تسأله: لماذا تُعِدُّ ما أرى؟ فيقول: لمحمَّد ، وأصحابه ، وقالت امرأ ته له يوماً: والله! ما أرى أنَّه يقوم لمحمَّدٍ وصحبه شيءٌ! فقال: إني ِ والله لأرجو أن أُخْدمَكِ بعضهم ، ثمُ قال: إن ي ُقْبِلُوا الْي َوْمَ فَمَا ليِْ عِلَّةٌ هَذَا سِلاَحٌ كَامِلٌ وألَّةٌ 384]) وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيْعُ السَّلَّة فلمَّا جاء يوم الفتح ناوش حمَِاسٌ هذا شيئاً من قتالٍ مع رجال عكرمة ، ثمَّ أحس بالمشركين يتطايرون مِنْ حوله أمام جيش خالدٍ ، فخر منهزماً حتََّّ بلغ بيته ، فقال لامرأته: أغلقي عليَّ الباب. فقالت المرأة لفارسها: فأين ما كنت تقول؟! فقال يعتذر لها: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ ي َوْمَ الخَنْ دَمَهْ إِذْ فرَّ صَفْوَانُ وَف َرَّ عِكْرِمَهْ أبُو يَزِيْدَ قَائِمٌ كالمُؤتمَهْ385]) واسْت َقْب َلَت ْهُمْ بالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ يقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجمُْجُمَهْ ضَرْباًَ فَلاَ يُسْمَعُ إِلاَّ غَمْغَمَهْ لهَُمْ نََِّيتٌ386]) لا ت َنْطِقِي في اللَّوْمِ أَدْنىَ كَلِمَهْ 387]) لقد أُعْلِنَ في مكَّة قُبيل دخول جيش المسلمين أسلوبَ منع التجوُّل؛ لكي يتمكَّنوا من دخول مكَّة بأقل ِ قدرٍ من الاشتباكات ، والاستفزازات ، وإراقة الد ِماء ، وكان الشعار المرفوع: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن ، ومن أغلق عليه بابه فهو امن ، ومن دخل المسجد فهو امن»، وجعل (ص) لدار أبي سفيان مكانةً خاصَّةً كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكي ِين بالس ِلم ، والهدوء ، ويستخدمه كمفتاح أمانٍ يفتتح أمامه الطَّريق إلى مكَّة دون إراقة دماء ، ويشبع في نفسه عاطفة الفخر؛ الَّتي حلبُّها أبو سفيان ، حتََّّ يتمكَّن الإيمان في قلبه 388.]) لقد دخل أبو سفيان إلى مكَّة مسرعاً ، ونادى بأعلى صوته يا معشر قريش! هذا محمَّدٌ جاءكم فيما لا قِبَل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه ، فق الت: اقتلوا الحَمِيْثَ الدَّسِمَ الأحمَْس تشب ِهه بالز ِق ِ لسمن ه ق ُب ِحَ مِنْ طليعة قومٍ! قال: ويلكم! لا ت َغُرَّنَّ كُمْ هذه مِنْ أنفسكم ، فإنَّه قد جاءكم ما لا قِبَل لكم به ، فَمَنْ دخل دار أبي سفيان فهو امن قالوا: قاتلك الله! وما تغني عنا دارك؟! قا ل: ومن أغلق عليه بابه فهو امن ، ومن دخل المسجد فهو امن. وتفرَّق النَّاس إلى دورهم ، وإلى المسجد389.])
عدد الصفحات ٩٨وحرص النَّبُّ (ص) أن يدخل الكَ دَاء الَّتي بأعلى مكَّ ة390]) حسَّان بن ثابت حين هجا قريشاً ، وأخبرهم بأنَّ خيل تعالى ستدخل من كَدَاء ، وتُعتبر هذه القصيدة من أروع ما قال حسَّان؛ حيث قال: عَدِمْنَا خَي ْلَنَا إِنْ لمَْ ت َرَوْهَا تُثِي ْرُ الن َّقْعَ391]) ي ُنَازِعْنَ الأَعِنَّةَ مُصْغِيَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظ ِمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُناَ مُتَمَط ِرَاتٍ ي ُلَط ِمُهُنَّ بالخُمُرِ الن ِسَاءُ فإمَّا ت ُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمْرَنا وكانَ الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطَاءُ وإلا فاصْبرُِوا لجَِلاَدِ يَومِ يُعِز392]) وَجِبرِْيْلُ رسُولُ الله فِي ْنَا وَرُوْحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ وَقَالَ الله قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدَاً ي َقُوْلُ الحَقَّ في ذَاكَ البَلاَءُ شَهِدْتُ بِهِ ف َقُومُوا صَد ِقُوهُ ف َقُلْتُم لا ن َقُوْمُ وَلاَ نَشَاءُ وقال اللهُ قَدْ سَي َّرْتُ جُنْداً هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَت ُهَا الل ِقاءُ لَ نَا في كُل ِ ي َوْمٍ مِنْ مَعَد ٍ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ ف َنُحْكِمُ بالقُوَافيِ مَنْ هَجَاناَ وَنَضْرِبُ حِينَْ تخَْتَلِطُ الد ِمَاءُ أَلاَ ب َل ِغْ أَباَ سُفْيَانَ عَني ِ مُغَلْغَلَةً393]) بأنَّ سُيُوفَ نَا ت َرَكَتْكَ عَبْد اً وَعَبْدُ الدَّارِ سَادَت ُهَا الإِمَاءُ هَجَوْتَ محُمَّداً فأجبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللهِ في ذاكَ الجَزَاءُ أت َهْجُوْهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لخَِيرِْكُمَا الفِدَاءُ هَجْوتَ مُبَارَكاً ب َر اً حَنِيْفاً أَمِينَْ اللهِ شِيمَتُهُ الوَفاءُ أَ مَنْ ي َهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ويمَْدَحُهُ وي َنْصُرُه سَوَاءُ فإنَّ أَبيِ وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ محَُمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لسَانيِْ صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيْهِ وبحَْرِي لاَ تُكَد ِرُهُ الد ِلاَءُ394]) وممَّا يؤي ِد حرص النَّب ِ (ص) على دخوله من كَدَاء ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لمَّا دخل رسول الله (ص) عام الفتح رأى الن ِساء ي َلْطِمْنَ وجوه الخَيْلِ بالخُمُر 395]) فقال: يا أبا بكر! كيف قال حسَّان ؟ فأنشده قوله
عدد الصفحات ٩٩تَظَلُّ جِيَادُناَ مُتَمط ِراتٍ ت ُلَط ِمُ هُنَّ بالخُمُرِ الن ِسَاءُ396]) ثانياً: دخولٌ خاشعٌ متواضعٌ ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ دخل رسول الله (ص) يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ ، 1/363) ومسلم (1358) ، وأبو داود 4076) ، والترمذي 1735) ، والنسائي 5/201) ، وابن ماجه (2822])وهو واضعٌ رأسه تواضعاً لله ، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتََّّ إنَّ ذقنه ليكاد يمََسُّ واسطة الرَّحل5/68) ، والحاكم3/47) ، وأبو يعلى3393) ، ومجمع الزوائد ( 6/169])4281) ، ومسلم 794/238 ]) مستشعراً نعمة الفتح ، وغفران الذُّنوب ، وإفاضة النَّصر العزيز397]) وهي قلبُ جزيرة العرب ، ومركزُها الرُّوحيُّ ، والس ِياسيُّ رفعَ كلَّ شعارٍ من شعائر العدل والمساواة ، والتَّواضع ، والخضوع ، فأردف أسامة بن زيدٍ ،ي (4289]) ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم ، وأبناء أشراف قريشٍ ، وهم كثير ، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلةٍ خلت من رمضان ، سنة ثمانٍ من الهجرة398.]) يقول محمَّد الغزالي في وصف دخول النَّب ِ (ص) لمكَّة على حين كان الج يش الزَّاحف يتقدَّم ، ورسول الله (ص) على ناقته ت ُت َو ِ هامته عمامةٌ سوداء ، ورأسُه خفيض من شدَّة التَّخشُّع لله ، لقد انحنى على رحله ، وبدا عليه التَّواضع الجمُّ ، إنَّ الموكب الفخم المهيب الَّذي ينساب به حثيثاً إلى جوف الحرم ، والفيلق الدَّارع الَّذي حلفُّ به ينتظر إشارةً منه فلا يبقى بمكَّة شيءٌ امنٌ ، إنَّ هذا الفتح المبين ليذك ِره بماضٍ طويل الفصول كيف خر مطارَداً؟ وكيف يعود اليوم منصوراً مؤيَّداً ، وأي كرامةٍ عظمى حفَّه الله بها هذا الصَّباح الميمون ، وكلَّما استشعر هذه النَّعماء ، ازداد للهِ على راحلته خشوعاً وانحناءً399.]) هذا وقد حرص النَّبُّ (ص) على تأمين الجبهة الدَّاخلية في مكَّة عند دخوله يوم الفتح ، ولذلك عندما بلغه مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحلُّ الكعبة ، قال (ص) : «هذا يوم يُعظ ِم الله فيه الكعبة ، ويومٌ تُكسى فيه الكعبة »[4280) ، والبيهقي في الدلائل (5/38) ، والطبري في تاريخه3/118]) سعدٍ ، وبهذا التَّصرُّف الحكيم حال دون أي ِ احتمالٍ لمعركةٍ جانبيَّةٍ هُمْ في غنىً عنها ، وفي الوقت نفسه
عدد الصفحات ١٠٠لم يُثِرْه ، ولا اثاَر الأنصارَ ، فهو لم يأخذ الرَّاية من أنصاري ويسل ِمها لمهاجرٍ؛ بل أخذها من أنصاري ٍ وسلمها لابنه ، ومن طبيعة البشر ألاَّ يرضى الإنسان بأن يكون أحدٌ أفضَل منه إلا ابنه400.]) ولمَّا نزل رسولُ الله (ص) بمكَّة ، واطمأن النَّاس ، خر حتََّّ جاء البيت ، فطاف به ، وفي يده قوسٌ ، وحول البيت وعليه ثلاثمئةٍ وستون صنماً ، فجعل يطعنها بالقوس ، ويقول الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [81] }* [49]401]) لرسوله (ص) ؛ إذ كان يطعن تلك الالهة الزَّائفة المنثورة حول الكعبة بعصاً معه ، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه ، حتََّّ ينكفأى على وجه ه ، أو ينقلب على ظه ره جُذ اذاً402]) الكعبة الصُّور ، والتَّماثيل؛ فأمر بالصُّور ، وبالتَّماثيل فكسرت403]) الكعبة حتََّّ أخرجت الصُّور ، وكان فيها صورةٌ يزعمون: أنََّّا صورة إبراهيم ، وإسماعيل ، وفي أيديهما من الأزلام ، فقال النَّبُّ (ص) : «قاتلهم! لقد علموا ما استقسما بها ق طُّ »[1/365) ، والبخاري ( 4288.]) ثم دخل البيت ، وكبرَّ في نواحيه ، ثمَّ صلَّى ، فقد روى ابن عمر: أنَّ رسول الله (ص) دخل الكعبة هو ، وأسامة ، وبلال ، وعثمان بن طلحة ، فأغلقها عليه ، ثم مكث فيها ، قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خر : ما صنع رسول الله؟ قال: جعل عمودين عن يساره ، وعموداً عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذٍ على ستَّة أعمدة ثمَّ صلَّى 1329) ، وأبو داود2023) ، والنسائي (2/63) ، وبنحوه البخاري 505([])404.]) وكان مفتاح الكعبة مع عثما ن بن طلحة ، قبل أن يسلم ، فأراد عليٌّ رضي الله عنه أن يكون المفتاح له مع الس ِقاية ، لكن النَّب (ص) دفعه إلى عثمان بعد أن خر من الكعبة ، وردَّه إليه قائلاً: «اليوم يوم بر ٍ ووفاء»[8395) ، وعبد الرزاق في المصنف 5/83 84) ، ومجمع الز وائد (6/177([])405]) فأغلظ له القول ، ونال منه ، فحلم عنه ، وقال«يا عثمان! لعلَّك ترى هذا المفتاح يوماً بيدي ، أضعه حيث شئت»فقال: لقد هلكت قريش يومئذٍ ، وذلَّت ، فقال«بل عَمَرَتْ ، وعزَّتْ يومئذٍ » ووقعت كلمتُه من عثمان بن طلحة موقعاً ، وظنَّ: أنَّ الأمر سيصير إلى ما قال 406]) أعطى له رسول الله (ص) مفاتيح الكعبة قائلاً له«هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يوم بر ٍ ووفاء »
عدد الصفحات ١٠١[407])«خذوها خالدةً ، تالدةً ، لا ينزعها منكم إلا ظالمٌ408 .»])وهكذا يشأ النَّبُّ (ص) أن يستبدَّ بمفتاح الكعبة ، بل لم يشأ أن يضعه في أحدٍ من بني هاشم ، وقد تطاول لأخذه رجالٌ منهم ، لما في ذلك من الإثارة أوَّلاً ، ولما به من مظاهر السَّيطرة ، وبسط النُّفوذ ، وليست هذه من مهام النُّبوَّة بإطلاق ،... هذا مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله (ص) ؛ البرُّ ، والوفاء حتََّّ للذين غدروا ، ومكروا ، وتطاولوا 409.]) هذا وقد أمر النَّب (ص) بلالاً رضي الله عنه أن يصعد فوق ظهر الكعبة ، فيؤذ ِن بالصَّلاة ، فصعد بلال ، وأذَّن بالصَّلاة ، وأنصت أهل مكَّ ة للن ِ داء الجديد على اذانَّم كأنََّّم في حُلْمٍ ، إنَّ هذه الكلمات تقصف في الجو ِ ، فتقذف بالرُّعب في أفئدة الشَّياطين ، فلا يملكون أمام دوي ِه ا إلا أن يولُّوا هاربين ، أو يعودوا مؤمنين: الله أكبر ، الله أكبر ، الله أك410.]) ذلك الصَّوت الَّذي كان يهمس يوماً ما تحت أسواط العذاب: أَحَد! أحَد! أحَد! هاهو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلاً: لا إله إلا الله ، محمَّدٌ رسولُ الله!؛ والكلُّ خاشعٌ مُنْصِتٌ خاضع 411.]) ثالثاً: إعلان العفو العام 1 نال أهل مكَّة عفواً عام اً برغم أنواع الأذى الَّتي ألحقوها بالرسول (ص) ودعوته ، ورغم قدرة الجيش الإسلامي ِ على إبادتهم ، وقد جاء إعلان العفو عنهم؛ وهم مجتمعون قرب الكعبة ، ينتظرون حكم الرَّسول (ص) فيهم ، فقال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟»فقالوا: خيراً ، أخٌ كريم ، وابن أخٍ كريم ، فقال: «لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر لكم!»[9/118) ، وفي الدلائل (5/58) ، وابن سعد2/141 142([])412.]) وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل ، أو السَّب ، وإبقاء الأموال المنقولة ، والأراضي بيد أصحابها ، وعدم فرض الخرا عليها ، فلم تُعامل مكَّة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عَن ْوَةً لقدسيَّتها ، وحرمتها؛ فإنََّّا دار النُّسك ، ومتعبَّد الخلق ، وحرم الرَّب ِ تعالى ، لذلك ذهب جمهور الأئمَّة من السَّلف ، والخلف إلى أنَّه لا يجوز بيع أراضي مكَّة ، ولا إجارة بيوتها ، فهي مناخٌ لمن سبق ، يسكن أهلها فيما حلتاجو ن إلى سكناه من دورها ، وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجَّا ، والمعتمرين ، والعبَّاد القاصدين. وذهب اخرون إلى جواز بيع أراضي مكَّة ، وإجارة بيوتها ، وأدلَّتهم قويَّةٌ في حين أنَّ أدلة المانعين مرسلةٌ ، وموقوفةٌ413.]) 2 إهدار النَّب ِ (ص) لبعض الد ِماء:
عدد الصفحات ١٠٢إلى جانب ذلك الصَّفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل الَّذي لابدَّ أن تتَّصف به القيادة الحكيمة الرَّشيدة ، ولذلك استثنى قرار العفو الشَّامل بضعة عشر رجلاً أمر بقتلهم وإن وجدوا متعل ِقين بأستار الكعبة ؛ لأنَّه عظمت جرائمُهم في حق ِ الله ورسوله ، وحق ِ ا لإسلام ، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين النَّاس بعد الفتح 414.]) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد جمََعْت أسماءهم مِنْ متفر ِقات الأخبار ، وهم: عبد العُزَّى بن خَطَل ، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ، وعِكْرِمَة بن أبي جهل ، والحويرث بن ن ُقَيْدٍ مصغراً ، ومِقْيَس بن صُبَابة ، وهَبَّار بن الأسود ، وقينتان لابن خطل «ف َرْت َنىَ ، وق ُرَي ْبَة »كانتا تغنيان بهجو النَّب (ص) ، وسارة مولاة بني عبد المطلب ، وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارثَ بن طُلاَطِل الخزاعيَّ ، وذكر الحاكم: أنَّ فيمن أُهْدِرَ دمه كعبَ بن زُهَيرٍْ ، ووحشيَّ بْنَ حَرْبٍ ، وَهِنْدَ بنتَ عُت ْبَة 415.]) وَمِنْ هؤلاء مَنْ قُتِل ، ومنهم مَنْ جاء مسلماً تائباً ، فعفا عنه الرَّسول (ص) ، وحسن إسلامُه416.]) 3 خطبةُ النَّب ِ (ص) غداة الفتح ، وإسلامُ أهل مكَّة وفي غداة الفتح بلغ النَّبَّ (ص) : أنَّ خزاعة حلفاءه عدت على رجلٍ من هذيلٍ ، فقتلوه ، وهو مشركٌ برجلٍ قتل في الجاهليَّة ، فغضب ، وقام بين النَّاس خطيباً ، فقال: «يا أيُّها النَّاس! إنَّ الله قد حرم مكَّة يوم خلق السَّموات ، والأرض ، فهي حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة ، فلا حللُّ لامرأٍى يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسفك فيها دماً ، ولا ي َعْضِدَ يقطع فيها شجراً ، لم تحَلَّ لأحدٍ كان قبلي ، ولا تحَِلُّ لأحدٍ يكون بعدي ، ولم تحَِلَّ لي إلا هذه السَّاعة غضباً على أهلها ، ثمَّ قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبل ِغ الشَّاهدُ منكم الغائب ، فمن قال لكم: إن رسول الله (ص) قد قاتل فيها ، فقولوا: إنَّ الله قد أحلَّها لرسوله ، ولم حلُِلَّها لكم» «يا معشر خزاعة! ارفعوا أيديكم عن القتل ، فلقد كثر القَتْلُ إنْ نفع ، لقد قتلتُم قتيلاً لأدِينَّه ، فمن قتل بعد مقامي هذا ، فأهله بخير النَّظرين ، إن شاؤوا فَدَمُ قاتله ، وإن شاؤوا ف َعَقْلُه »[ (4504) ، والترمذي1406) ، والبيهقي في الدلائل5/83 84([])417.]) كان من أثر عفو النَّب ِ (ص) الشَّامل عن أهل مكَّة ، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم أن دخل أهلُ مكَّة رجالاً ، ونساءً ، وأحراراً ، وموالي في دين الله طواعيةً ، واختياراً ، وبدخول مكَّة تحت راية
عدد الصفحات ١٠٣الإسلام دخل النَّاس في دين الله أفواجاً ، وتمَّت الن ِعمة ووجب الشُّكر418]) (ص) النَّاس جميعاً ، الر ِجالَ ، والن ِسَاءَ ، والكبارَ ، والص ِغار ، وبدأ بمبايعة الر ِجال ، فقد جلس لهم على الصَّفا ، فأخذ عليهم البيعة على الإسلام ، والسَّمع ، والطَّاعة لله ، ولرسوله فيما استطاعوا ، وجاء مجَُاشِعٌ بن مسع ود بأخيه مجالد بعد يوم الفتح ، فقال لرسول الله (ص) : جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة ، فقال (ص) : «ذهب أهل الهجرة بما فيها »فقال: على أي ِ شيءٍ تبايعه؟ قال: «أبايعه على الإسلام ، والإيمان ، والجهاد»[3/469) ، والبخاري 4305 و4306) ، ومسلم (1863.]) وقدروى البخاريُّ: أنَّ رسول الله (ص) قال يوم الفتح: «لا هجرةَ بعد الفتح ، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ ، وإذا است ُنْفِرْتم ، فانفروا»[1834) ، ومسلم1353]) مكَّة قد انتهت بفتح مكة ، فقد عزَّ الإسلامُ ، وثبتت أركانُه ودعائمهُ ، ودخل النَّاس فيه أفواجاً ، أمَّا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، أو من بلدٍ لا ي َقْدِرُ أن يقيم فيه دينَه ، ويظهر شعائرَه إلى بلدٍ يتمكَّن فيه من ذلك ، فهي باقيةٌ إلى يوم القيامة ، ولكن هذه دون تلك ، فقد تكون واجبةً ، وقد تكون غير واجبةٍ ، كما أنَّ الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروعٌ وباقٍ إلى يوم القيامة ، ولكنَّه ليس كالإنفاق ، ولا الجهاد قبل فتح مكَّة. قال عزَّ شأنه 419{ :]) مِنْكُمْ مَنْ أَن ْفَقَ مِنْ ق َبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَن ْفَقُوا مِنْ ب َعْدُ وَقَات َ لُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللََُّّ الحُْسْنىَ وَاللََُّّ بمَِا ت َعْمَلُونَ خَبِيرٌ [10.] ولما فرغ رسول الله (ص) من بيعة الر ِجال؛ بايع الن ِساء وفيهنَّ هِنْدُ بنتُ عُت ْبَةَ متنك ِرةً ، خوفاً من رسول الله (ص) أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة على ألاَّ يشركن بالله شيئاً ، ولا يَسْرِقْنَ ، ولا ي َزْنِينَْ ، ولا يقتلن أولادهنَّ ، ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهنَّ ، وأرجلهنَّ ، ولا ي عصين في معروفٍ ، ولما قال النَّبُّ (ص) : «ولا يَسْرِقْنَ»قالت هند: يا رسول الله ، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني ما يكفيني ، ويكفي بنيَّ ، فهل عليَّ مِنْ حر ٍ إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال لها (ص) : «خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف»، ولما قال: «ولا يزن »قالت هند: وهل تزني الحرَّة؟! ولمَّا عرفها رسولُ (ص) قال لها: «وإنك لهند بنت عُت ْبَة؟»قالت: نعم ، فاعف عمَّا سلف عفا الله عنك
عدد الصفحات ١٠٤وقد بايعن رسول الله (ص) من غير مصافحةٍ ، فقد كان لا يصافح الن ِساء ، ولا يمََسُّ يد امرأةٍ إلا امرأةً أحلَّها الله له ، أو ذات محرمٍ منه ، وفي الصَّحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنََّّا قالت: لا والله! ما مسَّت يد رسول الله يد امرأةٍ قط5288) ، ومسلم1866]) روايةٍ: ما كان يبايعهنَّ إلا كلاماً ، ويقول«إنمَّا قولي لامرأةٍ واحدةٍ كقولي لمئة امرأةٍ[»420.]) رابعاً: ب َعْثُ خالدِ بن الوليد إلى بني جَذِيمَْةَ بعث رسول الله (ص) خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمَْةَ داعياً إلى الإسلام ، وكان ذلك في شهر شوَّال من السَّنة الثَّامنة للهجرة421])المهاجرين ، كان تعدادُهم حوالي ثلاثمئ ةٍ وخمسين رجلاً ، فلمَّا رأى بنو جَذِيمَْةَ الجيش بقيادة خالدٍ ، أخذوا الس ِلاح ، فقال لهم خالدٌ: ضعوا الس ِلاح فإنَّ النَّاس قد أسلموا ، فقام رجلٌ منهم يسمَّى جحدراً ، فقال: ويلكم يا بني جَذِيمَْةَ! إنَّه خالد؛ والله! ما بعد وضع الس ِلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ، والله! لا أضع سلاحي أبداً ، فلم يزالوا به حتََّّ وضع سلاحه ، فلمَّا وضع الس ِلاح أمر بهم خالد فكُ ت ِ فُوا ، فدعاهم إلى الإسلام ، فلم حلسنوا أن يقولوا: أسلمنا ، فجعلوا يقولون: صبأنا ، صبأنا ، وخالد يأخذ فيهم أسراً ، وقتلاً ، فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك ، ثم دفع الأسرى إلى من كان معه ، حتَّ إذا أصبح يوماً أمر خالدٌ أن يقتل كلُّ واحد أسيره ، فامتثل البعض ، وامتنع عبد الله بن عمر ، وامتنع معه اخرون من ق َتْلِ أسراهم ، فلمَّا قَدِموا على رسول الله (ص ) ، أخبروه، فغضب ، ورفع يديه إلى السَّماء قائلاً: اللَّهُمْ إني ِ أَب ْرَأُ إليك ممَّا صنع خالدٌ 2/150 151)، والبخاري (4339)، والنسائي8/237)، وابن سعد2/147 148([])422.]) ودار كلام بين خالدٍ ، وعبد الرحمن بن عوف حول هذا الموضوع حتََّّ كان بينه م شرٌّ ، فقد خشي ابن عوف أن يكون ما صدر عن خالدٍ ثأراً لعم ِه الفاكه بن المغيرة الَّذي قتله جَذِيمَْةُ في الجاهليَّة ، ولعلَّ هذا الذي وقع بينهم هو ما أشار إليه الحديث المرويُّ عند مسلمٍ، وغيره: كان بين ابن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيءٌ ، فسبَّه خالدٌ ، فقال رسول الله (ص) : «لا تسبوا أحداً من أصحابي ، فإنَّ أحدكم لو أنفق مثل أُحُد ذهباً؛ ما أدرك مُدَّ أحدهم ، ولا نصيفه »[3673) ، ومسلم (2541([])423.]) وبعث رسولُ الله (ص) علي اً ، فودى لهم قتلاهم ، وزادهم فيها تطييباً لنفوسهم ، وبراءةً من دمائه م424])
عدد الصفحات ١٠٥نفوسه م مِنْ أسى ، وحزن425]) بدليل أنَّ الرَّسول (ص) لم يعاقبه على فعله426.]) خامساً: هدم بيوت الأوثان: بعد أن طُه ِرَ البيتُ الحرامُ من الأوثان الَّتي كانت فيه ، كان لابدَّ من هدم البيوت الَّتي أقيمت للأوثان ، فكانت معالم للجاهليَّة ردحاً طويلاً من الزَّمن 427]) الجزيرة؛ منها 1 سرية خالد بن الوليد إ العزَّى: توجَّهت سريةٌ قوَّتها ثلاثون فارساً ، بقيادة خالد بن الوليد إلى الطَّاغوت الأعظم منزلةً ، ومكانةً عند قريش وسائر العرب (العُزَّى) لإزالته من الوجود نَّائي اً ، وعندما وصلت السَّرِيَّة إلى العزَّى بمنطقة نخلة قام إليها خالدٌ: فقطع السَّمُرَاتِ ، وهد م البيت الَّذي كان عليه428]) كفرانك لا سبحانك إني ِ رأيتُ الله قد أهانك [3811) ، ومجمع الزوائد6/176([])429.]) ثمَّ رجع خالدٌ وأصحابه إلى رسول الله (ص) وقدَّم تقريره بإنجاز المهمَّة ، ولكنَّ النب (ص) استدرك على قائد السَّرِيَّة ، وقال له: «هل رأيت شيئاً؟ »قال430])«ارجع فإنَّك لم تصنع شيئاً [»431]) إليها ، ونظرت السَّدنة إليه ، عرفوا: أنَّه جاء هذه المرَّة ليكمل ما فاته في المرَّة السَّابقة ، فهربوا إلى الجبل ، وهم يصيحون: يا عزَّى خَب ِليه ، يا عزَّى عو ِريه ، فأتاه خالد ، فإذا امرأةٌ عُرْيانةٌ ناشرةٌ شعرها تحثو الترُّاب على رأسها ، فتقدَّم إليها خالدٌ رضي الله عنه بشجاعته المعروفة ، وضربها بالسَّيف حتََّّ قتلها ، ثمَّ رجع إلى رسول الله (ص) فأخبره بذلك ، فقال: «تلك هي العزَّى»[902) ، والبيهقي في الدلائل (5/77) ، ومجمع الزوائد6/176([])432.]) 2 سرية سعد بن زيدٍ الأشهليُّ إلى مَناة مناة اسم صَنَمٍ كانت على ساحل البحر الأحمر ممَّا يلي قديداً 433])رَف بالمُشَلَّل434]) الجاهليَّة ، ويهلُّون منها للحج ِ ، وقد بلغ من تعظيمهم إياَّها: أنََّّم كانوا لا يطوفون بين الصَّفا والمروة تحرُّجاً ، وتعظيماً لها ، حيث كان ذلك سُنَّةً في ا بائهم ، مَنْ أحرم لمناة لمَْ يطُفْ بين الصَّفا
عدد الصفحات ١٠٦والمروة435]) فأنزل الله تعالى هذه الاية 436])حَجَّ الْب َيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهِِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَي ْرًا فَإِنَّ اللَََّّ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [158.] وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الش ِرك في الجزيرة العربيَّة ، ومبتدع الأوثان ، محر ِف الحنيفيَّة دين إبر اهيم عليه السلام عمرُو بن لحي الخُزاعي437]) الله (ص) إلى مناة رجلاً من أهلها سابقاً الَّذين كانوا يعظ ِمونَّا في الجاهليَّة ، وهو سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه على رأس سِريَّةٍ قوَّتها عشرون فارساً ، وكا ن واجب السَّرِيَّة هو إزالة مناة من الوجود نَّائي اً(3.) انطلق زيدٌ ومن معه في مسيرٍ اقترابي ٍ سريعٍ لإنجاز المهمَّة المحدَّدة ، حتََّّ وصل إليها ، فقابله سادنَّا متسائلاً: ما تريد؟ قال: هدم مَناة ، قال: أنت وذاك ، فأقبل سعد يمشي إليها ، وتخر إليه امرأةٌ عُرْ ياَنةٌ سوداء ثائرة الرَّأس تدعو بالوَيْل ، وتضرب صَدْرها438]) دُونَك بعضَ عُصَاتك4)، ولكن صيحته ذهبت أدرا الر ِياح ، فلم يأبه سعدٌ رضي الله عنه بكل ِ ذلك ، وضربها ضربةً قاتلةً قضت عليها ، ثمَّ أقبل مع أصحابه على الصَّنم (فهدموه ، ولم يجدوا في خزانتها شيئاً ، وانصرف راجعاً إلى رسول الله (ص439.]) 3 سرية عمرو بن العاص إلى سواع قال تعالى مخبراً عن قوم نوحقَ وَنَسْ رًا }*[23.] وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنمٍ كان لقوم نوحٍ عليه السَّلام ، ثمَّ صار بعد ذلك لقبيلة هُذَيْلٍ المضريَّة 440]) إليه441])يلٌ فيمن دخل في دين الله أفواجاً ، فبعث رسول (ص) سريةً بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه لتحطيم سواع ، وحلد ِثنا قائد السَّريَّة عن مهمَّته ، فيقول: «فانتهيت إليه ، وعنده السَّادن ، فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله (ص) أن أهدمَه ، قال: لا تقدر على ذلك ، قلتُ: لمَِ؟ قالت: تمُْنَعُ ، قلت: حتََّّ الان أنت في الباطل ، وحلك! هل يسمع ، أو يبصر؟! قال: فدنوت منه فكسرتُه ، وأمرت أصحابي ، فهدموا بيت خزانته ، فلم يجدوا شيئاً ، ثمَّ قلت للسَّادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمتُ442.])
عدد الصفحات ١٠٧ونستفيد من حركة السَّرايا ال أرسلها رسولُ الله (ص) للقضاء على الأصنام ، والأوثان: أنَّه لا يجوز إبقاء مواضع الش ِرك ، والطَّواغيت بعد القدرة على هدمها ، وإبطالها يوماً واحداً ، فإنََّّا شعائر الكفر ، والش ِرك ، وهي أعظمُ المنكرات ، فلا يجوز الإقرارُ عليها مع القدرة ألبتَّة. وهذا حكمُ المشَاهدِ الَّتي بُنيت على القبُور الَّتي اتخذت أوثاناً ، وطواغيت ت ُعْبَد من دون الله ، والأحجار الَّتي تُقصد للتَّعظيم ، والتَّبرُّك ، والنَّذر ، والتَّقبيل ، لا يجوز إبقاء شيءٍ منها على وجه الأرض عند القدرة على إزالتها ، وكثيرٌ منها بمنزلة اللاَّت ، والعزَّى ، ومناة الثَّالثة الأخرى ، أو أعظم شركاً عندها ، وبها443.]) * * * المبحث الثَّالث دروس وعبر وفوائد أولاً: تفسير سورة النَّصر ، وكونَُّا علامةً على أجَل رسولِ الله (ص): قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله (ص) يكثر من قوله: «سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله ، وأتوب إليه»قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر مِنْ قول «سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله ، وأتوب إليه!»فقال: خبرَّني ربي ِ أني ِ سأرى علامةً في أمَّتي فإذا رأيتُ ها أكثرت من قول: «سبحان وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه»فقد رأيتُها دِينِ اللََِّّ أَف ْوَاجًا *فَسَب ِحْ بحَِمْدِ رَب ِكَ وَاسْت َغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ ت َوَّاباً [ 1 3 .»][ (484/220.])
عدد الصفحات ١٠٨قال القرطبُّ: وذلك لمَّا فُتِحتْ مكَّةُ؛ قالت العرب: أما إذا ظَفِر محمَّد بأهل الحرم ، وقد كان أجارهم من أصحاب الفيل ، فليس لكم به يدان (أي: طاقة) فكانوا يُسْلمون أفواجاً: أمَّةً أمَّةً444])ا بماءِ ممر ِ النَّاس وكان يمرُّ بنا الرُّكبان ، فنسألهم: ما للنَّاس؟ ما للنَّاس؟ ما هذا الرَّجل؟ فيقولون: يزعم أنَّ الله أرسله ، أُوحي إليه ، أو: أوحى الله بكذا ، فكنت أحفظ ذاك الكلام ، وكأنمَّا يَقِرُّ في صدري ، وكانت العرب ت َلَوَّمُ بإسلامهم الفتح ، في قولون: اتركوه وقومه ، فإنَّه إن ظهر عليهم؛ فهو نبٌّ صادق؛ فلمَّا كانت وقعة أهل مكَّة؛ بادر كلُّ قوم بإسلامهم. وهذه السُّورة تسمَّى سورة التَّوديع: حيث جاءت مخبرةً بقرب أجل المصطفى (ص445]) ابن عباسٍ ، قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ ، فكأنَّ بع ضهم وجد في نفسه ، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله؟! ، فقال عمر: إنَّه ممَّن قد علمتم. فدعاني ذات يومٍ ، فأدخلني معهم ، فما رأيت أنَّه دعاني يومئذ إلا ليريهم مني ِ! قال: ما تقولون في قوله تعالى: حتََّّ ختم السُّورة؟ فق ال بعضُهم: أُمِرْنا أن نحمَدذَا جَاءَ نَصْرُ اللََِّّ وَالْفَتْحُ نصرنا ، وفتح علينا ، وسكت بعضُهم ، فلم يقل شيئاً ، فقال لي: أكذاك تقول ياَ بْنَ عباسٍ؟! فقلت: لا ، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله (ص) ، أعلمه له ، قال }* وذلك علامة أجلك فقال عمر تقول4394.]) ويقول سي ِد قطب في بيان بعض ما يستفاد من هذه السُّورة: في مطلع السُّورة إحلاءٌ معينٌَّ لإنشاء تصوُّرٍ خاص ٍ عن حقيقة ما يجرى في هذه الكون من أحداثٍ ، وما يقع في هذه الحياة من حوادثَ ، وعن دور الرَّسول (ص) ، ودور المؤمنين في هذه الدَّعوة ، وحد ِهم الَّذي ينتهون إليه في هذا الأمر.... هذا الإحلاء يتمثَّل في قوله: فهو نصرٌ يجيء به الله في الوقت المناسب الَّذي يقد ِره في الصُّورة ال نَصْرُ اللََِّّ وَالْفَتْحُ هذا النَّصر يدٌ ، وليس لأصحابه فيه كسبٌ ، وليس لذواتهم منه نصيبٌ ، وليس لنفوسهم منه حظٌّ ، إنمَّا هو أمر الله حلق ِ قه بهم ، أو بدونَّم ، وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم ، وأن يقيمهم عليه حُرَّاساً ، ويجعلهم عليه أمناء ، هذا هو كلُّ حظ ِهم من النَّصر ، والفتح ، ومن دخول النَّاس في دين الله أفواجاً446.])
عدد الصفحات ١٠٩وهذا معنىً إيمانيٌّ عميقٌ ، حرص القران على تثبيته في نفوس ا ؤمنين ، ألا وهو: أنَّ التَّمكين بيد الله تعالى ، فهو الَّذي يختار الزَّمان ، والمكان ، والأشخاص الَّذين يريد أن يجُِريَ على أيديهم نصره ، وفتحه سبحانه وتعالى ، وهو كرمٌ وفضلٌ من الله محضٌ خصَّ به الصَّادقين مِنْ عباده. ثانياً: مواقفُ دعويَّةٌ وقدرةٌ ر فيعةٌ في التَّعامل مع النُّفوس: 1 إسلام سهيل بن عمرو قال سهيل بن عمرو: لمَّا دخل رسول الله (ص) مكَّة ، وظهر ، انقحمت447]) بابي ، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل: أن اطْلُبْ لي جواراً من محمَّدٍ ، وإني ِ لا امن مِنْ أن أُقتل ، وجعلت أتذكَّر أثري عند محمَّدٍ ، وأصحابه ، فليس أحدٌ أسوأ أثراً مني ِ ، وأني ِ لقيتُ رسولَ الله (ص) يوم الحديبية بما لم يلحقه أحدٌ ، وكنت الذي كاتبتُه ، مع حضوري بدراً ، وأحداً ، وكلَّما تحرَّكتْ قريشٌ؛ كنت فيها ، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله! تؤم ِنه؟ فقال: «نعم ، هو امنٌ بأمان الله ، فليظهر!»ثمَّ قال رسول الله (ص) لمن حوله«من لقي سهيل بن عمرو فلا يشدَّ النَّظر إليه ، فليخر فلعمري! إنَّ سهيلاً له عقلٌ ، وشرفٌ ، وما مثل سهيل جهل الإسلام ، ولقد رأى ما كان يُوضع فيه: أنَّه لم يكن له بنافع!»فخر عبد الله إلى أبيه ، فقال سُهيل: كان والله ب َر اً ، صغيراً ، وكبيراً! فكان سهيل يقبل ، ويدبر ، وخر إلى حنين مع النَّب ِ (ص) وهو على شركه حتََّّ أسلم بالجِعِرَّانة 3/281([])448.]) لقد كانت لهذه الكلمات الترَّبويَّة الأثر الكبير على س هيل بن عمروٍ؛ حيث أثنى على رسول الله (ص) بالبر ِ طوال عمره ، ثمَّ دخل في الإسلام بعد ذلك ، وقد حسُن إسلامه ، وكان مكثراً من الأعمال الصَّالحة449]) بجماعته إلى الشَّام مجاهداً ، ويقال: إنَّه صام ، وتهجَّد حتَّ شحب لونُه ، وتغيرَّ ، وكان كثير البُكاء إذا سمع القران ، وكان أميراً على كُرْدُوسَةٍ450])451.]) 2 إسلام صفوان بن أميَّة قال عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه: ... وأمَّا صفوان بن أميَّة فهرب حتََّّ أتى ال شُّعَيبة452]) وجعل يقول لغلامه يسار وليس معه غيره : وحلك! انظر مَنْ ترى ، قال: هذا عُمَيرُ بن وهبٍ ، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي! قد ظاهر محمداً عليَّ. فلحقه فقال: يا عُمَي ْرَ! ما كفاك ما صنعت بي؟ حمَّلتني دَي ْنَك وعيالك ، ثمَّ جئت تريد قتلي! قال: أبا وهب جُعلتُ فداك!
عدد الصفحات ١١٠جئتك من عند أبر ِ النَّاس ، وأوصل النَّاس ، وقد كان عُمير قال لرسول الله (ص) : يا رسول الله! سي ِد قومي خر هارباً ليقذف نفسه في البحر ، وخاف ألا تُؤم ِنه فداك أبي ، وأمي! قال رسول الله (ص) : «قد أمنته»فخرأثره ، فقال: إنَّ رسول الله (ص) قد أمَّنك. فقال صفوان: لا والله! لا أرجع معك حتََّّ تأتيني بعلامةٍ أعرفها ، فرجع إلى رسول الله (ص) ، فقال: يا رسول الله! جئت صفوان هارباً يريد أن يقتل نفسه ، فأخبرته بما أمَّن ْتَه فقال: لا أرجع حتََّّ تأتي بعلامةٍ أعرفها ، فقا ل رسول الله (ص) « :خذ عمام» قال: فرجع عمير إليه بها ، وهو الب ُرْدُ الَّذي دخل فيه رسول الله (ص) يومئذٍ مُعتجراً453]) حَبرِة 454]) النَّاس ، وأوصل النَّاس ، وأبر ِ الناس ، وأحلم النَّاس ، مجَْده مجَْدُك ، وعزُّه عزُّك ، ومُلكُه مُلكُك ، ابن أم ِك وأبيك ، اذكرِ الله في نفسك. قال له: أخاف أن أُقتل ، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام ، فإن رضيت وإلا سيرَّك شهرين ، فهو أوفَ النَّاس ، وأبرُّهم ، وقد بعث إليك ببرده الَّ ذي دخل فيه معتجراً ، تعرفه؟ قال: نعم ، فأخرجه ، فقال: نعم ، هو هو! فرجع صفوان حتَّ انتهى إلى رسول الله ، ورسول الله (ص) يُصل ِي بالمسلمين العصر بالمسجد ، فوقفا. فقال صفوان: كم تُصَلُّون في اليوم واللَّيلة؟ قال: خمس صلوات ، قال: يُصل ِي بهم محمَّد؟ قال: نعم. فلمَّا سلَّم؛ صاح صفوان: يا محمد! إنَّ عمير بن وهب جاءني ببردك ، وزعم: أنَّك دعوتني إلى القدوم عليك ، فإن رضيت أمراً ، وإلاَّ سيرتني شهرين. قال: انزل أبا وهب. قال: لا والله! حتَّ تبين ِ لي ، قال: بل تُسيرَّ أربعة أشهر ، فنزل صفوان 5/46) ، وابن هشام (4/60.]) وخر رسول الله (ص) قِبَلَ هوازن ، وخر معه صفوان ، وهو كافرٌ ، وأرسل إليه يستعيره سلاحه ، فأعاره سلاحه مئة درعٍ بأداتها ، فقال: طوعاً ، أو كرهاً؟ قال رسول الله (ص) : «عاريةٌ مُؤَدَّاةٌ»[ (3/401 و6/465) ، وأبو داود3562) ، وااكم (3/49) ، والبيهقي في الكبرى6/89]) فأعاره ، فأمره رسول الله (ص) فحملها إلى حنين ، فشهد حنُيناً ، والطَّائف ، ثمَّ رجع رسول الله (ص إلى الجِعِرَّانة ، فبينما رسول الله (ص) يسير في الغنائم ينظر إليها ، ومعه صفوان بن أميَّة؛ جعل صفوان ينظر إلى شعْبٍ مُلأِى ن َعَماً ، وشاءً ، ورِعَاءً ، فأدام إليه النَّظر ورسول الله (ص) يرمقُه فقال: «أ وهب ، يعجِبُك هذا الش ِعب؟ »قال: نعم ، قال«هو لك وما فيه»فقال صفوان عند ذلك: ما
عدد الصفحات ١١١طابت نفسُ أحدٍ بمثل هذا إلا نفسُ نب ٍ ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّداً عب دُه ورسولُه ، وأسلم مكانه2/853 855) ، وكنز العمال 30170.]) ونلاحظ في هذا الخبر أنَّ النَّبَّ (ص) حاول أن يتألَّف صفوان بن أميَّة إلى الإسلام حتََّّ أسلم ، وذلك بإعطائه الأمان ، ثمَّ بتخييره في الأمر أربعة أشهر ، ثمَّ بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لا تصدر من إنسانٍ عادي ٍ ، فأعطاه أولاً مئةً من الإبل مع عددٍ من زعماء مكَّة ، ثمَّ أعطاه ما في أحد الش ِعاب من الإبل ، والغنم ، فقال: ما طابت نفس أحدٍ بهذا إلا نفس نب ٍ ، ثمَّ أسلم مكانه 455]) وصف لنا صفوان بن أميَّة عطاء النَّب ِ (ص) فقال: والله! لقد أعطاني رسول الله (ص) ما أعطاني ، وإنَّه لأبغض النَّاس إليَّ ، فما برح يعطيني حتََّّ إنَّه لأحبُّ النَّاس إ 2313.]) 3 إسلام عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ قال عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه: قالت أمُّ حكيمٍ امرأة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنها: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلى اليمن ، وخاف أن تقتله؛ فأَم ِنْهُ! فقال رسول الله (ص) : «هو امن»فخرجت أمُّ حكيمٍ في طلبه ، ومعها غلامٌ لها روميٌّ ، فراودها عن نفسها ، فجعلت تمَُن ِيه ح قدمت على حَي ٍ مِنْ عَك ٍ 456])اثتهم عليه ، فأوثقوه رباطاً ، وأدركت عكرمةَ وقد انتهى إلى ساحلٍ من سواحلِ تهامة ، فركب البحر ، فجعل نُوتيُّ السَّفينة يقول له: أخلص! فقال: أيُّ شيءٍ أقول: قال: قل: لا إله إلا الله ، قال عكرمة: ما هربت إلا مِنْ هذا ، فجاءت أمُّ حكيم على هذا الكلام ، فجعلت تلحُّ عليه ، وتقول: يا بن عم! جئتك من عند أوصل النَّاس ، وأبر ِ النَّاس، وخير النَّاس، لا تهُلِكْ ن َفْسَكَ! فوقف لها حتََّّ أدركته ، فقالت: إني ِ قد استأمنت لك محمَّداً رسول الله (ص) ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم ، أنا كلَّمتُه ، فأمَّنك ، فرجع معها وقال: ما لقيت من غلامك الرُّومي ِ؟ فخبرَّته خبره ، فقتله عكرمةُ ، وهو يومئذٍ لم يُسلم ، فلمَّا دنا من مكَّة؛ قال رسول الله (ص) لأصحابه: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً ، فلا تَسُبُّوا أباه ، فإنَّ سبَّ المي ِت يؤذي الحيَّ ، ولا يبلغ المي ِت» قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يجُامعها ، فتأبى عليه ، وتقول: إنَّك كافرٌ ، وأنا مسلمةٌ ، فيقول: إنَّ أمراً منعك مني ِ لأمرٌ كبير ، فلمَّا رأى النَّبُّ (ص) عكرمة؛ وثب إليه وما على النَّب ِ (ص) رداءٌ فرحاً بعكرمة ، ثمَّ جلس رسولُ الله (ص) فوقف بين يديه ، وزوجتُه مُتنقبةٌ ، فقال: يا محمد! إن هذه أخبرتني أنَّك أمَّنتني.
عدد الصفحات ١١٢فقال رسول الله (ص «صَدَقَتْ، فأنت امن »فقال عكرمة: فإلامَ تدعو يا محمد؟! قال«أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني ِ رسول الله ، وأن تقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة ، وتفعل ، وتفعل »، ح عدَّ خصال الإسلام. فقال عكرمة: والله! ما دعوتَ إلا إلى الحق ِ ، وأمرٍ حسنٍ جميلٍ ، قد كنت والله! فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه ، وأنت أصدقُنا حديثاً، وأبرُّنا بِر اً! ثمَّ قال عكرمة: فإني ِ أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، فسُرَّ بذل ك رسولُ الله (ص) ، ثمَّ قال: يا رسول الله! عل ِمني خيرَ شيءٍ أقوله. قال: «تقول أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمَّداً عبده ورسوله»قال عكرمة ثمَّ ماذا؟ قال رسول الله (ص) : «تقول: أُشْهِدُ الله وأُشْهد مَنْ حضر أني ِ مسلمٌ مهاجرٌ ، ومجاهدٌ » فقال عكرمة ذلك . فقال رسول الله (ص) : «لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتُكَه»فقال عكرمة: فإني ِ أسألك أن تستغفر لي كلَّ عداوةٍ عاديتُكها ، أو مسيرٍ وُضعتُ فيه ، أو مقام لقيتُك فيه ، أو كلام قلتُه في وجهك ، أو وأنت غائبٌ عنه ، فقال رسول الله (ص) : «اللَّهماغفر له كلَّ عداوةٍ عادانيها ، وكلَّ مسير سار فيه إلى موضعٍ يريد بذلك المسير إطفاء نورك ، فاغفر له ما نال مني ِ مِنْ عرضٍ في وجهي ، أو أنا غائبٌ عنه! »فقال عكرمة: رضيتُ يا رسول الله! لا أدع نفقةً كنت أنفقُها في صد ٍ عن سبيل إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالاً كنتُ أقاتل في صد ٍ عن سبيل الله إلا أبليتُ ضعفه في سبيل الله ، ثمَّ اجتهد في القتال حتََّّ قتل شهيداً 457.]) وبعد أن أسلم رد رسول الله (ص) امرأته له بذلك النكاح الأول 4/61([])458.]) كان سلوك النَّب ِ (ص) في تعامله مع عكرمة لطيفاً حانياً ، يكفي وحدَه لاجتذابه إلى الإسلام ، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه ، وابتسم له ، ورحَّب به ، وفي روايةٍ: قال له: «مرحباً بالر اكب المهاجر» [2735) ، والطبراني في الكب7/373 374) ، ومجمع الزوائد9/385.]) فتأثَّر عكرمة من ذلك الموقف ، فاهتزَّت مشاعره ، وتحرَّكت أحاسيسه ، فأسلم ، كما كان لموقف أم ِ حكيم بنت الحارث بن هشام أثرٌ في إسلام زوجها ، فقد أخذت له الأمان من رسول الله (ص) ، وغامرت بنفسها تبحث عنه لعلَّ الله يهديه إلى الإسلام كما هداها إليه ، وعندما أرادها زوجها ، امتنعت عنه ، وعلَّلت ذلك بأنَّه كافرٌ وهي مسلمةٌ ، فعظم الإسلام في عينه وأدرك أنَّه أمام دين عظيمٍ ، وهكذا خطت أم حكيم في فكر عكرمة بداية التَّفكير في الإسلام ، ثمَّ ت ُو ِ بإسلامه بين يدي رسول الله (ص) ، وكان صادقاً في إسلامه ، فلم يطلب من رسول الله (ص) دنيا؛ وإنمَّا سأله أن يغفر الله
عدد الصفحات ١١٣