف ، و ما يليه ، وأمَّا ما يفعله كثيرٌ مما لا علم عندهم من الخرو من مكَّة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرةٍ ثمَّ يرجع إليها؛ فهذا لم يفعله رسول الله (ص) ، ولا استحبَّه أحدٌ من أهل العلم ، وإنمَّا يفعله عوامُّ النَّاس ، زعموا أنَّه اقتداء بالنَّب ِ (ص) ، وغلطوا ، ف إنَّه إنمَّا أحرم منها داخلاً إلى مكَّة ، ولم يخر منها إلى الجِعْرَانةِ؛ ليحرم منها557.]) 5 إرشاده (ص) للأعرابي ِ بأن يصنع في العمرة ما يصنع في الحج ِ قال يعلى بن منب ِه: جاء رجلٌ إلى النَّب ِ (ص) ، وهو بالجِعْرَانَةِ وعليه جبَّةٌ ، وعليها خلوقٌ 558]) أو قال: أثر صفرةٍ ، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأُنزِل على النَّب ِ (ص) الوحيُ ، فَسُترَِ بثوبٍ ، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النَّبَّ (ص) ، وقد أُنْزل الوحي عليه ، قال: فرفع عمر طرف الثَّوب عنه ، فنظرت إليه ، فإذا له غطيطٌ. قال: فلمَّا سُر ِيَ عَنْهُ قال: «أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصُّفرة أو قال : أثر الخلوق ، واخلَعْ عنك جبَّتك ، واصنعْ في عمرتك ما أنت صانع في حجَّتك»[1536) ، ومسلم1180.]) 6 مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَبُه قال أبو قتادة: لمَّا كان يوم حنين نظرتُ إلى رجلٍ من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين ، واخر من المشركين يخَْتِلُه من ورائه ليقتله ، فأسرعت إلى الَّذي يخَْتِله ، فرفع ليضربني ، فضربت يده فقطعتُها ، ثمَّ

عدد الصفحات ١٣٩

أخذني ، فضمَّني ضم اً شديداً حتََّّ تخوَّفْتُ ، ثمَّ بر ك فتحلَّل، ودفعته، ثمَّ قتلته، وانَّزم المسلمون ، وانَّزمت معهم ، فإذا بعمر بن الخطَّاب في النَّاس، فقلت له: ما شأنُ النَّاس؟ قال: أمرُ الله ، ثمَّ تراجع الناس إلى رسول الله ، فقال رسول الله (ص) : «من أقام بينة على قتيلٍ قتله؛ فله سلبه »فقمت لألتمس بينةً على قتيلي، فلم أرَ أحداً يشهد لي ، فجلست ، ثمَّ بدا لي فذكرتُ أمره لرسول الله (ص) فقال رجلٌ من جلسائه: سلاح هذا القتيل الَّذي يذكر عندي ، فأرضهِ منه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: كلا لا يعطه أصيبغ559])560 ]) أسداً من أُسْدِ الله يقاتل عن ، ورسوله (ص) ، قال: فقام رسول الله (ص) فأدَّاه إلي فاشتريت منه خرافاً561])4321) ، ومسلم1751.]) ونلحظ في هذا الخبر: أنَّ أبا قتادة الأنصاريَّ رضي الله عنه حرص على سلامة أخيه المسلم ، وقتل ذلك الكافر بعد جهدٍ عظيم ، كما أنَّ موقف الص ِد ِيق رضي الله عنه فيه دلالةٌ على حرصه على إحقاق الحق ِ، والد ِفاع عنه، ودليلٌ على رسوخ إيمانه، وعمق يقينه ، وتقديره لرابطة الأخوَّة الإسلاميَّة ، وأنََّّا بمنزلةٍ رفيعةٍ بالنسبة له562.]) 7 النهي عن الغلول أخذ النَّبُّ (ص) يوم حنين وَبَرةً من سنام بعيرٍ من الغنائم ، فجعلها بين أصبعيه ، ثمَّ قال: «أيُّها النَّاس إنَّه لا حللُّ لي ممَّا أفاء الله عليكم قدر هذه ، إلا الخمس ، والخمس مردودٌ عليكم ، فأدُّوا الخياط ، والمخيط ، وإياَّكم ، والغلول ، فإنَّ الغلول عارٌ ، ونارٌ ، وشنارٌ على أهله في الدُّنيا ، والاخرة [»563.]) ولمَّا سمع النَّاس هذا الزَّجر بما فيه من وعيد من رسول الله (ص) ، أشفقوا على أنفسهم ، وخافوا خوفاً شديداً ، فجاء أنصاريٌّ بكبَّة خيطٍ من خيوط شعر ، فقال: يا رسول الله! أخذت هذه الوبرة لأخيط بها بَرذَعَةَ بعيرٍ لي دَبِر ، فقال له (ص) : «أمَّا حق ِي منها ، وما كان لبني عبد المطَّلب فهو لك»فقال الأنصاريُّ: أما إذ بلغ الأمر فيها ذلك فلا حاجة لي بها ، فرمى بها مِنْ يده 2/184) ، وأبو داود (2694) ، والنسائي6/263 264.]) وأمَّا عقيل بن أبي طالب؛ فقد دخلعلى امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين ، وسيفه ملطَّخٌ دماً ، فقال لها: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك ، فدفعها إليها ، فسمع المنادي يقول: من أخذ شيئاً فليردَّه ، حتََّّ الخياط ، والمخيط ، فرجع عقيل فأخذ الإبرة من امرأته ، فألقاها في الغنائم 564.])

عدد الصفحات ١٤٠

وهذا التشديد في النَّهي عن الغلول ، وتبشيعه بهذه الصُّورة الشَّائهة المرعبة ، ولو كان في شيءٍ تافهٍ لا يُلتفت إليه ، يمث ِل مَعْلماً من أهم معالم المنهج النبوي ِ في تربية الأفراد على ما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم في حياته العمليَّة؛ إيماناً ، وأمانة ، وفي التزام الأفراد بهذا التَّوجيه يتطهَّر المجتمع المسلم من رذيلة الخيانة؛ لأنَّ التَّساهل في صغيرها يقود إلى كبيرها ، والخيانة من أرذل الأخلاق الإنسانيَّة التي لا تليق بالمجتمع المسلم565.]) 8 وفاء نذر كان في الجاهلية قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لمَّ ا قفلنا من حنين سأل عمرُ النَّبَّ (ص) عن نَذْرٍ كان نذره في الجاهليَّة اعتكافاً ، فأمره النَّبُّ (ص) بوفائه4320) ، ومسلم1656.]) رابعاً: مواقف لبعض الصَّحابة والصَّحابيات 1 أنس بن أبي مرثدٍ الغنويُّ ، وحراسة المسلم قال رسول الله (ص) ق بل اندلاع معركة حنين: «من حلرسنا اللَّيلة؟»فقال أنسُ بن أبي مرثدٍ: أ رسول الله! قال (ص) : «فاركب »، فركب ابن أبي مرثد فرساً له ، وجاء إلى رسول الله (ص) فقال له (ص) : «استقبل هذا الش ِعْب حتََّّ تكون في أعلاه ، ولا ن ُغَزَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيلة » قال سهيل بن الحنظليَّة: فلمَّا أصبحنا؛ خر رسول الله (ص) إلى مُصَلاَّه ، فركع ركعتين ، ثمَّ قال: «هل أحسنتم فارسكم؟ »قالوا: ما أحسنَّاه ، فثوَّب بالصَّلاة ، فجعل (ص) يصل ِي ، وهو يلتفت إلى الش ِعب ، حتََّّ إذا قضى صلاته ، قال: «أبشروا! فقد جاءكم فارسكُم»، فجعل ينظر إلى خلال الشَّجر في الش ِعب ، فإذا هو قد جاء حتََّّ وقف عليه، فقال: إني ِ انطلقت حتََّّ إذا كنت في أعلى الش ِعب حيث أمرني (ص) ، فلمَّا أصبحت طلعتُ الش ِعبين كليهما فنظرت ، فلم أرَ أحداً ، فقال (ص) : «هل نزلت اللَّيلة؟»، فقال: لا ، إلا مصل ِياً ، أو قاضي حاجةٍ ، فقال له (ص) : «قد أوجبت ، فلا عليك أن تعمل بعدها»[2501) ، والنسائي في الكبرى8819([])566.]) وفي هذا الخبر يظهر لنا المنهج النَّبويُّ الكريم في الاهتمام بالأفراد ، فقد ظهر اهتمام النَّب ِ (ص) بطليعة القوم حتََّّ جعل يلتفت في صلاته ، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمرٍ مهم ٍ ، ثمَّ إنَّه (ص) قال: «أبشروا ! فقد جاء فارسكم »إنََّّا الكلمة الَّتي يستعملها (ص) في إخبارهم بما يسرُّهم من الأمور العظيمة ، تلك هي أهم ِية الفرد في المجتمع الإسلامي ِ ، إنَّه ليس كمَّاً مهملاً ، ولا رقماً في سجلٍ ، ولا بزالاً في الةٍ ، يستغنى عنه عند الضَّرورة ليؤتى بغيره ، إنََّّا بعض التَّفسير للمنهج

عدد الصفحات ١٤١

الإلهي ِ567]) وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممَِّنْ خَلَقْنَا ت َفْضِيلاً[70.] كما أنَّ في هذه القصَّة مَعْلَماً من معالم المنهج النَّبوي ِ الكريم في وجوب اليقظة ، وتعرُّف أحوال العدو ، ومراقبة حركاته ، ومعرفة ما عنده من القوَّة عدداً وعدَّةً ، وما رسمه من خططٍ حربيَّةٍ ، وهي سياسةٌ مهمَّةٌ بالنسبة للقادة الَّذين يسعون لإعلاء كملة الله في الأرض568.]) وأمَّا قول الرَّسول (ص«قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها »، فهذا محمول على النَّوافل ال يكف ِر الله بها السيئات ، ويرفع بها الدَّرجات ، والمقصود: أنَّه عمل عملاً صالحاً كبيراً يكفي لتكفير ما قد يقع منه مِنْ سيئاتٍ في المستقبل ، ويرفع الله به درجاته في الجنَّة ، وليس المقصود: أنَّ هذا العمل يكفيه عن أداء الواجبات569.]) 2 شجاعة أم ِ سُلَيْمٍ يوم حن قال أنس رضي الله عنه: إنَّ أمَّ سُلَيْمٍ اتخذت يوم حنين خِنْجَراً 570])اها أبو طلحة ، فقال: يا رسول الله! هذه أمُّ سليم معها خنجرٌ ، فقال لها رسول الله (ص) : «ما هذا الخنجر؟»قالت: اتخَّذته إن دنا مني أحد من المشركين؛ بقرت به بطنه ، فجعل رسول الله (ص يضحك ، قالت: يا رسول الله! اقتلْ مَنْ بعد571])572])زموا بك 573 ]) ، فقال رسول «يا أمَّ سُلَيْمٍ! إنَّ الله قد كفى ، وأحسن»[1809.]) 3 الشَّيماء بنت الحارث أخت النَّب ِ (ص) من الرَّضاعة كان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله (ص) الشَّيماء بنت الحارث ، وبنت حليمة السَّعدية ، أخت رسو ل الله (ص) من الرَّضاعة ، وعنَّفوا عليها في السَّوق ، وهم لا يدرون ، فقالت للمسلمين: تعلمون والله! أني ِ لأختُ صاحبكم من الرَّضاعة ، فلم يصد ِقوها حتََّّ أتوا بها رسولَ الله (ص) ، ولما انتهت الشَّيماء إلى رسول الله (ص) قالت: يا رسول الله! إني ِ أختك من الرَّ ضاعة ، قال: «ما علامة ذلك؟»قالت: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا في ظهري ، وأناَّ مُت َوَر ِكَتُك574]) وعرف رسولُ الله (ص) العلامة ، وبسط لها رداءه ، وأجلسها عليه ، وخيرَّها ، وقال «إن أحببت؛ فعندي محَُبَّةً مُكْرمَةً ، وإن أحببت أن أُمَت ِعَكِ ، وترجعي إلى ق ومك؛ فعلتُ »فقالت: بل تمت ِعني ، وترد إلى قومي575]) وجاريةً ، ونعماً ، وشاء 3/131 132)، وابن هشام 4/100 101)،

عدد الصفحات ١٤٢

والبيهقي في الدلائل 5/199 200) ، وعبد ال رزاق في المصنف ( 7/479) برقم (13958([])576.]) خامساً: إسلام كعب بن زهير الشَّاعر والهيمنة الإعلاميَّة على الجزيرة لمَّا قدم رسول الله (ص) من الطَّائف؛ جاءه كعب بن زهير الشَّاعر ابن الشَّاعر وكان قد هجا رسول الله (ص) ، ثمَّ ضاقت به الأرض ، وضاقت عليه نفسه ، وحثَّه أخوه (بجَُيرْ) على أن يأتي رسول الله (ص) تائباً مسلماً ، وحذَّره من سوء العاقبة؛ إن لم يفعل ذلك ، فقال قصيدته الَّتي يمدح فيها رسول الله (ص) ، والتي اشتهرت بقصيدة (بانت سعاد) فقدم المدينة ، وغدا إلى رسول الله (ص) حين صلَّى الصُّبح ، ثمَّ جلس إليه ، ووضع يده في يده ، وكان رسول الله (ص) لا يعرفه ، فقال لرسول الله (ص) : «إنَّ كعب بن زهير جاء يستأمنُك تائباً مسلماً ، فهل أنت قابلٌ منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار ، فقال: يا رسول الله! دعني وعدوَّ الله أضرب عنقه ، فقال رسول الله (ص) : «دعه عنك ،فقد جاء تائباً نازعاً »وأنشد كعب قصيدته اللاَّمية الَّتي قال فيها باَْنَتْ سُعَادُ ف َقَلْبِ الْي َوْمَ مَت ْبُولُ مُتَ يَّمٌ إِث ْرَهَا لمَْ ي ُفْدَ مَكْبُولُ577]) ومَا سُعَادُ غَدَاةَ الطَّرْفِ إِذْ رَحَلُوا إِلاَّ أغنُّ قَرِي ْرُ العَينِْ مَكْحُولُ578]) ومنها إنَّ الرَّسُوْلَ لَ ن ُوْرٌ يُسْتَضَاءُ بهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ فيْ عُصْبَةٍ مِنْ ق ُرَيْشٍ قالَ قائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُوْلُوا شُمُّ العَرَانِينِْ أبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَْيْجَا سَرَابِيْلُ [3/579 583) ، والطبراني في الكب19/176 179) ، برقم 403) ، والبيهقي الدلائل (5/207 211) ، والهيثمي في مجمع الزوائد9/393 394([])579.]) ويقال: إنَّه لما أنشد رسول الله قصيدته؛ أعطاه بردته ، وهي الَّتي صارت إالخلفاء580]) قال ابن كثيرٍ: هذا من الأمور المشهورة جد اً ، ولكن لم أرَ ذلك في شيءٍ من هذه الكتب المشهورة بإسنادٍ أرتضيه ، فالله أعلم581.]) ويقال: إنَّ الرَّسول (ص) قال له بعد ذلك: لولا ذكرت الأنصار بخيرٍ ، فإن الأنصار لذلك أهلٌ582]) مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الحَيَاةِ فَلاْ ي َزَلْ فيِْ مِقْنَبٍ مِنْ صَالحِِي الأَنْصَارِ 583])

عدد الصفحات ١٤٣

وَرِثُوا المكَارِمَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ إنَّ الخِيَارَ هُمُ ب َنُو الأَخْيَارِ المُكْرَهِينَْ السَّمْهَرِيَّ بأذْرُعٍ كسَوَالِفِ الهِنْدِي ِ غَيرِْ قِصَارِ 584]) والناظِرِيْنَ بأَعْينٍُ محُْمَرةٍ كالجَْمْرِ غَي ْرَ كَلِي ْلَةِ الأَبْصَارِ والبَائِعِينَْ نُ فُوْسَهُمْ لِنَبِي ِهِمْ لِلْمَوْتِ ي َوْمَ ت َعَانُقٍ وكِرَارِ والقَائِدِيْنَ585]) بالمَشْرِفي ِ وبالقَنَا الخَطَّارِ 586]) ي َتَطهَّروْنَ ي َرَوْنَه نُسُكَاً لهَُمْ بدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفَّارِ إلى أن قال: لَوْ ي َعْلَمُ الأَق ْوَامُ عِلْمِيَ كُلَّهُ فِيْهِمْ لَصَدَّقَنيِ الَّذِيْنَ أُمَارِي 587]) ق َوْمٌ إِذَا خَوتِ النُّجُومُ فإِن َّهُمْ لِلطَّارِقِينَْ588])مَقَارِي589]) وبإسلام كعب بن زهير نستطيع القول بأنَّ الشُّعراء المعارضين للدَّعوة الإسلاميَّة قد انتهى دورهم ، فقد أسلم ضرار بن الخطَّاب ، وعبد الله بن الز ِب َعْرَى ، وأبو سفيان بن الحارث ، والحارث بن هشام ، والعبَّاس بن مرداس ، وتحوَّلوا إلى الصَّف ِ ا لإسلامي ِ ، واستظلوا بلوائه عن قناعةٍ ، وإيمانٍ ، ولم يكتفِ بعضهم بأن تكون كلمتُه في الد ِفاع عن الإسلام؛ بل كان سيفُه إلى جانب كلمته ، وهذا من بركات فتح مكَّة590.]) سادساً: من نتائج غزوة حنينٍ ، والطائف 1 انتصار المسلمين على قبيلتي هوازن ، وثقيف هذه الغزوة. 2 كانت غزوة حنين والطَّائف اخر غزوات النَّب ِ (ص) لمشركي العرب 3 رجوع كثيرٍ من أهل مكَّة والأعراب بغنائم إلى مواطنهم تأليفاً لهم لدخول الإسلام ، وحصول الأنصار على وسامٍ عظيم ، وهو شهادةُ رسولِ الله (ص) لهم بالإيمان ، والدُّع اء ل هم ولأبن ائهم ، وأحفادهم، ورجوعهم برسول الله (ص) إلى المدينة. 4 انضمام كوكبةٍ مباركةٍ من قيادة أهل مكَّة وهوازن إلى الإسلام ، وأصبحوا حرباً ضروساً على الأوثان ، والأصنام ، والمعابد الجاهليَّة في الجزيرة العربيَّة ، كما كان لقبيلة هوازن دورٌ كبيرٌ في مجاهدة أهل الطَّائف ، والتَّضييق عليهم حتََّّ أسلموا. 5 توسَّعت الدَّولة الإسلاميَّة وامتدَّ نفوذها ، وأصبح لرسول الله (ص) أمراء بمكَّة ، وعلى قبيلة هوازن ، وصارت تلك الأماكن جزءاً من الدولة الإسلامية؛ التي عاصمتها المدينة النَّبويَّة ، وأصبح بالإمكان أن

عدد الصفحات ١٤٤

يرسل رسولُ (ص) بعوثاً دعويَّةً بدون خوفٍ ، أو وجلٍ مِنْ أحدٍ ، وصارت المدينة بعد الفتح تستقبل وفود المستجيبين ، وأخذت حركة السَّرايا تستهدف الأوثان ، والأصنام لتهديمها ، فقد أصبح استئصال وجودها من الجزيرة سهلاً ، ونظَّم رسولُ الله (ص) فريضة الزَّكاة ، فكلَّف مَنْ يقوم على جمعها من القبائل التَّابعة للدَّولة591.]) * * * المبحث الرَّابع أهمُّ الأحداث ما بين حُن َينٍْ وتبوك أولاً: ترتيب استيفاء الصَّدقات: شرع رسول الله (ص) بعد عودته إلى المدينة في أواخر ذي القعدة في تنظيم الإدارة ، والجباية ، وكان (ص) قد استخلف عَتَّابَ بن أَسِيْدٍ على مكَّة حين انتهى من أداء العمرة ، وخلَّف معه معاذ بن جبل يفق ِه النَّاس ، ويعل ِمهم القران ، وكان هدي النَّبُّ (ص) عندما تدخل القبائل في الإسلام الحرصَ على تعليمها ، وتربيتها ، وي ُعَين ِ مَنْ يُشرف على ذلك؛ لأنَّ النُّ فوس تحتا إلى العناية ، والاهتمام ، وغرس العقائد الصَّحيحة ، والتَّصوُّرات السَّليمة فيها.

عدد الصفحات ١٤٥