وفي مطلع المحرم من العام التَّاسع وجَّه الرَّسول (ص) عُمَّالَه إلى المناطق المختلفة ، فبعث بُريدة بن الحصيب إلى أسلم ، وغِفار ، وعبَّاد بن بشر الأشهلي إلى سُليم ، ومزينة ، ورافع بن مكيث إلى جهينة ، وعمرو بن العاص إلى فزارة ، والضَّحاكَ بن شعبان الكلابيَّ إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعب إلى بني كعبٍ، وابن اللُّتبيَّة الأزديَّ إلى بني ذبيان ، ورجلاً من بني سعد بن هذيم إلى بني هذ 592 ]) ، والمهاجر بن أبي أميَّة إ صنعاء ، وزياد بن لبيد إلى حضرموت ، والزبرقان بن بدرٍ ، وقيس بن عاصم إلى بني سعدٍ ، والعلاءَ بن الحضرمي ِ إلى البحرين، وعليَّ بن أبي طالبٍ إلى نجران؛ ليجمع صدقاتهم، وي َقْدَم عليه بجزيتهم(1.) وكان (ص) يستوفي الحساب على العُمَّال، حلاسبهم على المستخر ، واصروف ، كما فعل مع عامله ابن اللُّ تْبِ يَّة من الأزد، حيث حاسبه عندما قال الرَّجل593]) رسول الله (ص) على المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وقال «ما بالُ عاملٍ أبعثُه ، فيقول: هذا لكم ، وهذا أهدي لي ، أفلا قعد في بيت أبيه، أو بيت أم ِه حتََّّ ينظر أيُهدى إليه أم لا؟!، والَّذي نفس محمد بيده ! لا ينال أحدٌ منكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة حلمله على عنقه، إن كان بعيراً له رُغاء، أو بقرةً لها خوار ، أو شاةً ت َي ْعَرُ »ثمَّ رفع يديه حتََّّ رأينا عُفْرَتيَْ إبطيه ثمَّ قال «اللَّهُم هل بلغتُ؟ مرَّتين»[6979) ، ومسلم1832])«أيما عاملٍ استعملناه وفرضنا له رزقاً فما أصاب بعد رزقه؛ فهو غلول»[2943([])594.]) ثانياً: أهمُّ السَّرايا في هذه المرحلة أ سريَّة الطُّفيل بن عمرو إلى ذي الكفلين: كان النَّبُّ (ص) قد بعث الطُّفيل بن عمروٍ من مقر ِه في حُن َينٍْ ، وقبل أن يسير إلى الطَّائف ، أمره بأن يهدم (ذا الكفلين) صنم عمرو بن حمَُمَة الدَّوسي ِ ، ثمَّ يستمدُّ قومه ، ويوافيه مع المدد إلى الطَّائف ، وقد نَّفذ الطُّفيل بن عمروٍ أوامر النَّب ِ (ص) ، فهدم (ذا الكفلين) وحرَّقه ، وقاد أربعمئةٍ من قومه ، ومعهم دبابةٌ ، ومنجنيق مدداً لرسول الله (ص) ، فوصلوا إليه بعد مقدمه الطَّائف بأربعة أيام595.]) ب سريَّة عبد الله بن حُذافة السَّهمي ِ ، ويُقال: إنََّّا سريَّة الأنصار قال عليُّ بن أبي طالبٍ: بعث النَّبُّ (ص) سريَّ ةً فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب ، فقال: أليس أمركم النَّبُّ (ص) أن تطيعوني؟ قالوا: بلى! قال: فاجمعوا لي حطباً ، فجمعوا ، فقال: أوقدوا ناراً ، فأوقدوها ، فقال: ادخلوها ، فهمُّوا ، وجعل بعضهم يمسك بعضاً ويقولون: فررنا
عدد الصفحات ١٤٦إ النَّب ِ (ص) من النَّار ، فما زالوا حتََّّ خمدت النَّ ار ، فسكن غضبُ ه ، فبلغ النَّبَّ (ص) فقال: «ل و دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة؛ الطَّاعة في المعروف »[4340) ، ومسلم (1840.]) سريَّة علي ِ بن أبي طالب لهدم صنم الفُلْس في بلاد طَي ِأى: وفي ربيع الاخر خرجت سريَّة علي ِ بن أبي طالب إلى الفُلْس صنم لِطي ِأى ليهدمه ، وكان تعدادها خمسين ومئة رجلٍ من الأنصار ، على مئة بعير ، وخمسين فرساً ، ومعه رايةٌ سوداء ، ولواءٌ أبيض ، فشنُّوا الغارة على محلَّة ال حاتم حاتم الطَّائي ِ الَّذي ضُرب المثل بجوده مع الفجر ، فهدموا الفُلْس ، وخرَّبوه ، وملؤوا أيديهم من السَّب ، والن َّعَم ، والشَّاء ، وفي السَّب أخت عدي ِ بن حاتم ، وهرب عديٌّ إلى الشَّام596.]) د سرية جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخَلَصَة قال جرير بن عبد الله: قال لي رسول الله (ص) : «ألا تُرِحلُني من ذي الخَلَصَة؟»، فقلت: بلى فانطلقت في خمسين ومئ ة فارس من أحمَس، وك انوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبتُ على الخيل ، فذكرت ذلك للنَّب ِ (ص) ، فضرب يده على صدري ، حتََّّ رأيت أثر يده في صدري ، وقال: «اللَّهم ثَ ب ِ تْ هُ واجعله هادياً مهديا ً »قال: فما وقعت عن فرسٍ بعدُ ، قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخَث ْعَمَ ، وبجيلة ، فيه نُصُبٌ يقال له: الكعب ة ، قال: فأتاها فحرَّقها بالنَّ ار ، وكسرها ، قال: ولمَّا قدم جرير اليمن كان بها رجلٌ يستقسم بالأزلام ، فقيل له: إنَّ رَسُولَ رَسُولِ الله (ص) هاهنا ، فإن قدر عليك ضرب عنقك! قال: فبينما هو يضرب بها؛ إذ وقف عليه جرير ، فقال: لَ تَ كْسِرَنََّّا ولتَشْهَ دنَّ أن لا إله إلا الله ، أو لأضربن عنقك! قال: فكسرها ، وشهد ، ثم بعث جرير رجُلاً من أحمَس يُكنى أبا أرطأة إلى النَّب ِ (ص) يبش ِره بذلك ، فلمَّا أتى النَّبَّ (ص) قال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ِ ما جئت حتََّّ تركتُها كأنََّّا جملٌ أجرب ، قال: فبرَّك النَّبُّ (ص) على خيل أحمَس ، ورجالها خمس مرَّاتٍ (4357) ، ومسلم 2476) ، وأحمد 4/362) ، وأبو داود 2772) ، والنسائي في الكبرى (8245.]) ثالثاً: إسلام عدي ِ بن حا عندما وقعت أخت عدي ِ بن حاتم في أسر المسلمين؛ عاملها رسول الله (ص) معاملةً كريمة ، وبقيت معزَّزة مكرَّمةً ، ثمَّ كساها النَّبُّ (ص) ، وأعطاها ما تتبلَّغ به في سفرها ، وعندما وصلت إلى أخيها في
عدد الصفحات ١٤٧الشَّام شجَّعته على الذَّهاب لرسول الله (ص) ، فتأثَّر بنصيحتها ، وقدم على المدينة597]) أبا عبيدة بن حذيفة حلد ِثنا عن قصَّة إسلام عدي ٍ ، قال أبو عبيدة بن حذيفة: كنت أُحَدَّثُ عن عدي ِ بن حاتمٍ ، فقلت: هذا عديٌّ في ناحية الكوفة ، فلو أتيتُه ، فكنت أنا الذي أسمع منه ، فأتيتُ ه فقلت: إني ِ كنت أُحدَّث عنك حديثاً ، فأردت أن أكون أنا الَّذي أسمع ه منك. قال: لمَّا بعث الله عزَّ وجلَّ النَّبَّ (ص) فررت منه حتََّّ كنت في أقصى أرض المسلمين ممَّا يلي الرُّوم. قال: فكرهت مكاني الَّذي أنا فيه حتََّّ كنت له أشدَّ كراهيةً له مني ِ من حيث جئت ، قال: قلت: لاتينَّ هذا الرَّجل ، فوالله! إن كان صادقاً ، فلأسمعنَّ منه ، وإن كان كاذباً ما هو بضائري. قال: فأتيتُه ، واستشرفني النَّاس ، وقالوا: عديُّ بن حاتمٍ ، عديُّ بن حاتمٍ ، قال: أظنُّه قال ثلاث مرارٍ ، قال: فقال لي: «يا عديُّ بن حاتمٍ! أسلم؛ تسلم»قال: قلت: إني ِ من أهل دينٍ ، قال «يا عدي بن حاتمٍ! أسلم؛ تسلم»قال: قلت: إني ِ من أهل دينٍ ، قالها ثلاثاً ، قال «أنا أعلم بدينك منك»قال: قلت: أنت أعلم بديني مني ِ؟! قال «نعم»قال«أليس ترأس قومك؟ » قال: قلت: بلى! قال: فذكر محمَّدٌ الرَّكوسِي ة598]) «فإنَّه لا حللُّ في دينك المرباع599.»]) قال: فلمَّا قالها؛ تواضعتُ لها ، قال «وإني ِ قد أرى أنَّ ممَّا يمنعك خصاصةً تراها ممَّن حولي ، وأن النَّاس علينا إلباً واحداً ، هل تعرف مكان الحِيرة؟»قال: قلتقد سمعت بها ، ولم اتها. قال: «لتوشكن الظَّعينة أن تخر منها بغير جوارٍ حتََّّ تطوف بالكعبة ، ولتوشكنَّ كنوز كسرى بن هرمز تُفتح »قال قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى ب ن هرمز ثلاث مرات ، وليوشكنَّ أن يبتغي مَنْ يقبل ماله منه صدقةً فلا يجد»قال: فلق د رأي ت اثنتين: قد رأيت الظَّعين ة تخر من الحيرة بغير جوارٍ حتََّّ تطوف بالكعبة ، وكنت في الخيل الَّتي أغارت على المدائن ، وايم الله! لتكونن الثَّالثة إنَّه لحديث رسول الله (ص) حدَّثنيه3595) ، وأحمد4/257([])600.]) وفي روايةٍ جاء فيه«فخرجت ح أقدم على رسول الله (ص) المدينة ، فدخلت عليه ، وهو في مسجده ، فسلَّمت عليه ، فقال: «من الرَّجل؟»فقلت: عديُّ بن حاتمٍ ، فقام رسول الله (ص) ، فانطلق بي إلى بيت ه ، فوالله! إنَّه لعامدٌ بي إليه؛ إذ لقيته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرة ، فاستوقفته ، فوقف لها طويلاً تكل ِ مه في حاجتها ، قال: قلت في نفسي: والله! ما هذا بمَِلِ كٍ ، قال: ثمَّ مضى بي رسول الله (ص) حتََّّ إذا دخل بي بيته تناول وسادةً من أَدَمٍ 601])
عدد الصفحات ١٤٨«اجلس على هذه»قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها ، فقال«بل أنت»فجلست عليها ، وجلس رسول الله (ص) بالأرض ، قال: قلت في نفسي: والله! ما هذا بأمر مَلِكٍ [»602.]) وفي هذه القصَّة دروس ، وعبرٌ كثيرةٌ منها 1 كان عديُّ وهو مقبلٌ على رسول الله (ص) حلمل في تصوُّره أنَّه أحد رجلين: إمَّا نبُّ أو مَلِكٌ، فلمَّا رأى وقوف رسول الله (ص) مع ا لمرأة الضَّعيفة الكبيرة مدَّةً طويلةً شعر بخُِلُق التَّواضع ، وانسلخ مِنْ ذهنه عامل المَلِكِ ، واستقرَّ في تصوُّره عامل النُّبوَّة. 2 كان النَّبُّ (ص) موفقاً حينما انتقد عَدِيا ً في مخالفته للد ِين الَّذي يعتنقُه ، حين حصل لعدي اليقين بنبوَّة رسول الله (ص) ، الَّذي يعلم من دينه ما لا يعلمه النَّاس مِنْ حوله. 3 لمَّا ظهر للنَّب ِ (ص) أنَّ عديا ً قد أيقن بنبوَّته؛ تحدَّث عن العوائق الَّتي تحول بين بعض الناس وات ِباع الحق ِ حتََّّ مع معرفتهم بأنَّه حقٌّ ، ومنها: ضعف المسلمين وعدم اتساع دولتهم ، وما هم فيه من الفقر ، فأبان له النَّبُّ (ص) بأنَّ الأمن سيشمل البلاد حتََّّ تخر المرأة من العراق إلى مكَّة من غير أن تحتا إلى حماية أحدٍ ، وأنَّ دولة الفرس ستقع تحت سلطان المسلمين ، وأنَّ المال سيفيض حتََّّ لا يقبله أحدٌ ، فلمَّا زالت عن عدي ٍ هذه المعو ِقات؛ أسلم. 4 كان النَّبُّ (ص) موفقاً في دعوته ، حيث كان خبيراً بأدواء النُّفوس ، ودوائها ، ومواطن الضَّعف فيها وأزمَّة قيادها ، فكان يلائم كلَّ إنسانٍ بما يلائم علمه وفكره ، وما ينسجم مع مشاعره وأحاسيسه ، ولذلك أثَّر في زعماء القبائل ، ودخل النَّاس في دين الله أفواجاً603.]) 5 وجد عديُّ سماتِ النُّبوَّة الصَّادقة في مظهر معيشته (ص) وحياته ، ووجد هذه الس ِمات أيضاً لون حديثه ، وكلامه ، ووجد مصداق ذلك فيما بعد ، في وقائع الزَّمن ، والتَّاريخ ، فكان ذلك سبباً في إسلامه وزيادة يقينه ، وانخلاعه عن زخارف الحياة ال دُّنيا ومظاهر الأبهَّة ، والترَّف الَّتي كان قد أسبغها عليه قومُه604.]) رابعاً: أحداث متفر ِقة في سنة ثمانٍ قال ابن كثير نقلاً عن الواقدي: «وفي هذه السَّنة بعث رسولُ الله (ص) عمرو بن العاص إلى جيفر ، وعمرو ابني الجلندى من الأزد ، وأُخِذَتِ الجزية من مجوس بلدها ، ومَنْ حولها من الأعراب ، وفيها تزوَّ رسول الله (ص) فاطمة بنت الضَّحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة ، فاستعاذت منه عليه
عدد الصفحات ١٤٩السَّلام ، ففارقها ، وفي ذي الحجَّة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله من مارية القبطيَّة ، فاشتدَّت غيرة أمَّهات المؤمنين منها حين رُزِقت ولداً ذكراً605.]) وفي عام8 ه ) توف ِيت السَّيدة زينب بنت رسول الله وزو أبي العاص بن الرَّبيع ، وقد ولدت قبل المبعث بعشر سنين ، وكانت أكبر بناته (ص) ، تليها رقيَّة ، ثمَّ أمُّ كلثوم ، ثمَّ فاطمة رضي الله عنهنَّ ، كان رسول الله محب اً لها ، أسلمت قديماً ، ثمَّ هاجرت قبل إسلام زوجها بست ِ سنين ، وكانت قد أجهضت في هجرتها ثمَّ نزفت ، وصار المرض يعاودها حتََّّ توفيت ، ولمَّا ماتت؛ قال رسول الله (ص) : «اغْسِلْنها وِتْراً؛ ثلاثاً ، أو خمساً ، واجعلْن في الاخرة كافوراً »[ (1352) ، ومسلم939([])606.]) * * * الفصل السَّابع عشر غزوة تبوك (9 ه ) وهي غزوة العُسْرَة607]) المبحث الأوَّل
عدد الصفحات ١٥٠تاريخ الغزوة ، وأسماؤها ، وأسبابها أوَّلاً: تاريخها ، وأسماؤها: خر رسول الله (ص) لهذه الغزوة في رجب من العام التَّاسع الهجري ِ608])العودة من حصار الطَّائف بنحو ستَّة أشهرٍ609.]) واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك ، نسبة إلى مكانٍ ، هو عين تبوك؛ الَّتي انتهى إليها الجيش الإسلاميُّ ، وأصل هذه التَّسمية جاء في صحيح مسلم ، فقد روى بسنده إلى معاذ: أنَّ رسول الله (ص) قال: «ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتََّّ يضحى النَّهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتََّّ اتي »[5/237 238) ، ومسلم706/10) ، وأبو داود (1206) ، والترمذي553) ، والنسائي1/285) ، وابن ماجه1070.]) وللغزوة اسمٌ اخر ، وهو غزوة العُسْرَة ، وقد ورد هذا الاسم في القران الكريم حينما تحدَّث عن هذه الغزوة في سورة التَّوبة ، قال تعاوهُ فيِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ ب َعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ ق ُلُوبُ فَرِيقٍ مِن ْهُمْ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بهِِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [ 117.] وقد روى البخاريُّ بسنده إلى أبي موسى الأشعري ِ: قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله (ص) أسأله الحُملانَ لهم؛ إذ هم معه في جيش العُسْرَة ، وهي غزوة تبوك... ، وعَن ْوَنَ البخاريُّ لهذه الغزوة بقوله: «باب غزوة تبوك ، وهي غزوة العُسْرة»[8/138.]) لقد سم ِيت بهذا الاسم لشدَّة ما لاقى المسلمون فيها من الضَّنْكِ ، فقد كان الجوُّ شديدَ الحرارة ، والمسافة بعيدةً ، والسَّفر شاق اً لقلَّة المؤونة وقلَّة الدَّواب ِ الَّتي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة ، وقلَّة الماء في هذا السَّفر الطَّويل ، والحر ِ الشَّديد ، وكذلك قلَّة المال الذي يجَُهَّز به الجيش ، وينفق عليه610 ]) ، ففي تفسير عبد الرَّزَّاق عن معمر ، عن ابن عقيل؛ قال: (خرجوا في قلَّةٍ من الظَّهْر ، وفي حر ٍ شديدٍ حتََّّ كانوا ينحرون البعير ، فيشربون ما في كِرْشِهِ من الماء ، فكان ذلك عُسْرَةً من الماء 611]) وهذا الفاروق عمر بن الخطَّاب حلد ِثنا عن مدى ما بلغ العطش من المسلمين ، فيقول: خرجنا مع رسول الله (ص) إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه ع طشٌ شديدٌ ، حتََّّ ظننَّا أنَّ رقابنا ستنقطع حتََّّ إن كان أحدُنا يذهب يلتمس الخلاء ، فلا يرجع حتََّّ يظنَّ أنَّ رقبته تنقطع ، وحتَّ إنَّ
عدد الصفحات ١٥١الرَّجل لينحر بعيره ، فيعصر فرثه؛ فيشربه ، ويضع ما بقي على بَطْنِه1841) ، والهيثمي مجمع الزوائد (6/194.]) وللغزوة اسم ثالث هو الفاضحة؛ ذكره الزُّرقانيُّ رحمه الله في كتابه (شرح المواهب اللَّدنية612]) وسم ِيت بهذا الاسم؛ لأنَّ هذه الغزوة كشفت عن حقيقة المنافقين ، وهتكت أستارهم ، وفضحت أساليبهم العدائيَّة الماكرة ، وأحقادهم الدَّفينة، ونفوسهم الخبيثة، وجر ائمهم البشعة بحق ِ رسول الله (ص) ، والمسلم613.]) وأمَّا موقع تبوك فيقع شمال الحجاز يبعد عن المدينة778 ميلاً حسب الطَّريق المعبدة في الوقت الحاضر ، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الرُّوم انذاك614.]) ثانياً: أسبابها ذكر المؤر ِخون أسباب هذه الغزوة ، فقالوا: وصلت الأنباء للنَّب ِ (ص) من الأنباط الَّذين يأتون بالزَّيت مِنَ الشَّام إلى المدينة: أنَّ الروم جمعت جموعاً ، وأجلبت معهم لخمُ ، وجُذَامُ ، وغيرُهم من متنص ِرة العرب ، وجاءت في مقد ِمتهم إلى البلقاء 615]) قبل أن يغزوه616.]) ويرى ابن كثير: أنَّ سبب الغزوة هو استجابةٌ طبيعيَّةٌ لفريضة الجهاد ، ولذلك عزم رسول (ص) على قتال الرُّوم؛ لأنََّّم أقرب النَّاس إليه ، وأولى النَّاس بالدَّعوة إلى الحق ِ لقربهم إلى الإسلام ، وأهله ، قال تعانَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ ي َلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَََّّ مَعَ الْمُتَّقِينَ[123.] والَّذي قاله ابن كثير هو الأقرب للصَّواب؛ إضافةً إلى أنَّ الأمر الَّذي استقرَّ عليه حكم الجهاد هو قتال المشركين كافَّةً بمَِنْ فيهم أهل الكتاب الَّذين وقفوا في طريق الدَّعوة ، وظهر تحرُّشهم بالمسلمين ، كما روى أهل الس ِ617.]) ولا يمنع ما ذكره المؤر ِخون بأنَّ سبب الخرو هو عزم الرُّوم على غزو المسلمين في عقر دارهم أن يكون هذا حافزاً للخرو إليهم؛ لأنَّ أصل الخرو كان وارداً. لقد كان المسلمون على حذرٍ من مجيء غسَّان إليهم من الشَّام ، ويظهر ذلك جلي اً ممَّا وقع لعمر بن الخطَّاب ، فقد كان النَّبُّ (ص) الى من نسائه شهراً ، فهجرهنَّ ، ففي صحيح البخاري ِ: وكنَّا قد تحدَّثنا: أنَّ ال غسَّان ت ُنْعِلُ الن ِعال لغزونا ، فنزل صاحب الأنصاريُّ يوم نوبته ، فرجع إلينا عِشاءً فضرب
عدد الصفحات ١٥٢بابي ضرباً شديداً ، وقال: أنائمٌ هو؟ ففزعت ، فخرجت إليه ، وقال: حدث أمرٌ عظيم ، فقلت: ما هو؟ أجاءت غسَّان؟ قال: لا! بل أعظم منه ، وأهول ، طلَّق رسول الله (ص) نساءه (5191) ، ومسلم (1749.]) ثالثاً: الإنفاقُ في هذه الغزوة وحِرْصُ المؤمنين على الجهاد حثَّ رسول الله (ص) الصَّحابة على الإنفاق في هذه الغزوة؛ لبعدها ، وكثرة المشركين فيها ، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله ، فأنفق كلٌّ حسب مقدرته ، وكان عثمان رضي الله عنه صاحب القِدْح المعلَّى في الإنفاق في هذه الغزوة618]) حيث قال: شهدت النَّبَّ (ص) وهو حلثُّ على جيش العُسْرَة ، فقام عثمان بن عفَّان ، فقال رسول الله! عليَّ مئة بعيرٍ بأحلاسها ، وأقتابها في سبيل الله ، ثمَّ حضَّ على الجيش ، فقام عثمان بن عفَّان ، فقال: يا رسول الله! عليَّ مئتا بعيرٍ بأحلاسها ، وأقتابها في سبيل الله ، ثمَّ حضَّ على الجيش ، فقام عثمان بن عفَّان ، فقال: يا رسول الله! عليَّ ثلاثمئة بعيرٍ بأحلاسها ، وأقتابها في سبيل الله ، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر ، وهو يقول: «ما على عثمان ما عمل بعد هذه! ما على عثمان ما عمل بعد هذه»[4/75) ، والترمذي3700.]) وعن عبد الرَّحمن بن سمَُرَة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفَّان إلى النَّب ِ (ص) بألف دينارٍ ثوبه حين جهَّز النَّبُّ (ص) جيش العُسْرَة ، قال: فجعل النَّبُّ (ص) يقل ِبها بيده ، ويقول: «ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم! يرد ِدها مراراً»[5/63) ، والترمذي3701.]) وأمَّا عمر؛ فقد تصدَّق بنصف ماله ، وظنَّ أنَّه سيسبق أبا بكرٍ بذلك ، وهذا الفاروق حلد ِثنا بنفسه عن ذلك ، حيث قال: أمرنا رسول الله (ص) يوماً أن نتصدَّق ، فوافق ذلك مالاً عندي ، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر؛ إن سبقته يوماً ، فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله (ص) : «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثلَه. قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ِ ما عنده ، فقال له رسول الله (ص «ما أبقيت لأهلك؟»قال: أبقيت لهم الله ورسولَه ، قلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبداً 1678) ، والترمذي (3675.]) وروي: أنَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ أنفق ألفي درهم ، وهي نصف أمواله لتجهيز جيش العُسْرَة 619.]) وكانت لبعض الصَّحابة نفقاتٌ عظيمةٌ ، كالعبَّاس بن عبد المطَّلب ، وطلحة بن عبيد الله ، ومحمَّد بن مَسْلَمة ، وعاصم بن عدي ٍ رضي الله عنهم620.])
عدد الصفحات ١٥٣وهكذا يفهم المسلمون: أنَّ المال وسيلةٌ ، واستطاع أغنياء الصَّحابة أن يبرهنوا: أنَّ مالهم في خدمة هذا الد ِين ، يدفعونه عن طواعيةٍ ، ورغبةٍ ، وأنَّ تاريخ الأغنياء المسلمين تار يخٌ مشر ِفٌ؛ لأنَّه تاريخ المال في يد الر ِجال ، لا تاريخ الر ِجال تحت سيطرة المال ، وكما كان الجهاد بالنَّفس فكذلك هو بالمال ، وإنَّ الَّذين رُبُّوا على أن يقد ِموا أنفسهم ، تهون عليهم أموالهُم في سبيل الله تعا621.]) إنَّ في مسارعة الموسرين من الصَّحا بة إلى البذل ، والإنفاق دليلاً على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين؛ من مسارعةٍ إلى فعل الخير ، ومقاومةٍ لأهواء النَّفس وغرائزها ، ممَّا تحتا إليه كلُّ أمَّة لضمان النَّصر على أعدائها ، وخير ما يفعله المصلحون ، وزعماء النَّهضات هو غرس الد ِين في نفوس النَّ اس غرساً كريماً622.]) وقدَّم فقراء المسلمين جهدهم من النَّفقة على استحياءٍ ، ولذلك تعرَّضوا لسُخْرِيَةِ وغمز ، ولمز المنافقين ، فقد جاء أبو عُقَيْلٍ بنصف صاع تمرٍ ، وجاء اخر بأكثر منه ، فلمزوهما قائلين: إنَّ الله لغنيٌّ عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الاخر إلا رياءً ، فنزلت الاية: {الَّذِينَ ي َلْمِزُونَ الْمُطَّو ِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فيِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يجَِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ف َيَسْخَرُونَ مِن ْهُمْ سَخِرَ اللَّ ُ مِن ْهُمْ وَلهَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }*[ 79([]623.]) وقالوا: ما أعطىابن عوف هذا إلا رياء ، فكانوا يتَّهمون الأغنياء بالر ِياء ، ويسخرون من صدقة الفقراء 624.]) لقد حزن الفقراء من المؤمنين لأنََّّم لا يملكون نفقة الخرو إلى الجهاد؛ فهذا عُلبَةُ بن زيدٍ أحد البكَّائ صلَّى من اللَّيل ، وبكى ، وقال: اللَّهمَّ! إنَّك قد أمرت بالجهاد ، ورغبت فيه ، ولم تجعل عندي ما أتقوَّى به مع رسولك ، وإني ِ أتصدَّق على كل ِ مسلمٍ بكل ِ مظلمةٍ أصابتني في جسدٍ ، أو عرْضٍ ، فأخبره النَّبُّ (ص) : أنَّه قد غُفِر له625.]) وفي هذه القصَّة وما جرى فيها اياتٌ من الإخلاص ، وحب ِ الجهاد لنصرة دين ، وبث ِ دعوته في الافاق ، وفيها مِنْ لُطف الله بضعفاء المؤمنين الَّذين يعيشون في حياتهم عيشةً عمليَّة626.]) وهذا واثلة بن الأسقع نتركه حلد ِثن ا عن قصَّته: (.... عندما نادى رسول الله في غزوة تبوك ، خرجت إلى أهلي ، فأقبلت وقد خر أوَّل صحابة رسول الله فطفقت في المدينة أنادي: ألا مَنْ حلمل رجلاً له سهمه! فإذا شيخٌ من الأنصار ، فقال: لنا سهمه على أن نحملَه عقبة627]) فقلت: نعم ، قال: فسر على برك ة الله ، فخرجت مع خي ر صاحبٍ حتََّّ أف اء الله علينا 628])
عدد الصفحات ١٥٤فأصابني قلائصَ629])هُنَّ حتََّّ أتيتُه ، فخر ، فقعد على حقيبة من حقائب إبله ، قال: سقهن مدبراتٍ ، ثمَّ قال: سقهن مقبلاتٍ ، فقال: ما أرى قلائصك إلا كراماً إنمَّا هي غنيمتُك الَّتي شرطتُ لك ، قال: خذ قلائصك يابن أخي! فغير سهمِك أرد (2676([])630.]) وهكذا تنازل واثل ة في بداية الأمر عن غنيمت ه ليكسب الغنيمة الأخرويَّة ، أجراً ، وثواباً يجده عند الله يوم لقائه ، وتنازل الأنصاريُّ عن قسم كبيرٍ من راحته ، ليتعاقب وواثلة على راحلته ، ويقد ِم له الطَّعام مقابل سهمٍ اخر ، وهو الأجر ، والثَّواب. إنََّّا مفاهيم تنبع من المجتمع الَّذي تربىَّ على كتاب الله ، وسنَّة رسوله (ص) ، لها نفس الخاص ِيَّة في الإضاءة ، وتحمل ن َفْسَ البريق ، متم ِمٌ بعضها لبعضها الاخر631.]) وجاء الأشعريُّون يتقدَّمهم أبو موسى الأشعريُّ يطلبون من النَّب ِ (ص) أن حلملهم على إبلٍ ليتمكَّنوا من الخرو للجهاد ، فلم يجد ما حلملهم عليه حتََّّ مضى بعضُ الوقت ، فحصل لهم على ثلاثةٍ من الإبل632.]) وبلغ الأمر بالضُّعفاء ، والعجزة ممَّن أقعدهم المرض ، أو النَّفقة عن الخرو إلى حد البكاء شوقاً للجهاد ، وتحرُّجاً من القعود حتََّّ نزل فيهم قران عَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يجَِدُونَ مَا ي ُنْفِقُونَ حَرَ ٌ إِذَا نَصَحُوا للََِِّّ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَ حِيمٌ *وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَت َوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ق ُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحمِْلُكُمْ عَلَيْهِ ت َوَلَّوْا وَأَعْي ُن ُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يجَِدُوا مَا ي ُنْفِقُونَ[91 92.] إنََّّا صورةٌ مؤث ِرة للرَّغبة الصَّحيحة في الجهاد على عهد رسول الله (ص) ، وما كان حلسُّه صادقو الإيمان من ألمٍ إذا ما حالت ظروفهم الماد ِية بينهم وبين القيام بواجباته ، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممَّن عذر الله لمرضٍ ، أو كبر سن ٍ ، أو غيره يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين 633]) (ص) عندما قال«إنَّ بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم»قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة! قال: «وهم بالمدينة؛ حبسهم العذر»[4423) ، وأحمد3/103) ، وأبو داود (2508) ، وابن ماجه2764) ، وابن حبان4731.]) رابعاً: موقف المنافقين من غزوة تبوك
عدد الصفحات ١٥٥عندما أعلن الرَّسول (ص) النَّفير ، ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة؛ أخذ المنافقون في تثبيط همم النَّاس ، قائلين لهم: لا تنفروا في الحر ِ ، فأنزل الله تعالى فيهم اللََِّّ وَكَرِهُوا أَنْ يجَُاهِدُو ا بأَِمْوَالهِِمْ وَأَن ْفُسِهِمْ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ وَقَالُوا لاَ ت َنْفِرُوا فيِ الحَْر ِ قُلْ ناَرُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّ ا لَوْ كَانُوا ي َفْقَهُونَ *ف َلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْي َبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بمَِا كَانُوا يَكْسِبُونَ [81 82.] وقال رسول الله (ص) وهو في جهازه لتبوك للجد ِ بن قيس: يا جدُّ! هل لك العام في جلاد ب الأصفر؟ فقال: يا رسول الله! أو تأَذن لي ، ولا تفتني؟ فوالله! لقد عرف قومي: أنَّه ما من رجل أشدُّ عجباً بالن ِساء مني ِ ، وإني ِ أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألاَّ أصبر ، فأعرض عنه رسول الله (ص) ، وقال: «قد أذنت لك»[10/148 149) ، والبيهقي في الدلائل5/213 214) ، والطبراني في الكب2154 و12654) ، والهيثمي في مجمع الزوائد7/30]) الايةني ِ أَلاَ فيِ الْفِت ْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ باِلْكَافِرِينَ [49] فعاتبه الله تعالى بقولهتََّّ ي َت َب َينََّ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَت َعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [43.] وبلغ رسول الله (ص) : أنَّ ناساً منهم يجتمعون في بيت سُوَيْلِم اليهودي ِ يثب ِطون النَّاس عن رسول (ص) ، فأرسل إليهم مَنْ أحرق عليهم بيت سُوَيْلِم4/160([])634.]) وهذا يدلُّ على مراقبة المسلمين الدَّقيقة ، ومعرفتهم بأحوال المنافقين واليهود ، فقد كانت عيون المسلمين يقظةً تراقب تحرُّكات اليهود، والمنافقين، واجتماعاتهم، وأوكارهم، بل كانوا يطَّلعون فيها على أدق ِ أسرارهم، واجتماعاتهم، وما يدور فيها مِنْ حبك المؤامر ات ، وابتكار أساليب التَّثبيط ، واختلاق الأسباب الكاذبة لإقناع الناس بعدم الخرو للقتال ، وقد كان علا رسول الله لدعاة الفتنة ، وأوكارها حازماً حاسماً؛ إذ أمر بحرق البيت على مَنْ فيه من المنافقين ، وأرسل مِنْ أصحابه مَنْ ي ُن َف ِذُه ، وَن ُف ِذَ بحزمٍ ، وهذا منهج نبويٌّ كريمٌ يتعلَّم منه كل مسؤول في كل ِ زمانٍ ومكانٍ كيف يقف من دعاة الفتنة ، ومراكز الإشاعات المضل ِلة الَّتي تُلحق الضَّرر بالأفراد ، والمجتمعات ، والدُّول؛ لأنَّ الترَّدُّد في مثل هذه الأمور ي ُعَر ِض الأمن ، والأمان إلى الخطر ، وينذر بزوالها635.]) لقد تحدَّث القران الكريم عن موقف المنافقين قبل الغزوة ، وفي أثناءها وبعدها ، وممَّا جاء من حديث القران الكريم عن موقف المنافقين قبل غزوة تبوك ما يتضمَّن استئذانَّم ، وتخلُّفهم عن الخرو ، وكان
عدد الصفحات ١٥٦ممَّن تخلف عبد الله بن أبي ِ بن سلول وقد تحدَّث القران عنهم ، فقال الله تعا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَت َّب َعُوكَ وَلَكِنْ ب َعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ باِللََِّّ لَوِ اسْتَطَعْنَا لخََرَجْ نَا مَعَكُمْ ي ُهْلِكُونَ أَن ْفُسَهُمْ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ إِن َّهُمْ لَكَاذِبُونَ [42.] فقد بينَّ سبحانه وتعالى موقف المنافقين ، وأنََّّم تخلَّفوا بسبب ب ُعْد المسافة ، وشدَّتها ، وأنَّه لو كان الَّذي دعوتهَم إليه يا محمد! عرضاً من أعراض الدُّنيا ، ونعيمها ، وكان السَّفر سه لاً ، لاتَّبعوك في الخرو ، ولكنَّهم تخلَّفوا ، ولم يخرجوا ، فالاي ة تشرح ، وتوض ِح ملابسات موقفهم قب ل الخرو إلى الغزوة ، وأسباب هذا الموقف ، ثمَّ حكى سبحانه ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من هذه الغزوةفُسَهُمْ وَاللََُّّ ي َعْلَمُ إِن َّهُمْ لَكَاذِبُونَ والمعنى: وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله كذباً، وزوراً قائلين: لو استطعنا أيُّها المؤمنون! أن نخر معكم للجهاد في تبوك؛ لخرجنا، فإنَّنا لم نتخلَّف عن الخرو معكم إلا مضطر ِين، فقد كانت لنا أعذارُنا القاهرة الَّتي حملتنا على التخلُّف636.]) وقوله سبحانه قال ابن عاشور: أي: حللفون مهلكين أنفسهم؛ أي: موقعينها في الهُلْكِ والهُلْكُ: ال فناء ، والموت ، ويطلق على الأضرار الجسميَّة ، وهو المناسب هنا أي: يتسبَّبون في ضر ِ أنفسهم بالأيمان الكاذبة ، وهو ضرُّ الدُّنيا ، وعذاب الاخرة ، وفي هذه الاية دلالةٌ على أنَّ تعمُّد اليمين الفاجرة يفضي إلى الهلاك637.]) ثمَّ عاتب الله تعالى نبيَّنا محمداً (ص) بقوله وَت َعْلَمَ الْكَاذِبِينَ قال مجاهد 638]) فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم ، فاقعدوا. وهؤلاء هم فريقٌ من المنافقين ، منهم عبد الله بن أبي ِ بن سلول ، والجدُّ بن قيسٍ ، ورفاعةُ بن التَّابوت ، وكانوا تسعةً وثلاثين ، واعتذروا بأعذارٍ كاذبةٍ 639.]) والاية الكريمة عتابٌ لطيفٌ من اللَّطيف الخبير سبحانه لحبيبه (ص) على ترك الأَوْلى ، وهو التوق ف عن الإذن إلى انج لاء الأمر ، وانكش اف الحال640])
عدد الصفحات ١٥٧وَالْي َوْمِ الآخِرِ أَنْ يجَُاهِدُوا بأَِمْوَالهِِمْ وَأَن ْفُسِهِمْ وَاللَّ ُ عَلِيمٌ باِلْمُتَّقِينَ * إِنمََّا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ ي ُؤْمِنُونَ باِللََِّّ وَالْي َوْمِ الآخِرِ وَارْتاَبَتْ ق ُلُوب ُهُمْ ف َهُمْ فيِ رَيْبِهِمْ ي َت َرَدَّدُونَ [44 45.] ه ذه الايات أوَّل ما ن زل في التَّفرق ة بين المنافقين والمؤمنين في القتال641])ه ليس من شأن المؤمنين بالله واليوم الاخر الاستئذان ، وترك الجهاد في سبيل الله ، وإنمَّا هذا من صفات المنافقين الَّذين يستأذنون من غير عذرٍ ، وصفهم سبحانه بقوله: أي: شكَّت في صحَّة ق ُلُوب ُهُمْ ي َت َرَدَّدُونَ وليست لهم قدمٌ ثابتةٌ في شيءٍ642.]) لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبةً للتَّمييز بين المؤمنين ، والمنافقين ، وَضَحَتْ فيها الحواجز بين الطَّرفين ، ولم ي َعُدْ هناك أيُّ مجالٍ للتَّسترُّ على المنافقين ، أو مجاملتهم؛ بل أصبحت مجابهتُهم أمراً ملح اً بعد أن عملوا كلَّ مافي وسعهم لمجابهة الرَّسول (ص) ، والدَّعوة ، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنَّفير ، الَّذي أعلنه الله تعالى ، ورسوله (ص) ، والَّذي نزل به القران الكريم؛ بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين ، وإيقافُهم عند حد ِهم واجباً شرعي اً643.]) خامساً: إعلان النَّفير ، وتعبئة الجيش أُعلِن النَّفير العام للخرو لغزوة تبوك؛ حتََّّ بلغ عدد من خر مع النَّب ِ (ص) إلى تبوك ثلاثين ألفاً ، وقد عاتب القران الكريم الَّذين تباطؤوا بقوله تعاأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فيِ سَبِيلِ اللََِّّ اثاَّق َلْتُمْ إِلىَ الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ باِلحَْيَاةِ الدُّن ْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَْيَاةِ الدُّ ن ْيَا فيِ الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ }*[38.] وقد طالبهم القران الكريم بأن ينفروا شباناً ، وشيوخاً ، وأغنياء ، وفقراء ، بقوله تعا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بأَِمْوَالِكُمْ وَأَن ْفُسِكُمْ فيِ سَبِيلِ اللََِّّ ذَلِكُمْ خَي ْرٌ لَكُمْ إِنْ كُن ْتُمْ ت َعْلَمُونَ [41.] لقد استطاع رسول الله (ص) أن حلشد ثلاثين ألف مقاتلٍ644]) مكَّة ، والقبائل العربيَّة الأخرى ، ولقد أعلن رسول الله (ص) على غير عادته في غزواته هدفه ، ووجهتَه في القتال؛ إذ أعلن صراحةً: أنَّه يريد قتال بني الأصفر (الرُّوم) ، علماً بأنَّ هديه في معظم غزواته أن يور ِي فيها(1) ، ولا يصر ِح بهدفِه ، ووجهتِه ، وقصدِه حفاظاً على سرية الحركة ، ومباغتة العدو ِ(1.)
عدد الصفحات ١٥٨وقد استدلَّ بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التَّصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره ، وقد صرَّح (ص) في هذه الغزوة على غير العادة بالجهة التي يريد غزوها ، وجلَّى هذا الأمر للمسلمين ، لأسبابٍ منها: 1 ب ُعْد المساف ة ، فقد كان رسول الله (ص) يدرك أنَّ السير إلى ب لاد الرُّوم يُعدُّ أمراً صعباً؛ لأنَّ التَّحرُّك سيتمُّ في منطقةٍ صحراويَّةٍ ممتَّدة ، قليلة الماء ، والنَّبات ، ولابدَّ حينئذٍ من إكمال المؤونة ، ووسائل النَّقل للمجاهدين قبل بدء الحركة حتََّّ لا يؤد ِي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود. 2 كثرة عدد الرُّوم ، بالإضافة إلى أنَّ مواجهتهم تتطلَّب إعداداً خاص اً ، فهم عدوٌّ يختلف في طبيعته عن الأعداء الَّذين واجههم النَّبُّ (ص) مِنْ قبلُ ، فأسلحتهم كثيرةٌ ، ودرايتهم بالحرب كبيرةٌ ، وقدرتهُم القتاليَّة فائقةٌ645.]) 3 شدَّة الزَّمان ، وذلك لكي يقفَ كلُّ امرأٍى على ظروفه ، ويُعِدَّ النَّفقة اللازمة له في هذا السَّفر الطَّويل لمن يعول وراءه646.]) 4 أنَّه يعد مجالٌ للكتمان في هذا الوقت؛ حيث لم يبقَ في جزيرة العرب قوَّةٌ معاديةٌ لها خطرها ، تستدعي هذا الحشد الضَّخم ، سوى الرُّومان ، ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ، ودومة الجندل والعقبة647.]) لقد شرع رسول الله (ص) لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم ا لخطط الحربيَّة ، ومراعاة المصلحة العامَّة في حالتي الكتمان ، والتصريح ، ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال 648.]) ولمَّا علم المسلمون بجهة الغزوة؛ سارعوا إلى الخرو إليها ، وحثَّ الرسول (ص) على النَّفقة قائلاً «من جهَّز جيش العسرة فله الجنَّة »[ (7/65) ، والدارقط 4401) ، والبيهقي الكبرى (6/167.]) واستخلف رسولُ الله (ص) على المدينة محمَّد بن مسلمة الأنصاري ، وخلَّف عليَّ بن أبي طالبٍ على أهله، فأرجف به المنافقون ، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً ، وتخفُّفاً منه ، فأخذ عليٌّ رضي الله عنه سلاحه ، ثمَّ خر حتََّّ أتى رسول الله (ص) وهو نازلٌ بالجُرْفِ 649]) نب الله! زعم المنافقون: أنَّك إنمَّا خلَّفتني؛ لأنَّك استثقلتني، وتخفَّفت مني ِ، فقال «كذبوا، ولكني ِ خلَّفتك لِمَا تركتُ ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي ، وأهلك ، أفلا ترضى أن تكو ن مني ِ بمنزلة هارون
عدد الصفحات ١٥٩من موسى؟ إلا أنه لا نبَّ بعدي»[3706)، ومسلم2404/31 32([])650]) عليٌّ إلى المدينة651.]) وكان استخلاف علي ٍ رضي الله عنه في أهله باعتبار قرابته ، ومصاهرته ، فكان استخلافه في أمرٍ خاص ٍ ، وهو القيام بشأن أهله ، وكان استخلاف محمَّد بن مسلمة الأنصاري ِ في الغزوة نفسها استخلافاً عام اً ، فتعلَّق بعض الناس بأن استخلاف علي ٍ يشير إلى خلافته من بعده ، ولا صحَّة لهذا القول؛ لأنَّ خلافته كانت في أهله خاصَّةً652.]) وعندما تجمَّع المسلمون عند ثِنيَّة الوداع بقيادة رسول(ص) ، اختار الأمراء ، والقادة ، وعقد الألوية ، والرَّايات لهم ، فأعطى لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصد ِيق رضي الله عنه ، ورايته العظمى إلى الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه ، ودفع راية الأوس إلى أُسَيْدُ بن حُضَيرٍْ ، وراية الخزر إلى أبي دجانة ، وأمر كلَّ بطنٍ من الأنصار أن يتَّخذ لواءً653]) إلى أن رحل منها عَبَّادَ بن بِشْرٍ ، فكان رضي الله عنه يطوف في أصحابه على العسكر654]) وكان دليلَ رسول الله (ص) في هذه الغزوة علقمةُ بن الفَغْوَاء الخزاعيُّ ، فقد كان من أصحاب الخبرة ، والكفاءة في معرفة طريق تبوك 655.]) وقد انفرد الواقديُّ بالمعلومات عن طريق الجيش ، وتوزيع الرَّايات ، وهو متروكٌ ، ولكنَّ ه غزير المعلومات في الس ِيرة ، وأخ ذ مثل هذه المعلومات من ه لا يضر 656.]) ويلاحظ الباحث التَّطوُّر السَّريع لعدد المقاتلين بشكلٍ عام ٍ ، ولسلاح الفرسان بشكل خاص ٍ. إنَّ الَّذي يدرس تاريخَ الدَّعوة الإسلاميَّة ، ونشوءَ الدَّولة الإسلاميَّة ومؤسَّساتها العامَّة وفي مقدَّمة هذه المؤسسات الجيشُ الإسلاميُّ القوَّة الضَّاربة للدَّولة يلاحظ أنَّ هناك تطوُّراً سريعاً ج د اً في مجال القوَّة العسكريَّة؛ إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدرٍ الكبرى ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتلاً ، وفي غزوة أحد بلغ سبعمئة مقاتل ، تقريباً ، وفي غزوة الأحزاب ثلاثة الاف مقاتلٍ ، وفي غزوة فتح مكة عشرة الافٍ ، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر ألف مقاتلٍ ، وأخيراً بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتلٍ أو يزيد. وإنَّ الدَّارس يلاحظ هذا التطوُّر السَّريع اللاَّفت للنَّظر في مجال سلاح الفرسان ، ففي غزوة بدرٍ كان عدد الفرسان فارسين في بعض الر ِوايات وفي غزوة أحدٍ لم يتجاوز عدد الفرسان ما كان في بدرٍ ، ويقفز العدد بعد ست ِ سنوات فقط إلى عشرة الاف فارس ، وهذا يعود إلى انتشار الإسلام في الجزيرة
عدد الصفحات ١٦٠العربيَّة وبخاصَّةٍ في البادية؛ ذلك لأن أهلها يهتمُّون باقتناء الخيول ، وتربيتها أكثر من أبناء المدن657.]) * * * المبحث الثَّا أحداث في الطَّريق ، والوصول إلى تبوك وبعد تعبئة الجيش ، وتوزيع المهام ِ ، والألوية ، والرَّايات ، توجَّه الجيش الإسلاميُّ بقيادة رسول الله (ص) إلى تبوك ، ولم ينتظر أحداً قد تأخَّر ، وقد تأخَّر نفرٌ من المسلمين يظنُّ فيهم خيراً ، وكلَّما ذُكِرَ لرسول الله (ص) اسم رجل تأخَّر قال (ص) : «دعوه ، إن يك فيه خير؛ فسيلحقه الله تعالى بكم ، وإن يك غير ذلك؛ فقد أراحكم الله منه »[3/50([])658.]) أولاً: قصَّة أبي ذر ٍ الغفاري ِ قال ابن إسحاق: ثمَّ مضى رسول الله (ص) سائراً ، فجعل يتخلَّف عنه الرَّجل ، فيقولون: يا رسول الله! تخلَّف فلانٌ ، فيقول: «دعوه ، فإن يك فيه خيرٌ؛ فسيلحقه الله تعالى بكم ، وإن يك غير ذلك ، فقد أراحكم الله منه »، حتَّ قيل: يا رسول الله! قد تخلَّف أبو ذر ٍ ، وأبطأ به بعيره ، فقال«دعوه فإن يك فيه خيرٌ؛ فسيلحقُه الله بكم ، وإن يك غير ذلك؛ فقد أراحكم الله منه»وتلوم659]) بعيره ، فلمَّا أبطأ عليه ، أخذ متاعه ، فحمله على ظهره ، ثمَّ خر يتبع أثر رسول الله (ص) ماشياً ، ونزل رسول الله (ص) في بعض منازله ، فنظر ناظرٌ من المسلمين فقال: يا رسول الله! إنَّ هذا الرَّجل يمشي على الطَّريق وحدَه ، فقال رسول الله (ص) : «كن أبا ذر ٍ[»660]) يا رسول الله! هو والله أب و ذر ٍ ، فق ال رسول الله (ص«رحم الله أبا ذر ٍ ، يمشي وحدَه، ويموت وحدَه ، ويُبعث وحدَه[»661.])
عدد الصفحات ١٦١