المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 04

علي محمد الصلابي

صفحة ٨ من ٢١

تعالى له كلَّ ما وقع فيه من ذنوبٍ ماضية ، ثمَّ أقسم أمام النَّب ِ (ص) بأن حلمل نفسه على الإنفاق سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهلية ، وأن يُبليَ في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهلية ، ولقد ب َرَّ بوعده ، فكان من أشجع المجاهدين ، والقادة في سبيل الله تعالى في حروب الردَّة ، ثمَّ في فتوح الشام، حتََّّ وقع شهيداً في معركة اليرموك بعد أن بذل نفسه ، وماله في سبيل459.]) 4 مثلٌ من تواضع النَّب ِ (ص): إسلام والد أبي بكر قالت أسماء بنت أبي بكر الص ِديق رضي الله عنها: لمَّا دخل رسول الله (ص) مكَّة ، ودخل المسجد؛ أتى أبو بكر بأبيه يقودُه ، فلمَّا راه رسول الله (ص) قال: «هلاَّ تركت الشيخ في بيته ح أكون أنا اتيه فيه؟»قال أبو بكر: يا رسول الله! هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت ، قالت: فأجلسه بين يديه ، ثمَّ مسح صدره ، ثمَّ قال له: «أسلم»، فأسلم ، قالت: فدخل به أبو بكر ، وكأنَّ رأسه ثغامةٌ ، فقال رسول الله (ص) : «غير ِوا هذا من شعره »[6/349 350)، والطبراني في الكبير (24/88 89) برقم 236) ، وابن حبان7208) ، والحاكم3/46 47) ، ومجمع الزوائد ( 6/173 174([])460]) أبيه461.]) وفي هذا الخبر منهجٌ نبويٌّ كريمٌ، سنَّه النَّبُّ (ص) في توقير كبار الس ِن ِ واحترامهم، ويؤك ِد ذلك قوله (ص « :ليس منَّا من لم يوق ِر كبيرنا ، ويرحم صغ»[1/257) ، والترمذي (1921) ، وابن حبان (459.]) وقوله (ص«إنَّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشَّيبة المسلم »[4843]) (ص) سَنَّ إكرام أقارب ذوي البلاء ، والبذل ، والعطاء ، والسَّبق في الإسلام؛ تقديراً لهم على ما بذلوه من خدمةٍ للإسلام والمسلمين ، ونصر دعوة الله تعا462.]) 5 مثلٌ من عفو النَّب ِ (ص) وحلمه: إسلام فضالة بن عُمَيرٍْ أراد فُضالة بن عُمَيرْ بن الملوح اللَّيثي قتل النَّب ِ (ص) وهو يطوف بالبيت عام الفتح ، فلمَّا دنا منه ، قال رسولُ الله (ص) : «أفضالة؟»قال: نعم فضالة يا رسول قال: «ماذا كنت تحد ِث به نفسك؟»قال: لا شيء ، كنت أذكر الله ، قال: فَضَحِكَ النب (ص) ، ثم قال «استغفر» ثم وضع يده على صدره ، فسكن قلبُه ، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتََّّ ما مِنْ

عدد الصفحات ١١٤

خلق اللهِ شيءٌ أحبَّ إلي منه ، قال فضالة: فرجعت إلى أهل ي ، فمررت بامرأةٍ كنت أتحدَّث إليها ، فقالت: هَلمَّ إلى الحديث ، فقلت: لا! وانبعث فضالة يقول: قَالَتْ هَلُمَّ إِلىَ الحَْدِيْثِ ف َقُلْتُ لاَ يأَْبىَ عَلَيْكِ اللهُ والإِسْلاَمُ لَوْ مَا رأيت محمَّداً وَقَبِي ْلَهُ بالفَتْحِ ي َوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ لَ رَأَيْتِ ديْنَ اللهِ أَضْحَى ب َي ِنَاً والش ِرْكُ ي َغْشَى وَجْهَهُ الإظْلاَمُ [4/59 60([])463.]) ثالثاً: أتكل ِمني في حد ٍ من حدود الله؟ قال عروة بن الزُّبير: إنَّ امرأةً سرقت في عهد رسول الله (ص) في غزوة الفتح ، ففزع قومُها إلى أسامة بن زيدٍ يستشفعونه ، قال عروة: فلمَّا كلَّمه أسامةُ فيها؛ تلوَّن وجه رسول الله (ص) ، فلمَّا كان العشيُّ؛ قام رسول الله (ص) خطيباً فأثنى على الله بما هو أهلُه ، ثمَّ قال: «أمَّا بعد ، فإنمَّا أهلك النَّاس قبلكم: أنََّّم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف؛ تركوه ، وإذا سرق فيهم الضَّعيف ، أقاموا عليه الحدَّ ، والَّذي نفس محمد بيده! لو أنَّ فاطمة بنت محمَّدٍ سرقت؛ لقطعت يدها»، ثمَّ أمر رسول الله (ص بتلك المرأة فقُطِعَتْ ي دُها ، فحسنت توبتُها بعد ذل ك وتزوَّجت. قالت عائش ة رضي الله عنها: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفعُ حاجتها إلى رسول الله (ص 4304) ، ومسلم1688/9.]) وهكذا يستمرُّ البناء التربويُّ للأمَّة ، ونرى العدل في إقامة شرع الله على القريب والبعيد على حد ٍ سواء ، ووجدت قريش نفسها أمام تشريعٍ رباَّني ٍ لا يفرق بين النَّاس ، فهم كلُّهم أمام رب ِ العالمين سواءٌ ، وأصبحت معايير الشَّرف هي الالتزام بأوامر الله تعالى ، وفي هذا الموقف الَّذي أثار غضب رسول الله الشديد ، واهتمامه الكبير لعبرةٌ للمسلمين ، حتَّ لا يتهاونوا في تنفيذ أحكام الله تعالى ، أو يشفعوا لدى الحاكم من أجل تعطيل الحدود الإسلاميَّة464.]) رابعاً«أجرنا من أجرتِ يا أمَّ هانأى »! قالت أمُّ هانأى بنت أبي طالب: لمَّا نزل رسول الله (ص) بأعلى مكَّة؛ فرَّ إليَّ رجلان من أحمائي ، من بني مخزوم وكانت عند هُبيرة بن أبي وهب المخزومي ِ قالت: فدخل عليَّ عليُّ بن أبي طالب أخي ، فقال: والله! لأقتلنَّهما ، فأغل قتُ عليهما باب بيتي ، ثمَّ جئت رسول الله (ص) وهو بأعلى مكَّة ، فوجدته يغتسل من جَفنةٍ إنَّ فيها لأثر العجين ، وفاطمة ابنته تستره بثوبه ، فلمَّا اغتسل ، أخذ ثوبه ، فتوشَّح به ، ثمَّ صلى ثماني ركعاتٍ من الضُّحى ، ثمَّ انصرف إليَّ ، فقال: «مرحباً ، وأهلاًأم هانأى !

عدد الصفحات ١١٥

ما جاء بك ؟»فأخبرته خبر الرَّجلين ، وخبر علي ٍ؛ فقال«قد أجرنا مَنْ أجرتِ ، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ ، فلا يقتلهما»[3171) ، ومسلم336/82([])465.]) خامساً«إنَّه لا ينبغي لنب ٍ أن يكون له خائنة أع» كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد أسلم وكتب الوحيَ ثمَّ ارتد ، فلمَّا دخل رسول الله (ص) مكَّة ، وقد أهدر دمه؛ فرَّ إلى عثمان ، وكان أخاه من الرَّضاعة ، فلمَّا جاء به ليستأمنَ له؛ صمت عنه رسولُ الله (ص) طويلاً ، ثم قال: «نعم»فلمَّا انصرف مع عثمان؛ قال رسول الله (ص) لمن حوله«أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين راني قد صَمَتُّ ، فيقتله؟! »فقالوا يا رسول الله! هلاَّ أومأت إلينا؟ فقال: «إنَّ النَّبَّ لا يقتُل بإشارة»[6573) ، ومجمع الزوائد (6/167([])466.]) وفي روايةٍ«إنَّه لا ينبغي لنب ٍ أن يكون له خائنةُ أعين»[2683) و4359) ، والنسائي (7/105 106([])467.]) قال ابن هشام: وقد حسن إسلامُه بعد ذلك ، وولاَّه عمر بعض أعماله ، ثمَّ ولاه عثمان468.]) وقال ابن كثير: ومات وهو ساجدٌ في صلاة الصُّبح ، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته469.]) سادساً«المحيامحياكم ، والمماتُ مماتُكم» قال أبو هريرة:.... أتى رسولُ الله (ص) الصَّفا ، فعلاه حيث ينظر إلى البيت ، فرفع يديه ، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ، ويدعوه ، قال: والأنصار تحته ، قال: يقول بعضهم لبعضٍ: أمَّا الرَّجل؛ فأدركته رغبةٌ في قريته، ورأف ةٌ بعشيرته ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: وجاء الوحي ، وكان إذا جاء لم يخَْفَ علينا ، فليس أحدٌ من النَّاس يرفع طرف ه إلى رسول الله (ص) حتََّّ يقضي ، قال: فلمَّا قُضِيَ الوحي ؛ رفع رأسه ، ثمَّ قال: «يا معشر الأنصار! قلتم: أمَّا الرَّجل ، فأدركته رغبةٌ في قريته ، ورأفةٌ بعشيرته؟»قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله! قال «فما اسمي إذاً؟! كلا ، إني ِ عبد الله ورسوله ، هاجرت إلى الله ، وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم» قال: فأقبلُوا إليه يبكون ، ويقولون: والله! ما قلنا الَّذي قلنا إلا الظنَّ بالله ورسوله ، قال: فقال رسول الله (ص) : «فإنَّ الله ورسولَه ليصد ِقانكم ، ويعذرانكم »[2/538 539) ، ومسلم (1780([])470.]) سابعاً: إسلام عبد الله بن الز ِب َعْرى شاعر قريش

عدد الصفحات ١١٦

لمَّا فُتِحَتْ مكَّةُ فرَّ عبد الله بن الز ِب َعْرَى السَّهميُّ إلى نجران ، فلحقته قوافي حسَّان ، فقد كان خ صماً عنيداً للإسلام ، فراح يعير ِه بالجُبنْ ، والفِرار ، فقال له: لاَ ت َعْدِمَنْ رَجُلاً أحَلَّك بُغضُهُ نجَْرَانَ في عَيْشٍ أَحذَّ لَئِيْمِ 471]) أي: ف َلْيُ بْقِ الله لنا محمَّداً (ص) هذا الرَّجل العظيم الَّذي أحلَّك بغضُه ديارَ نجران ، وليُدمِ الله عل يك ابن الز ِبعرى عيشاً مهيناً أشأم. ثمَّ راح حسَّان يستنزل غضب اللهِ ومَقْتَه على ابن الز ِبعرى وعلى نجله ، ويسأل الله تعالى أن يخل ِده في سوء العذاب ، وأليمه472:]) غَضِبَ الإلَهُ عَلَى الز ِب َعْرَى ، وَاب ْنَهُ وعَذَابُ سُوءٍ في الحَيَاةِ مُقِيْمُ فتطايرت تلك الأبيات ، ووصلت إلى ابن الز ِب َعْرَى ، فقام ، وقعد ، وقلب أموره ، ثمَّ أراد الله به الخير ، فعزم على الدُّخول في الإسلام ، ثمَّ توَّجه إلى مكَّة ، وقصد رسول الله (ص) وأعلن إسلامه ، وطلب مِنْ رسول الله (ص) أن يستغفر له كلَّ عداوةٍ له ، وللإسلام ، فقال له رسول الله (ص) : «إن الإسلام يجبُّ ما قبله 473 »])، ثمَّ أدناه رسول الله (ص) منه ، وانسه ، ثمَّ خلع عليه حلَّةً474]) أجمع الرُّواة أنَّ ابن الز ِب َعْرَى رضي الله عنه قال بعد إسلامه شعراً كثيراً حسناً يعتذر فيه إلى رسول (ص475])بن عبد الب َر ِ رحمه الله : وله أي: لابن الز ِب َعْرى في مدح النَّب (ص) أشعارٌ كثيرةٌ ، ينسخ بها ما قد مضى من شعره في كُفْرِه476.]) وكذا نصَّ ابنُ حجرٍ في الإصابة: ثمَّ أسلم ، ومدح النَّبَّ (ص) ، فأمر له بحُِلَّةٍ477.]) وقال القرطب «وكان شاعراً مجُيداً ، وله في مدح النَّب ِ (ص) أشعارٌ كثيرةٌ ، ينسخ بها ما قد مضى في كفره [»478]) في هجاء المسلمين ، ثمَّ منَّ اللهُ عليه بالتَّوبة والإنابة ، والرُّجوع إلى الإسلام ، والقيام بنصره والذَّب ِ عنه479.]) ومن القصائد الرَّائعة الَّتي قالها في مدح النَّب ِ (ص) ، وندمه على محاربة الإسلام، وتأخُّره في الدُّخول فيه: مَنَعَ الرُّقادَ بَلابِلٌ وهمُُومُ واللَّيْلُ مُعْتَلِجُ480])481])482]) ممَِّا أَتاَنيِ أَنَّ أَحمَْدَ لامَنيِْ فِيْهِ فَبِتُّ كأَنَّنيِ محَْمُوْمُ

عدد الصفحات ١١٧

يا خَي ْرَ مَنْ حمََلَتْ عَلَى أَوْصَالهَِا عَي ْرَانةٌ483])484]) إِني ِ لَمُعْتَذِرٌ إِلَيْكَ مِنَ الَّذيْ أَسْدَيْتُ إِذ أَناَ في الضَّلالِ أَهِيْمُ أَياَّ مَ تأْمُرُنيِ بأَغْوَى خُطَّةٍ سَهْمٌ وتأْمُرُنيِ بهَِا مخَْزُوْمُ وأمدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى وي َقُودُنيِ أَمْرُ الغُوَاةِ وأَمْرُهُمْ مَشْؤومُ فالْي َوْمَ امَنَ بالنَّبِ ِ محَُمَّدٍ ق َلْبِ وَمخُْطِأىُ هَذِهِ محَْرُوْمُ مَضَتِ الَعَداوَةُ وان ْقَضَتْ أَ سْبَاب ُهَا ودَعَتْ أَوَاصِرُ ب َي ْن َنَا وَحُلوْمُ فاغْفِرْ فِدىً لكَ والِدَيَّ كِلاَهمَُا زَلَلِيْ فإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُوْمُ وعَلَيْكَ مِنْ عِلْمِ المَلِيْكِ عَلاَمَةٌ ن ُوْرٌ أَغَرُّ وخاتمٌَ مخَْتُومُ أعْطَاكَ ب َعْدَ محََبَّةٍ ب ُرْهَانَهُ شَرَفاً وب ُ رْهَانُ الإلهِ عَظِيْمُ وَلَقَدْ شَهِدْتُ بأنَّ دِي ْنَكَ صَادِقٌ حَقٌّ وأَنَّكَ في الْعِبَادِ جَسِيْمُ واللهُ يَشْهَدُ أنَّ أَحمَْدَ مُصْطَفى مُسْت َقْبَلٌ في الصَّالحِِينَْ كَرِيمُْ ق َرْمٌ عَلاَ ب ُن ْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ ف َرْعٌ تمََكَّنَ في الذُّرا وأُرُوْمُ485]) ثامناً: من الأحكام الشَّرعيَّة الَّتي تؤخذ من الغزوة ، ومكانُ نزول الرَّسول (ص) بمكَّة 1 اتَّضحت كثير من الأحكام الشَّرعيَّة خلال فتح مكَّة؛ منها أ جواز الصَّوم ، والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصيةٍ؛ حيث صام الرَّسول (ص) في مسيرة الجيش من المدينة حتََّّ بلغ كُدَيْداً ، فأفطر 486.]) ب صلَّى النَّبُّ (ص) صلاة الضُّحى ثمانيَ ركعاتٍ خفيفةً ، واستدلَّ قوم بهذا على أنََّّا سنَّةٌ مؤكَّدةٌ 1.) قصر الصَّلاة الرُّباعية للمسافر ، فقد أقام النَّبُّ (ص) بمكَّة تسعةَ عَشَرَ يوماً يق صر الصَّلاة487.]) د تحريم نكاح المتعة إلى الأبد بعد إباحته لمدَّة ثلاثة أيام488])489]) وقع تحريمه ، وإباحته مرَّتين؛ إذ كان حلالاً قبل غزوة خيبر ، فحُر ِم يومها ، ثمَّ أبيح يوم الفتح ، ثمَّ حُر ِم للمرة الثَّانية إلى الأبد. ويرى ابن القي ِم490]) الفتح ، وله في هذا مناقشةٌ طويلةٌ عند كلامه عن الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من أحداث غزوة خيبر ، وغزوة الفتح. والمتَّفق عليه: أنََّّا حر ِمت إلى الأبد بعد الفتح491.])

عدد الصفحات ١١٨

ه قرَّر الرَّسول (ص) : أنَّ الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ابن وليدة زمعة ، فقد تنازع فيه سعدُ بن أبي وقَّاص وعبد بن زمعة ، فقضى فيه رسول الله (ص) لعبد بن زمعة؛ لأنَّه ولد على فراش أبيه و عدم جواز الو صيَّة بأكثر من ثلث المال ، كما في قصَّة سعد بن أبي وقَّاص حين مرض بمكَّة ، واستشار الرَّسول (ص) في أن يوصيَ بأكثر من الثُّلث492.]) هذه بعض الأحكام الفقهيَّة المستنبطة من أحداث الغزوة ، والفتح العظيم 2 مكان نزول الرَّسول (ص) بمكَّة نزل رسولُ الله (ص) بالحجون في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين ، وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: «وهل ترك لنا عقيلٌ من رباع ، أو دور؟» [1588) ، ومسلم 1351])6764) ، ومسلم (1614([])493]) وأمَّا عليٌّ ، وجعفرٌ فلم يرثاه لأنََّّما مسلمان ، وأبو طالب مات كافراً494.]) تاسعاً: من نتائج فتح مكَّة كان لفتح مكَّة نتائجُ كثيرةٌ؛ منها: 1 دخلت مكَّة تحت نفوذ المسلم ، وزالت دولة الكفر منها ، وحانت الفرصة للقضاء على جيوب الش ِرك في حنين ، والطائف ، ومن ثمََّ في العالم أجمع. 2 أصبح المسلمون قوةَّ عظمى في جزيرة العرب ، وبعد فتح مكَّة تحقَّقت أمنية الرَّسول (ص) بدخول قريش في الإسلام ، وبرزت قوَّةٌ كبرى في الجزيرة العربيَّة لا يستطيع أيُّ تجمُّعٍ قبلي ٍ الوقوف في وجهها ، وهي مؤهَّلةٌ لتوحيد العرب تحت راية الإسلام ، ثمَّ الانطلاق إلى الأقطار المجاورة؛ لإزالة حكومات الظلم ، والطُّغيان ، وتأمين الحر ِيَّة لخلق الله؛ لكي يدخلوا في دين الله ، ويعبدوه وحده دون سواه495]). 3 كان لهذا الفتح اثارٌ عظيمةٌ دينيَّةٌ ، وسياسيَّةٌ ، واجتماعيَّة ، وقد بدأت هذه الاثار بصورة يلمَسُها كلُّ مَنْ يمُعن النَّظر في هذا الفتح المبارك. فأمَّا الاثار الاجتماعيَّة؛ فتمثَّلت في رفقه (ص) بالنَّاس ، وحرصه على الأخذ بأيديهم ليعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم ، وبالوضع الجديد الذي سيطر على بلدهم، وتعيين من يُعل ِمهم ، ويفق ِههم في دينهم فقد أبقى معاذ بن جبل رضي الله عنه في مكَّة بعد انصرافه عنها ليصل ِيَ بالنَّاس ، ويفق ِههم في دينهم.

عدد الصفحات ١١٩

وأمَّا الاثار الس ِياسيَّة ، فقد عينَّ عتَّابَ بْنَ أَسِيْدٍ أميراً عل ى مكَّة ، حلكم بين النَّاس بكتاب الله ، فيأخذ لضعيفهم ، وينتصر للمظلوم من الظَّا496.]) وأمَّا الاثار الد ِينيَّة؛ فإنَّ فتح مكة ، وخضوعها لسلطان الإسلام قد أقنع العرب جميعاً بأن الإسلام هو ال ِدين الَّذي ارتضاه الله لعباده ، فدخلوا فيه أفواجاً497.]) 4 تحقَّق وعد الله بالتمكين للمؤمنين الصَّادقين، بعدما ضحَّوا بالغالي، والنَّفيس، وحقَّقوا شروط التَّمكين، وأخذوا بأسبابه، وقطعوا مراحله، وتعاملوا مع سننه، كسنَّة الابتلاء، والتَّدافع، والتَّدرُّ ، وتغيير النُّفوس ، والأخذ بالأسباب ، ولا ننسى تلك الصُّور ة الرَّائعة وهي وقوف بلال فوق الكعبة مؤذ ِناً بالصَّلاة بعد أن عُذ ِبَ في بطحاء مكَّة ، وهو يردد: أحد! أَحد! في أغلاله وحديده ، هاهو اليوم قد صعد فوق الكعبة ليرفع صوته الجميل بالأذان؛ وهو في نشوة الإيمان. * * * الفصل السَّادس عشر غزوة حنين ، والطَّائف (8 ه498]) المبحث الأوَّل أسبابها ، وأحداث المعركة لمَّا فتح الله مكَّة على رسوله، والمؤمنين ، وخضعت له قريشٌ ، خافت هوازن ، وثقيفٌ ، وقالوا: قد فرغ محمَّد لقتالنا ، فلنغزُه قبل أن يغزونا ، وأجمعوا أمرهم على هذا ، وولَّوْا عليهم مالكَ بن عوف النَّصْر يَّ ، فاجتمع إليه هوازن ، وثقيف وبنو هلال ، ولم حلضرها من هوازن كعبٌ ، وكلابٌ ، وكان معهم دُرَيْدُ بنُ الص ِمَّة ، وكان معروفاً بشدَّة البأس في الحرب ، وأصالة الرَّأي ، إلا أنَّه كان كبيراً فلم يكن له إلا الرأي ، والمشورة.

عدد الصفحات ١٢٠

وكان رأي مالك بن عوف أن يخُرجوا و راءهم الن ِساء والذَّراري ، والأموال حتَّ لا يفرُّوا ، فلمَّا علم بذلك دُرَيْدُ؛ سأله: لمَِ ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل ِ رجلٍ أهلَه ، ومالَه؛ ليقاتل عنهم ، فقال دُرَيْدُ: راعي ضأنٍ والله ، وهل يردُّ المنهزمَ شيءٌ؟! إنََّّا إن كانت لك؛ لم ينفعك إلا رجلٌ بسيفه ، ورمحه ، وإن كانت عليك؛ فُضِحْتَ في أهلك ومالك!! ولكنَّه لم يستمع لمشورته 499.]) أوَّلاً: أهمُّ أحداث غزوة حن تحرَّك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال ، ووصلوا حنين في مساء العاشر من شوَّال500]) أَسِيْدٍ على مكَّة عند خروجه ، وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفاً من المسلمين ، أمَّا عدد هوازن ، وثقيف: فكانوا ضعف عدد المسلمين ، أو أكثر ، ولما رأى بعض الطُّلقاء جيش المسلمين؛ قالوا: لن ن ُغْلَبَ اليوم من قلَّة ، ودخل الإعجابُ في النُّفوس501.]) أالتعبئة الَّتي اتخَّذها مالكُ بن عوف زعيمُ هوازن ، وثقيف: اتخَّذ مالك بن عوف زعيم قبائل هوازن وثقيف تعبئةً عاليةً ، مرَّت بمراحل: 1 رفع الرُّوح المعنويَّة لدى جنوده وقف مالك خطيباً في جيشه ، وحثَّهم على الثَّبات ، والاستبسال ، وممَّا قال في هذا الجمع الحاشد: إنَّ محمداً لم يقاتل قطُّ قبل هذه المرَّة ، وإنما كان يلقى قوماً أغماراً502]) عليهم503.]) 2 حشر ذراري المقاتلين وأموالهم خلف الجيش أمر قائد هوازن بحشد نساء المقاتلين ، وأطفالهم ، وأموالهم خلفهم ، وقد قصد من وراء هذ ا التَّصرُّف دفع المقاتلين إلى الاستبسال ، والثبات أمام أعدائهم؛ لأنَّ المقاتل من وجهة نظره إذا شعر أنَّ أعزَّ ما يملك وراءهُ في المعركة؛ صعُب عليه أن يلوذ بالفرار مخل ِفاً ما وراءه في ميدان المعركة؛ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه ، قال: افتتحنا مكَّة ، ثمَّ غزونا حنيناً ، فجاء المشركون بأحسن صفوفٍ رأيتُ ، قال: فصُفَّتِ الخَيْلُ ، ثمَُّ صُفَّت المقاتلة ، ثمَّ صُفَّتِ الن ِساءُ من وراء ذلك ، ثمَُّ صُفَّتِ الغنم ، ثم صُفَّتِ الن َّعَمُ. [1059/136.]) 3 تجريد السُّيوف ، وكسر أجفانَّا

عدد الصفحات ١٢١

جرت عادة العرب حروبهم أن يكسروا أجفان سيوفهم قبل بدء القتال ، وهذا التَّصرُّف يؤذن بإصرار المقاتل على الثَّبات أمام الخصم حتََّّ النَّصر أو الموت ، وقد أمر مالك جنده بذلك تحقيقاً لهذا ، بدليل قول ه: إذا أنتم رأيتم القوم؛ فاكسروا جفون سيوفكم ، وشدُّوا شدَّة رجلٍ واحدٍ عليه م3/48 49) ، ومجمع الزوائد6/179 180.]) 4 وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم كان عند مالك بن عوف النَّصْرِي ِ معلوماتٌ وافيةٌ عن الأرض الَّتي ستدور عليها المعركة ، ولهذا رأى أن يستغلَّ هذه الظُّروف الطَّبيعيَّة لصالح جيشه ، فعمل بمشورة الفارس المحنَّك دُرَيْدُ بن الص ِمَّة في نصب الكمائن لجيوش المسلمين ، وقد كادت هذه الخطة أن تقضي على قوات المسلمين لولا لطفُ الله سبحانه وتعالى وعنايتُه. 5 الأخذ بزمام المبادرة في الهجوم على المسلم كان ضمنَ الخطَّة الَّتي رسمها القائد الهوازنيُّ الأخذُ بزمام المبادرة ، ومهاجمة المسلمين؛ لأنَّ النَّصر في الغالب يكون للمهاجم ، أمَّا المدافع فغالباً ما يكون في مركز الضَّعف ، ولهذا اتت هذه الخطَّة ثمارها بعض الوقت ، ثمَّ انقلبت موازين القوى بفضل الله تعالى ثمَّ بثبات رسول الله (ص) حيث كسب المسلمون الجولة ، وانتصروا على أعدائهم504.]) 6 شن الحرب النَّفسيَّة ضدَّ المسلم كان من ضمن بنود الخطَّة الحربيَّة الَّتي رسمها القائد مالك بن عوف الهوازنيُّ ، استعمال سلاحٍ معنوي ٍ ، له تأثيرٌ كبيرٌ في النُّفوس ، فقد شنَّ الحرب النَّفسيَّة ضدَّ المسلمين من أجل إلقاء الخوف في نفوسهم ، وذلك بأن عمد إلى عشرات الالاف من الجمال الَّتي صحبها معه في الميدان ، فجعلها وراء جيشه ثمَّ أركب عليها النساء ، فكان لذلك المشهد منظرٌ مهيب حلسب من يراه: أنَّ هذا الجيش مئة ألف مقاتلٍ ، وهو ليس كذلك 505.]) ب خطواتالرَّسول (ص) لصد ِ هذه الحشود: لمَّا بلغ النب (ص) عزم هوازن على حربه بعد أن تمَّ له فتح مكَّة شرَّفها الله قام بالاتي: 1 أرسل عبدَ الله بن أبي حَدْرَد الأسْلميَّ حتََّّ يوافيه بخبر هوازن فذهب رضي الله عنه ، ومكث بينهم يوماً أو يومين ، ثم عاد ، وأخبر النَّب (ص) بما رأى 506.])

عدد الصفحات ١٢٢

ولقد ذهب عبد الله إلى حيث أمره الرَّسول (ص) وعاد على وجه السُّرعة بخبر هؤلاء الأعداء ، إلا أنَّه قصَّر رضي الله عنه في أداء هذا الواجب؛ حيث لم يختلط بهوازن اختلاطاً كاملاً بحيث يسمع ، ويرى ما يُدبَّر ضدَّ المسلمين هناك ، وكان من أهم ِ ما يجب أن يُعنى به معرفة مواقع المشركين الَّتي احتلُّوها ، وقد فوجأى المسلمون باختفاء تلك الكمائن الَّتي نصبها الأعداء في منحنيات الوادي ، حتََّّ استطاعوا أن يمطروا المسلمين بوابل من سهامهم فانَّزموا في الجولة الأولى ، فكان الجهل بهذه الكمائن أحدَ الأسباب الرَّئيسة وراء هزيمة المسلمين في أوَّل المعركة ، وما حدث نتيجةً لهذا الخطأ لا يقدح في العصمة الثَّابتة لرسول الله (ص) ؛ لأنَّ هذا الأمر ليس وحياً من الله سبحانه وتعالى وإنمَّا هو من باب الاجتهاد في الأمور العسكريَّة ، وقد بذل النَّبُّ (ص) جهده في سبيل الحصول على أدق ِ المعلومات ، وأوفاها؛ لكي يضع على ضوئها الخطَّة العسكريَّة المناسبة لمجابهة العدو ِ507.]) 2 عُدَّة الجيش ، واستعارة الدُّروع ، والر ِماح أعدَّ رسول الله (ص) جيشاً قوامه عشرة الاف ، وهم مَنْ خرجوا معه من المدينة ، وألفان من مسلمة الفتح ، فكان عدد من خر في تلك الغزوة اثني عشر ألفاً ، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: لمَّا كان يوم حنين؛ أقبلت هوازن ، وغطفان بذراريهم ، ون َعَمِهم؛ ومع النَّبِ ِ (ص) يومئذٍ عشرة الاف ، ومعه الطُّلقاء 508])1059/135])أمين عُدَّة الجيش فطلب من ابن عم ِه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة الاف رمح إعارةً ، وطلب من صفوان بن أميَّة دروعاً ، وتكفَّل (ص) بالضَّمان ، وكان نوفل وصفوان لا يزالان على شركهم. عن صفوان بن يعلى بن أميَّة عن أبيه عن النَّب ِ (ص) قال: «إذا أتتك رسلي فأعطهم أو قال: فادفع إليهم ثلاثين درعاً ، وثلاثين بعيراً ، أو أقلَّ من ذلك »فقال له: العارية مؤدَّاة يا رسول الله؟! قال: فقال النَّبُّ (ص «نعم»[4/222) ، وأبو داود3566) ، والنسائي في السنن الكبرى5744.]) وفي روايةٍ: أنَّ رسول الله (ص) استعار منه يوم حنين دروعاً ، فقال: أغصباً يا محمد؟! قال: «لا ، بل عاريةٌ مضمونةٌ »قال: فضاع بعضها ، فعرض عليه رسول الله (ص) أن يضعها له ، فقال: أنا اليوم رسول الله في الإسلام أرغب. قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ، ثمَّ أسلم6/465) ، وأبو داود (3562) ، والحاكم3/49) ، والبيهقي في السنن الكبرى6/89.]) 3 ثباته (ص) وأثره في كسب المعركة

عدد الصفحات ١٢٣

سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين ، واختاروا مواقعهم ، وبثُّوا كتائبهم في شعابه ، ومنعطفاته ، وأشجاره ، وكانت خطَّتهم تتمثَّل في مباغتة المسلمين بالس ِهام في أ ثناء تقدُّمهم في وادي حنين المنحدر. لقد باغت المشركون المسلمين ، وأمطروهم من جميع الجهات ، فاضطربت صفوفهم ، وما بعضهم في بعضٍ ، ونتيجةً لهول هذا الموقف انَّزم معظم الجيش ، ولاذوا بالفرار ، كلٌّ يطلب النَّجاة لنفسه ، وبقي الرَّسول (ص) ، ونفرٌ قليل في الميدا ن يتصدَّوْن لهجمات المشركين ، ونترك العباس عمَّ الرسول (ص) يصف لنا ذلك المشهد المهيب ، حيث يقول: شهدت مع رسول الله (ص) يوم حنين ، فلزمتُ أنا ، وأبو سفيان بن الحارث رسولَ الله (ص) ، فلم نفارقه ، ورسول الله (ص) على بغلةٍ ل ه بيضاء ، فلمَّا التقى المسلمون والكف ار ؛ وَلىَّ المسلمون مدبري ن ، فطفق رسول الله (ص) ي َرْكُضُ بغلته قِبَلَ الكفار ، قال العباس: وأنا اخذ بلجام بغلة رسول الله (ص) أَكُفُّها إرادة ألاَّ تسرع ، فقال رسول الله (ص) : «أي عباس ! نادِ أصحاب السَّمُرَة» فقال العباس وكان رجلاً صَي ِتَاً فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السَّمُرة؟ قال: فوالله! لكأن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي عَطْفَةُ البقر على أولادها ، فقالوا: يا لبيك! يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفَّارَ ، والدَّعوةُ في الأنصار ، يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! قال: ثمَّ قُصِرتِ الدَّعو ة على بني الحارث بن الخزر ، فنظر رسول الله (ص) وهو على بغلته ، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله (ص) : «هذا حينَ حميَ الوطيسُ»[1775) ، وعبد الرزاق في المصنف 5/379 380) ، وابن هشام (4/87.]) لقد أي د الله نبيَّه (ص) يوم حنينٍ بأمورٍ ، منها: * نزول الملائكة من السَّماء. * سلاح الرُّعب509.]) * تأثير قبضتي الحصى والترُّاب في أعين الأعداء من الأسلحة الماد ِية الَّتي أيَّد الله بها رسولَه (ص) يوم حنين تأثير قبضتي الحصى والترُّاب اللَّتين رمى بهما وجوه المشركين ، حيث دخل في أعينهم كل ِهم من ذلك الحصى والترُّاب ، فصار كلُّ واحد يجد لها في عينيه أثراً ، فكان من أسباب هزيمتهم510]) حصياتٍ ، فرمى بهنَّ وجوه الكفَّار. ثمَّ قال «انَّزَموا ورب ِ محمَّد »قال: فذهبت أنظر فإذا القتالُ على

عدد الصفحات ١٢٤

هيئته فيماأرى ، قال: فوالله! ما هو إلا أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدَّهم كليلاً ، وأمرهم مُدْبراً ثانياً: مطاردة فلول الفار ِين إلى أوطاس ، والطَّائف: أ قال أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه: لمَّا فرغ النَّبُّ (ص) من حنين؛ بعث أبا عامر على جيشٍ إلى أوطاس ، فلقي دُريد بن الص ِمَّة ، ف َقُتِل دُرَيْدُ ، وهزم الله أصحابه ، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر ، فرُمي أبو عامر في رُكبته ، رماه جُشميٌّ بسهمٍ فأثبته في رُكبته ، فانتهيت إليه ، فقلت: يا عمُّ! مَنْ رماك؟ فأشار إلى أبي موسى ، فقال: ذاك قاتلي الَّ ذي رماني ، فقصدت له ، فلحقته ، فلما راني وَلىَّ ، فات َّب َعْتُهُ ، وجعلت أقول له: ألا تستحي ، ألا تثبت ، فكفَّ. فاختلفنا ضربتين بالسَّيف فقتلتُه ، ثمَّ قلت لأبي عامرٍ ، قتل الله صاحبك. قال: فانْزِع هذا السَّهم ، فنزعتُه ، فنزل منه الماء. قال: يابن أخي! أقرأى النَّبَّ (ص) السَّلام ، وقل له: استغفر لي ، واسْتَخْلَفَني أبو عامرٍ على النَّاس ، فمكث يسيراً ثمَّ مات. فرجعتُ ، فدخلت على النَّب ِ (ص) في بيته على سريرٍ مُرْمَلٍ 511]) فراش قد أثَّر رمالُ السَّرير بظهره ، وجنبيه ، فأخبرته بخبرنا ، وخبر أ عامر ، وقوله: قل له: استغفر لي ، فدعا بماء ، فتوضَّأ ، ثمَّ رفع يديه فقال: «اللَّهُمَّ! اغفر لعُبيد أبي عامر»ورأيت بياضَ إبطيه. ثمَّ قال «اللَّهُمَّ! اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك من النَّاس »فقلت: ولي فاستغفر ، فقال«اللَّهُم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه ، وأدخله يوم القيامة مُدْخلاً كريماً » قال أبو بردة 512])2884) ، ومسلم (2498.]) ب محاصرة الفار ين إلى الطائف حاصر رسول الله (ص) أهل الطَّائف واستخدم أساليب متنوعةً في القتال ، والحصار ، ومارس الشُّورى ، واختار المكان المناسب عند الحصار ، واستخدم الحرب النَّفسيَّة ، والد ِعاية في صفوف الأعداء ، ومن هذه الأساليب: 1 استخدم (ص) أسلوباً جديداً في القتال استعمل النَّبُّ (ص) في حصاره للطَّائف أسلحةً جديدةً لم يسبق له أن استعملها من قبلُ ، وهذه الأسلحة هي:

عدد الصفحات ١٢٥

المنجنيق فقد ثبت: أنَّ الرَّسول (ص) استعمل هذا الس ِلاح عند حصاره لحصن ثقيف بالطَّائف ، فعن مكحولٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبَّ (ص) نصب المنجنيق على أهل الطَّائف 335) ، والترمذي في نَّاية الحديث (2762.]) والمنجنيقمن أسلحة الحصار الثَّقيلة ذات التأثير الفعَّال على من وُج ِهَت إليه ، فبحجارته تهُدَّم الحصون والأبرا ، وبقنابله تحَُرَّق الدُّور والمعسكرات ، وهذا النَّوع حلتا إلى عدد من الجنود في إدارته ، واستخدامه عند القتال513.]) الدَّبابة ومن أسلحة الحصار الثَّ قيلة الَّتي استعملها الرَّسول (ص) لأوَّل مرَّةٍ في حصار الطائف: الدَّبابة ، والدَّبابة على شكل بيت صغير تُعمل من الخشب ، وت ُتَّخذ للوقاية من سهام الأعداء ، عندما يُراد نقض جدار الحصن ، بحيث إذا دخلها الجنود كان سقفها حرزاً لهم من الرَّمي514.]) الحسَك الشَّائِك: من الأسلحة الجديدة التي استعملها الرَّسول (ص) في حصاره لأهل الطائف الحسَّك الشَّائك ، وهو من وسائل الد ِفاع الثابتة ، ويُعمل من خشبتين تُسمَّران على هيئة الصليب ، حتََّّ تتألَّف منها أربعةُ شعبٍ مدبَّبة ، وإذا رُمي في الأرض بقيت شعبة منه بارزة ت تعثر بها أقدام الخيل ، والمشاة ، فتتعطَّل حركة السَّير السَّريعة المطلوبة في ميدان القتال515.]) وقد ذكر أصحاب المغازي ، والس ِير: أنَّ الرَّسول (ص) استعمل هذا الس ِلاح في حصاره لأهل الطَّائف ، حيث أمر جنده بنشر الحسك الشَّائك حول حصن ثقيف516])إشارة لقادة الأمَّة خصوصاً ، والمسلمين عموماً ألاَّ يعط ِلوا عقولهم ، وتفكيرهم من أجل الاستفادة من النَّافع ، والجديد الَّذي حلَُق ِق للأمَّة مصلحة الدَّارين ، ويدفع عنها شرور أعدائها. 2 اختيار رسول الله (ص) مكاناً مناسباً عند القتال نزل الجيش في مكانٍ مكشوف قريبٍ من الحصن ، وما كاد الجند يضعون رحالهم حتَّ أمطرهم الأعداء بوابل من الس ِهام؛ فأصيب من جرَّاء ذلك ناسٌ كثيرون، وحينئذٍ عرض الحُبَابُ بنُ المنذر على الرَّسول (ص) فكرة التَّحوُّل من هذا الموقع إلى مكانٍ امنٍ من سهام أهل الطَّائف ، فقبل (ص) هذه المشورة ، وكلَّف الحُبَاب؛ لكونه من ذوي الخبرات الحربيَّة الواسعة في هذا المجال بالبحث عن موقعٍ ملائم لنزول

عدد الصفحات ١٢٦

الجند ، فذهب رضي الله عنه ثمَّ حدد المكان المناسب ، وعاد فأخبر النَّبَّ (ص) بذلك ، فأمر النَّب (ص) جيشه بالتَّحوُّل إلى المكان الجديد. وهذا شاهد عيان حلد ِثنا عَمَّا رأى ، قال عمرو بن أميَّة الضَّمريُّ رضي الله عنه: لقد اطلع علينا مِنْ نبلهم ساعة ن َزَلْنا شيءٌ الله به عليم ، كأنَّه رَجْلُ جرادٍ ، وترَّسنا لهم حتََّّ أصيب ناسٌ من المسلمين بجراحةٍ ، ودعا رسول الله (ص) الحُبَاب ، فقال: «انظر مكاناً مرتفعاً مستأخراً عن القوم»فخر الحُبَاب حتََّّ انتهى إلى موضع مسجد الطَّائف 517]) (ص) فأخبره ، فأمر النَّبُّ (ص) أن يتحوَّلوا518.]) 3 استخدام الحرب النَّفسيَّة والد ِعاية لما اشتدَّت مقاومة أهل الطائف ، وقتلوا مجموعةً من المسلمين؛ أمر النَّبُّ (ص) بتحريق بساتين العنب ، والنَّخل في ضواحي الطَّائف للضغط على ثقيفٍ ، ثمَّ أوقف هذا العمل بعد أَثَرِهِ في معنوياتهم وإضعافه روح المقاومة ، وبعد أن ناشدته ثقيف بالله وبالرَّحم أن يترك هذا العمل ، ووجَّه النَّبُّ (ص) نداءً لِعَبِيدِ الطَّائف أنَّ من ينزل من الحصن ، ويخر إلى المسلمين فهو حرٌّ ، فخر ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثَّقفي، فأسلموا ، فأعتقهم ، ولم يعدهم إلى ثقيفٍ بعد إسلامهم 519.]) 4 الحكمة من رفع الحصار كانت حكمة رسول الله (ص) في رفع الحصار واضحةً ، فالمنطقة المحيطة بها لم تعد تابعةً لها ، بل صارت ضمن سيادة الدَّولة الإسلاميَّة ، ولم تعد تستمدُّ قوَّتها إلا من امتناع حصونَّا ، فحصارها ورفعه سواء أمام القائد المحنَّك ، وقد استشار رسول الله (ص) مَنْ حوله في عمليَّة الحصار 520]) نوفل بن معاوية الدَّيليثعلب في حجرٍ؛ إن أقمت عليه أخذته ، وإن تركته لم يضرَّك! فأمر رسول الله (ص) ابن الخطَّاب فأذَّن في النَّاس بالرَّحيل ، فضج النَّاس من ذلك ، وقالوا: نرحل ، ولم يُفتح علينا الطَّائف؟! فقال رسول الله (ص) : «فاغدوا على القتال»، فغدوا فأُصيب المسلمون بجراحاتٍ ، فقال رسول الله (ص) : «إنا قافلون غداً إن شاء»، فسُرُّوا بذلك ، وأذعنوا ، وجعلوا يرحلون ، ورسولُ الله (ص) يضحك4325) ، ومسلم1778])«قولوا ايبون ، تائبون ، عابدون ، لربنا حامدون »[2/21) ، والبخاري (1797) ، ومسلم (1344([])521])«اللَّهمَّ اهدِ ثقيفاً ، وائتِ

عدد الصفحات ١٢٧

بهم»[3/343) ، والترمذي2942) ، وابن أبي شيبة في المصنف12/201) ، وانظره مشكاة المصابيح (5986([])522.]) * * * البمحث الثا فقه الرَّسول (ص) في التَّعامل مع النُّفوس ويظهر هذا الفقه في عدَّة مواقف من هذه الغزوة ، منها: أ لا رجعة لِلوَثَنِيَّة: خر مع رسول الله (ص) إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهليَّة ، وكانت لبعض القبائل شجرةٌ عظيمةٌ خضراء يقال لها: ذاتُ أنواطٍ ، يأتونَّا كلَّ سنةٍ ، فيعل ِقون أسلحتهم عليها ، ويذبحون عندها ، ويعكفون عليها يوماً ، وبينما هم يسيرون مع رسول الله (ص) إذ وقع بصرهم على الشَّجرة ، فتحلَّبَتْ أفواههم على أعياد الجاهليَّة الَّتي هجروها ، ومشاهدها الَّتي طال عهدهم بها ، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا «ذاتَ أنواطٍ »كما لهم«ذاتُ أنواطٍ »، فقال رسول الله (ص «الله أكبر! قلتُم والذي نفس محمد بيده! كما قال قوم موسى لموسى: لَ تَ رْكبنَُّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم قَالَ إِنَّكُمْ ق َوْمٌ تجَْهَلُونَ 5/218) ، والترمذي (2180) ، والبيهقي في الدلائل (5/125([])523.]) وهذا يعبر ِ عن عدم وضوح تصوُّرهم للتَّوحيد الخالص رغم إسلامهم ، ولكن النَّبَّ (ص) أوضح لهم ما في طلبهم من معان ي الش ِرك ، وحذَّرهم من ذل ك ، ولم يعاقبهم ، أو يعن ِفهم؛ لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام524])د سمح لهم الرَّسول (ص) بالمشاركة في الجهاد ، لأنَّه لا يشترط فيمن يخر للجهاد أن يكون قد صحَّح اعتقاده تماماً من غبش الجاهليَّة ، وإنمَّا الجهاد عمل صالح يثاب عليه فاعله ، وإن قصر في بعض أمور الد ِين الأخرى ، بل الجهاد مدرسةٌ تربويَّةٌ تعليميَّةٌ يتعلَّم فيه المجاهدون كثيراً

عدد الصفحات ١٢٨

من العقائد ، والأحكام ، والأخلاق ، وذلك لما يتضمَّنه من السَّفر، وكثرة الل ِقاءات الَّتي حلصل فيها تجاذب الأحاديث ، وتلاقح الأفكار525.]) ب الإعجابُ بالكثرة حلجبُ نصر الإعجابُ بالكثرة حجب عن المسلمين النَّصر في بداية المعركة ، وقد عبرَّ القران الكريم عن ذلك بقوله: {شَي ْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بمَِا رَحُبَتْ ثمَُّ وَلَّي ْتُمْ مُدْبِرِينَ [ة25.] وقد نبَّه إلى هذا رسول الله (ص) حينما أوضح: أنَّه«لا حول ، ولا قوَّة إ»فيقول«اللَّهُمَّ بك أجُول ، وبك أَصُولُ ، وبك أُقَاتِل »[3/332 و333) ، وابن حبان1975) ، والنسائي اليوم والليلة (614) ، والدارمي 2485.]) وهكذا أخذالرَّسول (ص) يراقب المسلمين ، ويقو ِم ما يظهر من انحرافاتٍ في التَّصوُّر والسُّلوك حتََّّ في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العُتاة526.]) وعلى الرَّغم من الهزيمة الَّتي لحقت بالمسلمين في بداية غزوة حنين ، وفرار معظم المسلمين في ميدان المعركة؛ لأنََّّم فوجئوا بما لم يتوقَّعوه ، فإنَّ رسول الله (ص) لم يعن ِف أحداً ممَّن فرَّ عنه؛ حتََّّ حينما طالبه بعض المسلمين أن يقتل الطُّلَقَاء لأنََّّم فرُّوا ، ولم يوافق على هذا527.]) الغنائم وسيلةٌ لتأليف القلوب رأى (ص) أن يتألَّف الطُّلقاء ، والأعراب بالغنائم تأليفاً لقلوبهم؛ لحداثة عهدهم بالإسلام ، فأعطى لزعماء قريش ، وغطفان ، وتميم عطاءً عظيماً ، إذ كانت عطيَّة الواحد منهم مئةً من الإبل ، ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وصفوان بن أميَّة ، وعيينة بن حصن الفزاري ، والأقرع بن حابس ، ومعاوية ، ويزيد ابنا أبي سفيان ، وقيس بن عدي ٍ528]) وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدُّنيا إلى حب ِ الإسلام ، أو كما قال أنس بن مالك: إنْ كان الرجل ليسلمُ ما يريد إلا الدُّنيا ، فما يسلمُ حتََّّ يكونَ الإسلامُ أحبَّ إليه من الدُّنيا وما عليها وعبرَّ عن هذا صفوان بن أميَّة فقال: لقد أعطاني رسولُ الله (ص) ما أعطاني ، وإنَّه لأبغض النَّاس إليَّ ، فما برح يعطيني حتََّّ إنَّه لأحبُّ النَّاس إ

عدد الصفحات ١٢٩